. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يدل ذلك على أنه صواب، فكان في الحديث دليل على كون ابن آدم مأمورًا بالسجود، ومطلق الأمر للوجوب (١)، ولأن الله تعالى ذم أقوامًا بترك السجود فقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٢)، وإنما يستحق الذم بترك الواجب.
وأما استدلالهم بحديث الأعرابي بأنه قال له رسول الله ﷺ : لا، إلَّا أن تطوع، ففيه بيان الواجب ابتداءً لا ما يجب بسبب يوجد من العبد، ألا ترى أنه لم يذكر المنذور وهو واجب.
ثم اعلم أنه وقع الاختلاف في عدد سجود القرآن، فقال بعضهم: مواضع السجود خمسة عشر موضعًا، وذهب إلى ذلك: أحمد، والليث، وإسحاق، وابن وهب، وابن حبيب من المالكية، وابن المنذر، وابن سريج من الشافعية، وطائفة من أهل العلم، فأثبتوا في الحج سجدتين، وفي ص سجدة، وذهب أبو حنيفة وداود إلى أنها أربع عشرة سجدة، إلا أن أبا حنيفة لم يعد في سورة الحج إلَّا لسجدة واحدة، وعد لسجدة ص، وذهب الشافعي في القديم والمالكية إلى أنها إحدى عشرة، وأخرج سجدات المفصل وهي ثلاث (٣)، وذهب في قوله الجديد إلى أن أربع عشرة سجدة، وعد منها سجدات المفصل وسجدتين في الحج، ولم يعد سجدة ص.
واعلم أن أول مواضع السجود خاتمة الأعراف، وثانيها عند قوله في الرعد: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، وثالثها عند قوله في النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، ورابعها عند قوله في بني إسرائيل: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، وخامسها عن قوله
стр. 3397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في مريم: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾، وسادسها عند قوله في الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، وسابعها عند قوله في الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾، وثامنها عند قوله في النمل (١): ﴿رَبُّ اَلعَرْشِ اَلعَظِيمِ﴾، وتاسعها عند قوله في ألم تنزيل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وعاشرها في ص عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، والحادي عشر عند قوله في حم السجدة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقال أبو حنيفة، والشافعي، والجمهور عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، والثاني عشر عند قوله في النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، والثالث عشر عند قوله في إذا السماء انشقت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، والرابع عشر عند قوله في اقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، قاله الشوكاني (٢) بتغير يسير.
قلت: والذي قال الشوكاني: إن في ص لسجدة عند قوله: ﴿أَناَبَ﴾ مرجوح عند الحنفية، والراجح أن سجدة ص عند قوله: ﴿مَئَابٍ﴾.
قال في "مراقي الفلاح" (٣): وهذا أولى مما قاله الزيلعي: تجب عند قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، وعند بعضهم عند قوله تعالى: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ لما نذكره، وهكذا قال الشامي في "رد المحتار" (٤).
وقال في "البدائع" (٥): وما تعلق به الشافعي فهو دليلنا، فإنا نقول: نحن نسجد ذلك شكرًا لما أنعم الله على داود بالغفران، والوعد بالزلفى،
стр. 3398
١٤٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْبَرْقِيِّ، نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عن الْحَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ الْعُتَقِيِّ، عن عَبْدِ الله بْنِ مُنَيْنٍ
===
وحسن المآب، ولهذا لا يسجد عندنا عقب قوله: ﴿وَأَناَبَ﴾، بل عقيب قوله: ﴿مَئَابٍ﴾.
١٤٠١ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن البرقي) بفتح الموحدة، وسكون الراء بعدها قاف، هو محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيه بن أبي زرعة المصري، أبو عبد الله ابن البرقي، مولى بني زهرة، وقد نسب إلى جده، قيل له البرقي لأنه كان يَتَّجر هو وأخوه إلى برقة، قال النسائي: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان ثقة، حدث بكتاب المغازي عن عبد الملك بن هشام، قلت: جده الأعلى سعيه بسكون المهملة، وفتح التحتانية ثم هاء، ضبطه ابن ماكولا، والذي رأيته في "التقريب" (١) و"تذكرة الحفاظ" و"الأنساب" للسمعاني، فمكتوب فيها بصورة سعيد، وليس صورة سعيه، إلَّا في "تهذيب التهذيب" (٢).
(نا ابن أبي مريم) سعيد، (أنا نافع بن يزيد، عن الحارث بن سعيد العتقي) بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف، المصري، ويقال: ابن يزيد، ويقال: سعيد بن الحارث، والأول الأصح، قال ابن القطان الفاسي: لا يعرف له حال، وقرأت بخط الذهبي: لا يعرف، يعني حاله، كما قال ابن القطان.
(عن عبد الله بن منين) بنونين مصغرًا، اليحصبي بفتح التحتانية وسكون المهملة وكسر الصاد المهملة وقيل: بضم الصاد وهو الأشبه، هذه النسبة إلى يحصب، وهي قبيلة من حمير، وقيل: إن يحصب قرية من قرى حمص، والأول
стр. 3399
- مِنْ بَنِي عَبْدِ كُلَالٍ -، عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١): "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً في الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ في الْمُفَصَّلِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ" (٢). [جه ١٠٥٧، ق ٢/ ٣١٦، قط ١/ ٤٠٨، ك ١/ ٢٢٣]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رُوِيَ عن أَبِي الدَّرْدَاءِ، عن النَّبِيِّ ﷺ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ.
===
أشبه، كذا في "الأنساب" (٣): قال الحافظ (٤): قلت: وثقه يعقوب بن سفيان.
(من بني عبد كلال، عن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن. منها ثلاث) أي ثلاث سجدات (في المفصل) وهي سجدة النجم والانشقاق والعلق (وفي سورة الحج سجدتان) إحداهما متفق عليها، والثانية اختلف فيها، فالحنفية أنكروها (٥) والشافعية أثبتوها.
قال الشوكاني (٦): الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم، وحسنه المنذري والنووي، وضعفه عبد الحق وابن القطان، وفي إسناده عبد الله بن منين الكلابي (٧)، وهو مجهول، والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي المصري، وهو لا يعرف أيضًا.
(قال أبو داود: روي عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ إحدى عشرة سجدة، وإسناده واه) أخرج الترمذي (٨) حديث أبي الدرداء بلفظ: حدثنا
стр. 3400
١٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّ مِشْرَحَ بْنَ هَاعَانَ أَبَا الْمُصْعَبِ (١)
===
سفيان بن وكيع، نا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُمَر (٢) الدمشقي، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: "سجدث مع رسول الله ﷺ إحدى عشرة، منها التي في النجم"؛ ثم قال: حديث أبي الدرداء حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن أبي هلال عن عُمَر الدمشقي.
ثم أخرج فقال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، نا عبد الله بن صالح، نا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمر وهو ابن حَيَّان الدمشقي قال: سمعت مخبرًا يخبرني عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: سجدت، الحديث، ثم قال: وهذا أصح من حديث سفيان بن وكيع، عن عبد الله بن وهب.
قلت: وعُمَر الدمشقي مجهول، وهو يروي عن مخبر، ولم يسمه، وهو مجهول أيضًا.
١٤٠٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة أن مشرح) بكسر أولى وسكون ثانيه وفتح ثالثه وآخره مهملة (ابن هاعان) المعافري بفتحتين وفاء (أبا المصعب) البصري، قال حرب عن أحمد: معروف، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. قلت: وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ ويخالف، ثم قال في "الضعفاء": يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليه، فالصواب ترك ما انفرد به، وحكى العقيلي عن موسى بن داود بلغني أنه كان في جيش الحجاج الذين حاصروا ابن الزبير، ورموا الكعبة بالمنجنيق.
стр. 3401
حَدَّثَهُ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ حَدَّثَهُ قَالَ: "قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١): في سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأهُمَا". [ت ٥٧٨، حم ٤/ ١٥١، ك ١/ ٢٢١]
(٣٣٠) بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ في الْمُفَصَّلِ
١٤٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: نَا أَزْهَرُ بْنُ الْقَاسِمِ - قَالَ مُحَمَّدٌ:
===
(حدثه أن عقبة بن عامر حدثه قال: قلت لرسول الله ﷺ : في سورة الحج سجدتان؟ ) بتقدير الاستفهام (قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما) أي آيتي السجدة، قال أبو عيسى الترمذي (٢): هذا حديث ليس إسناده بالقوي، واختلف أهل العلم في هذا، فروي عن عمر بن الخطاب وابن عمر أنهما قالا: فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، ورأى بعضهم فيها سجدة، وهو قول سفيان الثوري، ومالك، وأهل الكوفة.
وقال الشوكاني (٣): وفي إسناده ابن لهيعة ومشرح بن هاعان، وهما ضعيفان، وقد ذكر الحاكم أنه تفرد به.
(٣٣٠) (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ في الْمُفَصَّلِ)
١٤٠٣ - (حدثنا محمد بن رافع، نا أزهر بن القاسم) الراسبي بكسر السين المهملة وباء موحدة، نسبة إلى راسب بطن من الأزد، أبو بكر البصري، نزيل مكة، قال أحمد والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ (قال محمد) بن رافع:
стр. 3402
رَأَيْتُهُ بِمَكَّةَ- نَا أَبُو قُدَامَةَ، عن مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ في شَيءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ" (١). [ق ٢/ ٣١٣]
===
(رأيته) أي أزهر بن القاسم (٢) (بمكة، نا أبو قدامة) الإيادي الحارث بن عبيد.
(عن مطر) بفتحتين، ابن طهمان (الوراق) أبو رجاء السلمي الخراساني، سكن البصرة، قال في "الميزان" (٣): قال ابن سعد: فيه ضعف في الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال أحمد ويحيى: ضعيف في عطاء خاصة، وكان يحيى القطان يشبه مطرًا الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال عثمان بن دحية: لا يساوي دستجة بقل (٤)، فهذا غلو من عثمان، فمطر من رجال مسلم، حسن الحديث.
(عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة) قال الزيلعي في "نصب الراية" (٥): قال عبد الحق في "أحكامه": إسناده ليس بقوي، ويروى مرسلًا، والصحيح حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وإسلامه متأخر، قدم على النبي ﷺ في السنة السابعة من الهجرة.
وقال ابن عبد البر: هذا حديث منكر، وأبو قدامة ليس بشيء، وأبو هريرة لم يصحب النبي ﷺ إلَّا بالمدينة، وقد رآه يسجد في الانشقاق والقلم، انتهى.
стр. 3403
١٤٠٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، نَا وَكِيعٌ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن يَزِيدَ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن زيدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: "قَرَأتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿النَّجْم﴾، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا". [خ ١٠٧٢، م ٥٧٧، ت ٥٧٦، ن ٩٦٠، حم ٥/ ١٨٣، خزيمة ٥٦٨، حب ٢٧٦٢، قط ١/ ٤٠٩، ق ٢/ ٣٢٤]
===
وقال ابن القطان في كتابه: وأبو قدامة الحارث بن عبيد، قال فيه ابن حنبل: مضطرب الحديث، وضعفه ابن معين، وقال النسائي: صدوق، وعنده مناكير، وقال أبو حاتم: كان شيخًا صالحًا، وكثر وهمه، ومطر الوراق كان سيِّئ الحفظ، حتى كان يشبه في سوء الحفظ بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد عيب على مسلم إخراج حديثه، انتهى.
وتأويل الحديث أن ابن عباس لعله لم يطلع عليه، وقال ذلك على حسب علمه، وأما غيره فقد اطلع عليه كأبي هريرة، فتؤخذ روايته لأنه مثبت.
١٤٠٤ - (حدثنا هناد بن السري، نا وكيع، عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن، (عن يزيد بن عبد الله بن قسيط) مصغرًا، ابن أسامة بن عمير الليثي، أبو عبد الله المدني، الأعرج، ثقة، (عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت قال: قرأت على رسول الله ﷺ النجم) أي سورة النجم (فلم يسجد فيها).
قال الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١): ذهب إلى هذا الحديث قوم فقلدوه، فلم يروا (٢) في "النجم" سجدة، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل فيها سجدة، وليس في هذا الحديث دليل عندنا على أنه لا سجود فيها،
стр. 3404
١٤٠٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، نَا أَبُو صَخْرٍ، عن ابْنِ قُسَيْطٍ، عن خَارِجَةَ بْنِ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، عن أبِيهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ. [انظر تخريج الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَانَ زيدٌ الإِمَامَ فَلَمْ يَسْجُدْ.
===
لأنه قد يحتمل أن يكون ترك النبي ﷺ السجود فيها حينئذ بأنه كان على غير وضوء فلم يسجد لذلك، ويحتمل أنه تركه, لأنه كان في وقت لا يحل فيه السجود، ويحتمل أن يكون تركه, لأن الحكم كان عنده في سجود التلاوة، أن من شاء سجد، ومن شاء تركه، ويحتمل أن يكون تركه لأنه لا سجود فيها، فلما احتمل تركه للسجود كل معنى من هذه المعاني، لم يكن هذا الحديث بمعنى منها أولى من صاحبه إلَّا بدلالة تدل عليه من غيره، انتهى.
ثم أخرج روايات تدل على أن فيها سجدة، عن أبي هريرة، وأبي الدرداء، والمطلب بن أبي وداعة، قلت: وأيضًا ليس الوجوب على الفور.
١٤٠٥ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، نا أبو صخر) هو حميد بن زياد، وهو ابن أبي المخارق المدني، الخراط، صاحب العباء، سكن مصر، ويقال: هو حميد بن صخر، أبو مودود الخراط، ويقال: إنهما اثنان، صدوق يهم، (عن ابن قسيط) يزيد بن عبد الله، (عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن النبي ﷺ بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.
(قال أبو داود: وكان زيد الإِمام) لأنه التالي (فلم يسجد) فلما لم يسجد الإِمام لا يجب على المقتدي السجود، ولعله كان هذا مذهب أبي داود، فأجاب عن الحديث على مذهبه (١).
стр. 3405
(٣٣١) بَابُ مَنْ رَأَى فِيهَا سُجُودًا
١٤٠٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ بِهَا (١)، وَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ، فَأَخَذ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ
===
(٣٣١) (بَابُ مَنْ رَأَى فِيهَا) أي في المفصل من السور (سُجُودًا)
١٤٠٦ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله) بن مسعود: (إن رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم (٢) فسجد بها) أي بعد ما قرأ آية السجدة (وما بقي أحد من القوم) أي قريش (إلَّا سجد)، أما المسلمون فسجدوا لسجود رسول الله ﷺ ، وأما المشركون فسجدوا لاستماع أسماء آلهتهم، أو لما ظهر لهم من سطوة سلطان العز والجبروت وسطوع الأنوار العظيمة والكبرياء من توحيد الله ، وصدق رسوله ﷺ حتى لم يبق لهم شك ولا اختيار، ولا أشر ونخوة واستكبار إلا من كان أشقى القوم وأطغاهم وأعتاهم، وهو الذي أخذ كفا من حصى فرفعه إلى وجهه.
(فأخذ رجل من القوم) قال الحافظ (٣): سماه في تفسير "سورة النجم" من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق: أمية بن خلف، ووقع في "سيرة ابن إسحاق" أنه الوليد بن المغيرة، وفيه نظر لأنه لم يقتل، انتهى. وقيل: سعيد بن العاص، وقيل: أبو لهب، وللنسائي من حديث مطلب بن أبي وداعة قال: "قرأ رسول الله ﷺ النجم، فسجد وسجد من معه، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد"، ولم يكن المطلب يومئذ أسلم، ومهما ثبت من ذلك فلعل ابن مسعود لم يره أو خص واحدًا بذكره لاختصاصه بأخذ الكف من التراب دون غيره.
стр. 3406
كَفًّا مِنْ حَصًا أَوْ تُرَاب، فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا". [خ ١٠٧٠، م ٥٧٦، ق ٢/ ٣٢٣]
===
(كفا من حصل أو تراب) شك من الراوي (فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا) أي ولم يسجد، (قال عبد الله: فلقد رأيته بعد ذلك قتل كافرًا) (١).
واعلم أن ها هنا قصة (٢) يلزم التعرض لها، وهي أنه أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة "والنجم" فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٣) ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾ الآية (٤).
وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال في
стр. 3407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إسناده: "عن سعيد بن جبير عن ابن عباس" فيما أحسب، ثم ساق الحديث، وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي، وذكره ابن إسحاق في "السيرة" مطولًا وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك موسى بن عقبة في "المغازي" عن الزهري، وكذا ذكره أبو معشر في "السيرة" له، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وأورده من طريقه الطبري، وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي، ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب، عن يحيى بن كثير، عن الكلبي، عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة، وسليمان التيمي عمن حدثه ثلاثتهم عن ابن عباس.
وأوردها الطبري أيضًا من طريق العوفي، عن ابن عباس، ومعناهم كلهم في ذلك واحد، وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف، وإلَّا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلًا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين، أحدهما ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فذكر نحوه، والثاني ما أخرجه أيضًا من طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.
وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعفه نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، وكذا قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب. وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية، قال: وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله، وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه، ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم، قال: ولم ينقل ذلك، انتهى.
стр. 3408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلًا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض.
وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: "ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره, لأنه يستحيل عليه ﷺ أن يزيد في القرآن عمدًا ما ليس منه، وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته.
وقد سلك العلماء في ذلك مسالك، فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، وهو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم الله آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة، ورده عياض بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي ﷺ ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم.
وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى حكايته عن الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (١) الآية، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة في طاعة.
وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوهم بذلك، فعلق ذلك بحفظه ﷺ ، فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوًا، وقد رد ذلك عياض فأجاد.
وقيل: لعله قالها توبيخًا للكفار، قال عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزًا، وإلى هذا نحا الباقلاني.
وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ خشي المشركون أن
стр. 3409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به، فبادروا إلى ذلك الكلام، فخلطوه في تلاوة النبي ﷺ على عادتهم في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (١)، ونسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم على ذلك، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس، وقيل: المراد بالغرانيق العلى الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله ويعبدونها، فسيق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ (٢) فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك، فنسخ الله تلك الكلمتين وأحكم آياته.
وقيل: كان النبي ﷺ يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات. ونطق بتلك الكلمات محاكيًا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها، قال: وهذا أحسن الوجوه (٣)، ويؤيده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس من تفسير "تمنى" بتلا.
وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل وقال قبله: إن هذه الآية نص في مذهبنا في براءة النبي ﷺ مما نُسِبَ إليه، قال: ومعنى قوله: "في أمنيته" أي في تلاوته، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنته في رسله إذا قالوا قولًا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي ﷺ لا أن النبي ﷺ قاله، قال: وقد سبق إلى ذلك الطبري لجلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوب على هذا المعنى وحوم عليه، قاله الحافظ في "الفتح" (٤)، ثم قال: وهذه القصة وقعت بمكة قبل الهجرة (٥) اتفاقًا.
стр. 3410
(٣٣٢) بَابُ السُّجُودِ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقرأ﴾
١٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى, عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: "سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ " (١). [م ٥٧٨، ت ٥٧٣، حم ٢/ ٢٤٩، ن ٩٦٧، جه ١٠٥٨، دي ١٤٧١]
١٤٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: نَا بَكْرٌ، عن أَبِي رَافِع قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فَسَجَدَ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ". [خ ٧٦٦،
م ٥٧٨، ن ٩٦٨، ق ٢/ ٣٢٢]
===
(٣٣٢) (بَابُ السجُودِ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وَ ﴿اَقرَأ﴾
١٤٠٧ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء) بكسر الميم وسكون التحتانية ثم نون، المدني البصري، مولى ابن أبي ذباب الدوسي، يكنى أبا معاذ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عيينة: عطاء بن ميناء من المعروفين من أبي هريرة.
(عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾).
١٤٠٨ - (حدثنا مسدد، نا المعتمر قال: سمعت أبي) أي سليمان (قال: نا بكر) بن عبد الله المزني، (عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة) أي العشاء (فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد) أبو هريرة (فقلت: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها) أي بهذه السجدة (خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه).
стр. 3411
(٣٣٣) بَابُ السُّجُودِ في ﴿ص﴾
١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا أَيُّوبُ،
===
وهذا الحديث يدل على أنه لا يكره قراءة السورة التي فيها السجدة في الفريضة، وقال مالك: يكره، قال في "المدونة" (١): وسألنا مالكًا عن الإِمام يقرأ السورة في صلاة الصبح فيها سجدة فكره ذلك، وقال: أكره للإمام أن يتعمد سورة فيها سجدة فيقرؤها, لأنه يخلط على الناس صلاتهم، فإذا قرأ سورة فيها سجدة سجدها.
قلت: وكذا يكره عند الحنفية أن يقرأ الإِمام السجدة في المخافتة ونحو جمعة وعيد، قال في "الدر المختار" (٢): ويكره للإمام أن يقرأها في مخافتة، ونحو جمعة وعيد، إلا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو سجودها، قال الشامي: قوله: ويكره, لأنه إن ترك السجود لها فقد ترك واجبًا، وإن سجد يشتبه على المقتدين.
قال الشوكاني (٣): وبهذا الدليل يرد على من قال بكراهة قراءة ما فيه سجدة في الصلاة السرية والجهرية كما روي عن مالك، أو السرية فقط كما روي عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل.
قلت: وهذه الكراهة لمصلحة خارجية فلا يرد عليهم (٤) بهذا الحديث.
(٣٣٣) (بَابُ السجود في (ص))
١٤٠٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا أيوب،
===
(١) (١/ ٢٩١).
(٢) (٢/ ٥٩٨).
(٣) "نيل الأوطار" (٢/ ٣٣٤).
(٤) وفي الأصل: "فلا يرد بها عليهما"، ولعل الصواب: "فلا يرد عليهم".
стр. 3412
عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَيْسَ ﴿ص﴾ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ (١) يَسْجُدُ فِيهَا". [خ ١٠٦٩، ت ٥٧٧، حم ١/ ٢٧٩، دي ١٤٦٧، ق ٢/ ٣١٨، خزيمة ٥٥٠]
===
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ليس ص) أي سجدة ص (من عزائم السجود) أي واجبات (٢) التلاوة، بل هو سجدة شكر، (وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها).
قال الطحاوي (٣): وقد اختلف في سجدة ص (٤) فقال قوم: فيها سجدة، وقال آخرون: ليس فيها سجدة، فكان النظر عندنا في ذلك أن يكون فيها سجدة، لأن الموضع الذي جعله من جعله فيها سجدة، موضع السجود هو موضع خبر، لا موضع أمر، وهو قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٥)، فذلك خبر، فالنظر فيه أن يُرَدَّ حكمه إلى حكم أشكاله من الأخبار، فيكون فيه سجدة كما يكون فيها.
وقد روي ذلك عن رسول الله ﷺ : حدثنا يونس بسنده، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ سجد في ص، وحدثنا علي بن شيبة بسنده، عن مجاهد قال: سئل ابن عباس عن السجدة في ص فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٦)، فبهذا نأخذ فنرى السجود في ص اتباعًا لما قد روي فيها عن رسول الله ﷺ ولما قد أوجبه النظر.
стр. 3413
١٤١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ-، عن ابْنِ أَبِي هِلالٍ، عن عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن سَعْدِ بْن أَبِي سَرْحٍ، عن أَبِي سعيد الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدة نزَلَ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِي، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ"، فَنَزَلَ فَسَجَدَ (١) وَسَجَدُوا". [دي ١٤٦٦، خزيمة ١٤٥٥، ق ٢/ ٣١٨، قط ١/ ٤٠٨، ك ٢/ ٤٣١]
===
وقد قال ابن عباس في هذا الحديث: وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها، فما قال ابن عباس: "ليس من عزائم السجود" هو رأي منه، وليس من قول النبي ﷺ ، وكم من آية في القرآن ذكر فيها المغفرة كما في قصة موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٢) فغفر له، ولم يسجد فيها النبي ﷺ ، فعلم من هذا أن السجدة ها هنا ليس لمجرد الشكر، بل هي للتلاوة والشكر جميعًا، ولا يستلزم كونها شكرًا أن لا يكون للتلاوة لعدم المنافاة بينهما.
١٤١٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو- يعني ابن الحارث-، عن ابن أبي هلال) هو سعيد، (عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ص، فلما بلغ السجدة) أي آيتها قرأها (نزل) عن المنبر (فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر) للجمعة وفي رواية: و (قرأها) مرة أخرى (فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ الناس) أي تأهبوا وتهيأوا (للسجود، فقال رسول الله ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تَشَزَّنتم) أي تهيأتم (للسجود، فنزل) عن المنبر (فسجد وسجدوا).
стр. 3414
(٣٣٤) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَهُوَ رَاكِبٌ (١)
١٤١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ أَبُو الْجُمَاهرِ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ-، عن مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن نَافِعٍ،
===
قال الزيلعي (٢) بعد نقل حديث ابن عباس وأبي سعيد: وعندي أنهما حجة لنا. وأجاب عنه صاحب "البدائع" (٣) فقال: وما تعلق به الشافعي فهو دليلنا، فإنا نقول: نحن نسجد ذلك شكرًا لما أنعم الله على داود بالغفران، والوعد بالزلفى، وحسن المآب، ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله: "وأناب" بل عقيب قوله: "مآب"، وهذه نعمة عظيمة في حقنا، فإنه يطمعنا في إقالة عثراتنا، وغفران خطايانا، وزلاتنا، فكانت سجدة تلاوة, لأن سجدة التلاوة ما كان سببها التلاوة، وسبب وجوب هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النعم على داود ﵊ وإطماعنا في نيل مثله.
وكذا سجدة النبي ﷺ في الجمعة الأولى، وترك الخطبة لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة، وتركه في الجمعة الثانية لا يدل على أنها ليست بسجدة تلاوة، بل كان يريد التأخير، وهي عندنا لا تجب على الفور، فكان يريد أن لا يسجدها على الفور.
(٣٣٤) (بابٌ: في الرَّجُلِ يَسْمَعُ السَّجْدة وهُوَ رَاكِبٌ)
أي: هل يسجد راكبًا على الدابة أو ينزل لها على الأرض؟
١٤١١ - (حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن نافع،
стр. 3415
عن ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ: مِنْهُمُ الرَّاكِبُ، وَالسَّاجِدُ في الأَرْضِ، حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ لَيَسْجُدُ (١) عَلَى يَدِهِ" [ق ٢/ ٣٢٥، ك ١/ ٢١٩، خزيمة ٥٥٦]
===
عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قرأ عام الفتح) أي فتح مكة (سجدة) أي آية سجدة بانضمام ما قبلها أو بعدها، أو منفردة لبيان الجواز, لأن الانفراد بها خلاف الاستحباب عندنا لإيهام تفضيل آي السجدة على غيرها.
قال ابن الهمام (٢): والمستحب أن يقرأ معها آيات ليكون أدل على مراد الآية، وليحصل بحق القراءة لا بحق إيجاب السجدة، إذ القراءة للسجود ليست بمستحبة، فيقرأ معها آيات ليكون قصده إلى التلاوة لا إلى إيجاب السجود.
(فسجد الناس كلهم: منهم الراكب، والساجد في الأرض حتى إن الراكب ليسجد على يده) أي يضع يده على السرج ثم يسجد عليها، قال ابن الملك: وهذا يدل على أن من يسجد على يده يصح إذا انحنى عنقه عند أبي حنيفة لا عند الشافعي، وهو غير مشهور في المذهب، ففي شرح "المنية": لو سجد بسبب الزحام على فخذه جاز، وكذا لو كان به عذر منعه عن السجود على غير الفخذ على المختار، ولا يجوز بلا عذر على المختار، كذا في "الخلاصة"، ولو وضع كفه بالأرض وسجد عليها يجوز على الصحيح ولو بلا عذر إلَّا أنه يكره، قال ابن الهمام (٣): إذا تلا راكبًا أو مريضًا لا يقدر على السجود أجزأه الإيماء، قاله القاري (٤).
قلت: قال في "البدائع" (٥): وما وجب من السجدة في الأرض لا يجوز على
стр. 3416
١٤١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ (١)، نَا ابْنُ نُمَيْرٍ - الْمَعْنَى- عن عُبَيْدِ الله، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ - قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: في غَيْرِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ اتَّفَقَا- فَيَسْجُدُ (٢) وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى لَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ". [خ ١٠٧٥، م ٥٧٥]
١٤١٣ - حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُود الرَّازِيُّ،
===
الدابة، وما وجب على الدابة يجوز على الأرض, لأن ما وجب على الأرض وجب تامًّا فلا يسقط بالإيماء الذي هو بعض السجود، فأما ما وجب على الدابة وجب بالإيماء لما روي عن علي ﵁ أنه تلا سجدة وهو راكب فأومأ بها إيماء، وروي عن ابن عمر أنه سئل عمن سمع سجدة وهو راكب قال: "فليومئ إيماء"، فما حكى ابن الملك من أن انحناء العنق للسجدة على الدابة كافٍ في أداء السجدة عند أبي حنيفة ليس هو غير مشهور في المذهب بل هو مشهور.
١٤١٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، ح: ونا أحمد بن أبي شعيب، نا ابن نمير) أي عبد الله (المعنى) أي معنى حديث يحيى وابن نمير واحد، (عن عبيد الله) بن عمر، (عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة، قال ابن نمير: في غير الصلاة) ولم يقل هذا اللفظ يحيى بن سعيد (ثم اتفقا) أي يحيى وابن نمير (فيسجد) رسول الله ﷺ (ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكانًا) في الأرض (لموضع) إما مصدر أي لوضع، وإما ظرف أي لمحل وضع (جبهته) لكثرة الزحام، وهذا الحديث لا مناسبة له بالترجمة إلا أن يقال: إن في بعض نسخ أبي داود زيادة في الترجمة وهو قوله: أو في غير الصلاة، فهذا الحديث يناسب هذا الجزء من الترجمة.
١٤١٣ - (حدثنا أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي،
стр. 3417
أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن نَافِع، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا (١) ". قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ الثَّوْرِيُّ يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يُعْجِبُهُ لأنَّهُ كَبَّرَ. [ق ٢/ ٣٢٥]
===
أنا عبد الرزاق، أنا عبد الله بن عمر)، قال الشوكاني (٢): الحديث في إسناده العمري عبد الله المكبر، وهو ضعيف، وأخرجه الحاكم من رواية العمري أيضًا لكن وقع عندهم مصغرًا، والمصغر ثقة، ولهذا قال: على شرط الشيخين.
(عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة) أي بآية السجدة (كبر) أي يقول: الله أكبر (وسجد وسجدنا، قال عبد الرزاق: وكان الثوري) أي سفيان (يعجبه هذا الحديث، قال أبو داود: يعجبه لأنه كبر) أي وجه إعجابه أنه ذكر فيه التكبير.
قال القاري: قال ابن الملك: وهذا يدل على أنه لا يكبر إلا للسجود، وبه أخذ أبو حنيفة، وعند الشافعي يرفع يديه ويكبر للإحرام ثم يكبر للسجود.
قال في البدائع (٣): وأما سنن السجود، فمنها أنه يكبر عند السجود، وعند رفع الرأس من السجود، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يكبر عند الانحطاط، وهي رواية عن أبي يوسف، والصحيح ظاهر الرواية لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال للتالي: "إذا قرأت سجدة فكبر واسجد، وإذا رفعت رأسك فكبر"، ولو ترك التحريمة يجوز عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز لأن هذا ركن من أركان الصلاة فلا يتأدى بدون التحريمة.
قلت: وكذا اختلف في التشهد والسلام، فعند الحنفية لا تشهد في سجود التلاوة ولا تسليم.
стр. 3418
(٣٣٥) بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَجَدَ
١٤١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا إِسْمَاعِيلُ، نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عن رَجُلٍ،
===
قال الشوكاني (١): وقال بعض أصحاب الشافعي: بل يتشهد ويسلم كالصلاة، وقال بعض أصحابه: يسلم ولا يتشهد إذ لا دليل.
(٣٣٥) (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَجَدَ)
أي: ما يقول في سجدة التلاوة؟
١٤١٤ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل، نا خالد الحذاء، عن رجل) زيادة "عن رجل" مختص بأبي داود والبيهقي، وقد أخرج الحاكم والترمذي والنسائي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد، عن أبي العالية، وأخرج الدارقطني من طريق سفيان بن حبيب، عن خالد الحذاء، عن أبي العالية، ولم يذكروا بين خالد وأبي العالية رجلًا كما ذكره أبو داود، وزاد الحاكم: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال في "تلخيصه": خالد بن عبد الله ووهيب وعبد الوهاب الثقفي عن الحذاء، عن أبي العالية، عن عائشة، ثم قال: زاد الثقفي: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ على شرطهما، وهذا يدل أن لا واسطة بين خالد وأبي العالية.
ولكن يشكل هذا بما حكى الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢): قال: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "كتاب العلل" عن أبيه: لم يسمع خالد الحذاء من أبي عثمان النهدي شيئًا، وقال أحمد أيضًا: لم يسمع من أبي العالية، وذكر ابن خزيمة ما يوافق ذلك ويشهد له، فإن هذا الكلام يدل على أن بينهما واسطة، وكذا يشكل ما حكم الحاكم بأنه صحيح على شرط الشيخين، فإن الانقطاع في السند مانع عن الحكم بالصحة للحديث.
стр. 3419
عن أَبِي الْعَالِيَةِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ في سُجُودِ الْقُرْاَنِ بِاللَّيْلِ، يَقُولُ في السَّجْدَةِ مِرَارًا: "سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ". [ن ١١٢٩، ت ٥٨٠، حم ٦/ ٣٠، ك ١/ ٢٢٠، ق ٢/ ٣٢٥]
(٣٣٦) بابٌ: فِيمَنْ يَقْرَأُ (١) السَّجْدَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ
١٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْعَطَّارُ،
===
(عن أبي العالية، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل، يقول في السجدة مرارًا)، قوله: يقول في السجدة مرارًا، زاده أبو داود في روايته، والبيهقي في روايته عن أبي داود، ولم يذكره غيرهما، والظاهر أنه مكرر.
(سجد وجهي للذي خلقه) وفي نسخة بعد قوله: خلقه "وصوره"، وقال الشوكاني: وزاد البيهقي "وصوره" بعد قوله: "خلقه" (وشق سمعه وبصره بحوله وقوته)، قال الشوكاني (٢): أخرجه أيضًا الدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن السكن، وقال في آخره: ثلاثًا، وزاد الحاكم: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
(٣٣٦) (بابٌ: فِيمَنْ يَقْرَأُ السَّجْدة بَعْدَ الصُّبْح)
أي: بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس هل يسجد أم لا؟
١٤١٥ - (حدثنا عبد الله بن الصباح العطار) هو عبد الله بن الصباح بن عبد الله الهاشمي، العطار، البصري، المربدي بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة ومهملة، مولى بني هاشم، ثقة، من كبار العاشرة.
стр. 3420
نَا أَبُو بَحْرٍ، نَا ثَابِتُ بْنُ عُمَارَةَ، نَا أَبُو تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيُّ قَالَ: "لَمَّا بَعَثْنَا الرَّكْبَ (١) - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي إِلَى الْمَدِينَةِ-
===
(نا أبو بحر) وهو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي، أبو بحر البكراوي البصري، اختلفوا فيه، قال ابن الجارود في "الضعفاء": قال البخاري: لم يتبين لي طرحه، ووثقه العجلي، وقال إسماعيل بن إسحاق، عن علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه، وحدث عنه، كذا قال الحافظ في "تهذيبه"، ولكن في "الميزان": ولا حدث عنه بشيء، وروى عباس عن يحيى بن معين أنه ضعيف، وكذا ضعفه النسائي، وقال أحمد: طرح الناس حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بشيء، يكتب حديثه، ولا يحتج به.
(نا ثابت بن عمارة) الحنفي، أبو مالك البصري، قال ابن معين: ثقة، وقال الدارقطني في "الجرح والتعديل": ثقة، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس عندي بالمتين.
(نا أبو تميمة) مكبر (الهجيمي) اسمه طريف بن مجالد، ثقة (قال) أبو تميمة: (لما بعثنا) بصيغة المجهول (الركب) منصوب بنزع الخافض، وهو في، أي بعثنا في الركب، أو بصيغة المعلوم والركب مفعول به، أي بعث قومنا الركب.
(قال أبو داود: يعني) أي يريد أبو تميمة بقوله: بعثنا أي بعثنا (إلى المدينة)، وهذا الكلام أي من قوله: "قال: لما بعثنا" إلى قوله: "إلى المدينة" لم يذكره البيهقي في "سننه" فيما أخرجه بسنده عن أبي داود بهذا السند، ولفظه: "ثنا أبو تميمة الهجيمي قال: كنت أقص بعد صلاة الصبح فأسجد" الحديث.
стр. 3421
قَالَ: كُنْتُ أَقُصُّ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَأَسْجُدُ (١)، فَنَهَانِي ابْنُ عُمَرَ، فَلَمْ أَنْتَهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٢)، ثُمّ عَادَ فَقَالَ: إِنِّي صليتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَلَمْ يَسْجُدُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ". [حم ٢/ ٢٤، ق ٢/ ٣٢٦]
===
(قال) أبو تميمة: (كنت أقص) أي أذكر الناس (بعد صلاة الصبح) فأقرأ فيه آية السجدة (فأسجد) لها قبل طلوع الشمس (فنهاني ابن عمر، فلم أنته ثلاث مرات) أي نهاني ثلاث مرات (ثم عاد) في الرابعة (فقال) ابن عمر: (إني صليت) أي صلاة الصبح (خلف رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان) فكانوا إذا قرؤوا آية السجدة بعدها (فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس).
قال البيهقي (٣): وهذا إن ثبت مرفوعًا فنختار له تأخير السجدة حتى يذهب وقت الكراهة، وإن لم يثبت رفعه فكأنه قاسها على صلاة التطوع، ونستدل إن شاء الله على تخصيص ما له سبب عن النهي المطلق، ويذكر عن عطاء وسالم وقاسم وعكرمة أنهم رخصوا في السجود بعد الصبح وبعد العصر، وثابت عن كعب بن مالك أنه سجد للشكر حين سمع البشرى بالتوبة، وكان ذلك في زمان النبي ﷺ ، انتهى.
ومذهب الحنفية في ذلك أيضًا أنه لا يكره سجدة التلاوة بعد صلاة الفجر، والجواب عن هذا الحديث أنه ضعيف, لأن أبا بحر ضعيف.
стр. 3422
بَابُ تَفْرِيعِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ
(٣٣٧) بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوِتْرِ
===
(بَابُ تَفرِيعِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ) (١)(٣٣٧) (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوِتْرِ)
بكسر واوه ويفتح، قال في "غيث النفع": قرأ الأخوان بكسر الواو، والباقون بالفتح لغتان كالحِبر والحَبر، والفتح لغة قريش ومن والاها، والكسر لغة تميم.
واختلفوا في بيان صفة الوتر أنه واجب أم سنَّة، فعند أبي حنيفة فيه ثلاث روايات: روى حماد بن زيد عنه أنه فرض، وروى يوسف بن خالد السمتي أنه واجب، وروى نوح بن أبي مريم المروزي في "الجامع" عنه أنه سنَّة، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد والشافعي (٢) ﵏، وقالوا: إنه سنَّة مؤكدة آكد من سائر السنن المؤقتة.
واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم: الوتر، والضحى، والأضحى" (٣)، وفي رواية: "ثلاث كتبت علي وهي لكم سنَّة: الوتر، والضحى، والأضحى".
وعن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله كتب عليكم
стр. 3423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في كل يوم وليلة خمس صلوات" (١)، وقال ﷺ في خطبة الوداع: "صلوا خمسكم".
وكذا المروي في حديث معاذ أنه لما بعثه إلى اليمن قال له: "أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" (٢).
ولو كان الوتر واجبًا لصار المفروض ست صلوات في كل يوم وليلة، ولأن زيادة الوتر على خمس المكتوبات نسخ لها, لأن الخمس قبل الزيادة كانت كل وظيفة اليوم والليلة، وبعد الزيادة تفسير بعض الوظيفة، فينسخ وصف الكلية بها، ولا يجوز نسخ الكتاب والمشاهير من الأحاديث بالآحاد.
ولأن علامات السنن فيها ظاهرة فإنها تؤدى تبعًا للعشاء، والفرض ما لا يكون تابعًا لفرض آخر، وليس لها وقت ولا أذان ولا إقامة ولا جماعة، ولفرائض الصلوات أوقات وأذان وإقامة وجماعة، ولذا يُقرأ في الثلاث كلها، وذا من أمارات السنن.
ولأبي حنيفة (٣) ما روى خارجة بن حذافة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى زادكم صلاة، ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" (٤).
стр. 3424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنه أمر بها، ومطلق الأمر للوجوب.
والثاني: أنه سماها زيادة، والزيادة على الشيء لا تتصور إلَّا من جنسه، فأما إذا كان غيره فإنه يكون قِرانًا لا زيادة، ولأن الزيادة إنما تتصور على المقدَّر وهو الفرض، فأما النفل فليس بمقدر فلا تتحقق الزيادة عليه.
ولا يقال: إنها زيادة على الفرض، لكن في الفعل لا في الوجوب، لأنهم كانوا يفعلونها قبل ذلك، ألا ترى أنه قال: "ألا وهي الوتر" ذكرها مُعَرَّفَةً بحرف التعريف، ومثل هذا التعريف لا يحصل إلَّا بالعهد، ولذا لم يستفسروها، ولو لم يكن فعلها معهودًا لاستفسروا، فدل أن ذلك في الوجوب لا في الفعل.
ولا يقال: إنها زيادة على السنن لأنها كانت تؤدى قبل ذلك بطريق السنَّة، وروي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "أوتروا يا أهل القرآن، فمن لم يوتر فليس منا"، ومطلق الأمر للوجوب، وكذا التوعد على الترك دليل الوجوب، وروى أبو بكر أحمد بن علي الرازي بإسناده عن أبي سليمان بن أبي بردة عن النبي ﷺ أنه قال: "الوتر حق واجب، فمن لم يوتر فليس منا"، وهذا نص في الباب.
وعن الحسن البصري أنه قال: أجمع المسلمون على أن الوتر حق واجب، وكذا حكى الطحاوي فيه إجماع السلف ومثلهما لا يكذب، ولأنه إذا فات عن وقته يقضى عندهما، وهو أحد قولي الشافعي، ووجوب القضاء عن الفوات لا عن عذر يدلس على وجوب الأداء، ولذا لا يؤدى على الراحلة بالإجماع عند القدرة على النزول، وبعينه ورد الحديث، وذا من أمارات الوجوب والفرضية، ولأنها مقدرة بالثلاث، والتنفل بالثلاث ليس بمشروع.
стр. 3425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما الأحاديث، أما الأول ففيه نفي الفرضية دون الوجوب, لأن الكتابة عبارة عن الفرضية، ونحن به نقول: إنها ليست بفرض ولكنها واجبة، وهي آخر أقوال أبي حنيفة ﵀، والرواية الأخرى محمولة على ما قبل الوجوب، ولا حجة لهم في الأحاديث الآخر, لأنها تدل على فرضية الخمس.
والوتر عندنا ليست بفرض بل هي واجبة، وإذا لم يكن فرضًا لم تصر الفرائض الخمس ستًا بزيادة الوتر عليها، وبه تبين أن زيادة الوتر على الخمس ليس نسخًا لها, لأنها بقيت بعد الزيادة كلُّ وظيفة اليوم والليلة فرضًا، أما قولهم: إنه لا وقت لها، فليس كذلك، بل لها وقت، وهو وقت العشاء، إلَّا أن تقديم العشاء عليها شرط عند التذكر، وذا لا يدل على التبعية، كتقديم كل فرض على ما يعقبه من الفرائض، ولهذا اختص بوقت استحسانًا، فإن تأخيرها إلى آخر الليل مستحب، وتأخير العشاء إلى آخر الليل يكره أشد الكراهة، وذا أمارة الأصالة إذ لو كانت متابعة للعشاء لتبعته في الكراهة والاستحباب جميعًا.
وأما الجماعة والأذان والإقامة فلأنها من شعار الإِسلام، فتختص بالفرائض المطلقة. ولهذا لا مدخل لها في صلاة النساء (١) وصلاة العيدين والكسوف، وأما القراءة في الركعات كلها، فلضرب احتياط عند تباعد الأدلة عن إدخالها تحت الفرائض المطلقة على ما نذكر، "بدائع" (٢).
ثم اختلفوا في عدد ركعاتها، فقال قوم: الوتر ركعة من آخر الليل، وقال بعضهم: الوتر ثلاث ركعات يسلم في الاثنين منهن وفي آخرهن، وقال بعضهم: الوتر ثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن، وقال بعضهم:
стр. 3426
١٤١٦ - حدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا عِيسَى، عن زكرِيَّا، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن عَاصِمٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ
===
المصلي بالخيار إن شاء أوتر بركعة، وإن شاء أوتر بثلاث، وإن شاء أوتر بخمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة، وقد أطال الطحاوي فيه البحث في "شرح معاني الآثار" (١)، والشيخ النيموي أورد بحثه في "آثار السنن" (٢)، فأوجز وأبلغ وأجاد وأحسن، جزاهم الله تعالى خير الجزاء.
وقال الزرقاني في "شرح الموطأ" (٣): اختلف فيه في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة، قاله ابن التين، وزاد غيره: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محل القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله، وهل يسن ركعتان بعده، وفي صلاته عن قعود، لكن هذا الأخير يبني على كونه مندوبًا أم لا، واختلف في أول وقته أيضًا، وفي أنه أفضل صلاة التطوع، أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر، انتهى.
١٤١٦ - (حدثنا إبراهيم بن موسى) الملقب بالصغير، (أنا عيسى) أي ابن يونس، (عن زكريا) أي ابن أبي زائدة، (عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن عاصم) بن ضمرة، (عن علي) بن أبي طالب ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ : يا أهل القرآن) قال القاري (٤): أي أيها المؤمنون به، فإن الأهلية عامة شاملة لمن آمن به سواء قرأ أو لم يقرأ، وإن الأكمل منهم من قرأ وحفظ وعلم وعمل ممن تولى قيام تلاوته وأحكامه.
стр. 3427
أَوترُوا، فَإِنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ". [ت ٤٥٣، جه ١١٦٩، ن ١٦٧٥، دي ١٥٧٩، حم ١/ ٨٦، خزيمة ١٠٦٧، ق ٢/ ٤٦٨، ك ١/ ٣٠٠]
١٤١٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو حَفْصٍ الأبَّارُ، عن الأَعْمَشِ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن أَبِي عُبَيْدَةَ، عن عَبْدِ اللهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ. زَادَ: "فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: لَيْسَ لَكَ وَلَا لأَصْحَابِكَ". [جه ١١٧٠، ق ٢/ ٤٦٨]
===
(أوتروا) أي صلوا الوتر (فإن الله وتر) قال الطيبي (١): أي واحد في ذاته لا يقبل الانقسام، وواحد في صفاته فلا شبه له، ولا مثل له، وواحد في أفعاله فلا شريك له ولا معين (يحب الوتر) أي يثيب عليه ويقبله من عامله.
١٤١٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو حفص الأبار) بفتح الألف وتشديد الباء المنقوطة بواحدة، وفي آخرها الراء، هذه النسبة إلى عمل الإبر، وهي جمع إبرة التي يخاط بها الثياب، هو عمر بن عبد الرحمن بن قيس الكوفي الحافظ، أبو حفص الأبار، نزيل بغداد، وثقه ابن معين وابن سعد والدارقطني، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: صدوق.
(عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبو عبيدة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (زاد) أي إبراهيم (٢) بن موسى: (فقال أعرابي) حين حدث عبد الله بن مسعود بهذا الحديث (ما تقول؟ ) وفي رواية ابن ماجه: فقال أعرابي: ما يقول رسول الله ﷺ ؟ (قال) أي عبد الله في جواب الأعرابي: أليس لك ولا لأصحابك) أي هذا الحكم ليس لك.
قال في "إنجاح الحاجة": أشار عبد الله إلى أن الأعراب ليست بداخلة في
стр. 3428
١٤١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْنَى قَالَا: نَا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ الزَّوْفِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ الزَّوْفِيِّ، عن خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ،
===
أمر هذا الحديث, لأن أكثرهم جفاة غلاظ لا يتعلمون القرآن، فكأن عند عبد الله سنية الوتر لأصحاب القرآن للذين يتلونه آناء الليل وهم يسجدون، وعند الجمهور من آمن بالقرآن فهو من أهله، فدخل جميع المسلمين في الخطاب.
١٤١٨ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هو هشام بن عبد الملك، (وقتيبة بن سعيد المعنى) أي معنى حديثيهما واحد (قالا: نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزوفي) بفتح الزاي وسكون الواو وفي آخرها فاء، والنسبة إلى زوف، وهو بطن من مراد، أبو الضحاك المصري، وليس له حديث إلَّا في الوتر، ولا يعرف سماعه من أبي مرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال: يروي عن عبد الله بن أبي مرة إن كان سمع منه، فمن اعتمده فقد اعتمد إسنادًا مشوشًا، وقال في "الميزان" (١): ولا هو بالمعروف.
(عن عبد الله بن أبي مرة) ويقال: مرة (الزوفي) شهد فتح مصر، وروى عن خارجة بن حذافة العدوي حديث الوتر، وعنه عبد الله بن راشد الزوفي، قال البخاري: لا يعرف إلا بحديث الوتر، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: إسناد منقطع، ومتن باطل، قلت: وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال الخطيب: ابن أبي مرة وهو المشهور، وكان بكر بن بكار يقول: ابن مرة.
(عن خارجة بن حذافة) بمضمومة وخفة معجمة وفاء، ابن غانم القرشي العدوي بعين ودال مفتوحتين، صحابي، سكن مصر، له حديث واحد في الوتر، روى عنه عبد الله بن أبي مرة وعبد الرحمن بن جبير، قال البخاري: لا يعرف سماع بعضهم من بعض، قلت: وقال ابن يونس في "تاريخ مصر": واختطَّ بها،
стр. 3429
- قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: الْعَدَوِيِّ - قَالَ: "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ الله تَعَالَى قَدْ أَمَدَّكُمْ (١) بِصَلَاةٍ وَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ". [ت ٤٥٢، جه ١١٦٨، دي ١٥٧٦، ك ١/ ٣٠٦، ق ٢/ ٤٧٨]
===
وكان أمير ربع المدد الذين أمد بهم عمر بن الخطاب عمرو بن العاص، وكان على شرطة مصر في إمرة عمرو بن العاص لمعاوية.
وقال ابن حبان في "الثقات": يروي عن النبي ﷺ في الوتر، والإسناد مظلم، وقال ابن عبد البر: قتله أحد الخوارج الثلاثة الذين انتدبوا لقتل علي ومعاوية وعمرو، فأراد الخارجي قتل عمرو فقتل خارجة، وذلك أنه استخلفه ذلك اليوم لصلاة الصبح، فلما قتله أخذ وأدخل على عمرو، فقال الخارجي: أردت عمرًا وأراد الله خارجة.
(قال أبو الوليد) أي شيخ المصنف في حديثه: (العدوي) أي زاد بعد قوله: عن خارجة بن حذافة، لفظ العدوي، فهو صفة لخارجة، ولم يذكره قتيبة بن سعد.
(قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: إن الله تعالى قد أمدكم) أي زادكم (بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها) أي صلاة الوتر (لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر).
قال الحافظ في "الدراية" (٢): أخرجه الأربعة إلَّا النسائي من حديث خارجة بن حذافة، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، قلت: والذهبي في "تلخيصه" فصحَّحاه، وأخرجه أحمد والدارقطني والطبراني وابن عدي في ترجمة عبد الله بن أبي مرة، ونقل عن البخاري: لا يعرف سماع بعضهم من بعض، وغلط ابن الجوزي فضعفه بعبد الله بن راشد عن الدارقطني، وإنما ضعف
стр. 3430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الدارقطني عبد الله بن راشد البصري، وأما هذا فهو مصري زوج صرح بنسبته النسائي في "الكنى".
وأخرج إسحاق والطبراني من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد، عن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ : "إن الله زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم الوتر، وهي لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر"، هكذا قال قرة بن عبد الرحمن عن يزيد، وخالفه الليث وابن إسحاق فقالا: عن يزيد، عن عبد الله بن راشد، عن عبد الله بن أبي مرة، عن خارجة بن حذافة، وهو المحفوظ، وقد رواه ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي تميم، عن عمرو بن العاص، عن أبي بصرة، أخرجه الحاكم، ولم يتفرد به ابن لهيعة، بل أخرجه أحمد والطبراني من وجهين جيدين عن ابن هبيرة.
وفي الباب عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله ﷺ مستبشرًا فقال: "إن الله قد زاد لكم صلاة وهي الوتر" (١)، أخرجه الدارقطني والطبراني وفيه النضر أبو عمر ضعيف، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه، أخرجه الدارقطني وفيه العرزمي وهو ضعيف، وعن ابن عمر نحوه، أخرجه الدارقطني في "الغرائب" وفيه حميد بن أبي الجون وهو ضعيف، وعن أبي سعيد رفعه: "إن الله زادكم صلاة وهي الوتر"، أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" بإسناد حسن.
قال البزار: أحاديث هذا الباب معلولة، وقال غيره: ليس في قوله: "زادكم" دلالة على وجوب الوتر, لأنه لا يلزم أن يكون المراد من جنس المزيد عليه، فقد روى محمد بن نصر المروزي في "الصلاة" من حديث أبي سعيد رفعه: "إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم، ألا وهي
стр. 3431
(٣٣٨) بابٌ: فِيمَنْ لَمْ يُوتِرْ
١٤١٩ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالْقَانِيُّ،
===
الركعتان قبل الفجر" وأخرجه البيهقي، ونقل ابن خزيمة أنه قال: لو أمكنني لرحلت في هذا الحديث، انتهى.
قلت: وقد ذكر ابن الهمام في "فتح القدير على الهداية" (٢) هذا الإشكال ثم قال: فالأولى التمسك فيها بما في أبي داود، عن أبي المنيب عبيد الله العتكي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني"، ورواه الحاكم وصححه، وقال: أبو المنيب ثقة، ووثقه ابن معين أيضًا، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: صالح الحديث، وأنكر على البخاري إدخاله في "الضعفاء"، وتكلم فيه النسائي وابن حبان، وقال ابن عدي: لا بأس به، فالحديث حسن، انتهى.
وقال الترمذي (٣) بعد تخريج حديث خارجة: وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وبريدة، وأبي بصرة صاحب النبي ﷺ ، قال أبو عيسى: حديث خارجة بن حذافة حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث يزيد بن أبي حبيب، وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث فقال: عبد الله بن راشد الزرقي وهو وهم، انتهى.
(٣٣٨) (بابٌ: فِيمَنْ لَمْ يُوترْ)
أي: في وعيد من لم يوتر
١٤١٩ - (حدثنا ابن المثنى، نا أبو إسحاق الطالقاني) هو إبراهيم بن
стр. 3432
نَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدة، عن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْس مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوْتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوْتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا". [حم ٥/ ٣٥٧، ك ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦، ق ٢/ ٤٧٠]
===
إسحاق بن عيسى البناني - بضم الموحدة وتخفيف النون - مولاهم، أبو إسحاق، نزيل مرو، وربما نسب إلى جده، قال ابن معين: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، يقول بالإرجاء، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ ويخالف.
(نا الفضل بن موسى، عن عبيد الله بن عبد الله العتكي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا).
قال الزيلعي في "نصب الراية" (١): ورواه الحاكم في "المستدرك" (٢) وصححه، وقال: أبو المنيب ثقة، ووثقه ابن معين أيضًا، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو صالح الحديث، وأنكر على البخاري إدخاله في "الضعفاء"، وتكلم فيه النسائي وابن حبان والعقيلي، وقال ابن عدي: هو عندي لا بأس به، انتهى.
وقال في "الدراية" (٣): وعن أبي هريرة رفعه: "من لم يوتر فليس منا"، أخرجه أحمد، وإسناده ضعيف.
و[عن] عبد الله بن مسعود رفعه: "الوتر واجب على كل مسلم"، أخرجه البزار، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف، وقد ذكر البزار أنه تفرد به.
стр. 3433
١٤٢٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن ابْنِ مُحَيْرِيزٍ: "أنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلاً بِالشَّامِ يُدْعَى أَبَا مُحَمَّدٍ
===
١٤٢٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز) عبد الله: (أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي) قال الزرقاني (١): بميم مضمومة وفتح الدال المهملة وكسرها بعدها جيم فتحتية آخره، منسوب إلى مخدج بن الحارث، كذا في الترتيب (٢)، وقال ابن عبد البر (٣): لقب وليس بنسب في شيء من قبائل العرب، قال: وهو مجهول لا يعرف بغير هذا الحديث. وقيل: اسمه رفيع، انتهى.
وقال في "الميزان" (٤): المخدجي عن عبادة في الوتر لا يعرف، وقال السيوطي في "إسعاف المبطَّأ": قال ابن عبد البر: وهو مجهول وصحح حديثه، قال في "القاموس": مخدج بن الحارث أبو بطن، منهم رفيع المخدجي.
(سمع رجلًا بالشام يدعى أبا محمد) قال الزرقاني (٥): الأنصاري صحابي، قال في "الإصابة": قيل: اسمه مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم، وقيل: مسعود بن زيد بن سبع، وقيل: اسمه قيس بن عامر بن الحارث الخولاني حليف بني حارثة من الأوس، وقيل: مسعود بن يزيد، عداده في الشاميين، وسكن داريا. وقيل: اسمه سعد بن أوس، وقيل: قيس بن عباية، قال ابن يونس: شهد فتح مصر، وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر، وزعم الكلبي أنه شهد بدرًا، ثم شهد مع علي صفين.
стр. 3434
يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ. قَالَ الْمُخْدَجِيُّ: فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ
===
(يقول: إن الوتر واجب) قال الزرقاني: وبه قال ابن المسيب وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود والضحاك، رواه ابن أبي شيبة عنهم، وأخرج عن مجاهد: "الوتر واجب ولم يكتب"، ونقله ابن العربي عن أصبغ وسحنون وكأنهما أخذاه من قول مالك: من تَرَكه أُدِّب، وكان جرحة في شهادته، كذا في "الفتح" (١)، وقال ابن زرقون: قال سحنون: يجرح تارك الوتر، وقال أصبغ: يؤدب تاركه فجعلاه واجبًا.
(قال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت، فأخبرته، فقال عبادة: كذب أبو محمد)
قال الزرقاني (٢): قال الباجي: أي وهم وغلط، والكذب ثلاثة أوجه: أحدها على وجه السهو فيما خفي عليه ولا إثم فيه، والثاني أن يعمده فيما لا يحل فيه الصدق كأن يسأل عن رجل يراد قتله ظلمًا، فيجب الكذب ولا يخبر بموضعه، والثالث يأثم فيه صاحبه وهو قصد الكذب فيما يحرم فيه قصده.
(سمعت رسول الله يقول: خمس صلوات كتبهن) أي فرضهن (الله على العباد) فأفاد أنه لم يكتب غيرهن ومنه الوتر (فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن)، قال الباجي (٣): احترازًا من السهو والنسيان الذي لا يمكن لأحد الاحتراز منه إلَّا من خصه الله تعالى بالعصمة، وقال ابن عبد البر: ذهبت طائفة إلى أن التضييع اليسار إليه هنا أن لا يقيم حدودها من مراعاة وقت
стр. 3435
كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يأتِ بِهِنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ". [ن ٤٦١، جه ١٤٠١، حم ٥/ ٣١٧، وانظر الحديث رقم ٤٢٥]
===
وطهارة وإتمام ركوع وسجود ونحو ذلك، وهو مع ذلك يصليها، انتهى. ويؤيده رواية الترمذي وأبي داود من وجه آخر، عن عبادة عنه ﷺ : "خمس صلوات افترضهن الله" الحديث.
(كان له عند الله عهد أن يدخله) الله (الجنة) مع السابقين أو من غير تقدم عذاب (ومن لم يأت بهن) على الوجه المطلوب شرعًا (فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه) عدلًا (وإن شاء أدخله الجنة) برحمته فضلًا.
وقد أخرج الحديث أحمد والنسائي وابن ماجه من طريق مالك، وصححه ابن حبان والحاكم وابن عبد البر، وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود والترمذي والنسائي والبيهقي، وله شاهد عند محمد بن نصر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، ووجه استدلال عبادة بهذا على أن الوتر ليس بواجب جعله العهد لمن جاء بهن، فيفيد دخولها وإن لم يجئ بغيرهن ومنه الوتر، قاله الزرقاني (١).
قلت: والجواب عنه أنه لا حجة لهم في الحديث لأنها تدل على فرضية الخمس، والوتر عند أبي حنيفة ليست بفرض بل هي واجبة، والفرق بين الواجب والفرض، كفرق ما بين السماء والأرض على أنه ورد في الحديث مثل هذا كثيرًا، مثلًا قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلَّا الله دخل الجنة"، وهذا وعد لمن قال تلك الكلمة وإن لم يجئ بغيرها، فيفيد دخولها لمن اكتفى على ذلك، ومع هذا لا يستدل به على عدم فرضية الفرائض من الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها.