١١٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ, عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِىِّ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ, ثُمَّ انْصَرَفَ وَانْجَلَتْ فَقَالَ: «إِنَّمَا هَذِهِ الآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا, فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ». [ن ١٤٨٦، حم ٢/ ٣٢٩، ق ٣/ ٣٣٤، ك ١/ ٣٣٣]
===
والزهري قد انفرد بالجهر، وهو وإن كان حافظًا فالعدد أولى بالحفظ من واحد، قاله الشوكاني (١).
١١٨٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب) بن خالد، (نا أيوب) السختياني، (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي، (عن قبيصة الهلالي) (٢) هو قبيصة بن المخارق بن عبد الله الهلالي صحابي، نزل البصرة، وفد إلى النبي ﷺ ، كنيته أبو بشر فيما ذكره ابن عبد البر (قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فخرج فزعًا يجر ثوبه وأنا معه) أي رسول الله ﷺ (يومئذ بالمدينة، فصلَّى) رسول الله ﷺ (ركعتين فأطال فيهما القيام ثم انصرف) عن الصلاة (وانجلت) الشمس.
(فقال) رسول الله ﷺ : (إنما هذه الآيات) أي الكسوف والخسوف (يخوت الله بها) عباده، (فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث (٣) صلاة صليتموها من المكتوبة) وأحدث صلاة صليت قبلها من المكتوبة هي صلاة الفجر, لأن صلاة الكسوف صليت ضحى.
стр. 3012
١١٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ, عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ, أَنَّ قَبِيصَةَ الْهِلَالِىَّ حَدَّثَهُ: أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ, بِمَعْنَى حَدِيثِ مُوسَى, قَالَ: حَتَّى بَدَتِ النُّجُومُ. [انظر تخريج الحديث السابق]
===
١١٨٦ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) الدورقي، (نا ريحان بن سعيد) بن المثنى، السامي بالمهملة، الناجي بالنون والجيم، أبو عصمة البصري، قال في "التقريب": صدوق، وقال في "تهذيب التهذيب": قال يحيى بن معين: ما أرى به بأسًا، وقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به، يُكتبُ حديثه ولا يحتج به، قال الآجري: سألت أبا داود عنه فكأنه لم يرضه، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وضعفه ابن القانع، وقال العجلي: منكر الحديث، وقال: حديث ريحان عن عباد عن أيوب عن أبي قلابة مناكير.
(نا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن هلال بن عامر) وقيل: ابن عمرو، بصري، روى عن قبيصة بن مخارق في صلاة الكسوف، وعنه أبو قلابة الجرمي، قال الذهبي في "الميزان" (١): لا يعرف، وقد ذكره ابن منده في "الصحابة"؛ لأن الحديث وقع له مرسلًا، ليس فيه ذكر قبيصة، لكنه قال: لهلال رؤية (أن قبيصة الهلالي حدثه: أن الشمس كسفت) فساق أحمد بن إبراهيم حديثه (بمعنى حديث موسى) بن إسماعيل، (قال: حتى بدت النجوم) أي: كسفت الشمس، واسودت حتى ظهرت النجوم.
قال الحاكم بعد ما أورد في "مستدركه" (٢) حديث وهيب: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما عللاه بحديث ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن هلال بن عامر عن قبيصة، وحديث يرويه موسى بن إسماعيل عن وهيب، لا يعلله حديث ريحان وعباد، انتهى.
стр. 3013
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: ولعل وجهه أن حديث ريحان بن سعيد لا يساوي في القوة حديث وهيب، فما في حديث وهيب هو الصواب، والذي في حديث ريحان من زيادة هلال بن عامر بين أبي قلابة وقبيصة وهم، وقد تأيد ذلك بما رواه الطحاوي (١): حدثنا أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز قال: ثنا محمد بن بشار قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن قبيصة البجلي قال: انكسفت الشمس، الحديث.
وهذه الأحاديث الثلاثة أيضًا تدل على ما ذهب إليه الإِمام أبو حنيفة ومن معه في عدم تعدد الركوع في الركعة.
قلت: قد ذكرنا أن أكثر الأحاديث التي وردت في هذ الباب لا مناسبة لها بالباب، ويمكن أن يوجه الأحاديث كلها بما يناسب الباب، فيقال: إن الحديث الأول عن جابر الذي ذكر فيه ست ركوعات مناسب بالباب بأن ست ركوعات تشمل على أربع ركوعات أيضًا، أو يقال: إن الحديث الثاني في الباب عن جابر فيه: أربع ركوعات، فلعل ذكر الزائد في الأول محمول على الوهم من الراوي، وكذلك حديث أبي بن كعب الذي فيه ذكر عشر ركوعات له مناسبة بالباب بأنه يشمل على الأربع أيضًا، فإن من ركع عشر ركوعات ركع أربع ركوعات.
وأما حديث سمرة بن جندب الذي فيه ذكر ركوعين فيقال: إنه ذكر ركوع في ركعة لا يدل على نفي الزائد، فكان ذكر الركوع الثاني حذف فيه كما حذفت السجدة الثانية في ذكر السجدة.
وأما حديث قبيصة الهلالي فمعنى قوله: "فصلى ركعتين" أي ركوعين في ركعة، فصار أربع ركوعات في ركعتين، وأما قوله في الحديث: "فصلوا كأحدث صلاة" فالتشبيه فيه محمول على بعض الصفات لا على جميعها، والله تعالى أعلم.
стр. 3014
(٢٦٤) بَابُ الْقِرَاءَةِ في صَلَاةِ الْكُسُوفِ (١)
١١٨٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ, حَدَّثَنَا عَمِّى, حَدَّثَنَا أَبِى, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, حَدَّثَنِى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ, عن سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ, كُلُّهُمْ قَدْ (٢) حَدَّثَنِى عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ
===
(٢٦٤) (بَابُ القِرَاءَةِ في صَلَاةِ الْكسوفِ)
١١٨٧ - (حدثنا عبيد الله بن سعد) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو الفضل البغدادي، روى عنه البخاري ستة أحاديث، وثقه الدارقطني والخطيب، (نا عمي) يعقوب بن إبراهيم بن سعد، (نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن محمد بن إسحاق) صاحب المغازي، (حدثني هشام بن عروة وعبد الله بن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار) عطف على هشام بن عروة، أي حدثني هشام بن عروة عن عروة، وعبد الله بن أبي سلمة عن سليمان بن يسار عن عروة.
(كلهم) وفي رواية الحاكم في "المستدرك" "كل" بغير ضمير وهو أولى، وهذا قول ابن إسحاق يقول: كل واحد من هشام بن عروة، وعبد الله بن أبي سلمة يرويان عن عروة، فأما هشام فيروي عن عروة بغير واسطة، وأما عبد الله بن أبي سلمة فيروي عن عروة بواسطة سليمان بن يسار.
(قد حدثني عن عروة عن عائشة) وهذا أقرب الاحتمالات في معنى هذا السند، ويحتمل أن يقال في معنى هذا السند: أن محمد بن إسحاق يقول: حدثني هشام بن عروة وعبد الله بن أبي سلمة كلاهما عن سليمان بن يسار، وكل واحد من هشام بن عروة وعبد الله بن أبي سلمة يحدثان عن سليمان بن يسار عن عروة عن عائشة.
стр. 3015
قَالَتْ: "كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَصَلَّى بِالنَّاسِ, فَقَامَ فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ, فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ (١) الْبَقَرَةِ, وَسَاقَ الْحَدِيثَ, ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ, فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ بِسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ". [ق ٣/ ٣٣٥، ك ١/ ٣٣٣]
===
ولكن يتعقب هذا بأن هشام بن عروة روى أحاديث كثيرة في الكسوف عن عروة بلا توسيط أحد، فيبعد أن يكون حديثه عن عروة بواسطة سليمان بن يسار، ويمكن أن يجاب عنه بأن هشام بن عروة، وإن روى عن أبيه أحاديث كثيرة في الكسوف من غير واسطة، ولكن سياق هذا الحديث مغاير لما روى هشام عن أبيه بغير واسطة، فلا يبعد أن يكون هذا السياق يرويه هشام عن أبيه بواسطة، فكم من راو يكون معاصرًا لمن روى عنه، ويروي عنه أحاديث كثيرة، ولا يكون بينهما واسطة، ويبلغه بعض الأحاديث بالواسطة - والله تعالى أعلم-.
(قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ ) إلى المسجد (فصلَّى بالناس) صلاة الكسوف (فقام) في الصلاة (فحزرت قراءته) في القيام (فرأيت) أي ظننت (أنه) أي رسول الله ﷺ (قرأ سورة البقرة، وساق الحديث) وهذا اللفظ يدل على أن المؤلف ﵀ حذف بعض الحديث ههنا واختصره، ولعله ذكر الركوع، ثم ذكر السجود والقيام في الركعة الثانية والقراءة فيها, ولكن سياق هذا الحديث في "المستدرك" للحاكم ظاهره يوهم أن الحديث كله هكذا, ولم يحذف منه شيء، فإنه لم يذكر لفظ "وساق الحديث".
(ثم سجد سجدتين) للركعة الأولى (ثم قام) إلى الركعة الثانية (فأطال القراءة فحزرت) أي قدرت (قراءته) في هذه الركعة (فرأيت) أي ظننت (أنه قرأ بسورة آل عمران) وقوله: "فحزرت قراءته" يدل على أن
стр. 3016
١١٨٨ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ, أَخْبَرَنِى أَبِى, حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ, أَخْبَرَنِى الزُّهْرِىُّ, أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً, فَجَهَرَ (١) بِهَا, يَعْنِى فِى صَلَاةِ الْكُسُوفِ". [ق ٣/ ٣٣٦، ك ١/ ٣٣٤]
===
رسول الله ﷺ لم يجهر بالقراءة فيها، وإلَّا فلا تحتاج عائشة إلى الحزر والتقدير، وهو مخالف لما هو المشهور عنها أن رسول الله ﷺ كان يجهر بالقراءة فيها.
قال الزيلعي في "نصب الراية" (٢): ويوافق أيضًا (أي عدم الجهر) رواية محمد بن إسحاق بإسناده عن عائشة قالت: فحزرت قراءته، انتهى.
١١٨٨ - (حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي) الوليد بن مزيد، (نا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، (أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قرأ قراءة طويلة فجهر بها) (٣) أي بالقراءة (يعني في صلاة الكسوف) كذا في النسخ بزيادة لفظ "يعني"، والظاهر أنه من كلام أبي داود، يقول شيخي العباس: لم يقل في حديثه لفظ "في صلاة الكسوف"، فبين أبو داود أن مراده هذا, ولكن أخرج الحاكم في "مستدركة" هذا الحديث بهذا السند ولم يزد لفظ "يعني"، فيدل سياق الحاكم على أن لفظ "في صلاة الكسوف" من كلام عائشة داخل في الحديث.
стр. 3017
١١٨٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قال: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً بِنَحْوٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ" وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ١٠٥٢، م ٩٠٧]
(٢٦٥) بَابٌ: أَيُنَادَى فِيهَا بِالصَّلَاةِ ؟
١١٩٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ
===
١١٨٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة) أخرج هذا الحديث مالك في "موطئه" والبخاري في "صحيحه" (١) بهذا السند، وذكرا بدل أبي هريرة عبد الله بن العياس، قال الحافظ في "الفتح" (٢): قولى: عن عطاء بن يسار عن ابن عباس كذا في "الموطأ" وفي جميع من أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللؤلؤي في "سنن أبي داود": "عن أبي هريرة" بدل ابن عباس، وهو غلط.
(قال: خسفت الشمس فصلَّى رسول الله ﷺ والناس معه) أي خلفه مؤتمين به (فقام قيامًا طويلًا بنحو من سورة البقرة، ثم ركع، وساق الحديث) أخرجه البخاري في "صحيحه" مطولاً بتمامه، وكذا مالك في "موطئه"، من شاء فلينظر فيهما.
(٢٦٥) (بَابٌ: أَيُنَادَى (٣) فِيها) أي صلاة الكسوف (بالصَّلَاةِ؟ ) أي بالحضور لها
١١٩٠ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا الوليد) بن مسلم، (نا عبد الرحمن بن نمر)
===
(١) انظر "موطأ الإِمام مالك" (١/ ١٨٦)، و"صحيح البخاري" (١٠٥٢).
(٢) "فتح الباري" (٢/ ٥٤٠).
(٣) به قلنا، وحكاه الدسوقي عن عياض في كل صلاه لا يؤذن لها، كذا في "الأوجز" (٤/ ٥٥). (ش).
стр. 3018
أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِىَّ, فَقَالَ الزُّهْرِىُّ, أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً فَنَادَى: أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ". [خت ١٠٦٦، م ٩٠١، ق ٣/ ٣٢٠]
(٢٦٦) بَابُ الصَّدَقَةِ فِيهَا
١١٩١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
===
بفتح النون وكسر الميم، اليحصبي، أبو عمرو الدمشقي، قال الدوري عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، لم يخرج له الشيخان سوى حديث واحد في الكسوف، وقال دحيم: صحيح الحديث عن الزهري، وقال أبو زرعة: حديثه عن الزهري مستوي، وقال أبو أحمد الحاكم: مستقيم الحديث، وقال ابن البرقي: ثقة، وقال الذهلي: ثقة، لم يرو عنه غير الوليد.
(أنه سأل الزهري، فقال الزهري: أخبرني عروة، عن عائشة قالت: كسفت الشمس فأمر رسول الله ﷺ رجلًا) لم أقف على تسميته، قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك، وقد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها ولا يقام (فنادى) أي ذلك الرجل المنادي: (أن الصلاة جامعة) بفتح الهمزة وتخفيف النون وهي المفسرة، وروي بتشديد النون، والخبر محذوف تقديره إن الصلاة ذات جماعة حاضرة، ويروى برفع جامعة على أنه الخبر، وعن بعض العلماء يجوز في "الصلاة جامعة" النصب فيهما والرفع فيهما، ويجوز رفع الأول ونصب الثاني، وبالعكس "فتح" (١).
(٢٦٦) (بَابُ الصَّدَقَةِ فِيهَا)
أي في حالة الكسوف
١١٩١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة،
стр. 3019
عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ (١): «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ, فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا». [خ ١٠٤٦، م ٩٠١، ن ١٤٧٤، ك ١/ ٣٣٤، ق ٣/ ٣٤٠]
(٢٦٧) بَابُ الْعِتْقِ فِيهَا
١١٩٢ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ, حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو, حَدَّثَنَا زَائِدَةُ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ فَاطِمَةَ, عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَأْمُرُ (٢) بِالْعَتَاقَةِ فِى صَلَاةِ الْكُسُوفِ". [خ ١٠٥٤، دي ١٥٣١، خزيمة ١٤٠١، ق ٣/ ٣٤٠، ك ١/ ٣٣١]
===
عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته) استشكلت هذه الزيادة؛ لأن السياق إنما ورد في حق من ظن أن ذلك لموت إبراهيم، ولم يذكروا الحياة، قال في "الفتح" (٣): والجواب أن فائدة ذكر الحياة دفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقدان لا يكون سببًا للإيجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم (فإذا رأيتم ذلك) أي الكسوف والخسوف (فادعوا الله وكبروا وتصدقوا) وهذا الحديث دليل على استحباب الدعاء والتكبير والتصدق بالمال.
(٢٦٧) (بَابُ الْعِتْقِ فِيهَا) أي في حالة الكسوف
١١٩٢ - (حدثنا زهير بن حرب، نا معاوية بن عمرو، نا زائدة) بن قدامة، (عن هشام) بن عروة، (عن) زوجته (فاطمة) بنت المنذر بن الزبير، (عن) جدتها (أسماء) بنت أبي بكر الصديق (قالت: كان النبي ﷺ يأمر بالعتاقة في صلاة الكسوف) أي مع صلاة الكسوف، وقد عقد البخاري "باب من أحب العتاقة في
стр. 3020
(٢٦٨) بَابُ مَنْ قَالَ: يَرْكَعُ رَكعَتَيْنِ
١١٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ, حَدَّثَنِى الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَصْرِىُّ, عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: "كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النبي (١) ﷺ , فَجَعَلَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ, وَيَسْأَلُ عَنْهَا
===
كسوف الشمس"، وأخرج هذا الحديث من طريق ربيع بن يحيى قال: حدثنا زائدة إلى آخر السند، ولفظه: قالت: لقد أمر النبي ﷺ .
قال الحافظ (٢): وفي رواية معاوية بن عمرو عن زائدة عند الإسماعيلي: "كان النبي ﷺ يأمرهم بالعتاقة في كسوف الشمس".
وأخرج الحاكم في "مستدركه" من طريق معاوية بن عمرو وأبي حذيفة موسى بن مسعود، قالا: حدثنا زائدة إلى آخر السند، ولفظه "قالت: أمر رسول الله ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس"، فالأمر محمول على الاستحباب دون الوجوب بالإجماع.
(٢٦٨) (بَابُ مَنْ قَالَ: يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ)
أي يصلي ركعتين
١١٩٣ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثني الحارث بن عمير البصري) أبو عمير، نزيل مكة، وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير، ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان وغيرهما، فلعله تغير حفظه في الآخر، (عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن النعمان بن بشير قال: كسفت الشمس على عهد النبي ﷺ فجعل يصلي ركعتين (٣) ركعتين ويسأل عنها) أي وإذا صلى ركعتين
стр. 3021
حَتَّى انْجَلَتْ". [ق ٣/ ٣٣٣، ن ١٤٨٥، جه ١٢٦٢، حم ٤/ ٢٦٩، خزيمة ١٤٠٤]
===
يسأل الناس عن حال الشمس، هل انجلت أم لا؟ فإذا علم أنه لم ينجل صلَّى ركعتين، ثم يسأل عن انجلائها (حتى انجلت).
وأخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في "مسنده" (١)، من طريق عبد الوارث، ثنا أيوب فذكر حديثًا، قال: وحدث عن أبي قلابة [عن رجل] عن النعمان بن بشير قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فكان يصلي ركعتين، ثم يسأل، ثم يصلي ركعتين، ثم يسأل حتى انجلت الشمس.
وأيضًا أخرج من طريق عبد الوهاب الثقفي، ثنا أيوب عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج فكان يصلي ركعتين ويسأل، ويصلي ركعتين ويسأل، حتى انجلت، وأيضًا أخرج من طريق سفيان عن عاصم الأحول عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير: أن رسول الله ﷺ صلَّى في كسوف الشمس نحوًا من صلاتكم يركع ويسجد.
قال الشوكاني (٢): وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم، وصححه ابن عبد البر، وهو عند بعض هؤلاء باللفظ الذي ذكره المصنف عن قبيصة، وأعله ابن أبي حاتم بالانقطاع، انتهى.
قلت: وأخرجه الطحاوي (٣) من طريق عبيد الله بن عمرو عن أيوب، عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير أو غيره، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فجعل يصلي ركعتين ويسلم، ويسأل حتى انجلت، وساق الحديث.
стр. 3022
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في معنى هذا الحديث من تقرير شيخه مولانا رشيد أحمد- قدس الله سره -: قوله: "فجعل يصلي ركعتين ركعتين"، كلمة جعل توهم أن المعنى أخذ في صلاة ركعتين ثم ركعتين، وهو ينافي سائر ما نقل عنه ﷺ في صلاة الكسوف، إذ لم يرو أحد منهم زيادة على ركعتين، فالصحيح أن ركعتين بمعنى ركوعين تأكيد للأولى منهما، وعلى هذا فالمعنى ظاهر، وبذلك يظهر إيراده في هذا الباب، وإنما افتقر إلى تأكيد في أمر الركوعين لمزيد الاختلاف فيه، قوله: "ويسأل عنها"، أي يدعو الله في شأنها وشأن أنفسهم أن ينجي كُلًا منا عما يؤخذ فيه، انتهى.
قلت: يؤيد قول الشيخ ﵀ حديث الطحاوي، فإنه ليس فيه لفظ "عنها" بل فيه "ويسأل"، وكذلك يؤيده حديث أحمد في "مسنده" فإنه ليس في حديثه لفظ "عنها"، وكذلك يؤيده ما أخرجه الحاكم، من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير: "أن الشمس انكسفت، فصلَّى النبي ﷺ ركعتين"، فإنه ليس فيه تكرار ركعتين ولا ذكر السؤال، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، لكن يخالف ما قال الشيخ ﵀ حديث أحمد، فإن فيه: "كان يصلي ركعتين؛ ثم يسأل، ثم يصلي ركعتين"، فإنه صريح في أنه يصلي ركعتين، ثم ركعتين.
ثم رأيت "سنن النسائي" فأخرج فيها هذا الحديث من طريق معاذ بن هشام قال: ثني أبي عن قتادة عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: "إذا خسفت الشمس والقمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها"، ثم أخرج من طريق عاصم الأحول عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير "أن رسول الله ﷺ صلَّى حين انكسفت الشمس مثل صلاتنا يركع ويسجد"، فليس في أكثر الروايات تكرار ركعتين.
стр. 3023
١١٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ, ثُمَّ رَكَعَ, فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ, ثُمَّ رَفَعَ, فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ, ثُمَّ سَجَدَ, فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ
===
وقال الزيلعي في "نصب الراية" (١): قال النووي في "الخلاصة": ورواه أبو داود بلفظ "كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فجعل يصلي ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت"، قال: إسناده صحيح، إلَّا أنه بزيادة رجل بين أبي قلابة ونعمان، ثم اختلف في ذلك الرجل، انتهى كلامه.
١١٩٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو) بن العاص، قال في "الهداية" (٢): ولنا رواية ابن عمر، قال ابن الهمام في "فتح القدير" (٣): قيل: لعله ابن عمرو يعني عبد الله بن عمرو بن العاص فتصحف على بعض النساخ, لأنه لم يوجد عن ابن عمر، أخرج أبو داود والنسائي والترمذي في "الشمائل" عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح، ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب، وهذا توثيق منه لعطاء، وكذا قال الزيلعي في "نصب الراية" (٤).
(قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام رسول الله ﷺ ) قيامًا طويلًا (لم يكد يركع، ثم ركع) أي ركوعًا طويلًا (فلم يكد يرفع) رأسه من الركوع (ثم رفع) أي رأسه من الركوع فقام قيامًا طويلًا (فلم يكد يسجد) لطول قيامه (ثم سجد) أي سجودًا طويلًا (فلم يكد يرفع) أي رأسه من السجود الأول
стр. 3024
ثُمَّ رَفَعَ, فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ ثُمَّ سَجَدَ, فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ, ثُمَّ رَفَعَ, وَفَعَلَ فِى الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ نَفَخَ فِى آخِرِ سُجُودِهِ فَقَالَ: «أُفْ أُفْ» , ثُمَّ قَالَ: «رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِى أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ, أَلَمْ تَعِدْنِى أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» ,
===
لطول سجوده (ثم رفع) رأسه من السجود الأول (فلم يكد يسجد) أي السجدة الثانية، (ثم يسجد) أي السجدة الثانية (فلم يكد يرفع) أي رأسه من السجدة الثانية (ثم رفع) أي رأسه من السجدة الثانية، وقام إلى الركعة الأخرى (وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك) أي مثل الذي فعل في الركعة الأولى (ثم نفخ (١) في آخر سجوده فقال: أف أف).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه في توجيه هذا اللفظ، فقال: هذه حكايته لصوته ﷺ ثمة، ولا يستلزم صدور الحروف في الحكاية صدورها في المحكي عنه، ولا يلزم فساد الصلاة، وهذا كما في حكايتهم صوت الغراب بغاق مع أن شيئًا من الحروف لا يصدر منه، فإثبات الحروف في الحكاية لضرورة النقل أو الكتابة، انتهى.
(ثم قال: رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
стр. 3025
فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ وَقَدْ أَمْحَصَتِ الشَّمْسُ, وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [ن ١٤٨٢، تم ٣٠٧، حم ٢/ ١٥٩، خزيمة ١٣٨٩، ق ٢/ ٢٥٢، ك ١/ ٣٢٩]
١١٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ, حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِىُّ, عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا أَتَرَمَّى بِأَسْهُمٍ (١) فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهُنَّ وَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ مَا أُحْدِثَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى كُسُوفِ الشَّمْسِ الْيَوْمَ,
===
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢) (ففرغ رسول الله ﷺ من صلاته وقد أمحصت) أي خلصت وصفت (الشمس، وساق الحديث) أخرج النسائي هذا الحديث في "مجتباه" وذكر الخطبة فيه مطولًا من شاء فليرجع إليه.
١١٩٥ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا الجريري) سعيد بن إياس الجريري، (عن حيان بن عمير) القيسي الجريري، أبو العلاء، وثقه النسائي وابن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب بن عبد شمس، العبشمي، أبو سعيد، صحابي من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة، ومات بها سنة خمسين أو بعدها.
(قال: بينما أنا أترمى بأسهم) قال في "المجمع": خرجت أرتمي بأسهمي، وروي "أترامى"، رميت بالسهم وارتميت وتراميت وراميت إذا رميت به عن القِسيِّ، وقيل: خرجت أرتمي: إذا رميت القنص، وأترمّى إذا خرجت ترمي في الأهداف ونحوها (في حياة رسول الله ﷺ ، إذ كسفت الشمس، فنبذتهن) أي الأسهم (وقلت) في نفسي: (لأنظرن ما (٣) أحدث لرسول الله ﷺ في كسوف الشمس اليوم،
стр. 3026
فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يُسَبِّحُ وَيُحَمِّدُ وَيُهَلِّلُ وَيَدْعُو, حَتَّى حُسِرَ عَنِ الشَّمْسِ, فَقَرَأَ بِسُورَتَيْنِ, وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ". [م ٩١٣، ن ١٤٦٠، حم ٥/ ٦١، خزيمة ١٣٧٣، ق ٣/ ٣٣٢، ك ١/ ٣٢٩]
(٢٦٩) بَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَ الظُّلْمَةِ وَنَحْوِهَا (١)
١١٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ, حَدَّثَنا حَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ النَّضْرِ, حَدَّثَنِى أَبِى
===
فانتهيت إليه وهو رافع يديه يسبح ويحمد ويهلل ويدعو) أي الله تعالى بدعوات (حتى حسر) أي كشف (عن الشمس، فقرأ بسورتين وركع ركعتين) ظاهره يستلزم وقوع الصلاة بعد الانجلاء، وهو خلاف المذهب والروايات، فالفاء للترتيب (٢) الذكري أو المعنى، فقد كان صلَّى في أثناء ذلك، وكان قرأ فيهما بسورتين، كذا كتبه مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه.
(٢٦٩) (بَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَ الظُّلْمَةِ (٣) وَنَحْوِهَا)
١١٩٦ - (حدثنا محمد بن عمرو) بن عباد (بن جبلة بن أبي رواد) العتكي، بفتح المهملة والمثناة، أبو جعفر، البصري، صدوق، (نا حرمي بن عمارة) بن أبي حفصة نابت بنون وموحدة ثم مثناة، ويقال: ثابت العتكي مولاهم، البصري، أبو روح، صدوق، يهم، (عن عبيد الله بن النضر) بن عبد الله بن مطر، القيسي بقاف، أبو النضر البصري، قال في "التقريب": لا بأس به، وقال في "الخلاصة": وثقه ابن معين، (حدثني أبي) النضر بن عبد الله بن مطر، القيسي، البصري، قال في "التقريب": مستور، وقال في "الخلاصة": وثقه ابن حبان.
стр. 3027
قَالَ: "كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى عَهْدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: فَأَتَيْتُ أَنَسًا (١) فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ, هَلْ كَانَ يُصِيبُكُمْ مِثْلُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ, إِنْ كَانَتِ الرِّيحُ لَتَشْتَدُّ فَنُبَادِرُ الْمَسْجِدَ مَخَافَةَ الْقِيَامَةِ". [ق ٣/ ٣٤٢، ك ١/ ٣٣٤]
===
(قال: كانت ظلمة على عهد أنس بن مالك، قال) النضر: (فأتيت أنسًا فقلت: يا أبا حمزة) كنية أنس بن مالك (هل كان يصيبكم مثل هذا) أي الظلمة الشديدة (على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال) أنس: (معاذ الله) نصب على المصدر، حذف فعله وأضيف إلى المفعول، أي نتعوذ بالله تعوذًا، ولفظ معاذ يأتي مصدرًا وظرف زمان وظرف مكان.
والغرض بهذا الكلام إنكار وقوع مثل هذه الظلمة على عهد رسول الله ﷺ ، ثم شرع في بيان ما يقع لهم من أدنى هذه الحوادث، وما يفعلون فيه في زمان رسول الله ﷺ فقال: (إن) مخففة من المثقلة (كانت الريح لتشتد فنبادر) أي نسارع (المسجد) للصلاة والدعاء (مخافة القيامة) أي لأجل خوفها، ومذهب الحنفية في الآيات المخوفة والزلازل (٢) والصواعق وغيرها أن يصلي الناس فرادى.
قال في "الدر المختار" (٣) في آخر صلاة الكسوف: وإن لم يحضر الإِمام صلَّى الناس فرادى بمنازلهم كالخسوف للقمر والريح الشديدة والظلمة القوية نهارًا، والضوء القوي ليلًا، والفزع الغالب ونحو ذلك، انتهى.
стр. 3028
(٢٧٠) بَابُ السُّجُودِ عِنْدَ الآيَاتِ
١١٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى صَفْوَانَ الثَّقَفِىُّ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ, حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ جَعْفَرٍ, عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ, عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قِيلَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَاتَتْ فُلَانَةُ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ فَخَرَّ سَاجِدًا, فَقِيلَ لَهُ: تَسْجُدُ (١) هَذِهِ السَّاعَةَ؟
===
(٢٧٠) (بَابُ السُّجُودِ عِنْدَ الآيَاتِ)
١١٩٧ - (حدثنا محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي) أبو عبد الله، وقيل: أبو صفوان، البصري، قال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (نا يحيى بن كثير) بن درهم العنبري مولاهم، البصري، أبو غسان خراساني الأصل، قال عباس العنبري: كان ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (نا سلم بن جعفر) البكراوي، أبو جعفر الأعمى، وثقه عباس العنبري وابن المديني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال في "التقريب": تكلم فيه الأزدي بغير حجة.
(عن الحكم بن أبان) بفتح همزة وخفة موحدة، العدني، أبو عيسى، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وغيرهم، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق، عابد، وله أوهام، (عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: ماتت فلانة بعض أزواج النبي ﷺ ) لعل الراوي نسي اسمها، فكنى عنها بلفظ فلانة، ثم بين المراد بقوله: بعض أزواج النبي ﷺ . قال القاري: هي صفية (٢)، وقيل: حصفة.
(فخر) أي سقط ووقع (ساجدًا) أي آتيًا بالسجود أو مصليًا (فقيل له: تسجد) بحذف حرف الاستفهام في (هذه الساعة؟ ) أي ساعة الإماتة
стр. 3029
فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا» , وَأَىُّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ . [ت ٣٨٩١، ق ٣/ ٣٤٣]
===
ولعلها (١) كانت تلك الساعة تكره الصلاة فيها، فقيل له: أتصلي في هذه الساعة التي تكره الصلاة فيها (فقال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم آية) مخوفة (فاسجدوا) أي صلوا، ويؤيد هذا التفسير ما أخرجه البخاري من حديث أبي مسعود بلفظ: "ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموها" بإفراد الضمير "فقوموا فصلوا". وقيل: أراد السجود فحسب.
قال القاري (٢): قال الطيبي: هذا مطلق، فإن أريد بالآية خسوف الشمس والقمر، فالمراد بالسجود الصلاة، وإن كانت غيرها كمجيء الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما، فالسجود هو المتعارف، ويجوز الحمل على المتعارف أيضًا لما ورد: كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، انتهى.
قال ابن الهمام (٣): وفي "مبسوط شيخ الإِسلام": قال: في ظلمة أو ريح شديدة الصلاة حسنة، وعن ابن عباس أنه صلَّى لزلزلة بالبصرة.
(وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ ) لأنهن ذوات البركة، فبحياتهن يدفع العذاب عن الناس، ويخاف العذاب بذهابهن، فينبغي الالتجاء إلى ذكر الله والسجود عند انقطاع بركتهن ليندفع العذاب ببركة الذكر.
стр. 3030
تَفْرِيْعُ أَبْوَابِ صَلَاةِ السَّفَرِ
(٢٧١) بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
١١٩٨ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِى الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ, فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِى صَلَاةِ الْحَضَرِ". [خ ٣٥٠، م ٦٨٥، ن ٤٥٣، ق ٣/ ١٤٥]
===
(تَفْريعُ أَبْوَابِ صَلَاةِ السَّفَرِ)
(٢٧١) (بَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِ)
١١٩٨ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت (١) صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) (٢)، استشكل هذا الحديث بوجهين، أولهما: أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، فإن الآية تدل على أن صلاة السفر قصرت، والحديث يدل على أنها لم تقصر.
والوجه الثاني: أنه مخالف لفعل عائشة، فإنه روي عنها أنها تتم، أخرج البخاري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر، قال الزهري: فقلت لعروة: فما بال عائشة تتم، قال: تأولت ما تأول عثمان (٤).
стр. 3031
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والجواب عن الأول، أولًا: أن الآية نزلت في صلاة الخوف لا في صلاة السفر، كما هو رأي بعض العلماء، ويشير إليه أقوال بعض الصحابة.
وأما ثانيًا: فلو سلم أنها نزلت في صلاة السفر غير معارض له أيضًا، فإن معنى الحديث أن الصلاة فرضت في أول ما فرضت ركعتين ركعتين في السفر والحضر إلَّا المغرب، فإنها وتر النهار، ثم زيدت في الحضر، أي لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، فرضت الصلاة رباعية إلَّا في الفجر، فإنها لطول القراءة فيها أقرت على الركعتين، ثم نزلت (١) آية القصر بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ فإطلاق (٢) القصر عليه بما كان زيد فيها لا باعتبار أصل الصلاة، فإنه يدل على أن إطلاق القصر عليه باعتبار ما زيد فيه في الحضر لا باعتبار مطلق الصلاة، فإنه كان زيد فيه بإطلاق اللفظ لا بخصوصية الحضر، وكان في علم الله مخصوصة بالحضر، فأطلق القصر عليه باعتبار إطلاق ظاهر اللفظ.
قال الحافظ في "الفتح" (٣): والذي يظهر لي- وبه تجتمع الأدلة السابقة- أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلَّا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلَّا الصبح، كما روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي (٤) من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر
стр. 3032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار، انتهى.
ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ انتهى (١).
أو يقال: إن المراد بقول عائشة: "فأقرت صلاة السفر" باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استمرت منذ فرضت.
وأما ثالثًا: فلأنا لا نسلم أن المراد من القصر في الآية تقليل عدد الركعات، بل المراد القصر في كيفيتها كتخفيف أركان الصلاة من القيام والقراءة والركوع والسجود.
والجواب عن الثاني (٢) أن الجواب مذكور في الحديث الذي رواه البخاري (٣) وهو قول عروة: "تأولت ما تأول عثمان"، فهذا يدل على أن أصل الفرض في السفر ركعتان عندها أيضًا، ولكنها أتمت صلاتها بالتأويل كما أتم (٤) عثمان ﵁ صلاته بالتأويل.
ثم قد اختلف أهل العلم هل القصر واجب أم رخصة والتمام أفضل؟ فذهب إلى الأول الحنفية، وروي عن علي وعمر، ونسبه النووي إلى كثير من أهل العلم، قال الخطابي في "المعالم" (٥): كان مذهب أكثر علماء السلف
стр. 3033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر، وهو قول علي وعمر وابن عمر وابن عباس، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن، وقال حماد بن أبي سليمان: يعيد من يصلي في السفر أربعًا، وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت.
وإلى الثاني الشافعي ومالك وأحمد، قال النووي (١): وأكثر العلماء، وروي عن عائشة وعثمان وابن عباس، قال ابن المنذر: قد أجمعوا على أنه لا يقصر في الصبح ولا في المغرب، قال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف (٢) إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة، وعن بعضهم كونه سفر طاعة.
احتج القائلون بوجوب القصر بحجج: الأولى: ملازمته ﷺ للقصر في جميع أسفاره، كما في حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم (٣)، قال: صحبت النبي ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك، ولم يثبت عنه ﷺ أنه أتم الرباعية في السفر البتة.
والثانية: ما رواه الجماعة إلَّا البخاري عن يعلي بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس، قال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (٤) , لأنه أمر بالقبول، فلا يبقى له خيار الرد شرعًا، إذ الأمر للوجوب، وجواز الإتمام رد لها
стр. 3034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على أن التصدق من الله تعالى فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط، كالعفو من الله تعالى، فلا يحتمل اختيار القبول وعدمه.
والحجة الثالثة: حديث عائشة هذا، ووجه الاستدلال به أن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين، لم تجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
الحجة الرابعة: ما في "صحيح مسلم" (١) عن ابن عباس أنه قال: "إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا"، فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن الله أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى لله وأخشى من أن يحكى إن الله فرض ذلك بغير برهان.
والحجة الخامسة: حديث عمر عند النسائي (٢) وغيره "صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ "، وهو يدل على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعًا ثم قصرت، وقوله: "على لسان محمد ﷺ " تصريح بثبوت ذلك من قوله ﷺ .
والحجة السادسة: حديث ابن عمر عند النسائي (٣) قال: "إن رسول الله ﷺ أتانا، ونحن ضُلَّالٌ، فعلمنا فكان فيما علمنا أن الله أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر"، والأمر للوجوب فوجب في السفر ركعتان.
الحجة السابعة: إنكار عبد الله بن مسعود وجماعة من الصحابة على عثمان -رضي الله تعالى عنه - بأنه كان يتم حتى احتاج إلى تأويل القصر،
стр. 3035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا يدل على أن القصر كان واجبًا عندهم، وإلَّا فلو كان القصر مباحًا لما أنكروا عليه، ولما احتاج عثمان عن الإنكار إلى الاعتذار بالتأويلات، وبهذا ثبت وجوب القصر بإجماع الصحابة من غير خلاف أحد.
قال الحافظ في "الفتح" (١): واحتج الشافعي على عدم وجوب القصر بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلَّى أربعًا باتفاقهم، ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافر بمقيم، وأجاب عنه العيني (٢) فقال: والجواب عن هذا: أن صلاة المسافر كان أربعًا عند اقتدائه بالمقيم لالتزامه المتابعة فيتغير فرضه للتبعية.
وقال في "الهداية" (٣): وإن اقتدى المسافر بالمقيم في الوقت أتم أربعًا، لأنه يتغير فرضه إلى أربع للتبعية، كما يتغير بنية الإقامة لاتصال المغير بالسبب وهو الوقت، واستدل على عدم وجوب القصر بما روي عن رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان: "فأَفْطَرَ وصُمْتُ، وقَصَرَ وأَتْمَمْتُ، فقلت: بأبي وأمي أَفْطَرْتَ وصُمتُ، وقَصَرْتَ وأَتْمَمْتُ، فقال: أحسنتِ يا عائشة"، رواه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن.
وعن عائشة: "أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم" رواه الدارقطني، وقال: إسناد صحيح (٤).
قال الشوكاني (٥): الحديث الأول أخرجه أيضًا النسائي والبيهقي (٦) بزيادة، ثم قال: واعترض عليه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد
стр. 3036
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المقدسي في كلام له على هذا الحديث فقال: وهم في هذا في غير موضع، وذكر أحاديث في الرد عليه، وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه، وطعن فيه، ورد عليه ابن النحوي، قال في "الهدي" (١) بعد ذكر هذا الحديث: وسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: هذا حديث كذب على عائشة إلى آخر ما قال.
والحديث الثاني صحح إسناده الدارقطني، كما ذكره المصنف، قال في "التلخيص" (٢): وقد استنكره أحمد، وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تتم، قال في "الهدي" (٣) بعد ذكر هذا الحديث: وسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﷺ ، قال: وقد روي "كان يَقْصُرُ وتُتِمُّ" الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق، وكذا "يفطر وتصوم" وكذا ضبط الحافظ في "التلخيص" لفظ "تتم وتصوم" في هذا الحديث بالمثناة من فوق، ثم قال: استدل بحديثي الباب القائلون بأن القصر رخصة، ويجاب عنهم بأن الحديث الثاني لا حجة فيه لهم لما تقدم من أن لفظ "تتم وتصوم" بالفوقانية، لأن فعلها - على فرض عدم معارضته لقوله وفعله ﷺ لا حجة فيه، فكيف إذا كان معارضًا للثابت عنه من طريقها وطريق غيرها من الصحابة؟
وأما الحديث الأول فلو كان صحيحًا لكان حجة لقوله ﷺ في الجواب عنها: "أحسنت"، لكنه لا ينتهض لمعارضة ما في "الصحيحين" وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة، وهذا بعد تسليم أنه حسن- كما قال الدارقطني- فكيف وقد طعن فيه بتلك المطاعن المتقدمة، فإنها بمجردها توجب سقوط الاستدلال به عند عدم المعارض، انتهى ملتقطًا من "النيل" (٤).
стр. 3037
١١٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا خُشَيْشٌ - يَعْنِى ابْنَ أَصْرَمَ -, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى عَمَّارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ, عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَرَأَيْتَ إِقْصَارَ النَّاسِ الصَّلَاةَ (١)! وَإِنَّمَا قَالَ اللَّه : ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)، فَقَدَ ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَقَالَ (٣): عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "صَدَقَةٌ
===
١١٩٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: نا يحيى) القطان، (عن ابن جريج، ح: وحدثنا خشيش) بمعجمات مصغرًا (يعني ابن أصرم) الأسود (٤)، أبو عاصم، النسائي، ثقة، (نا عبد الرزاق، عن ابن جريج، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار) المكي القرشي، حليف بني (٥) جمح، كان يلقب بالقس، كان ينزل مكة، وكان من عبادها، فسمي القس لعبادته.
(عن عبد الله بن بابيه) ويقال: باباه، ويقال: بابي، المكي، مولى آل حجير بن أبي إهاب، ويقال: مولى يعلي بن أمية، ثقة، (عن يعلي بن أمية) بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميمي، حليف قريش، وهو يعلي بن منية بضم الميم وسكون النون، وهي أمه، ويقال: جدته، صحابي مشهور.
(قال) يعلى: (قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناس الصلاة، وإنما قال الله : ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد ذهب) أي زال (ذلك) الخوف (اليوم، فقال) أي عمر: (عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال) أي رسول الله ﷺ : (صدقة) أي هذا القصر صدقة من الله
стр. 3038
تَصَدَّقَ اللَّه بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ". [م ٦٨٦، ن ١٤٣٣، ت ٣٠٣٤، حم ١/ ٢٥، جه ١٠٦٥]
١٢٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى عَمَّارٍ يُحَدِّثُ, فَذَكَرَهُ (١). [انظر تخريج الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ وَحَمَّادُ بْنُ مَسْعَدةَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ بَكْرٍ.
===
تعالى (تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) وهذا الحديث يدل على أن القصر في السفر واجب.
١٢٠٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق ومحمد بن بكر قالا: أنا ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن أبي عمار يحدث، فذكره) أي الحديث المتقدم.
والغرض بإيراد هذا السند بيان الاختلاف في سنده بأن يحيى القطان حدث (٢) عن ابن جريج قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار عن عبد الله بن بابيه، فرويا عن عبد الله بن بابيه بواسطة ابنه عبد الرحمن، وروى عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن أبي عمار، فرويا عن عبد الله بن أبي عمار بلا واسطة ابنه.
(قال أبو داود: رواه أبو عاصم وحماد بن مسعدة كما رواه ابن بكر)، وهذا ترجيح لرواية ابن بكر, لأن أبا عاصم وحماد بن مسعدة رويا كما روى محمد بن بكر، فحصل له زيادة القوة.
قلت: ورواه روح بن عبادة عن ابن جريج كما رواه يحيى، أخرج الطحاوي (٣): حدثنا أبو بكرة، ثنا روح بن عبادة، ثنا ابن جريج سمعت
стр. 3039
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدث عن عبد الله بن باباه عن يعلى بن منية قال: قلت لعمر بن الخطاب، الحديث.
ورواه ابن إدريس عن ابن جريج عن ابن أبي عمار عن عبد الله بن بابيه عند مسلم والنسائي وابن ماجه، وكذلك الدارمي (١) عن أبي عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي عمار، وابن أبي عمار هو عبد الرحمن بن عبد الله، صرح به في "الخلاصة" و"التقريب" و"التهذيب" فلا ترجيح لرواية محمد بن بكر.
وقد قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة عبد الله بن أبي عمار: يروي في أبي داود عن عبد الله بن بابيه عن يعلي بن أمية في قصر الصلاة، وعنه عبد الملك بن جريج فيما قاله محمد بن بكر وغيره عنه، وقال غير واحد: عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، وهو المحفوظ، وقال في "التقريب": عبد الله بن أبي عمار، صوابه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار.
قلت: ولم أجد رواية محمد بن بكر في "المسند" فلعله لم يخرج الإِمام أحمد عن محمد بن بكر في "المسند"، ورواه عند التحديث، وكذا لم أجد رواية حماد بن مسعدة، وكذا لم أجد رواية أبي عاصم عن ابن جريج عن عبد الله، بل أخرج الدارمي حديث أبي عاصم عن ابن أبي عمار، وابن أبي عمار هو عبد الرحمن كما تقدم.
والذي عندي أنه لا حاجة فيه إلى الترجيح، وقد أخرج بالطريقين الثقات العدول، وصرح أبو داود في رواية عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج بسماعه عن عبد الله بن أبي عمار، وصرح بعض المحدثين بسماعه من عبد الرحمن، فالأولى أن يحمل أن ابن جريج سمع منهما، وروى عنهما كما سمع، فلا معنى لتخطئته، ولا لحمله على كونه غير محفوظة.
стр. 3040
(٢٧٢) بَابٌ: مَتَى يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ ؟
===
(٢٧٢) (بَابٌ: مَتَى يَقْصُرُ (١) المُسَافِرُ؟ )
إذا خرج الرجل من بيته أو ركب راحلته لقصد السفر هل يجوز له القصر، أو إذا فارق بيوت بلده، أو إذا بلغ ستة أميال أو ثلاثة أميال؟ وحكى البخاري في "صحيحه" عن علي أنه قصر، وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة، قال: لا حتى ندخلها.
قال العيني (٢) ما حاصله: إن العلماء اختلفوا في هذا الباب، فعندنا إذا فارق المسافر بيوت المصر يقصر، وقال الشافعي: في البلد يشترط مجاوزة السور لا مجاوزة الأبنية المتصلة بالسور خارجة، وحكى الرافعي وجهًا: أن المعتبر مجاوزة الدور، ورجح الرافعي هذا الوجه، وإن لم يكن في جهة خروجه سور، أو كان في قرية يشترط مفارقة العمران.
وفي "المغني" (٣) لابن قدامة: ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت مصره أو قريته ويخلفها وراء ظهره، قال: وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو ثور.
стр. 3041
١٢٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِىِّ قَالَ: "سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ, فَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ
===
وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على هذا، وعن عطاء وسليمان بن موسى أنهما كانا يبيحان القصر في البلد لمن نوى السفر، وعن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا، فصلَّى بالجماعة في منزله ركعتين، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله، وعن عطاء أنه قال: إذا دخل عليه وقت صلاة بعد خروجه من منزله قبل أن يفارق بيوت المصر يباح له القصر، وقال مجاهد: إذا ابتدأ السفر بالنهار لا يقصر حتى يدخل الليل، وإذا ابتدأ بالليل لا يقصر حتى يدخل النهار، انتهى مختصرًا.
١٢٠١ - (حدثنا ابن بشار) بندار، (نا محمد بن جعفر) غندر، (نا شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي) بضم الهاء ثم نون خفيفة ومد، أبو نصر، ويقال: أبو يزيد البصري، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عند مسلم وأبي داود حديث واحد في قصر الصلاة في السفر، ويقال: هو ابن أبي إسحاق المتقدم.
(قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، فقال أنس: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال) جمع ميل، الميل من الأرض: منتهى مد البصر, لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، وقيل: حده أن ينظر إلى الشخص في أرض مصطحبة، فلا يدرى أهو رجل أو امرأة أو هو ذاهب أو آت؟ .
قال النووي (١): الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع ست شعيرات معترضة معتدلة، وهذا الذي قاله هو الأشهر.
стр. 3042
أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ - شَكَّ شُعْبَةُ - يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ". [م ٦٩١، حم ٣/ ١٢٩، ق ٣/ ١٤٦]
١٢٠٢ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ, حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ (١) سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "صَلَّيْتُ مَعَ
===
(أو ثلاثة فراسخ) جمع فرسخ فارسي، معرب فرسنك، وهو ثلاثة أميال (شعبة شك) أي في لفظ الأميال والفراسخ (يصلي ركعتين) أي الرباعية، وحكى النووي (٢): أن أهل الظاهر ذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال مستدلين بهذا الحديث.
قلت: وكيف يستدل بهذا على أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، ولفظ ثلاثة أميال مشكوك فيه، فإن المشكوك غير ثابت في نفسه، فلا يفيد إثبات شيء، ولعل هذا الحديث محمول على ما سيروى عن أنس: أنه ﷺ صلَّى بذي الحليفة ركعتين، وذو الحليفة على سبعة أميال من المدينة، فعبره بثلاثة فراسخ.
قال العيني (٣): وكان قصره في ذي الحليفة, لأنه كان أول منزل نزله، ولم تحضر قبله صلاة، ولا يصح استدلال من استدل به على استباحة القصر في السفر القصير لكون بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال, لأن ذا الحليفة لم يكن منتهى سفر النبي ﷺ ، وإنما خرج إليها يريد مكة، فاتفق نزوله بها، وكان صلاة العصر أول صلاة حضرت بها فقصرها، واستمر على ذلك إلى أن رجع.
١٢٠٢ - (حدثنا زهير بن حرب، نا ابن عيينة) سفيان، (عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة) أنهما (سمعا أنس بن مالك يقول: صليت مع
стр. 3043
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا, وَالْعَصْرَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ". [خ ١٠٨٩، م ٦٩٠، ت ٥٤٦، ن ٤٦٩، حم ٣/ ١١٠]
(٢٧٣) بَابُ الأَذَانِ في السَّفَرِ (١)
١٢٠٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ, حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا عُشَّانَةَ الْمَعَافِرِىَّ حَدَّثَهُ, عَنْ عُقْبَةَ بْنِ
===
رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا) وهذا يدل على أن من أراد سفرًا وتهيأ له لا يقصر، فإن رسول الله ﷺ كان متهيأً للسفر، ولم يقصر حتى خرج من المدينة.
(والعصر) أي وصلَّى العصر (بذي الحليفة) هي تصغير حلفة، وهي ميقات أهل المدينة ماء لبني جشم، يقال له الآن: أبيار علي، قال عياض: على سبعة أميال من المدينة، وقال ابن قرقول: ستة أميال، وقال في "معجم البلدان" (٢): قرية، بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وذو الحليفة موضع آخر، وقع ذكره في حديث رافع بن خديج، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحليفة من تهامة، فهو موضع بين حاذة وذات عرق من أرض تهامة (ركعتين).
(٢٧٣) (بَابُ الأَذَان في السَّفَرِ)
١٢٠٣ - (حدثنا هارون بن معروف، نا ابن وهب) عبد الله، (عن عمرو بن الحارث أن أبا عشانة) بضم أوله وتشديد المعجمة وبعد الألف نون (المعافري) حي، بفتح أوله وتشديد التحتانية، ابن يومن بفتح التحتانية وسكون الواو وكسر الميم، ابن حجيل بن جريج، المصري، ثقة (حدثه، عن عقبة بن
стр. 3044
عَامِرٍ (١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِى غَنَمٍ فِى رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ يُؤَذِّنُ للصَّلَاةِ (٢) وَيُصَلِّى, فَيَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِى هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ (٣) , يَخَافُ مِنِّى, فَقَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِى وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ». [ن ٦٦٦، حم ٤/ ١٤٥، ق ١/ ٤٠٥]
(٢٧٤) بَابُ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي وَهُوَ يَشُكُّ في الوَقْتِ
===
عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يعجب) أي يرضى (ربك من راعي غنم في رأس شظية) هي قطعة مرتفعة في رأس الجبل، كذا في "المجمع" (بجبل يوذن للصلاة ويصلي، فيقول الله لملائكته: (انظروا إلى عبدي هذا يوذن ويقيم للصلاة، يخاف مني) أي من عقابي، (قد غفرت لعبدي) ما صدر منه من الآثام (وأدخلته الجنة) أي حكمت له بدخول الجنة.
فإن قلت: لا دلالة في الحديث على السفر، قلت (٤): فيه دلالة عليه، فإن راعي الغنم في رأس شظية الجبل عام لمن كان مسافرًا أو غيره، على أن راعي الغنم إذا استحب له الأذان والإقامة في البادية استحب للمسافر أيضًا، والأولى أن يذكر في الباب حديث مالك بن الحويرث، وفيه: "فأذنا وأقيما".
(٢٧٤) (بَابُ المُسَافِر يُصَلِّي) صلاة الفرض (وَهُوَ يَشُكُّ في الوَقْتِ)
أي في أن وقتها دخل أم لا؟ ولا فرق فيه بين المسافر والمقيم، فالمسافر والمقيم فيه سِيَّان، ومذهبنا ما قال الشامي في حاشيته على "الدر المختار" (٥):
стр. 3045
١٢٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الْمِسْحَاجِ بْنِ مُوسَى قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: "كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ فِى السَّفَرِ فَقُلْنَا: زَالَتِ الشَّمْسُ, أَوْ لَمْ تَزُلْ, صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ ارْتَحَلَ". [حم ٣/ ١١٣، قط ١/ ٢٦٣، ق ١/ ٣٦٦]
===
يشترط لصحة الصلاة دخول الوقت واعتماد دخوله كما في "نور الإيضاح" وغيره، فلو شك في دخول وقت العبادة فأتى بها فبان أنه فعلها [في الوقت] لم يجزه كما في "الأشباه" في بحث النية، ويكفي في ذلك أذان الواحد لو عدلاً، وإلَّا تحرى وبنى على غالب ظنه.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - قدس سره -: اختلفت الأقوال في الرجل يصلي صلاة وهو على شك من دخول وقتها، قال الإِمام: لا تصح صلاته وإن وقعت في الوقت، وقال آخرون: جازت.
١٢٠٤ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية) محمد بن خازم، (عن المسحاج ابن موسى) بكسر أوله وسكون ثانيه ثم مهملة وآخره جيم، الضبي، أبو موسى الكوفي، مقبول (قال: قلت لأنس بن مالك: حَدِّثْنا ما سمعتَ من رسول الله ﷺ ) أو رأيت منه (قال: كنا) ضمير المتكلم اسمه، والجملة الشرطية خبره (إذا كنا مع رسول الله ﷺ في السفر فقلنا) في أنفسنا أو فيما بيننا: (زالت الشمس، أو لم تزل) أي نشك في زوال الشمس ولا نحس زوالها، (صلَّى) رسول الله ﷺ (الظهر) وصلينا معه (ثم ارتحل).
ومناسبة الباب في الحديث في قوله: "زالت الشمس أو لم تزل"، ولكن هذا الاستدلال على أنهم يصلون وهم شاكون في الوقت غير تام, لأنهم لا يصلون وهم شاكون، بل كانوا يشكون في الوقت ما دام لم يأمر النبي ﷺ بالأذان، فإذا أمر رسول ﷺ مؤذنه بالأذان وصلَّى، زال شكهم، وهذا ظاهر.
стр. 3046
١٢٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ (١) شُعْبَةَ, حَدَّثَنِى حَمْزَةُ الْعَايذِىُّ - رَجُلٌ مِنْ بَنِى ضَبَّةَ - قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلاً لَمْ يَرْتَحِلْ حَتَّى يُصَلِّىَ الظُّهْرَ, فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ". [ن ٤٩٨، حم ٣/ ١٢٠، خزيمة ٩٧٥]
(٢٧٥) بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتينِ
===
١٢٠٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن شعبة، حدثني حمزة العايذي- رجل من بني ضبة-) هو حمزة بن عمرو العايذي بالتحتانية ومعجمة، أبو عمرو، الضبي، البصري، صدوق، وقال ابن حبان في "الثقات": وهم من ضبطه بالجيم والراء (قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلًا لم يرتحل) أي إذا دخل وقت الظهر (حتى يصلي الظهر، فقال له رجل: إن) وصلية (كان) رسول الله ﷺ ، أو أداء الصلاة (بنصف النهار؟ ) أي قبل زوال الشمس (قال) أنس: (وإن كان بنصف النهار) أي فيما يبدو للناظر، أو في ظننا.
وهذه المسألة مجمع عليها, لأنَّ صلاة الظهر لا يجوز أداؤها قبل زوال الشمس إلَّا صلاة الجمعة والنوافل في يومها، فإنها تجوز عند بعض الأئمة قبل زوال الشمس، وكذلك النوافل عند أبي يوسف، قال في "شرح المنية": وروي عن أبي يوسف، وهي الرواية المشهورة عنه: أنه جوز التطوع وقت الزوال يوم الجمعة، أي من غير كراهة.
(٢٧٥) (بَابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) (٢)، أي للمسافر
قال العيني (٣): النوع الثاني في بيان مذاهب الأئمة في هذا الباب،
стр. 3047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فذهب قوم إلى ظاهر هذه الأحاديث، وأجازوا الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر في وقت أحدهما، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال ابن بطال: قال الجمهور: يجوز له الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقًا.
وقال شيخنا زين الدين: وفي المسألة ستة أقوال، أحدها: جواز الجمع مثل ما قاله ابن بطال، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأسامة بن زيد، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى، وابن عمر، وابن عباس، وبه قال جماعة من التابعين، منهم عطاء بن أبي رباح، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وربيعة الرأي، وأبو الزناد، ومحمد بن المنكدر، وصفوان بن سليم، وبه قال جماعة من الأئمة، منهم سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، ومن المالكية أشهب، وحكاه ابن قدامة عن مالك أيضًا، والمشهور عن مالك: تخصيص الجمع بجد السير.
والقول الثاني: إنما يجوز الجمع إذا جد به السير، روي ذلك عن أسامة بن زيد وابن عمر، وهو قول مالك في المشهور عنه.
والقول الثالث: إنه يجوز إذا أراد قطع الطريق، وهو قول ابن حبيب من المالكية، وقال ابن العربي: أما قول ابن حبيب فهو قول الشافعي, لأن السفر نفسه إنما هو لقطع الطريق.
والقول الرابع: إن الجمع مكروه، قال ابن العربي: إنها رواية المصريين عن مالك.
والقول الخامس: إنه يجوز جمع تأخير لا جمع تقديم، وهو اختيار ابن حزم.
стр. 3048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والقول السادس: إنه لا يجوز مطلقًا بسبب السفر، وإنما يجوز بعرفة والمزدلفة، وهو قول الحسن وابن سيرين وإبراهيم النخعي والأسود وأبي حنيفة وأصحابه، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، واختاره.
وفي "التلويح": وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منع الجمع في غير هذين المكانين، وهو قول ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص فيما ذكره ابن شداد في كتابه "دلائل الأحكام"، وابن عمر في رواية أبي داود، وابن سيرين، وجابر بن زيد، ومكحول، وعمرو بن دينار، والثوري، وأسود وأصحابه، وعمر بن عبد العزيز، وسالم، والليث بن سعد.
قال صاحب "التلويح": وأما قول النووي: إن أبا يوسف ومحمدًا خالفا شيخهما، وإن قولهما كقول الشافعي وأحمد، فقد رده عليه صاحب "الغاية في شرح الهداية" بأن هذا لا أصل له عنهما، قلت: الأمر كما قاله، وأصحابنا أعلم بحال أئمتنا الثلاثة - رحمهم الله تعالى-.
واستدل الذين قالوا بجواز الجمع بظواهر الأحاديث التي فيها ذكر الجمع بين الصلاتين في السفر، فروي الجمع بين الصلاتين عن علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن عباس، وأسامة بن زيد، وجابر، وخزيمة بن ثابت، وابن مسعود، وأبي أيوب، وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهم-.
واستدل الحنفية على عدم جواز الجمع حقيقة في غير عرفات والمزدلفة بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (١)، أي: أدوها في أوقاتها، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) أي لها وقت معين، له ابتداء لا يجوز المتقدم عليه، وانتهاء لا يجوز التأخر عنه.
стр. 3049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وحملوا الروايات التي فيها الجمع في السفر على الجمع الصوري، لأنه ﷺ صلَّى أول الصلاة في آخر وقتها، وثانيتها في أول وقتها لئلا يعارض خبر الواحد الآية القطعية، والأحاديث الصحيحة تؤيد ذلك الحمل على الجمع الصوري، فإنه روي عن ابن عباس ﵄ بطرق مختلفة: "صلَّى رسول الله ﷺ الظهر والعصر في المدينة في غير خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا لم فعل ذلك؟ قال: سألت ابن عباس كما سألتني، قال: أراد أن لا يُحرِجَ أحدًا من أمته"، أخرجه مسلم.
وفي أخرى عنه عند مسلم: "أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرِجَ أمته".
وفي رواية عنه عند مسلم وفيها: "في غير خوف ولا مطر"، وفي رواية عنه: "قال: صليت مع النبي ﷺ ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا, قلت: يا أبا الشعثاء! أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظنه ذلك" (١).
وقد قال الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلَّا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وفي رواية: ولا سفر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة (٢)، ومعنى قول الترمذي: أجمعت الأمة على ترك العمل به، أي من غير تأويل، وإلَّا فالحنفية عملوا بها بتأويل الجمع الصوري.
وقد روى البيهقي عن أبي العالية عن عمران "الجمع من غير عذر من الكبائر"، وأعله البيهقي بالإرسال، قال: أبو العالية لم يسمع من عمر، ورد
стр. 3050
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عليه صاحب "الجوهر النقي"، فقال: أبو العالية أسلم بعد موت النبي ﷺ بسنتين، ودخل على أبي بكر وصلى خلف عمر (١).
وقد حكى مسلم الإجماع على أنه يكفي لاتصال الإسناد المعنعن ثبوت كون الشخصين في عصر واحد، ويؤيده ما روى الترمذي (٢) بسنده عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر"، وقد ضعف الترمذي وغيره حنشًا.
ثم قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلَّا في السفر أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد, وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين.
وقد أطال الشوكاني (٣) الكلام في حديث ابن عباس في حمله على الجمع الصوري، وقال: وقد استدل بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقًا بشرط أن لا يتخذ ذلك خلقًا وعادة، قال في "الفتح" (٤): وممن قال به ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، وذهب الجمهور إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز.