← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أبي المظفر الآمدي (١)، والإِمام فخر الدين الرازي (٢)، وغيرهم من كبار علماء الشافعية، والعلَّامة جمال الدين ابن الحاجب (٣)، والعلامة أبو إسحاق الشاطبي (٤) من علماء المالكية، والإِمام محمد بن الحسين أبو يعلى (٥) والعلامة ابن قدامة المقدسي (٦) من علماء الحنبلية، مؤلفاتهم الشهيرة في علم الأصول، وسارت بها الركبان، ودرجت الأجيال على دراستها، وحفظ بعضها وشرحها عدة قرون. وصنف الإِمام علي بن محمد بن عبد الكريم فخر الإِسلام البزدوي (٧) (م ٤٨٢ هـ) من علماء الحنفية كتابه المشهور بـ "أصول البزدوي"، وصنف الشيخ العلَّامة حسام الدين محمد بن محمد بن عمر أخسيكثي الحنفي (٨) (م ٦٤٤ هـ) كتابه "المنتخب الحسامي"، وألف الشيخ العلامة كمال الدين بن همام الحنفي (٩) (م ٨٦١ هـ) كتابه المشهور "التحرير". وتداولت الأيدي هذه الكتب، وأقبل عليها العلماء دراسة وتدريسًا وشرحًا وتلخيصًا، حتى جاء الشيخ العلَّامة محب الله بن عبد الشكور الحنفي البِهَاري الهندي (١٠) (م ١١١٩ هـ) فصنّف كتابه المشهور "مسلَّم الثبوت"، فتهافت عليه العلماء والمؤلفون، وتناولوه بالشرح والتعليق، وقد شغل هذا الكتاب أذكى علماء البلاد وأبرعهم أكثر من قرن، وبلغ عدد شروحه وتعليقاته

стр. 37

التي اشتهرت بين الناس ثمانية شروح على ما جاء في كتاب "الثقافة الإِسلامية في الهند " للعلَّامة السيد عبد الحي الحسني، وكان ذلك طبيعيًا ومعقولًا، ومما اقتضته طبيعة اختلاف المذاهب وطبيعة العلم والبحث. إن هذه الحركة العلمية القوية التي انتشرت في مختلف أنحاء العالم الإِسلامي، واستمرت إلى عهد قريب، وظهرت بشكل خاص في مجال شروح الحديث وكتب التفسير وأصول الفقه، أفادت النشاط العقلي والعلمي في العالم الإِسلامي إفادًة كبيرة, لأنها مخضت المكتبة الإِسلامية الدينية، وغربلتها غربلة، ونخلت كتب الحديث والرجال وعلمي الأصول، للاحتجاج لما كان يراها المؤلفون وعلماء المذاهب من الآراء الفقهية من الكتاب والسنَّة والحديث الصحيح، وإقامة الدليل والبرهان عليه، فلم يبق جانب من جوانب الحديث النبوي وما يتصل به من علوم ومقدمات إلَّا وكشف عنه، ولا موضوع له نسب قريب أو بعيد بالسنَّة وآيات الأحكام إلَّا وبحث ودرس ونوقش، واستعملت العقول في ذلك إلى أقصى حدودها، فكان كل ذلك بما يعود على الشريعة الإِسلامية بالنفع، وتكوَّنت هذه المكتبة الدينية التي لا نظير لها في الملل والأمم. وفي سنة ١٣٣٥ هـ حين بلغ الشيخ أربعًا وستين سنة من عمره، جاء الوقت الموعود المقدر لتأليف هذا الكتاب، فذكر أمنيته القديمة التي لم تفارقه مدة حياته الدراسية والتأليفية لتلميذه الذي ظهرت عليه آثار النجابة والنبوغ، واختص بالشيخ اختصاصًا لم يكتب لغيره، وهو العالم الناهض محمد زكريا- ابن صديقه مولانا محمد يحيى الكاندهلوي- الذي تخرج من المدرسة حديثًا، وعيِّن مدرسًا صغيرًا فيها، وذكر أنه لا يزال عنده حنين كامن لتأليف هذا الكتاب، إلَّا أن الأسباب لم تتهيَّأ له، وقد وهنت قواه وضعف بصره. وكان أكبر الاعتماد في إنجاز هذا العمل على والده العظيم الشيخ محمد يحيى الذي رزق قسطًا كبيرًا من الذكاء وحسن الملكة في علم الحديث، وكان من أنجب تلاميذ الشيخ الإِمام المحدث مولانا رشيد أحمد

стр. 38

الكَنكَوهي (١)، وكان شديد التجاوب معه، عجيب التوارد في المباحث العلمية، والمسائل الغامضة الدقيقة خصوصًا في تطبيق الحديث والفقه، وبيان الحجج والدلائل للمذهب الحنفي، وقد توفي ﵀ في سنة ١٣٣٤ هـ، ففقد لوفاته العضد الأيمن والمساعد الأكبر، وحزن عليه حزنًا شديدًا لخسارة العلم ورزيئة صناعة التعليم فيه، وكان دائمًا يشعر بمكانه الشاغر، وقال له وهو يمشي معه مرة: إذا ساعدتني أنت وزميلك حسن أحمد (٢) في تأليف هذا الشرح فلعل ذلك يحقق أمنيتي. ولما وصل الشيخ الكبير إلى هذه النقطة من حديثه اهتزَّ له تلميذه النجيب، وصادف ذلك رغبة ملحة دفينة في نفسه في الحرص على خدمة الحديث الشريف والمثابرة عليه، والتفاني فيه، وإفناء العمر والقوى في سبيله، ولم يكن يجد لذلك سبيلًا، ولا يصدق أنه ممكن؛ لأنه الآن في الشوط الأول من التدريس، فمتى يصل إلى الاشتغال بكتب الحديث، وكيف تتأتى له هذه الفرصة؟ فكان قد دعا الله مخلصًاومبتهلًا حين قرأ فاتحة الفراغ على والده وأستاذه، أن لا ينقطع عن الاشتغال بالحديث، ويظل حياته عاكفًا عليه بالتدريس والتأليف، فكأنما تكلم الشيخ على لسانه، وعَبَّر عن جَنانه، وتحقق حلمه اللذيذ الذي كان يراه بعيد المنال وضربًا من المحال فلم يتمالك نفسه، وانفجر قائلًا: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (٣). ولعلَّ الله أجاب دعائي وقص عليه القصة بطولها، وفرح الشيخ ودعا له بالتوفيق، وأملى أسماء كتب يُستعان بها في هذا الموضوع، وابتدأ العمل من غدٍ، وكان ذلك لليلة خلت من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة وألف.

стр. 39

وكان منهج التأليف أن الشيخ كان يرشد إلى مظان الموضوع في الكتب التي جمعت، وتوجد في مكتبة المدرسة، وكان التلميذ يجمع المواد العلمية وما كتبه المتقدمون من الشراح والمؤلفين، ويقرأها على الشيخ، فيختار منها ما يستحسنه، ويملي الشرح. واستمر العمل، والشيخ لا هَمَّ له ولا لذة إلَّا في هذا العمل الذي يعدُّه من أعظم القربات، ومن أفضل العبادات، والتلميذ لا شغل له - إلَّا ساعات تمضي في دروس معدودة- إلَّا مطالعة الكتب وجمع المواد وعرضها على الشيخ. ومضت على ذلك تسعة أشهر، وتمَّ شرح الجزء الأول في سلخ ذي القعدة ١٣٣٥ هـ، وكان الشيخ قد ملكته فكرة هذا التأليف وتغلغلت في أحشائه، وخالطت لحمه ودمه، وسيطرت على مشاعره وتفكيره وذوقه، حتى كان آخر ما يفكر فيه قبل النوم وأول ما يهتم به عند اليقظة، وحق له أن ينشد بلسان الشاعر الحماسي (١): أآخر شيء أنت في كل هَجْعَة؟ ... وأول شيء أنت عند هبوبي ولا يفهم ذلك إلَّا من أكرمه الله بالغرام بمبدأ سام ومقصد رفيع، فكان ذلك عنده مقياس الرضا ووسيلة القرب، فبمقدار عناء الرجل في هذا العمل وإعانته عليه ومساهمته فيه كان حظيًا عنده، وجيهًا في عينه، وقد عرف الناس ذلك وانتفعوا به، وتقربوا إليه. ذكرني هذا بما ذكره القاضي ابن شدّاد (٢) عن السلطان صلاح الدين الأيوبي (٣)، يقول: "ولقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاء عظيمًا، بحيث ما كان له حديث إلَّا فيه،

стр. 40

ولا نظر إلَّا في آلته، ولا كان له اهتمام إلَّا برجاله، ولا ميل إلَّا إلى من يذكره ويحث عليه، وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد" (١). ومن يقرأ كتب التراجم والطبقات، يرى أمثلة هذا الشغف والاستغراق عند كثير من العلماء والمؤلفين والعظماء والمصلحين في مشاربهم وأذواقهم. وإذا استولى هذا الحب على إنسان، وجرى منه مجرى الروح والدم أتى بالعجائب، وكان مصدر إلهام وتوجيه، وقد وقع للشيخ بعض حوادث غريبة، فمنها أنه رأى مرة فيما يرى النائم كأن مُنَبِّهًا يُنَبِّهَهُ على خطأ في هذا الشرح، وقد فرغ منه، فلما استيقظ دعا تلميذه الشيخ محمد زكريا، وأخبره بهذه الرؤيا , ولما راجع هذا المقام وجد أن فيه خطأ فأصلحه. وكان العمل قائمًا على قدمٍ وساقٍ، وكان الشيخ منصرفًا إليه بقلبه وقالبه، وتلميذه مقبلًا عليه بجميع قواه ومواهبه، إذ عرضت للشيخ رحلة إلى الربوع المقدسة مهبط الوحي ومدرسة الحديث الأولى، وأبدى التلميذ - بما رأى من حرص الشيخ على إتمام هذا الكتاب مع ضعفه وعلوّ سنّه - رغبته في المرافقة، فقبلها الشيخ مسرورًا، وأَمَلَ في تمام هذا العمل، وتوجَّها على بركة الله إلى الحرمين الشريفين، وذلك في شهر شوال سنة ١٣٤٤ هـ. ولم يزالا مكبين على إتمام هذا الشرح، منقطعين إليه، لا يتخللهما إلَّا العبادة والفرائض الدينية والأمور الطبيعية. وكان الشيخ له دعوات ثلاث، وأماني عزيزة، لا تعدل بها أمنية، أُولاهما: أن تقوم في الحجاز حكومة إسلامية مستقرة، ويسود في ظلها الأمن والسلام وتستقر الأمور، والثانية: إكمال "بذل المجهود"، والثالثة:

стр. 41

أن يوافيه الوقت الموعود في مدينة الرسول ويدفن في البقيع. وقد أجاب الله دعواته الثلاث التي دعا بها على الملتزم، وحقق هذه الأماني كلها. ولثمان بقين من شعبان- ٢١ شعبان- سنة ١٣٤٥ هـ تحققت أمنيته الكبرى التي غَذَّاها بدم قلبه فتم الشرح، وقد كانت مدة تأليفه عشر سنوات وخمسة أشهر، وزادت عليها عشرة أيام، وتم الكتاب في خمسة مجلدات كبار وفي ألفين من الصفحات بالقطع الكبير، فكان له يوم عيد، بل يومٌ ما جاء عليه يومٌ هو أكثر فرحًا وسرورًا فيه من هذا اليوم، فعين يومًا (وهو يوم الجمعة ٢٣ شعبان سنة ١٣٤٥ هـ) لضيافة علماء المدينة وأحِبَّته وأصدقائه، شكرًا لله تعالى وإبداءً لسروره وفرحه، وصنع طعامًا كثيرًا على طريقة أهل الحجاز، وأخبر تلاميذه ومريديه وأحبته في الهند بهذا الموعد المبارك ليشاركوه في السرور والشكر. وقد وهب للمدرسة - مظاهر علوم - حقوق هذا الكتاب تنتفع به وهي صاحبة الامتياز في طبعه، وقد طبع مرتين. وهذه هي الطبعة الثالثة بالحروف العربية للمرة الأولى، مع زيادات وإفادات مهمة للشيخ محمد زكريا الذي كان له النصيب من أول عهد تأليف هذا الكتاب. نسأل الله أن ينفع به طلبة العلم، ويجعله ذخرًا له في الآخرة، وذكرًا في الدنيا، وصدقة جارية وباقية صالحة. خصائص هذا الشرح وكلمة عن خصائص هذا الشرح والتزامات المؤلف التي التزمها وعُني بها عناية خاصة، ونؤثر الإِجمال والإِشارة، فإنما يعرف فضل هذا المجهود العلمي من باشر تدريس هذا الكتاب مدة طويلة، وعرضت له مشكلات فنية.

стр. 42

فمنها: أن المؤلف اهتم بأقوال الإِمام أبي داود صاحب الكتاب وكلامه في الرواة أو في إيضاح بعض ما ورد في الحديث اهتمامًا كبيرًا. ومنها: أنه اهتم بتصحيح نسخ السنن المختلفة المنتشرة، ويراه القارئ كمثال في "باب افتتاح الصلاة" في حديث أبي حميد الساعدي. ومنها: الاهتمام البالغ بتخريج التعليقات والفحص عنها في كتب أخرى وذكرها، وإذا لم ينجح في ذلك بعد التتبع البليغ صرح بذلك في غير تردد. ومنها: تطبيق الروايات بالترجمة، وقد ظهرت في ذلك دقة فهمه وطول تأمله، وحيث تكررت الأبواب دفع ذلك وذكر حكمة هذا التكرار، ونضرب له مثلًا "باب صفايا رسول الله ﷺ من الأموال"، و"باب سهم الصفي"، فليراجع في كتاب الخراج والفيء والإِمارة. ومنها: أنه حكم في ما اختلف فيه الشُرَّاح بما شرح الله له صدره، وفتح عليه، وتكلم بكلامٍ فصلٍ يثلج الصدر ويحلّ العقدة. ومنها: أن أكثر الكتب التي ألفت في الهند في شرح كتب الحديث، أو في إثبات المذهب الحنفي، أو في مسألة خلافية، كان يغلب عليها في العهد الأخير الأسلوب الكلامي والاستدلال العقلي، وتكثر فيها اللطائف العلمية، ومع الاعتراف بقيمتها العلمية والكلامية وحسن قصد المؤلفين وعلو كعبهم في العلم يؤخذ عليها أنها لم تكن على طريقة المحدثين وشرَّاح الحديث المتقدمين، ويقلُّ فيها الكلام على الرواة والجرح والتعديل وعلل الحديث وطبقاته وإلى غير ذلك من المباحث الحديثية. ويُستثنى من ذلك كتابان من تأليف علماء المذهب الحنفي في الهند في العهد الأخير، أولهما: "كتاب المحلى شرح الموطأ"، للشيخ

стр. 43

سلام الله ابن شيخ الإِسلام الدهلوي الرامفوري (١) (م ١٢٢٩ هـ أو ١٢٣٣ هـ)، وثانيهما: "آثار السنن" و"التعليق الحسن على آثار السنن" (٢) للشيخ العلَّامة ظهير حسن النيموي البِهَاري الهندي (٣) (م ١٣٢٩ هـ). أمَّا هذا الشرح فيمتاز بأنه كتب على نهج المشتغلين بالحديث والباحثين فيه وكبار الشراح الذين تلقَّت الأمة شروحهم بقبولٍ عام، وانتفع بها طلبة العلم في كل عصر، واشتمل على بحوث قيمة في أسماء الرجال وأصول الحديث، وعارض مؤلفه الحجة بالحجة، وكان كلامه في أكثر الأحيان محدودًا في صناعة الحديث ومتعلقاتها من الفنون. وقد استفاد المؤلف في هذا الشرح بتحقيقات شيخه الإِمام المحدث مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهى التي جاءت في دروسه، وضبطها وقَيَّدها تلميذه النابغة الشيخ محمد يحيى، وكان من خصائصه أنه يتحرز بقدر الإِمكان عن نسبة الخطإ إلى الراوي، وإذا التجأ إليه الشراح ولم يروا من ذلك بدًّا فَضَّل الشيخُ العلامةُ تأويل ذلك بما يُسيغه الفهم، ويقبله العاقل المنصف. ومثال ذلك الرواية التي جاء فيها وضع الخاتم، فقد ذهب جميع المحدثين إلى أنه وهم من الزهري، ولكن مؤلف "بذل المجهود" أوَّل ذلك تأويلًا حسنًا، وهو مقتبس من كلام الشيخ الكَنكَوهي، فليراجع ذلك في "باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى" في كتاب الطهارة. ومنها: لطائف الاستنباط التي احتوى عليها هذا الشرح ويراها القارئ منثورة في ثنايا هذا الكتاب.

стр. 44

ومن المباحث اللطيفة التي ظهرت فيها سلامة فكر المؤلف واطلاعه الواسع على كتب الحديث مسألة القسامة، ويزول بكلامه اختلاف الروايات. وكذلك من محاسن الكتاب ومن مواضعه المهمة التي ظهر فيها جهد المؤلف وإمعانه: أحاديث الفتن والملاحم، وقد اجتهد في تعيين هذه الفتن التي أشير إليها في هذه الأحاديث، واهتم بترجيح الراجح، وعين بعضها باجتهاده واستقصائه، ويرى القارئ مثاله في شرح كلام قتادة حيث جاء في الكتاب: "وكان قتادة يضعه على الردة التي في زمن أبي بكر على أقذاء، يقول: "قَذى وهُدنة"، يقول: صلحٌ على دخن: على ضغائن". وقد أشار في شرح حديثه إلى فتنة الشريف حسين بن علي، فليراجع ذلك في حديث عبد الله بن عمر الذي جاء فيه: "ثم يصطلح الناس على رجل كوَرِكٍ على ضلع" (١)، وذكر ذلك في تفصيل ووضوح. ويظهر في كلامه في مثل هذه المناسبات ثقته بتحقيقه وجزمه بما توصل إليه في البحث والتأمل، ولا يغلب عليه التواضع والتردد، فيبعث هذا الجزم والثقة واليقين في نفس القارئ، وهذا من سياسة التعليم وحكمة التربية ومن محاسن الشرح. وقد يتردَّد الشارح في صحة لفظ ورد في حديث، فيجتهد في تحقيقه اجتهادًا بالغًا ولا يدَّخِرُ جهدًا. ويرى القارئ نموذج ذلك في "باب عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون" في كتاب الجهاد، فقد ورد في متن الحديث عن علي بن أبي طالب قال: "خرج عبدان إلى رسول الله ﷺ يعني يوم الحديبية قبل الصلح" وقد أطال الشارح الكلام في وقوع القصة يوم الحديبية، وأثبت أن

стр. 45

هذه القصة وقعت في غزوة الطائف، وقال: لقد تحيرت في هذه القصة التي قد وقعت في حديث "أبي داود" و"الترمذي" و"المستدرك" في الحديبية، فالظاهر أن الذي ذكر أنها وقعت في الحديبية غلط من بعض الرواة بثلاثة أوجه. وذكر هذه الأوجه بتفصيل، وذكر أن لفظ الحديبية ليس من علي بن أبي طالب، بل من بعض الرواة, لأن في لفظ الرواية لأبي داود زاد لفظ: "يعني قبل يوم الحديبية"، فهذا يدل على أن لفظ الحديبية ليس في أصل الحديث، بل زاده بعض الرواة على ما فهم من لفظ شيخه. ولو سُلّمَ أن هذه القصة وقعت في الحديبية أيضًا، فالمراد بقوله: "ناس" بعض الكفار من قريش الذين كانوا موجودين هناك لا الصحابة إلى آخر كلامه، فليراجع (١)، وهذا تحقيق شريف خلت عنه الشروح. ونقتصر في هذه العجالة على هذه الإِشارات، ونحيل القارئ الذكي إلى مطالعة أصل الكتاب بإمعان النظر، فكما قال الشاعر: في طلعة الصبح ما يغنيك عن زحل ونرى لزامًا وحقًا علينا أن نشكر تلاميذ الشيخ العلامة مولانا محمد زكريا الكاندهلوي الذين عكفوا على خدمة هذا الكتاب بالمراجعة مع الأصول وانتساخ التعليقات ووضعها في محلها وغير ذلك، في مقدمتهم: - الشيخ تقي الدين الندوي المظاهري أستاذ الحديث في مدرسة فلاح الدارين بتركيسر (ولاية كَجرات). فقد فرغ وقته لخدمة هذا الكتاب، وعكف عليه سنة كاملة. - والعالمان الشابان محمد عاقل، ومحمد سلمان. - ولا ننسى فضل الزميلين العزيزين: الشيخ محمد معين الندوي،

стр. 46

والأستاذ سعيد الأعظمي الندوي في فكرة طبع هذا الكتاب، وإبرازه في هذا المظهر الجميل وما ذللا في طريق نشره من الصعاب وما وفقا له من مجهود مشكور، وعمل مبرور، واخلاص موفور، والله يتولى مكافأة الجميع، ويتقبل عملهم. ونسأل الله أن ينفع بهذا الأثر العلمي الجليل، ويُحَبِّبُ به السنَّةَ والحديث إلى نفوس القُّرَّاء، ويُلْهم العمل به، ويرفع الهمم، ويُشَحِّذ العزائم إلى دراسته وخدمته، إنه على كل شيء قدير. أبو الحسن علي الحسني الندوي رئيس دار العلوم - ندوة العلماء - لكهنؤ، الهند ٢٩/ ٢/ ١٣٩٢ هـ

стр. 47

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة عن "سنن أبي داود" وشرحه "بذل المجهود" في غاية الوجازة بقلم: المحدِّث الكبير العلَّامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري (١) لست أريد البحث عن الإِمام أبي داود ومفاخره التي امتاز بها بين قرنائه، ولا عن كتابه "السنن" الذي ألَّفه، ولا المقارنة بينه وبين الكتب المؤلَّفة في هذا الموضوع، فإنه بحر لا ينزف، ومَعين لا ينضب، ثم كل من المؤلف والمؤلَّف أصبح كشمس في رابعة النهار، تنبعث أشعَّته الحمراء السَّاطعة في مشارق الأرض ومغاربها فاستغنى عن البيان. وقد مضى عليه قرون متطاولة يُثنى عليه من عهد التأليف إلى اليوم، ولم يقصروا في الثناء الوافر العاطر، وتسابق فيه أقلام الجهابذة من كبار المحدثين الذين يعرفون هذه الدقائق بثلج صدر، وتغلغلت فيه الكتابات إلى أعماق البحث، لم يغادروا صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصوها، فأنَّى لمثلي أن يُسابق بظالعه في حَلْبة يتسابق في رهانه كلّ ضليع.

стр. 48

بيد أنَ تمهيدًا لما أقوله في الشرح أضطر إلى شيء من خصائص "السنن" ومؤلّفه، صفوتُ كلمات الجهابذة ولباب ثناء الصيارفة، مساهمة للسعداء لكي أنال السعادة. وَإِذَا سَخَّرَ الإِلهُ أُناسًا ... لسعيدٍ فَإِنَّهُم سُعَدَاء كلمة عن الإِمام أبي داود (١) هو الإِمام أحد حفّاظ الإِسلام لحديث رسول الله ﷺ وعلمه، وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، من فرسان الحديث، وهو الإِمام المقدم في زمانه لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحد في زمانه. وهو الإِمام الحافظ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، ويقال: "السجزي"، نسبة غير قياسية إلى سجستان. كما في "القاموس". وسجستان إقليم معروف بخراسان وراء الهراة جنوبًا كما حققه العلماء، وليست نسبة إلى قرية "سجستان" من قرى البصرة، كما ردّه ابن السبكي في "طبقاته"، وياقوت الحموي في "معجمه" وغير واحد. وهو معرَّب "سيستان" كما يقوله الصاغاني، وهو المعروف الجاري على الألسنة، لا كما يرجح الفيروزآبادي أنه معرب "سكستان"، ويرجح فتح السين. انظر: "تاج الزبيدي. وُلد سنة ٢٠٢ هـ، وتوفي ٢٧٥ هـ بالبصرة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شوال، ودُفِن إلى جانب قبر سفيان الثوري. قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: الذين أخرجوا وميّزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، وبعدهما أبو داود، والنسائي، انتهى.

стр. 49

وقال الخطيب ومَن بعده: أحد مَن رحل وطوّف وجمع وصنَّف وكتب عن العراقيين والخراسانيّين والشاميّين والمصريّين والجزريّين، انتهى. وقال الحافظ موسى بن إبراهيم: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنّة، انتهى. وعدَّه أبو إسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء" من جملة أصحاب الإِمام أحمد بن حنبل، كما قال ابن خلّكان. روى عن أحمد بن حنبل وابن معين وقتيبة بن سعيد وطبقتهم كأبي عمرو الضرير، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبي، وابن رجاء، وأبي الوليد الطيالسي، وأحمد بن يونس، وأبي جعفر النفيلي، وسليمان بن حرب، وخلق كثير بالحجاز والشام ومصر والعراق والجزيرة والثغر وخراسان. كما في "طبقات الذهبي". وعنه: الترمذي، والنسائي، وابنه أبو بكر، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عوانة، وأبو بشر الدولابي مِن أعلام الحديث وأئمّة التحديث، وعلي بن الحسن بن العبد أبو علي الأنصاري، وأبو أسامة محمد بن عبد الملك، وأبو سعيد بن الأعرابي، وأبو علي اللؤلؤي، وأبو بكر بن داسة، وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي، وأبو عمرو أحمد بن علي. وهؤلاء السبعة الآخِرون رووا عنه "سننه" كما يقوله الذهبي في "طبقاته" (٢/ ١٥٣). واللؤلؤي هذا لزم أبا داود مدة طويلة يقرأ "السنن" للناس، كما قاله ابن العماد في "الشذرات" (٢/ ٢٣٤). وإنَّ أبا الحسن علي بن الحسن بن العبد سمع كتاب "السنن" على أبي داود ست مرّات، كما في آخر نسخة عبد الغني المقدسي بخطّه في الآستانة كما يحكيه الكوثري. وأيضًا في روايته زيادات في الكلام على الرجال، كما يقوله الحافظ ابن حجر.

стр. 50

وأيضًا يرويه عنه أبو إسحاق الرملي. نسبة إلى رَمْلَة فلسطين أو محلة بسرخس كما في "غاية المقصود". وتختلف النسخ والروايات كما فصّله الكوثري في رسالته المتعلقة برسالة أبي داود. ويقول بعض الأئمة كما حكاه الذهبي وقبله الخطيب وبعده ابن كثير وغيره: كان أبو داود يُشبّه بأحمد بن حنبل في هَدْيه ودَلِّه وسمته، وكان أحمد يُشَبّه بوكيع، ووكيع بسفيان الثوري، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم النخعي، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود، وابن مسعود بالنبي ﷺ في هديه ودَلِّه. وقد سمع منه الإِمام أحمدُ بن حنبل شيخُه حديثَ العتيرة: أن رسول الله ﷺ سُئِل عن العتيرة فحسَّنها. قال ابن أبي في داود: قال أبي: فذكرته لأحمد بن حنبل فاستحسنه، وقال: هذا حديث غريب، وقال لي: اقعد، فدخل فأخرج محبرة وقلمًا وورقة وقال: أَمْلِه عليَّ، فكتبه عنِّي. كما في "تاريخ الخطيب" (٩/ ٥٧). وهذا هو حديث العتيرة الذي رواه عنه أحمد، لا ما فهمه محمود السبكي في "المنهل العذب المورود"- ولعله لم يقف على كلام الخطيب- فقال: وهو حديث "لا فرع ولا عتيرة"، ما رواه أحمد والبخاري ومسلم، فتنبّه. وكفى بهذه المفاخر مفخرة للإِمام علم الإِسلام عن أعيان جهابذة الأمة- فرحمه الله ورضي عنه -. التعريف بكتاب "السنن" له ١ - قال زكريا - وهو الإِمام أبو يحيى بن يحيى الساجي محدِّث البصرة-: كتاب الله أصل الإِسلام، و"سنن أبي داود" عهد الإِسلام، انتهى. حكاه الذهبي في "الطبقات" (٢/ ١٥٤).

стр. 51

٢ - قال الخطابي أوَّل شارح لـ "سننه" (١): إنَّ كتاب "السنن" لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف في الدِّين كتاب مثله، وقد رزق القَبول من كافّة الناس، فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء، فلكل فيه ورد ومنه شرب، وعليه معوّل أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار الأرض، وهو أحسن رصفًا وأكثر فقهًا من "الصحيحين"، والحديث منه صحيح وحسن، وكتاب أبي داود جامع لهما ... إلخ. ٣ - لما صنّفه وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده واستحسنه. كما في "تاريخ الخطيب" وغيره. ٤ - يقول الذهبي في "سير النبلاء" (٢): وهو أوفى كتاب في أحاديث الأحكام المسندة، وشطر أحاديثها أخرجه الشيخان، وهو أعلى ما أخرجه، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر، [ثم يليه ما رَغِبا عنه، وكان إسناده جَيّدًا]، ثم يليه ما كان إسناده صالحًا وقبله العلماء، ثم يليه ما ضعف إسناده ... إلى آخر ما قاله الذهبي في "سِيَر النبلاء" كما حكاه الكوثري. ٥ - يقول ابن الأعرابي: إن حصل لأحد علم كتاب الله و"سنن أبي داود" يكفيه ذلك في مقدمات الدِّين. ويقول: لو أنَّ رجلاً لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف وثم كتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيء من العلم، انتهى. ٦ - ويقول الإِمام حجة الإِسلام الغزالي كما يحكيه ابن كثير: يكفي للمجتهد معرفته من الأحاديث النبوية، انتهى. ٧ - وأوفى ما قاله هو نفسه في كتابه - وأهل مكة أدرى بشعابها -

стр. 52

وهناك ما نلتقطه من كلماته عن بعض رواته، وما في رسالته إلى أهل مكة، وهي رسالة لا يستغني عنها باحثٌ في مراتب أحاديث كتاب أبي في داود كما يقوله شيخنا الكوثري، فيقول: ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلَّموا مِن هذا الكتاب. ويقول: والأحاديث التي وضعتها في كتاب "السنن" أكثرها مشاهير. ويقول: وإن من الأحاديث في كتاب "السنن" ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلَّس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند خاصة أهل الحديث على معنى أنه متصل، إلى أن قال: وأما ما في كتاب السنن من هذا النحو فقليل. ويقول أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، وانتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب "السنن" جمعتُ فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ... إلخ. حكاه الخطيب في "تاريخه". ويزيد عليه أبو داود نفسه في رسالته إلى أهل مكة: "ونحو ستمائة حديث من المراسيل ... " إلخ. ويقول في رسالته: "ولم أكتب في الباب إلَّا حديثًا أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح لأنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته". ويقول: "ليس في كتاب "السنن" الذي صنَّفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث بيّنت أنه منكر"، انتهى. قال الراقم: ويقول الحافظ ابن رجب في "شرح علل الترمذي" - كما حكاه الكوثري -: مراده أنه لم يخرج لمتروكِ الحديثِ عنده على ما ظهر له، أو لمتروك متفق على تركه، فإنه قد أخرج لمن قد قيل فيه: إنه متروك ... إلخ.

стр. 53

يقول الراقم: وربما انتقى من روايته، فليس كل متروك يروي دائمًا متروكًا، أو يكون جميع ما يرويه متروكًا دائمًا، وربما يروي ما يكون صحيحًا أو على الأقل متحمّلًا. وهناك نظائر، إنَّ كثيرًا من المحدّثين ربما يختارون وينتقون من روايات الضعيف ما يتحمل على حسب أذواقهم وبصائرهم، وبصيرتهم تفصل بين الضعيف وغيره، وليس المدار دائمًا على الراوي، وإنما دخل في البين الذوق والبصيرة والقرائن والشواهد وما إلى ذلك. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ويقول أبو داود: وليس ثلث هذه الكتب (أي الكتب في السنن) فيما أحسبه في كتب جميعهم أعني مصنفات مالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الرزّاق. وقال: ولا أعرف أحدًا جمع على الاستقصاء غيري. ويقول: ولم أصنِّف في كتاب "السنن" إلَّا الأحكام، ولم أصنّف كتب "الزُّهْد" و"فضائل الأعمال" وغيرها، فهذه الأربعة الآلاف والثمانمائة كلّها في الأحكام، انتهى. * فقد تلخّص من كلمات الإِمام أبي داود وغيره أمور: الأوَّل: أنَّ كتاب "السنن" يحوي خمسة آلاف حديث من المرفوعات إلَّا مائتين، منتخبة من خمسمائة ألف حديث، وبضم المراسيل الستمائة يكون ما تضمَّنه ٥٤٠٠ حديثًا. الثاني: أنه لا يُضاهيه كتاب في أحاديث الأحكام في كثرة الجمع، لا كتاب مالك ولا كتاب سفيان ولا كتاب حمَّاد وغيرهم. الثالث: أنَّ هذا الكتاب وحده أكثر جمعًا من سائر الكتب المؤلَّفة في الأحكام، بل ثلثه يفوق على تلك الكتب كلّها. الرابع: أنَّ شطر الكتاب اتفق الشيخان أو أحدهما على تخريجه.

стр. 54

الخامس: أنَّ ثلثي الكتاب أحاديث صحاح، وما عداها حسان وضعاف ضعفًا يسيرًا. السادس: أنَّ كتابه أكثر فقهًا من كتاب البخاري، وأنَّ مؤلّفه فاق جميع أرباب الصّحاح تفقُّهًا. السابع: أنه أوفى كتاب في أحاديث الأحكام، ولا يحتاج أحد بعده إلى كتاب غيره في الأحاديث المتعلقة بمذاهب الفقهاء والأئمة، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون كتاب "شرح معاني الآثار" للإِمام أبي جعفر الطحاوي نابغة عصره في الحديث والفقه والتوحيد ومشكلات الآثار. ومِن أجل هذا تراه مِن أنفع كتب الحديث لمن يُعنى بأحاديث الأحكام في الحلال والحرام. ولذا تَرَى الإِمام أبا بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص عظيم الاهتمام به وجيِّد إلاستحضار لأحاديثه، خاصة في شرحيه على نسختي "الجامع الكبير" وشَرْحَيْه على "مختصر الطحاوي" و"مختصر الكرخي" وفي "أحكام القرآن" وغيرها مِن مؤلَّفاته، بحيث تجد أحاديثه على طرف لسانه يسوقها بسنده كلما لزم مع سعة دائرة روايته في أحاديث الأحكام من سائر دواوين الحديث، قاله الكوثري. وأرى في هذا القدر كفاية للباحث الخبير. كلمة في المولِّف الإِمام وخصائص شرحه إنَّ هذه الأُمّة المحمَّديّة تباهي بأفرادها وأفذاذها دائمًا، لا يخلو قرن من القرون الإِسلاميّة إلَّا ونجد هناك رجالًا مِن علمائها وصالحيها تتباهى بهم الملائكة، كلّ منهم إمام أمّة يُدْعى في ملكوت السماوات عظيمًا تفتخر به أهل السماء وأهل الأرض، وكل عصر من العصور الإِسلامية، وكل بلدٍ من البلاد الإِسلامية تجد هناك منهم رجالًا، فحينًا تظهر عبقريّتهم في حقائق إلهيّة، وحينًا في العلوم النبويّة، وحينًا في العلوم الإِسلاميّة، وتارةً في عبادة وتقوى وخشية إلهيّة، وتارةً في ورع وزهد وتعب ونصب وترك الشهوات

стр. 55

والملذّات، وتارةً في إصلاح نفوس وتزكية قلوب وتربية أرواح، ومرة في حبّ جهاد ونشر دعوة في ربوع العالم وأقطار البسيطة، ومرة أُخرى في إيثار وحبّ خمول واستقامة ومواجيد عرفانية وذوقية من علوم العرفاء، وحينًا في تدريس وتأليف ووعظ وإرشاد، وحينًا تجتمع فضائل من هذه الخصائل المتضادّة في بعض أفرادها، وما إلى ذلك من كمالات علمية وعرفانية يتلألأ فيها النبوغ الخارق والعبقرية الفذّة، وتتجلّى فيهم كمالات النبوّة ووراثتها وإن لم يكونوا أنبياء. وهناك نشاهد ما قاله ﷺ : "مثل أُمَّتي كالمطر لا يُدرى أوله خير أم آخره (١) "، فلكون هؤلاء الأفذاذ أصبحوا منابع للخير والرشد كأنه وقع الذهول عن أول الأمة وبركاتها وخيراتها فجاء هذا التعبير، وإن كان أول هذه الأمة أَبَرّها قلوبًا وأعمقها علومًا وأقربهم إلى الله زلفى. ويحدِّثنا التاريخ أنَّ هذه البلاد الهندية وإن كان حظّها ضئيلًا في نشأة الأمر في الرجال والأفذاذ، ولكن يرى أنَ سُحُب الرَّحمة الإِلهية قد جادت من أوَّل الألف الثاني جودًا غزيرًا، فنشأت شخصيّات وعبقريّات لا يُماثِلُها في البلاد الإِسلامية الأخرى. فالإِمام الرَّبَّاني الشيخ أحمد السرهندي، وأنجاله البررة الأتقياء وخلفاؤه الأصفياء، ثم الشيخ الشاه وليّ الله الدهلوي وأنجاله، خصوصًا: الحجّة عبد العزيز الإِمام، وابن أخيه الشيخ إسماعيل الشهيد، وشيخه السيد أحمد البريلوي الشهيد، ثم قطب العصر الحاج إمداد الله التهانوي المهاجر المكي، والشيخ الحجة محمد قاسم النانوتوي، ومحدِّث هذه العصور وفقيهها الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي، ورجالات من النابغين في: "كاندهلة"، و"ديوبند"، و"تهانه بهون"، و"سهارنفور"، و"كَنكَوه"، نبغوا في هذه العصور الأخيرة فأصبحوا محلّ إعجاب وتقدير

стр. 56

للأُمّة الإِسلامية، وقد نفع الله الأمة بأنفاسهم القدسية الطَّاهرة علمًا وعملًا , ظاهرًا وباطنًا. وأرى أنَّ الشيخ المحدِّث الفقيه الأصولي الشيخ خليل أحمد بن مجيد علي الأنصاري شارح "سنن أبي داود" كان من هؤلاء النوابغ في عصره، تلقّى مبادئ العلوم ثم العلوم النقلية والعقلية من المشايخ الذين كانوا غرر عصرهم، وكانوا كشامة في محيَّا الدهر من علماء وفقهاء ومحدِّثين ربّانيِّين أصفياء أرباب التُّقى والإِخلاص، كالشيخ يعقوب بن مملوك العلي النانوتوي، والشيخ محمد مظهر النانوتوي، والشيخ فيض الحسن السهارنفوري وغيرهم من مشايخ ديوبند وسهارنفور. واستجاز في رحلاته عن مشايخ الحرمين كـ: الشيخ عبد الغني الفاروقي العمري المجددي، والشيخ أحمد زيني دحلان، والشيخ السيد أحمد البرزنجي وغيرهم. وفاز بإجازة إرشاد ولبس الخرقة من حضرة العارف المحقِّق الشيخ إمداد الله التهانوي ثم المكي- قدس الله سرّه -، وألبسه عمامته إشارة إلى خلافته وكونه أهلًا لنيابته هداية وإرشادًا. فترعرع شابًّا فاضلًا يُشار إليه بالأصابع في إبان شبابه وريعان عمره. ثم بايع على يد قطب عصره (١)، فقيه هذه الأمة بعصره، لم يأت بعدَ حجّة العصر الشاه عبد العزيز الدهلوي ابن الشاه وليّ الله الدهلوي مثله في الجمع بين علوم الظاهر والباطن وتفقُّه النفس والتفاني في اتّباع السُّنَّة وترويجها، وإماتة البدع المنكرة، ومن وُضع له القَبول في الأرض بعد ما وضع له القَبول في ملائكة السماوات، وجَابَ العقبات، وارتاض بالمجاهدات، وبأذكار وأشغال على طريقة أهلها، فوصل إلى ما وصل من معارف إلهية ومواجيد عرفانية، فجمع إلى كمالاته العلمية هذه المزايا العرفانية.

стр. 57

فكسته بيعة الشيخ وصحبته وتوجُّهاته الروحية القلبية أنفاسًا نقيّة وأخلاقًا زكيًّة وأعمالًا رضيًّة وإخلاصًا عظيمًا، حتى أصبح عارفًا بعد ما كان عالمًا، وأصبح خير خلف لسلفه في إخلاص وتقوى ورد بدع ونشر سنّة. وبقي عاكفًا على تدريس علوم شتّى في شتّى المراكز العلمية في "بهوفال"، و"سكندرآباد"، و"بهاولفور"، و"بريلي"، ثم "ديوبند"، ثم "سهارنفور" نحو خمسين عامًا، يدرِّس ويؤلِّف ويرشد ويخدم العلم والدِّين بشتّى الوسائل، فأصبح عالمًا عارفًا فقيهًا محدِّثًا. وكان وسيم الطلعة جميل المحيّا، يملأ العين جمالًا والقلب سرورًا، وكان لطيف الروح خفيف الجسم ربعًا من الرجال خفيف اللحية. قد تشرَّفتُ بزيارته المغتبطة نحو ساعة في مجلس بـ "ديوبند" حينما زار "ديوبند" مستودعًا الشيخ الحافظ أحمد ابن الشيخ القاسم النانوتوي والشيخ حبيب الرحمن الديوبندي قبل رحلته الأخيرة إلى الحرمين الشريفين، وتشرَّفتُ بالمصافحة وتقبيل يديه الكريمتين، وكأنَّ الشيخ ماثل أمامي انظر إليه بعينيّ، وذلك في شعبان سنة ١٣٤٤ هـ قبل خمسين عامًا إلَّا عامًا. فقد جمع الله سبحانه مع هذا الجمال الظاهر جمال الباطن، وجمع له مع علوم الظاهر علوم الباطن مع توفيق إلهي دائم مستمرّ بإخلاص ونشاط، حتى كان آخر حياته المباركة في خير بقاع الأرض "طيبة النبي" - عليه صلوات الله وسلامه -، وهناك توفي ﵀ في ربيع الآخر سنة ١٣٤٦ هـ عن سبع وسبعين سنة، ودُفِن بالبقيع في جوار سيِّدنا ذي النورين عثمان بن عفّان ﵁ بجنب شيخه الشيخ عبد الغني المجددي المهاجر المدني. ففاز بحياة طيِّبة ملؤها علم ودين ومعرفة وإرشاد، تدريس وتأليف، أذكار وأشغال، وذبّ عن الدِّين وإحياء للسُّنة وإماتة للبدع، وغضب في الله وحمية دينية لله، لا يخاف في الله لومة لائم، مجتهدًا في خدمة العلم والدِّين بطرف غير نائم وفكر مستمر دائم.

стр. 58

فجزاه الله عنّا وعن سائر أهل العلم خير ما جزى عباده المحسنين والعلماء الربّانيَّين. ويكفي نباهة لمثله بما أثنى عليه مثل شيخه القطب الربّاني فقيه هذه الأمة وحكيمها، وعارف هذه الملَّة وزعيمها الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي المتوفَّى سنة ١٣٢٣ هـ - قدَّس الله سرّه - في "مكاتيبه"، ما ترجمته بالعربية: "المولوي خليل أحمد - مدَّ الله فيوضهم -: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصل خطابكم وكشف أحوالكم، إنَّ تلك الواردات - القلبية الغيبية - من الإِنابة إلى الله من بواعث الفرح والسرور، تستوجب حمد الله سبحانه، فإنها أكبر نعمة، وآلاف آلاف من نعم الدنيا لا تعدل جناح بعوضة في مقابلة هذه النعمة، وهذه الحالة مفخرة لي ومن بواعث الحمد والشكر. وإني وإن كنت محرومًا عن مثل هذه العطايا والمزايا ولكن - والحمد لله - أنَّ أحبابي تواترت عليهم أمثال هذه العطيّات الإِلهيّة، وأتمثَّل ببيت من الفارسية ما معناه: أحب أن آخذ شعرة من رأسك معي في القبر لكي أستظلّ بها يوم القيامة ... والسلام". (مكاتيب رشيدية ص ٤٠ رقم ٤٣). وكتب مرة: "وصل خطابكم، وذكَّرني عهد الوداد، إني أراكم ذخيرة خيرات، فلا أنساكم أبدًا، ولستم ممن ينسون، وأرجو دعواتكم، والسلام". (مكاتيب رشيدية ص ٣٨ رقم ٤٠). فيا سبحان الله! إمام كبير وشيخ عظيم مثل القطب الكَنكَوهي يخاطبه بهذه الطيبة، ليست هي من رجل عامي أو شاعر إسلامي يكون من دأبه المبالغة والإِطراء، ولا من صاحب له يثني على شيخه، ولا من مسترشد

стр. 59

يطريه، وإنما هو ممَّن بلغ في كمالاته الذروة العليا، لا يضاهيه عالم من معاصريه في علمه وتقواه، ومن شرح الله صدره بنوره وتجلّى على قلبه بالإِرشادات الغيبية. وكما أنشد شيخنا إمام العصر مولانا الشيخ محمد أنور شاه الكشميري ﵀ في قصيدة طويلة في مناقبه ومفاخره: إمامٌ قدوة عدل أمين ... ونور مستبين كالنهارِ فقيهٌ حافظ عَلَمٌ شهير ... كصبح مستنير هدى سارِ إليه المنتهى حفظًا وفقهًا ... وأضحى في الرواية كالمدارِ ففي التحديث رحلة كل راو ... وفي الأخبار عمدة كل قاري فقيه النفس مجتهد مطاع ... وكوثر علمه بالخير جاري وأحيا سنة كانت أُمِيتت ... وإذ وضح النهار فلا تمارِ وأصبح في الورى صدرًا وبدرًا ... منيرًا دارئًا حلك التواري وأصبح مفردًا علمًا رفيعًا ... كرفع المفرد العلم المنارِ وغرّة دهره علمًا ودينًا ... طراز زمانه مثل النُّضارِ وأمّا فضله ذوقًا وحالًا ... ففرد فيه لا أحد يجاري فُضَيل زمانه ورعًا وزهدًا ... وحاتم عصره عند امتيارِ كلمة في شرح سنن أبي داود قد ظهر ممّا بثثنا خصائص "سنن أبي داود" ومكانته بين الأمّهات الست، واحتواءه على أحاديث الأحكام، وكونه أوفى كتاب في الموضوع، ولا ريب أنَّ الأُمَّهات الست القدر المشترك في الجميع شرح الأحاديث وشرح كلام النبوَّة، غير أنَّ كتابين منها يختصّان بمشكلات كتابية خاصة ليست هي في آخر، الأول: "صحيح البخاري"، والثاني: "سنن أبي داود".

стр. 60

ففي الأول: الأعنى والأهمّ شرح التراجم وبيان أغراض الإِمام في ما أودعه من العلوم في تراجم الأبواب، ووضع تراجم خاصة لم يتعرّض لمثلها المحدثون في كتبهم قاطبة، ولا تقلّ هذه المشكلات عن شرح الأحاديث، وربما يصرف أكثر جهود الشارحين والمدرسين في بيانها وتفهيمها، وقد تضاربت الأقوال والأبحاث مِن أقدم العصور إلى اليوم، ولا يزال كثير منها إلى اليوم روضًا أنفًا لم يرتع في حماه أحد، ولم تطمئن القلوب الصادية بالبيان الشافي، ولم تشف غلّة الباحث. وهكذا الثاني: فيه من أغراض الإِمام المؤلف في تعليقاته وبيانها الشافي وتخريجها، فتراجم الإِمام في الأبواب وإن كانت واضحة غير أنَّ أغراضها في تعليقاته ربما تخفى وتحتاج إلى بحث وكشف، وأبواب الاستحاضة أشدّ إغلاقًا وأكثر إشكالًا من جهة غرض المؤلف، ولا يزال قدر كثير منها في خفاء وغموض ودقّة، قَل من ينتهض بأعبائها بما يشفي الغليل، فلا ريب أنَّ كمال كل شرح إنما يبدو في حل تلك المشكلات وبيان تلك المعضلات. فأقدم شرح وأول شرح هو "معالم السنن" للإِمام الخطابي وبينه وبين أبي داود نحو ثمانين عامًا، فقد شرح الأحاديث شرحًا فقهيًّا لا حديثيًّا، وإن كان أبرع شرح من جهة المسائل الفقهية وأعلاها، فإنه لم يتعرَّض لحلّ التعليقات بما تحتاج إليه الأجيال المتأخرة، وكل شرح له خصائص لا تغني عن الآخر. وشروح المتأخّرين من أهل الهند فيها فوائد، ولكن من جهة الحلّ الصائب المقنع لا تسمن ولا تغني من جوع. وأحسن شرح في كثير من الجهات هو كتاب: "المنهل العذب المورود"، للشيخ محمود الخطّاب ﵀ من أهل العصر، ولكن

стр. 61

سرعان ما تغيّرت خطّته في الجزء الثاني والثالث، فلم يكن على منوال واحد، ثم لم يتمّ، ومن قام لتكملته وهو ابنه لم يفر فريه. و"غاية المقصود" من شروح الهند، ولم يؤلف منه إلَّا جزء واحد، ولو تم لكان شرحًا جيِّدًا لولا ما فيه من إساءة أدب بأئمّة الدّين. و"عون المعبود" مع عدم إصابته في كثير من المشكلات نصب عينيه الردّ على الحنفيّة. و"أنوار المحمود" يا ليت لو لم ينسبه إلى الاستفادة من الأكابر، ففيه من المغامز، وقد أساء بنسبه إلى إمام العصر الشيخ محمد أنور شاه ﵀. ويقول الشيخ محمد زاهد الكوثري (١) شيخي بالإِجازة والإِفادة: ومن أحسن الشروح لـ "سنن أبي داود": شرح الشهاب ابن رسلان أحمد بن محمد المقدسي تلميذ المزّي. ويقول: هو محفوظ في مكتبة (لإله لي) في الآستانة في أربعة مجلَّدات تحت رقم (٤٩٨ - ٥٠١). ويقول: وفي شروح المتأخّرين مجازفات توجب التحرّي البالغ والتحرُّز الشديد، انتهى. وشرح ابن رسلان كان قد تيسَّرت نسخته لصاحب "بذل المجهود" بالمدينة بعد إنجازه الشرح، فاشتراه وأرسله إلى مكتبة "مظاهر العلوم" "سهارنفور"، ولا أدري هل هو نسخة كاملة أو ناقصة (٢)؟ وهل هو نسخة جيّدة أو غير جيّدة؟ ولست أُريد المقارنة ولا التنبيه على أقذائها، إنما أقول: كانت هناك فجوة لحلّ أبي داود وأغراضه وشرح كل حديث لفظًا لفظًا.

стр. 62

فقام الإِمام الشيخ خليل أحمد الأنصاري نزيل المدينة المنوَّرة - زادها الله نورًا-، فسدَّ هذا الفراغ، وملأ هذه الفجوة، وجاء بشرح يحتاج إليه كلّ مَن حاول تدريس الكتاب من حل الأغراض، وشرح الألفاظ، واستنباط فقه الحديث من مواضعه، والكلام الملخّص المنقّح في الرجال، وشرح المتن بما تقرّ به العيون. ومن أعظم خصائص هذا الشرح إيراد توجيهات صدرية انشرح لها صدر مثل الشيخ الكَنكَوهي، فإنَّ الله سبحانه قد خصَّه بنور في قلبه كانت تنقشع به ظلمات حَلَّتْ في البين من مقاصد المؤلف، أوكانت مشكلة من جهة أغراض اليسار في الحديث، ولولا مخافة طول البحث لجئت بغرر النقول في الأبحاث المشكلة من كل ناحية من شرح الأحاديث، أو غرض المؤلف، حتّى تنجلي مكانته العليا. ويقول شيخنا إمام العصر مولانا محمد أنور شاه الكشميري، محدّث هذه العصور ونابغتها، في التقريظ على هذا الشرح ما لفظه: "وإنَّ كتاب "السنن" للإِمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجزي - رحمه الله تعالى - ثالث الكتب الستّة، ولا تخفى رتبته ودرجته في الحديث في القديم والحديث، لم يطبع إلى الآن تعليق عليه وافٍ، وبحلّه وحقّه كافٍ، وقد وجّه الله تعالى المولى العلَّامة العارف الفقيه المحدّث، شيخنا وشيخ الفقه والحديث، مسند الوقت مولانا خليل أحمد السهارنفوري، خليفة شيخنا وشيخ مشايخنا مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي - رحمه الله تعالى- لخدمته، فوفّى كلّ حقّ لها. شَفَى وكفَى مَافِي الصُدُور فَلَمْ يَدَعْ ... لِذِي إِرْبَةٍ في القَوْلِ جَدًّا وَلَا هَزَلًا فشرح المتن وأقوال المصنف، وقد كانت مستورة فجلاّها، وصعبة فسهّلها وأَلَانها، كما أُلِين لأبي داود الحديث، وضبط التراجم، وميَّز بين المفترق والمتَّفق، وبين المؤتلف والمختلف، واستخرج الفقه ووجّه

стр. 63

لأصحابنا الحنفية، فجاء تعليقًا يشرح الصدور وينوِّر القلوب، ويكون وديعة له عند الله تعالى، ومنّة في رقاب الناس، وصنيعة إلى العلماء، جزاه الله تعالى عنّا وعن سائر المسلمين". وبالجملة نلخِّص القول في شيء من خصائصه: أمّا أوَّلًا: فإنه شرح ممزوج، فالكتاب ينتفع به التلميذ والشيخ، والغبي والذكي في آنٍ واحدٍ. أمّا ثانيًا: فإنه لخّص البيان في رجال الإِسناد من "تهذيب التهذيب" و"الميزان" وغيرهما حتى يتلألأ أمام الباحث حال الإِسناد. أمّا ثالثًا: فإنه جاء بالضبط للأسماء في كل مؤتلف ومختلف لكي يزول الاشتباه للناظر. أمّا رابعًا: فإنه شرح المتن شرحًا وافيًا بالمقصود، فإن كانت هناك رواية أوضح منه في "الصحاح" أو "السنن" يذكره أو يشير إليه. أمّا خامسًا: فإنه يستوفي بيان المذاهب من مصادر موثوقة مع أدلّتها، وكثيراً ما يستوفي أقوال الصحابة والتابعين. أمّا سادسًا: فإنه يأتي بأقوال المشايخ من أرباب العلم، فإذا كان هناك شرحٌ خاصٌّ أو حلٌّ لمشكل مِن أكابر مشايخ هذه البلاد ولا سيّما قطب عصره الكَنكَوهي فإنه يذكره، وقد جاءت غرر أقوال منه في كثير من المواضع. أمّا سابعًا: فإنه ينبّه على اختلاف الرواية في اللفظ واختلاف الرُّواة في الأسانيد إن كان هناك اختلاف مع ترجيح بعضها على بعض. أمّا ثامنًا: فإنه ذكر المباحث الفقهية والمباحث الحديثية على حدّ سواء تشفي غلّة الفقيه والمحدّث معًا. هذا ما بدا لي في غاية الارتجال، لم أنتهز فرصة للقيام بحقّ كل

стр. 64

ما امتاز به الشرح من إبداء خفاياه، وما بقي في زواياه، ولم تكن في الوقت فسحة، ولا في الطبيعة نشاط، غير أنِّي قمت بما تيسَّر نزولًا على رغبة بعض الأكابر سعادة للراقم، والله سبحانه ولي كل توفيق ونعمة، وصلَّى الله على صفوة البريّة سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه محمد يوسف بن السيِّد محمد زكريا الحسيني البنّوري يوم الخميس ٩ رجب ١٣٩٣ هـ

стр. 65

ترجمة مؤلِّف بذل المجهود من "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر " لمؤلِّفه العلَّامة السيِّد عبد الحيّ الحسني (م ١٣٤١ هـ) الإِمام المحدِّث العالم الفقيه خليل أحمد السهارنفوري: هو الشيخ العلَّامة الفقيه خليل أحمد بن مجيد علي بن أحمد علي بن قطب علي بن غلام محمد الأنصاري الحنفي الأنبيتهوي، أحد العلماء الصالحين، وكبار الفقهاء والمحدِّثين. وُلد في أواخر صفر سنة تسع وستين ومائتين وألف في خؤولته في قرية "نانوته" من أعمال سهارنفور، ونشأ ببلدة "أنبيتهه" من أعمال سهارنفور، وقرأ العلم على خاله الشيخ يعقوب بن مملوك العلي النانوتوي (١)، والشيخ محمد مظهر النانوتوي (٢)، وعلى غيره من العلماء في المدرسة العربية بديوبند، وفي "مظاهر العلوم" بسهارنفور، والعلوم الأدبية على الشيخ فيض الحسن السهارنفوري (٣) في لاهور. قرأ فاتحة الفراغ في سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، وعُيِّن أستاذًا مساعدًا "معين المدرِّسين" في مظاهر العلوم، وأقام مدة في "بهوبال" و"سكندرآباد" و" بهاول بور" و"بريلي" يُدَرّسُ ويُفيد، إلى أن اختير

стр. 66

أستاذًا في دار العلوم بـ "ديوبند" في سنة ثمان وثلاثمائة وألف، ومكث ست سنين. ثم انتقل إلى "مظاهر العلوم" في سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف، وتولّى رئاسة التدريس فيها، واستقام على ذلك أكثر من ثلاثين سنة منصرفًا إليها انصرافًا كلّيًّا، وتولّى نظارتها سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف، وصرف همّته إليها، ونالت به المدرسة القَبول العظيم، وطبقت شهرتها أرجاء الهند، وأصبحت تضارع دار العلوم في العلوم الدينية، والمكانة العلمية، وأَمَّها الطلبة من الآفاق، إلى أن غادرها في سنة أربع وأربعين إلى الحرمين الشريفين، فلم يرجع إليها. وكان قد بايع الشيخ الإِمام العلَامة رشيد أحمد الكَنكَوهي بعد ما فرغ من التحصيل واختص به، وسعد بالحج والزيارة سنة سبع وتسعين ومائتين وألف، ولقي بمكة الشيخ الأجلّ الحاج إمداد الله المهاجر، فأكرم وفادته، وخصّه بالعناية، وأجازه في الطرق، ورجع إلى الهند، فأجازه الشيخ الإِمام العلَامة رشيد أحمد الكَنكَوهي، واختص به الشيخ خليل أحمد اختصاصًا عظيمًا، وانتفع به انتفاعًا كبيرًا، حتى أصبح من أخصّ أصحابه، وأكبر خلفائه، ومن كبار الحاملين لعلومه وبركاته، والناشرين لطريقته ودعوته. وكان قد دَرَس الحديث دراسة إتقان وتدبُّر، وحصلت له الإِجازة عن كبار المشايخ والمسندين كالشيخ محمد مظهر النانوتوي، والشيخ عبد القيُّوم البدهانوي (١)، والشيخ أحمد دحلان (٢) مفتي الشافعيّة، والشيخ عبد الغني بن أبي سعيد المجددي المهاجر (٣)، والسيد أحمد

стр. 67

البرزنجي (١)، وعني بالحديث عناية عظيمة تدريسًا أو تأليفًا، ومطالعة وتحقيقًا. وكان من أعظم أمانيه أن يشرح "سنن أبي داود". فبدأ في تأليفه سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف، يساعده في ذلك تلميذه البار الشيخ محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي، وانصرف إلى ذلك بكلّ همّته وقواه، وعكف على جمع المواد وتهذيبها وإملائها , لذّة له، ولا همَّ في غيره، وأكبّ على ذلك إلى أن سافر إلى الحجاز السفرَ الأخيرَ في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف، ودخل المدينة في منتصف المحرم سنة خمس وأربعين، وانقطع إلى تكميل الكتاب حتى انتهى منه في شعبان سنة خمس وأربعين، وتمّ الكتاب في خمس مجلَّدات كبار. وقد صبّ فيه الشيخ مهجة نفسه، وعصارة علمه، وحصيلة دراسته، وقد أجهد قواه، وأرهق نفسه في المطالعة والتأليف، والعبادة والتلاوة، والمجاهدة والمراقبة، حتى اعتراه الضعف المضني، وقلَّ غذاؤه، وغلب عليه الانقطاع، وحُبِّب إليه الخلاء، والشوق إلى اللقاء، يصرف أكثر أوقاته في تلاوة القرآن، ويحضر الصلوات في المسجد الشريف بشقّ النفس، وقد ودَّع تلاميذه، وخاصّة أصحابه للهند، وبقي في جوار النبي ﷺ ، نزيل المدينة، وحِلْس الدار، مشغول الجسم بالعبادة والذكر، مربوط القلب بالله ورسوله، منقطعًا عمّا سواه، حتى أجاب داعي الله في المدينة المنوَّرة. كان الشيخ خليل أحمد له الملكة القوية، والمشاركة الجيدة في الفقه والحديث، واليد الطُّولى في الجدل والخلاف، والرسوخ التامّ في علوم الدِّين، والمعرفة واليقين، وكانت له قدم راسخة، وباع طويل في إرشاد الطالبين، والدلالة على معالم الرشد ومنازل السلوك، والتبصُّر في غوامض

стр. 68

الطريق وغوائل النفوس، صاحب نسبة قوية، وإفاضات قدسية، وجذبة إلهيّة، نفع الله به خلقًا كثيرًا. وخرَّج على يده جمعًا من العلماء والمشايخ، ونبغت بتربيته جماعة من أهل التربية والإِرشاد، وأجرى على يدهم الخير الكثير في الهند وغيرها في نشر العلوم الدينية، وتصحيح العقائد، وتربية النفوس، والدعوة والإِصلاح، من أجلهم: العلَّامة الكبير الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي، وشقيقه المصلح الكبير الشيخ محمد إلياس بن إسماعيل الكاندهلوي الدهلوي صاحب الدعوة المشهورة المنتشرة في العالم، والمحدِّث الجليل الشيخ محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي السهارنفوري، صاحب "أوجز المسالك" و"لامع الدراري" والمؤلَّفات المقبولة الكثيرة، والشيخ عاشق إلهي الميرتهي، وغيرهم. كان جميلًا وسيمًا، مربوع القامة، مائلًا إلى الطول، أبيض اللون، تغلب فيه الحمرة، نحيف الجسم، ناعم البشرة، أزهر الجبين، دائم البشر، خفيف شعر العارضين، يحبّ النظافة والأناقة، جميل الملبس، نظيف الأثواب في غير تكلّف أو إسراف، وكان رقيق الشعور، ذكيّ الحسّ، صادعًا بالحق، صريحًا في الكلام في غير جفاء، شديد الاتِّباع للسُّنَّة، نفورًا عن البدعة، كثير الإِكرام للضيوف، عظيم الرفق بأصحابه، يحبّ الترتيب والنظام في كل شيء، والمواظبة على الأوقات، مشتغلًا بخاصة نفسه، وبما ينفع في الدِّين، متنخِّيًا عن السياسة مع الاهتمام بأمور المسلمين، والحمية والغيرة في الدين، حجَّ سبع مرّات، آخرها في شوال سنة أربع وأربعين من الهجرة. له من المصنَّفات: "المهنّد على المفنّد"، و"إتمام النِّعَم على تبويب الحكم"، و"مطرقة الكرامة على مرآة الإِمامة" و"هدايات الرشيد إلى إفحام العنيد" كلاهما في الردّ على الشّيعة الإِماميّة، و"بذل المجهود في شرح سنن أبي داود".

стр. 69

كانت وفاته بعد العصر من يوم الأربعاء في السادس عشر من ربيع الآخر سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف في المدينة المنوَّرة، وشُيِّعَتْ جنازته في جمع عظيم، ورُؤِيتْ له رؤيا صالحة، ودُفِن في البقيع لدى مدفن أهل البيت (١). * * *

стр. 70

ترجمة المؤلف الشيخ السهارنفوري بقلم أحد كبار العلماء (١) قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (٢)، وقال : ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٣)، وقال : ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤)، وقال : ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥). وقال ﵊: "ما من نبي بعثه الله في أُمّته قبلي إلَّا كان له في أُمّته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنَته ويقتدون بأمره ... " الحديث (٦)، وقال ﵊: "لا تزال طائفة من أُمَّتي منصورين لا يضرّهم مَن خذلهم حتى تقوم الساعة" (٧)، وقال ﵊:

стр. 71

"إنَّ الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا" (١). وقال ابن سيرين: (إنَّ هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم (٢). وبنًاء على ما تلونا من الآيات، وسردنا من الروايات، وعلى ما يماثله من الآيات والأحاديث والأقوال لم يزل الأسلاف يذكرون تراجم المشايخ والأعلام، ويبثّون ما منحهم الله تعالى من المزايا والمكارم بين الأنام، وأتوا بتصانيف مفردة وغير مفردة في أحوال الرجال، ولم يتساهلوا في تبيين الحق وضبط طبقات أهل الفضل والكمال، فمن مُقِلٍّ ومُكْثِرٍ، ومطنب وموجز، كي تطمئنّ النفوس بإفاضاتهم، وتستقرّ القلوب لدى إفاداتهم، ولا تبقى مَظنَّةٌ لريب المرتابين، وتنقطع أعناق شُبُهَات المنكرين والجاحدين، ويكون ذريعة للسان الصدق في الآخرين، وأسوة حسنة للهداة والمتأسين، ومُهَيِّجًا لِهِمَم الضُّعفاءِ مُذَكِّرًا للغافلين، وهداية للمعرضين عن المقال جانحين إلى الَقائلين، فلا يستمطر كل وَبْلٍ (٣) وطَلٍّ، ولا يقصد باب كلّ مَن جلَّ وقلَّ، ولا يعتمد على كلّ مَن عرف أو جهل: استحسنّا أن نوشح هذا الكتاب بنبذة من ترجمة المؤلِّف دام مجده، فنقول: هو الثقة، المثبت، الحجة، الحافظ، الصدوق، محيي السُّنَّة السنيَّة، قامع البدع الشنيعة، شعاره طريقة رسول الله، دثارَه (٤) التقوى ومخافة الله، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يزعجه عن الطريق القويم مهابة غَوِيّ ظالم، حاز قصبات السبق في ميادين الفضل والكمالات، فأعيى الأقران، ونشر ألوية الجهاد في سبيل الله بالحجج والبيِّنات، فَأبْكَمَ كُلَّ مُتَشَدِّقِ لِسانٍ، نبعتْ من إفاداته عيونُ العلم والنُّهَى، وتفجَّرتْ من إفاضاته أنهارُ

стр. 72

الإِحسان والتُقَى، أشرقت أراضي التحديث بأنوار رواياته، وتلألأت أفلاك التفقُّه بأضواء دراياته، أبو حنيفة زمانه، وشبلي عصره ودورانه، مولانا أبو إبراهيم خليل أحمد الأيوبي الأنصاري نسبًا ومحتدًا، والحنفي الرشيدي مشربًا ومذهبًا، والجشتي القادري النقشبندي السهروردي طريقة ومسلكًا، لا زالت بحار فيضه زاخرة على ممرّ الليالي والأيام، وشموس إفاداته لامعة على رؤوس الخلائق والأنام. يتّصل نسبه الطّاهر إلى سيّدنا أبي أيُّوب الأنصاري الخزرجي -رضي الله تعالى عنه -، ووُلد - دام مجده - في أواخر صفر سنة تسع وستين بعد الألف والمائتين من هجرة مَن هو مدار الفضائل الروحيّة ومحطّ الفيوض الرحمانية ﵊ في أخواله بـ "نانوته" - كورة من نواحي سهارنفور - الهند. ثم ترعرع في ظلال أبويه الكريمين - رحمهما الله تعالى- في موطنهما كورة "انبيتهه". وسُمِّي بظهير الدّين أحمد أيضًا لدلالته على ما يقارب زمان مولده، وللتفاؤل بأنه سيصير ظهيرًا للدِّين الحنيف حسبما صاح به الهاتف المنيف. كانت لوائح الذكاء والفطانة تشرق على سرر جبينه في أيام صباه، ومنادي الأقدار كان يُسمع كلّ ذي عقل بأنه سيكون خليل الخليل فتحمد عقباه، فأبرزت لطائف الأقدار مكنوناتها , ولفظت قوى الأرواح بمخزوناتها، حين أخذ عالم الأسباب بما تقرر في عوالم الأمثال، وصارت ألسنة الشهادة تروي له مسلسلات الأفضال، فاشتغل بالعلوم في صباه وأقرانه بين الماء والطين. وتأدَّب بآداب الصلاح لدى والده الشاه مجيد علي المرحوم، فمجد في المتعلمين، صار يقرأ ويستفيض سحبه الهطالة في موطنه، حتى لفظته الأقدار إلى رياسة "كَواليار" فلازمه إلى مقرّه، وهنالك اشتغل

стр. 73

بمبادئ العلوم العربية على عمّه مولانا الشيخ أنصار علي المرحوم، ثم بعد برهة رجع إلى وطنه، فحضر لدى علماء البلد من أرباب المعرفة والعلوم، ولم يزل يستغرف بحارهم الزاخرة، ويستمطر سحبهم الهطالة إلى أن أُسِّسَت دار العلوم الإِسلامية الفيحاء، بـ "ديوبند" الشهيرة الزهراء في سنة ألف ومائتين وثلاث وثمانين من هجرة مَن له المجد والعلياء، فارتحل إليها مقتبسًا عن أنوار شموسها، ومستضيئًا بأضواء كواكبها وبُدورها. ثم بعد أشهر لمّا تأسست هذه الكلية التي هي منابع للعلوم ومظاهرها، ومطالع لشموس المعارف ومشارقها، المدرسة العلية "مظاهر العلوم" بـ "سهارنفور"، قصدها مُشَمّرًا عن ساق الجد في تحقيق المسائل وحفظها وإتقان العلوم ووعيها. ولم يزل يجدُّ في الاستشراق عن كواكبها الدريّة وسياراتها المضيئة حتى أن فرغ مِن سائر الكتب الدرسية، والفنون الآلية العربية، والعلوم العقلية والنقلية، المتوسّطات منها والانتهائية، حينما كان مدار أكثر الإِفاضة ساعتئذٍ على فخر الأكابر والأماثل، قدوة الأماجد والأفاضل، أستاذ الأساتذة، قدوة الأئمة والجهابذة، رئيس العلماء ورأسهم، وإمام أهل التحقيق وأساسهم، مركز دائرة الذكاء والبهاء، وشمس نجوم الأخلاق النبوية والسخاء، صدر المدرِّسين والمحدِّثين، سند المفسّرين والمتكلِّمين، العارف بالله مولانا الشيخ محمد مظهر النانوتوي الحنفي الجشتي القادري النقشبندي السهروردي (١) - قدَّس الله سرّه العزيز- فأخذ عنه الأُمّهات وغيرها من كتب الحديث والتفسير والأصول والفروع، سماع فقه ودراية، ولم يقتنع بسرد الألفاظ ومجرد الرواية, وهو - رحمه الله تعالى- مِن أرشد تلامذة إمام عصره وأوانه، وفريد دهره وزمانه مولانا مملوك علي النانوتوي

стр. 74

الصديقي الحنفي (١) - قدَّس الله سرّه العزيز- جدّ المؤلِّف أبي أُمّه، عن شمس العلماء وإمام الأتقياء مولانا رشيد الدِّين خان الدهلوي الحنفي (٢) قدَّس الله سرّه العزيز- عن أبي حنيفة زمانه وبخاري عصره وأوانه، رئيس الحكماء المحقِّقين وسند الأولياء العارفين مولانا الشاه عبد العزيز الدهلوي العمري الحنفي (٣) - قدَّس الله سرّه - وقد روى حضرة مولانا محمد مظهر المومأ إليه "صحيح البخاري" عن الشهير في الآفاق مولانا الشاه محمد إسحاق العمري الدهلوي (٤) ثم المكي الحنفي- قدَّس الله سرّه العزيز -. وكذلك يروي حضرة الأستاذ المؤلِّف سائر كتب الحديث قراءةً وإجازةً عن حبر الأُمّة كاشف الغمّة مولانا الشيخ عبد القيُّوم البدهانوي ثم البهوبالي، ختن حضرة العلَّامة الشّاه محمد إسحاق المومأ إليه - نَوَّر الله مرقده -. ويروي أيضًا سائر كتب الحديث وفنونها عن أستاذ الأساتذه رئيس الكرام والجهابذة الإِمام الحجّة مولانا عبد الغني العمري المجددي الدهلوي ثم المدني- قدَّس الله سرّه العزيز - ح، وعن الشهير الإِمام الحجة السيِّد أحمد زيني دحلان مفتي الشافعيّة في زمانه بمكة المكرَّمة - رحمه الله تعالى - ح، وعن صدر علماء دار الهجرة السيّد أحمد البرزنجي مفتي الشافعيّة بالمدينة المنوَّرة - رحمه الله تعالى -. ولم يزل مولانا الخليل- دام مجده - يغترف من بحار حبر الأمة مولانا محمد مظهر- قُدِّس سرّه العزيز - ويكتسب الأخلاق والمعاني من

стр. 75

صحبته الفيحاء، وينوّر قلبه من معارفه الزهراء إلى أن ارتوى بما لديه من عذب العلوم وكتبها، وشهد له الأساتذة الأعلام بمناصب التكميل وأعالي رُتَبها، وذلك في سنة ثمان وثمانين بعد الألف والمائتين من الهجرة، وكانت سنّه الشريفة إذ ذاك تسع عشرة سنة. ثم لم تقتنع نفسه المنهومة في العلم، الحريصة في العرفان، بذلك القدر من الحكمة والإِيقان، فأقلقه (١) إلى مركز دوائر الأدبيّات العربيّة، ومنبع أنهار المعالم اللغوية، أستاذ الأساتذة، إمام الحفّاظ الجهابذة، أصمعيّ زمانه، وسيبويه دورانه، مولانا الشيخ فيض الحسن السهارنفوري (٢) الحنفي - قُدس سرّه العزيز- وقد كان إذ ذاك مرجع الفنون العربية ومدارها في "كليّة لاهور"، فأقام لديه شهورًا يرتشف مِن عذب بنات شفاهه، ويشنّف آذانه من مزاهر آدابه وبيانه، إلى أن رقته ألطاف المبدأ الفيّاض إلى معارج القيام بخدمة العباد، وإيصالهم إلى خفايا مكمنة في فطرهم من الهداية والرشاد، فولي خدمة التدريس بـ "منكَلور"، فشمر عن ساق الجد في طرق الإِفادة، وأسهر الليالي مجتهدًا في مطالعة الفنون والإِفاضة. وهنالك أخذته الجذبة الإِلهيّة، والسابقة الأزليّة، واللطائف القدسية، والمنح الربّانيّة فأقلقته إلى حضور ربّ الأرباب والدخول في حلقة الروحانيين الذين أزيل عنهم الرين والحجاب، فوقف مدّة يتطلّع إلى شموس زمانه والأقمار، ويستطلع بغيته في كلّ جنّة ذات ثمار وأزهار، إلى أن تَغَرَّد بلبل التفريد، ورَنَّحَ عندليب التوحيد، وغَنَّى بلحن ناشط سديد، أن دع الهيام والحيرة، واقصد الباب الرشيد، فإنَ هنالك الفوز والوصول لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فلبّاه بقلبه، واعتقده إشارة ربه، فلم يصبر حتى أن ألقى نفسه بفناء إمام العارفين سند الواصلين،
следующие страницы →