← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

"إنَّ الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا" (١). وقال ابن سيرين: (إنَّ هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم (٢). وبنًاء على ما تلونا من الآيات، وسردنا من الروايات، وعلى ما يماثله من الآيات والأحاديث والأقوال لم يزل الأسلاف يذكرون تراجم المشايخ والأعلام، ويبثّون ما منحهم الله تعالى من المزايا والمكارم بين الأنام، وأتوا بتصانيف مفردة وغير مفردة في أحوال الرجال، ولم يتساهلوا في تبيين الحق وضبط طبقات أهل الفضل والكمال، فمن مُقِلٍّ ومُكْثِرٍ، ومطنب وموجز، كي تطمئنّ النفوس بإفاضاتهم، وتستقرّ القلوب لدى إفاداتهم، ولا تبقى مَظنَّةٌ لريب المرتابين، وتنقطع أعناق شُبُهَات المنكرين والجاحدين، ويكون ذريعة للسان الصدق في الآخرين، وأسوة حسنة للهداة والمتأسين، ومُهَيِّجًا لِهِمَم الضُّعفاءِ مُذَكِّرًا للغافلين، وهداية للمعرضين عن المقال جانحين إلى الَقائلين، فلا يستمطر كل وَبْلٍ (٣) وطَلٍّ، ولا يقصد باب كلّ مَن جلَّ وقلَّ، ولا يعتمد على كلّ مَن عرف أو جهل: استحسنّا أن نوشح هذا الكتاب بنبذة من ترجمة المؤلِّف دام مجده، فنقول: هو الثقة، المثبت، الحجة، الحافظ، الصدوق، محيي السُّنَّة السنيَّة، قامع البدع الشنيعة، شعاره طريقة رسول الله، دثارَه (٤) التقوى ومخافة الله، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يزعجه عن الطريق القويم مهابة غَوِيّ ظالم، حاز قصبات السبق في ميادين الفضل والكمالات، فأعيى الأقران، ونشر ألوية الجهاد في سبيل الله بالحجج والبيِّنات، فَأبْكَمَ كُلَّ مُتَشَدِّقِ لِسانٍ، نبعتْ من إفاداته عيونُ العلم والنُّهَى، وتفجَّرتْ من إفاضاته أنهارُ

стр. 72

الإِحسان والتُقَى، أشرقت أراضي التحديث بأنوار رواياته، وتلألأت أفلاك التفقُّه بأضواء دراياته، أبو حنيفة زمانه، وشبلي عصره ودورانه، مولانا أبو إبراهيم خليل أحمد الأيوبي الأنصاري نسبًا ومحتدًا، والحنفي الرشيدي مشربًا ومذهبًا، والجشتي القادري النقشبندي السهروردي طريقة ومسلكًا، لا زالت بحار فيضه زاخرة على ممرّ الليالي والأيام، وشموس إفاداته لامعة على رؤوس الخلائق والأنام. يتّصل نسبه الطّاهر إلى سيّدنا أبي أيُّوب الأنصاري الخزرجي -رضي الله تعالى عنه -، ووُلد - دام مجده - في أواخر صفر سنة تسع وستين بعد الألف والمائتين من هجرة مَن هو مدار الفضائل الروحيّة ومحطّ الفيوض الرحمانية ﵊ في أخواله بـ "نانوته" - كورة من نواحي سهارنفور - الهند. ثم ترعرع في ظلال أبويه الكريمين - رحمهما الله تعالى- في موطنهما كورة "انبيتهه". وسُمِّي بظهير الدّين أحمد أيضًا لدلالته على ما يقارب زمان مولده، وللتفاؤل بأنه سيصير ظهيرًا للدِّين الحنيف حسبما صاح به الهاتف المنيف. كانت لوائح الذكاء والفطانة تشرق على سرر جبينه في أيام صباه، ومنادي الأقدار كان يُسمع كلّ ذي عقل بأنه سيكون خليل الخليل فتحمد عقباه، فأبرزت لطائف الأقدار مكنوناتها , ولفظت قوى الأرواح بمخزوناتها، حين أخذ عالم الأسباب بما تقرر في عوالم الأمثال، وصارت ألسنة الشهادة تروي له مسلسلات الأفضال، فاشتغل بالعلوم في صباه وأقرانه بين الماء والطين. وتأدَّب بآداب الصلاح لدى والده الشاه مجيد علي المرحوم، فمجد في المتعلمين، صار يقرأ ويستفيض سحبه الهطالة في موطنه، حتى لفظته الأقدار إلى رياسة "كَواليار" فلازمه إلى مقرّه، وهنالك اشتغل

стр. 73

بمبادئ العلوم العربية على عمّه مولانا الشيخ أنصار علي المرحوم، ثم بعد برهة رجع إلى وطنه، فحضر لدى علماء البلد من أرباب المعرفة والعلوم، ولم يزل يستغرف بحارهم الزاخرة، ويستمطر سحبهم الهطالة إلى أن أُسِّسَت دار العلوم الإِسلامية الفيحاء، بـ "ديوبند" الشهيرة الزهراء في سنة ألف ومائتين وثلاث وثمانين من هجرة مَن له المجد والعلياء، فارتحل إليها مقتبسًا عن أنوار شموسها، ومستضيئًا بأضواء كواكبها وبُدورها. ثم بعد أشهر لمّا تأسست هذه الكلية التي هي منابع للعلوم ومظاهرها، ومطالع لشموس المعارف ومشارقها، المدرسة العلية "مظاهر العلوم" بـ "سهارنفور"، قصدها مُشَمّرًا عن ساق الجد في تحقيق المسائل وحفظها وإتقان العلوم ووعيها. ولم يزل يجدُّ في الاستشراق عن كواكبها الدريّة وسياراتها المضيئة حتى أن فرغ مِن سائر الكتب الدرسية، والفنون الآلية العربية، والعلوم العقلية والنقلية، المتوسّطات منها والانتهائية، حينما كان مدار أكثر الإِفاضة ساعتئذٍ على فخر الأكابر والأماثل، قدوة الأماجد والأفاضل، أستاذ الأساتذة، قدوة الأئمة والجهابذة، رئيس العلماء ورأسهم، وإمام أهل التحقيق وأساسهم، مركز دائرة الذكاء والبهاء، وشمس نجوم الأخلاق النبوية والسخاء، صدر المدرِّسين والمحدِّثين، سند المفسّرين والمتكلِّمين، العارف بالله مولانا الشيخ محمد مظهر النانوتوي الحنفي الجشتي القادري النقشبندي السهروردي (١) - قدَّس الله سرّه العزيز- فأخذ عنه الأُمّهات وغيرها من كتب الحديث والتفسير والأصول والفروع، سماع فقه ودراية، ولم يقتنع بسرد الألفاظ ومجرد الرواية, وهو - رحمه الله تعالى- مِن أرشد تلامذة إمام عصره وأوانه، وفريد دهره وزمانه مولانا مملوك علي النانوتوي

стр. 74

الصديقي الحنفي (١) - قدَّس الله سرّه العزيز- جدّ المؤلِّف أبي أُمّه، عن شمس العلماء وإمام الأتقياء مولانا رشيد الدِّين خان الدهلوي الحنفي (٢) قدَّس الله سرّه العزيز- عن أبي حنيفة زمانه وبخاري عصره وأوانه، رئيس الحكماء المحقِّقين وسند الأولياء العارفين مولانا الشاه عبد العزيز الدهلوي العمري الحنفي (٣) - قدَّس الله سرّه - وقد روى حضرة مولانا محمد مظهر المومأ إليه "صحيح البخاري" عن الشهير في الآفاق مولانا الشاه محمد إسحاق العمري الدهلوي (٤) ثم المكي الحنفي- قدَّس الله سرّه العزيز -. وكذلك يروي حضرة الأستاذ المؤلِّف سائر كتب الحديث قراءةً وإجازةً عن حبر الأُمّة كاشف الغمّة مولانا الشيخ عبد القيُّوم البدهانوي ثم البهوبالي، ختن حضرة العلَّامة الشّاه محمد إسحاق المومأ إليه - نَوَّر الله مرقده -. ويروي أيضًا سائر كتب الحديث وفنونها عن أستاذ الأساتذه رئيس الكرام والجهابذة الإِمام الحجّة مولانا عبد الغني العمري المجددي الدهلوي ثم المدني- قدَّس الله سرّه العزيز - ح، وعن الشهير الإِمام الحجة السيِّد أحمد زيني دحلان مفتي الشافعيّة في زمانه بمكة المكرَّمة - رحمه الله تعالى - ح، وعن صدر علماء دار الهجرة السيّد أحمد البرزنجي مفتي الشافعيّة بالمدينة المنوَّرة - رحمه الله تعالى -. ولم يزل مولانا الخليل- دام مجده - يغترف من بحار حبر الأمة مولانا محمد مظهر- قُدِّس سرّه العزيز - ويكتسب الأخلاق والمعاني من

стр. 75

صحبته الفيحاء، وينوّر قلبه من معارفه الزهراء إلى أن ارتوى بما لديه من عذب العلوم وكتبها، وشهد له الأساتذة الأعلام بمناصب التكميل وأعالي رُتَبها، وذلك في سنة ثمان وثمانين بعد الألف والمائتين من الهجرة، وكانت سنّه الشريفة إذ ذاك تسع عشرة سنة. ثم لم تقتنع نفسه المنهومة في العلم، الحريصة في العرفان، بذلك القدر من الحكمة والإِيقان، فأقلقه (١) إلى مركز دوائر الأدبيّات العربيّة، ومنبع أنهار المعالم اللغوية، أستاذ الأساتذة، إمام الحفّاظ الجهابذة، أصمعيّ زمانه، وسيبويه دورانه، مولانا الشيخ فيض الحسن السهارنفوري (٢) الحنفي - قُدس سرّه العزيز- وقد كان إذ ذاك مرجع الفنون العربية ومدارها في "كليّة لاهور"، فأقام لديه شهورًا يرتشف مِن عذب بنات شفاهه، ويشنّف آذانه من مزاهر آدابه وبيانه، إلى أن رقته ألطاف المبدأ الفيّاض إلى معارج القيام بخدمة العباد، وإيصالهم إلى خفايا مكمنة في فطرهم من الهداية والرشاد، فولي خدمة التدريس بـ "منكَلور"، فشمر عن ساق الجد في طرق الإِفادة، وأسهر الليالي مجتهدًا في مطالعة الفنون والإِفاضة. وهنالك أخذته الجذبة الإِلهيّة، والسابقة الأزليّة، واللطائف القدسية، والمنح الربّانيّة فأقلقته إلى حضور ربّ الأرباب والدخول في حلقة الروحانيين الذين أزيل عنهم الرين والحجاب، فوقف مدّة يتطلّع إلى شموس زمانه والأقمار، ويستطلع بغيته في كلّ جنّة ذات ثمار وأزهار، إلى أن تَغَرَّد بلبل التفريد، ورَنَّحَ عندليب التوحيد، وغَنَّى بلحن ناشط سديد، أن دع الهيام والحيرة، واقصد الباب الرشيد، فإنَ هنالك الفوز والوصول لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فلبّاه بقلبه، واعتقده إشارة ربه، فلم يصبر حتى أن ألقى نفسه بفناء إمام العارفين سند الواصلين،

стр. 76

قطب السالكين، شمس الهداة الكاملين، الفاني الباقي، والمرشد الصافي، السالك المجذوب، والصديق المحبوب، قطب العالم مولانا وسيّدنا أبي مسعود رشيد أحمد الأيُّوبي الأنصاري الكَنكَوهي الحنفي الجشتي القادري النقشبندي السهروردي - قدَّس الله سرّه العزيز-. فلم يزل واقفًا على أعتابه، يستغيث سحبه الهطالة، ويستضيء شموسه اللَمَّاعة، إلى أن أوصلته العواطف الرَّبَّانية والسوابق الصمدانيَّة أعلى درجات الوصول والنهاية، وبلغ غاية درجات السلوك والهداية، فحقق له أن يفوّض إليه تسليك عباد الله والتربية، وإحياء الأرواح والنفوس بأمطار الرياضات والتزكية، فأجاز له حضرة قطب الأقطاب مولانا الكَنكَوهي المومأ إليه - قدَّس الله سرّه العزيز- إجازة الإِرشاد والإِيصال، بأن كتب بأحواله القدسية ومدارجه العالية إلى ذروة المجد والكمال، إمام العارفين، وحجّة الله في العالمين، القطب الربّاني، والإِمام الصمداني، مولانا الحاج إمداد الله المكي الجشتي النقشبندي القادري السهروردي العمري (١) - قدَّس الله سرّه العزيز-، فَبَخلَهُ وأكرمَهُ بالخرقة والإِجازة، وأقامه مقام نفسه، وأَلْبَسَه (٢) ما كان على رأسه من الطاقية والعمامة، فيا حبّذا من نعمة خصّه الله تعالى بين الأخلاء والأصفياء، وأمدَّه بإمدادات حسده عليها أرباب الأحوال والاهتداء، وذلك سنة ست وتسعين لدى حضوره الحرمين الشريفين، والحجازين المكرمين. وقد كان قبل ذلك تشرَّف بالحج والزيارة الشريفة سنة ثلاث وتسعين بعد الألف والمائتين، حين إقامته ببلدة بهوبال. وفي هذه المرة اجتمع بسيِّد أرباب الكشف والشهود، وملاذ قاصدي أحاديث الرسول ﵇ والوفود، إمام الرويّة والرواية, قطب الهداية

стр. 77

والدراية، مفخر المحدِّثين، وسند المفسِّرين، مَن انتهت إليه رئاسة الحديث بدار الهجرة، واشتهر فضله شرقًا وغربًا بين أرباب الكمال والمهرة، مولانا العارف باللهِ الشيخ عبد الغني (١) الحنفي المجددي النقشبندي الدهلوي ثم المدني المومَأ إليه سابقًا - قدَّس الله سرّه العزيز -، فمنحه حضرة الشيخ الإِجازة العامّة بجميع ما كانت تصح له روايته عن شيخيه المعروفين والإِمامين الهمامين، مولانا العارف بالله الشهير في الآفاق مولانا الشيخ محمد إسحاق العمري (٢) الدهلوي ثم المكي- قدَّس الله سرّه العزيز-، ومولانا العارف بالله الشيخ محمد عابد الأنصاري (٣) الحنفي السندي ثم المدني- قدَّس الله سرّه العزيز-، وأسانيدهما مشهورة. ثم بعد رجوعه من هذه السفرة الأولى حداه القضاء والقدر لتكميل أهل "بهاول بور" وتربيتهم، فَأَدَّى هذه الخدمة الشريفة لدى بعض الخواص من سُكّانها، ثم ولي خدمة التدريس والإِفادة بمدرستها المشهورة لدى أرباب العلم والإِفاضة، فأقام هنالك اثنتي عشرة سنة يسقي ظِماءهم بفراته، ويداوي جرحاهم بمرهم وعظه وشفاء كلماته، فدرَّس هنالك وصنَّف، وقلوبًا أحياها، وآذانًا (٤) شنف، فضرب الناس بعطن، وانقطع عنهم الظمأ وحرارة الفتن. ثم ولي بعد إقامته برهة بـ "بريلي" تدريس أعالي الفنون وكتب الحديث بالمدرسة العالية الديوبندية المشهورة في القديم والحديث، فلم يزل ينوّر قلوب الطالبين بشموس علومه ومعارفه، ويحيي أرواح عفاة الفنون بمعجزات البيان ومعالمه، إلى أن حان أن ينتبه طالع "مظاهر العلوم"، ومنذ مدّة كان غاربًا في النوم والغفلة، فاستولت عليها حوادث الدهر،

стр. 78

فلم تبق له إلَّا اسمه ورسمه، فسعى أركانها إلى حضرة القطب الكَنكوهي المومأ إليه - قُدِّس سرّه العزيز- طالبين أمره الشريف بقَبول صدارة التدريس بها فلبّاه، ورقاها إلى أوج الكمالات فكلّ مسابق أعياه، وذلك في سنة أربع عشرة بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة، فاقتصرت عليه الكتب العالية من الحديث والتفسير والفقه والأصول وغيرها، فدرسها بغاية الإِتقان والتحرير، حتى أنْ ضرب الناس بأكباد إبلهم إلى فنائه ورحابه، وصار المشرق والمغرب يلفظ أفلاذ أكباده إلى أعتابه وجنابه، فنقح المسائل ورتب ونشر الأحاديث في الآفاق وألَّف، وفتح آذانًا صمًّا، وأحيا قلوبًا غلفًا. وحيث إنَّ "سنن أبي داود" كان مِن أُمَّهات الأحاديث وأصولها، وجامعًا للمعتبر من الروايات وفروعها، كافيًا لمن أراد التبصُّر في السنن النبوية، معتمدًا لمن قصد الاجتهاد في المعارف الدِّينية، وتوجَّه إليه الأئمّة الحاذقون بالشروح والحواشي، وخدموه بإزالة غموضاته وكشف الغواشي، فمنهم مَن توجَّه إلى فقه الأحاديث والمتون، ومنهم مَن قَصَد الأسانيد والاستيعاب لكلّ ما يجب من العلوم والفنون، فمن مطول ومختصر، ومن مطنب ومقتصر. ولما رأى حضرة الأستاذ - مدَّ الله ظلّه العالي- أنَّ هذه الشروح والحواشي قد لعبت بها بنات الأفلاك وحوادث الدهر، ولم يبق لها في صفحات الوجود إلَّا أساميها الموجبة للحسرات والويلات لأبناء العصر، قصد أن يشرحها شرحًا وجيزًا يحلّ مشكلاته، ويفصل معضلاته، ولا يترك شيئًا من عُجَره وبُجَره، ولا يبقي مستورًا من خبايا كنوزه وبدره. ولكن عاقته عوائق الدهر عن الإِسعاف، وصادمته صوارف الزمان بكل جور واعتساف، فلم يزل يقاومها بكلّ همّة واستقلال، ويصرف لمعارضتها ثواقب العزم بغاية القوَّة والكمال، إلى أن أيَّدته النفحات القدسية والألطاف العلويّة، فشرع في المأمول، واجتهد في المسؤول،

стр. 79

وكان قد سوّد مضامينها في السنين السالفة، وزَين صفحات الأوراق بجواهر ألفاظها اللامعة، بيد أنه لم يكن يتفرَّغ للتكميل بهجوم مشاغل التدريس والتعليم، وكثرة أفكار تتعلَّق بترتيب المدرسة والتنظيم. فلما رجع حضرته من الحجّة السادسة سنة ألف وثلاثمائة وأربعين فرّغ نفسه للتأليف، وتوجَّه بشراشره للترشيق والتصنيف، وشَمَّر نفسه عن ساق الجد في التسويد والترتيب، مُعْرِضًا عن الإِطناب المُمِلّ والإِيجاز الغريب، فجاء بحمد الله ما يروق به عيون الأرواح، وتنجلي به الغموم والهموم، وتطمئن الخواطر بالسكون وغاية الارتياح. وقد حصل الفراغ من تسويد الجزء الأوَّل سنة أربعين بعد الألف والثلاثمائة، ومن الثاني منه سنة اثنتين وأربعين بعد الألف والثلاثمائة، ثم شرع في الجزء الثالث منه، وعلى الله الإِيفاء بالمقاصد والتكميل، ومن فضله ومنه يُرجى لجزاء الحسن والثواب الجزيل. وللمؤلِّف- دام مجده وعُلاه- تصانيف عديدة في مهمّات المسائل وفروعها، وتآليف جميلة في إحقاق العقائد الحقّة وتوطينها, وله ملكة في فنون الجدل والمناظرة، وإقامة البراهين والحجج الباهرة، فإنه داهية كبرى على الشيعة الشنيعة الفاجرة، وطامة عظمى على المبتدعة الضالّة العاجزة. فمنها: "المهنّد على المفنّد"، ذكر فيها معتقداته ومعتقدات مشايخه الكرام أتباع الأسلاف العظام، وأهل السُّنَّة الفخام، ردًّا على ما افترى عليهم الخبثاء اللئام، بما تقشعِرّ منه الجلود، وتفتّت عنه العظام. ومنها: "تنشيط الآذان"، ذكر فيها ما أخطأ فيه بعض مَن ادَّعى العلم، وانتحله أنَّ محلّ الأذان خارج المسجد يوم الجمعة لدى الخطبة. ومنها: "مطرقة الكرامة على مرآة الإِمامة"، كتاب بسيط في ردّ الروافض، ذكر فيه أصولهم القبيحة، ومعتقداتهم الشنيعة، وأتى على

стр. 80

خزعبلاتهم وترّهاتهم فأوهاها، وأرسل الصواعق على حججهم، فدكَّ جبالهم الشامخة وسوّاها، طبع منه الجزء الأول فقط، ثم عزَّ وجوده ولم يطبع بعد. ومنها: "هدايات الرشيد"، كتاب بسيط جدًّا في ردّ الروافض، وإظهار أصولهم الفاسدة، وعقائدهم الباطلة، وتوهين قواهم، وإخفاض علاهم، عدم النظير في بابه، كامل التقريب في حججه وأبوابه، قَلَّتْ نسخه الآن، فتاه المشتاقون، واشتدّت حاجته الحين، فأصرّ المفتاقون، وعلى الله التيسير، وهو الميسِّر لكلّ عسير. ومنها: "إتمام النعم على تبويب الحكم"، كتاب جليل في تهذيب الأخلاق والتصوُّف، كتبه حضرة الشيخ - مدَّ الله ظلّه العالي - بأمر قطب العالم مولانا العارف بالله المهاجر المكي- قدَّس الله سرّه العزيز - مترجمًا للجواهر المنظمة من حِكَم ابن عطاء الله السكندري ﵀ بطريق يسهل على الطالبين الاغتراف من بحاره، وعلى السالكين الاستضاءة من أنواره. وله - دام مجده - مؤلَّفات أُخَر شهيرة طبع منها البعض، ولم يطبع البعض. ولم يزل حضرته- دام مجده- مجدًا في نشر العلوم، وإحياء الدِّين، وتقويم ما تَعَوَّجَ من أمور الإِسلام والمسلمين، علَمًا مضيئًا للطلبة والسالكين، ناصحًا مخلصًا للأُمّة المحمَّديّة أجمعين، إمامًا للهداة والعالمين، خادمًا للعالم الإِنساني والمهتدين، عاضًّا بالنواجذ على سنن سيِّد المرسلين، عليه أفضل صلوات المصلِّين، وأكرم تسليمات المسلِّمين، متَّبعًا لما كان عليه الأسلاف الكرام، مجتنبًا عن جميع ما اخترعته اللئام، مفنيًا أوقاته في إرضاء المفضل المنعام، وعبادات زاكية حين تثقل المضاجع بالنيام، ورياضات شاقّة على النفس والشّيطان، واحتسابات تزيل الغفلة

стр. 81

وتوقظ الوسنان، ومراقبات تديم الشهود والإِحسان، وأذكار تنوِّر الجسد والجنان، وتسليك لعفاة الطريقة، وإرشاد لظمأى خمور العشق والحقيقة، ولمثله ما قيل: يبيت مشمرًا سهرالليالي ... وصام نهاره لله خيفه وصان لسانه عن كل إفك ... وما زالت جوارحه عفيفه يَعِفُّ عن المحارم والملاهي ... ومرضاةُ الإِله له وظيفه وقد أخذ عنه العلوم الظاهرة، وروى عنه الأحاديث الظَاهرة أئمّةٌ ذوو رواية وروية، وطلبة أصحاب درايات دُرِّيَّة، لا يحيى عددهم إلا الله العظيم، ولا يحيط بمراكزهم إلَّا الخالق العلم، لم تزل أنهار فيوضه جارية بالمشرقَيْن، وشموس فضائله لامعة على رؤوس أهل المغربين. وتاب على يده الشريفة خلق كثيرون، فاستضاء بأنواره الباطنة منهم الصالحون، إلى أن استوى منهم جماعات على عروش التسليك والتلقين، فامتاز بينهم بالخرقة والخلافة إمامًا قائدًا لأهل السكينة واليقين. منهم: حضرة الشيخ الأجلّ والفاضل الأبجل، مَن أَحيى بطبيعته الوقادة العلوم والسنن، ونوَّر بفطانته الثقابة النفوس والزمن مولانا محمد يحيى الكاندهلوي - قدَّس الله سرّه العزيز-. ومنهم: التقيّ الصالح والورع البارع، مولانا عبد الله الكَنكَوهي - المرحوم (١) -. ومنهم: الأديب البارع والزكيّ الفارع صاحب التصانيف العالية والتآليف الزاكية مولانا الحاج عاشق إلهي الميرتهي- دام مجده -. ومنهم: مولانا الحاج فخر الدِّين نزيل غازي آباد (٢).

стр. 82

ومنهم: مولانا الحافظ الحاج محمد إلياس الكاندهلوي (١) نزيل نظام الدِّين، دهلي. ومنهم: مولانا الحافظ فيض الحسن الكَنكَوهي (٢) نزيل لكهنؤ. ومنهم: الحاج محمد حسين الحبشي نزيل مكة المكرمة، في السلسلة النقشبنديّة خاصّة. وليكن هذا آخر ما أردناه عن إفصاح ترجمة حضرة الشيخ- دام مجده - بغير إطناب ولا تطويل، فإنَّ إكمال ذكر ما منحه الله لا يحويه إلا الطامور العريض الطويل، بلّغه الله تعالى على أقصى مراداته في الدارين، وأسبل علينا مِن بركاته وفيوضاته ما يسترنا عن فضائح الكونَين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسَلين، وآله وصحبه وأتباعهم إلى يوم الدّين، آمين. كتبه بعض المنتسبين إلى أعتاب حضرة الشيخ غفر الله له ولوالديه ومشايخه أجمعين

стр. 83

أبو داود الإِمام الحافظ الفقيه (٢٠٢ - ٢٧٥ هـ) وكتابه "السنن" بقلم: أ. د/ تقي الدّين النّدْوي

стр. 84

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

стр. 85

عصر أبي داود عاش الإِمام أبو داود جميع سنوات عمره في القرن الثالث الهجري، فقد وُلد عام ٢٠٢ هـ , وتوفي سنة ٢٧٥ هـ، وكان العالم الإِسلامي تحت حكم العباسيين الذين اتخذوا بغداد عاصمة لملكهم، وكان العصر العباسي الأول (١٣٢ - ٢٣٢ هـ) عصر قوة الخلفاء واستقلالهم بشؤون الخلافة وحسن تدبيرهم لسياسة الدولة، وعدم تركهم للعناصر الأجنبية من فرس وغيرهم الاستبداد بشؤون الملك وسياسة الدولة. ولقد أدرك هذا الإِمامُ عهدَ المأمون المتوفى سنة ٢١٨ هـ، والمعتصم المتوفى سنة ٢٢٨ هـ، والواثق المتوفى سنة ٢٣٢ هـ. وبوفاة الواثق انتهى عهد القوة للدولة العباسية، وبدأ الضعف يدِبُّ في أوصالها ابتداء من عهد المتوكل المتوفى سنة ٢٤٧ هـ، ومرورًا بعهد المنتصر المتوفى سنة ٢٤٨ هـ، ثم المستعين بالله المتوفى سنة ٢٥٢ هـ، ثم المعتز بالله المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، ثم المهتدي المتوفى سنة ٢٥٦ هـ، ثم المعتمد على الله المتوفى سنة ٢٧٩ هـ. ولقد حجر على المعتمد هذا أخوه الموفق، واستبد بالأمر في دونه، فلم يستقل بالخلافة، وللموفق مع الإِمام قصة ستأتي في هذا الكتاب إن شاء الله. ولئن عاش الإِمام أبو داود ﵀ عصرًا سياسيًّا ابتدأ قويًّا ثم ضعف، فقد عاش عصرًا علميًّا رائعًا جليلًا، نمت فيه العلوم الإِسلامية نموًّا عظيمًا، وأصبح للعلم فيه حواضر كثيرة في كافة أنحاء العالم الإِسلامي

стр. 86

لا سيما في بغداد، فقد نمت المذاهب الأربعة ودوِّنت، وأصبح معظم الناس أتباعًا لها، ونمت علوم القرآن، لا سيما التفسير، وألفت الكتب الكثيرة في السيرة النبوية، والمغازي، والتاريخ, والطبقات، وأسست علوم العربية خدمة للقرآن الكريم، كما أن سيول الثقافة الأجنبية قد انصبت على المجتمع المسلم، ووجدت تشجيعًا عظيمًا لا سيما في عهد الخليفة المأمون، وتُرجم الكثير من الكتب إلى اللغة العربية. أما علوم الحديث، فقد بلغت في عصر الإِمام أبي داود دورها الذهبي، ولقد سايرت علوم الحديث تدوين السُّنَّة في سيره، فتقدمت تقدمًا كبيرًا بما قام به علماء هذه الطبقة من جهود كبيرة في تحرير علوم الحديث وتصنيف المؤلفات الكبيرة فيها. ونظرة عابرة على كتاب: "الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة" لمحمد بن جعفر الكتاني، تكفي للاطلاع على المؤلفات العظيمة في علوم الحديث لعلماء ذلك العصر. وقد عاش في ذلك العصر أعلام محدثي هذه الأمة كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وغيرهم. وفي هذا العصر برز في العالم الإِسلامي لا سيما في حاضرة الخلافة بغداد تيّار التصوف، وقد أوجد هذا التيّار قومًا صالحين زهدوا في الدنيا، فانصرفوا عنها وعن زخارفها، وشغلوا أنفسهم بالاجتهاد في طاعة الله تعالى والإِكثار من ذكره، والاستعداد ليوم المعاد، وكان رؤوس هؤلاء القوم: الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، والحارث المحاسبي، وغيرهم. والحق أن الذي كان عليه هؤلاء القوم لم يكتسب اسم التصوف إلَّا فيما بعد، وهو يفترق كثيرًا عن المصطلحات والأحوال التي أصبح عليها فيما بعد من يُدعون بالصوفية. هذا , ولم يخلُ هذا العصر من هَنَات أساءت للعلم والعلماء، بل

стр. 87

أساءت للإِسلام والمسلمين، وفي رأسها "فتنة خلق القرآن" التي امتحن فيها أئمة أعلام، في مقدمتهم الإِمام أحمد بن حنبل؛ تلك الفتنة التي ابتدعها المعتزلة، وأوحى بها كبيرهم القاضي أحمد بن أبي داود إلى الخليفة المأمون، فهويها وامتحن بها أئمة الإِسلام، ثم أخذ العلماءَ بها من بعده أخوه المعتصم، ثم جاء المتوكل فأزال هذه الفتنة، وأراح الأمة من شرورها. وفي هذا العصر برزت تيارات معادية للإِسلام، ترسبت من بقايا المجوسية الفارسية، وسلكت مسلك الكيد الخفي للإِسلام، وكان مقصدها الأول تخريب عقائد المسلمين، وإضعاف دولتهم، وكان منها المزدكية والمانوية والديصانية (١)، بَيْدَ أن يقظة الخلفاء استطاعت أن تتصدى لهذه التيارات وتقمعها. هذا، وعلى الرغم من هذه الهنات، فقد كانت الكلمة العليا في المجتمع الإِسلامي للعقيدة الإِسلامية ولأهل السنة والجماعة، وكان الأثر الأعظم في توجيه الأمة لأئمة الإِسلام الأعلام من فقهاء ومحدثين، وفي مقدمتهم أئمة الفقه الأربعة وكبار الأئمة المحدثين. هذه كلمة موجزة عن عصر الإِمام أبي داود، أردنا منها أن نعطي القارئ فكرة سريعة عن ذلك العصر لا سيما في ناحيتيه السياسية والعلمية، ثم ننتقل بعدها إلى الحديث عن الإِمام أبي داود ﵀ رحمة واسعة -. * * *

стр. 88

الإِمَام أبو دَاوُد قبسات من سيرته، ولمحات من فضله اسمه ونسبه ونسبته: هو الإِمام الثَّبَت (١) سيد الحفاظ في وقته أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدَّاد بن عمرو الأزدي السجستاني. وقيل: سليمان بن الأشعث بن شدَّاد بن عمرو بن عامر، ويقال: عمران (٢). قلت: لعله وقع شيء من الاختصار. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: يقال: إن جده عمران قُتل مع علي ﵁ بصفين (٣). والأزدي نسبته إلى الأزد، وهي قبيلة معروفة في اليمن (٤). ثم السجستاني: نسبته إلى سجستان، واختلف العلماء في تعيينه: قال ابن خلِّكان: السِّجستاني: بكسر السين المهملة والجيم وسكون

стр. 89

السين الثانية وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى سجستان الإِقليم المشهور، وقيل: بل نسبته إلى سجستان أو سجستانة قرية من قرى البصرة، والله أعلم. وروى شهاب الدين الحموي عن محمد بن أبي نصر أنه تَتَبَّعَ البصريين فلم يعرفوا بالبصرة قرية يقال لها سجستان، غير أن بعضهم قال: إن بقرب الأهواز قرية تسمى بشيء من نحو ما ذكره، ولم يذكر أحد من الحفاظ أنه من غير سجستان المعروف، وينسب إليها السجزي، وهو من عجيب التغيير في النسب (١). وقال السمعاني: السّجستاني نسبة إلى سجستان، وهي إحدى البلاد المعروفة بكابل (٢). وقال تاج الدين السبكي: الإِقليم المعروف المتاخم لبلاد الهند (٣). وقال الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي: هذه النسبة إلى "سيستان" البلد المعروف فيما بين "السند" و"الهراة" بقرب "قندهار" و"جشت" (٤). وإن سجستان الآن في بلاد أفغانستان. ولادته: ولد الإِمام أبو داود سنة اثنتين ومائتين (٥). وكان أبو داود قد سكن البصرة، وقدم بغداد غير مرة، وروى كتابه المصنف في السنن بها، ونقله عنه أهلها (٦)، وآخر مرة زارها سنة ٢٧١ هـ (٧).

стр. 90

وكانت البصرة في ذلك العصر مركز العلم والعلماء والطلاب. ارتحاله إلى الآفاق: لا نعرف إلا الشيء القليل عن بدايته، ولكنه لما نشأ وترعرع كانت دائرة علم الحديث واسعة، ولذلك ذهب يطوف مراكز العلم في العالم الإِسلامي عدة سنوات، واتسعت رحلته فعمت بلاد خراسان، ومصر والحجاز، وكتب عن علماء هذه البلاد. قال الخطيب البغدادي: وهو أحد من رحل وطوَّف وجمع وصنَّف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين (١)، وسمع بخراسان والعراق والجزيرة (٢) والشام ومصر. قال ابن كثير: أبو داود السجستاني أحد أئمة الحديث، الرحَّالين إلى الآفاق في طلبه (٣). وزار طرسوس التي أقام بها عشرين سنة (٤) ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر (٥). شيوخه: رحل الإِمام أبو داود إلى المراكز المهمة التي حوت كبار المحدثين في بلاد المسلمين، واستفاد من الشيوخ الذين هم محل الثقة والأمانة، وأخذ الحديث ممن لا يحصى كثرة (٦).

стр. 91

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وشيوخه في "السنن" وغيرها نحو من ثلاثمائة نفس (١). ومن أعيانهم: ١ - أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي، الإِمام الشهير، صاحب "المسند"، وُلد سنة أربع وستين ومائة، ومات ببغداد يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين (٢). ٢ - يحيى بن معين، أبو زكريا، أحد الأئمة الأعلام، قال الخطيب: كان إمامًا ربانيًا عالمًا حافظًا ثبتًا متقنًا، مات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وحمل على سرير النبي ﷺ ، وله نحو سبع وسبعين سنة (٣). ٣ - إسحاق بن راهويه، أبو يعقوب الحنظلي، نزيل نيسابور، أحد أئمة المسلمين وعلماء الدين، مولده سنة ١٦١ هـ، ومات ليلة نصف شعبان سنة ٢٣٨ هـ (٤). ٤ - عثمان بن محمد بن أبي شيبة أبو الحسن العبسي الكوفي، أحد الحفاظ الأعلام، أخو أبي بكر بن أبي شيبة، صاحب "المسند" و"التفسير" مات سنة ٢٣٩ هـ (٥). ٥ - مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي مولاهم، البصري، أبو عمرو، روى عنه ابن معين والبخاري، ومات سنة ٢٢٢ هـ (٦).

стр. 92

٦ - ومنهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن مَسلَمة بن قعنب القعنبي، الحارثي، المدني، نزيل البصرة، المتوفى بمكة سنة إحدى وعشرين ومائتين (١). ٧ - ومنهم الحافظ أبو الحسن مُسَدَّد بن مُسَرْهَد بن مُسَرْبَل البصري الأسدي، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين (٢). ٨ - ومنهم أبو سَلَمَة موسى بن إسماعيل التميمي المنقري التبوذكي، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٣). ٩ - ومنهم الحافظ أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري الملقب بـ بندار، المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومائتين (٤). ١٠ - ومنهم الحافظ أبو خيثمة زهير بن حرب بن شداد الحَرَشي مولاهم، النسائي، المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين (٥). ١١ - ومنهم أبو حفص عمر بن الخطاب السجستاني نزيل الأهواز، المتوفى سنة أربع وستين ومائتين (٦). ١٢ - ومنهم أبو عثمان عمرو بن محمد بن بكير بن سابور الناقد، البغدادي، نزيل الرقة، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين (٧).

стр. 93

١٣ - ومنهم الحافظ الصالح أبو السري هنَّاد بن السري بن مصعب التميمي الدارمي، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين (١). ١٤ - ومنهم الحافظ الإِمام نصر بن علي الجهضمي الأزدي، المتوفى سنة خمسين ومائتين (٢). ١٥ - ومنهم الحافظ المثبت أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائتين (٣). ١٦ - ومنهم أبو عثمان عمرو بن مرزوق الباهلي البصري، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين (٤). ١٧ - ومنهم الحافظ أبو موسى محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس العنزي البصري، المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومائتين (٥). ١٨ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن كثير العبدي البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٦). ١٩ - ومنهم الحافظ العَلَم أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم، الكوفي، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومائتين (٧). ٢٠ - ومنهم الحافظ أبو العباس حيوة بن شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين (٨).

стр. 94

ومن شيوخ الإِمام أبي داود: سليمان بن حرب (١) وأبو عمرو الحوضي (٢)، وأبو الوليد الطيالسي (٣)، وغيرهم كثير. وقد شارك البخاري ومسلمًا في بعض شيوخهما كأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وقتيبة بن سعيد. تلاميذه: توافد عليه الطلبة من كل جهة من الشرق والغرب، فأكب على إفادتهم وإرواء غُلَّتهم بما كان يملكه من المادة الغزيرة في علم الحديث والرواية, فتوسَّع نطاق طلابه، ولا يمكن إحصاؤهم، وربما كان يجتمع في مجلس درسه ألوف من الرجال. قد روى عنه خلق من الأئمة، قال الذهبي (٤): كفى به فخرًا أن الإِمام الترمذي (٥) والنسائي من تلاميذه، وحسبه فضلًا أن يروي عنه شيخه أحمد بن حنبل حديثًا ويكتبه عنه، وهو ما رواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة عن أبي العُشَراء الدارمي عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ سئل عن العتيرة فحسنها" (٦). قال الحافظ ابن كثير: حدث عنه جماعة، منهم ابنه أبو بكر

стр. 95

عبد الله، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو بكر أحمد بن سلمان النجاد وهو آخر من روى عنه في الدنيا (١)، ومنهم: الترمذي، وإسماعيل بن محمد الصفَّار، ومحمد بن مخلد الدوري، وأحمد بن محمد بن هارون الخلال. زهده وورعه: كان الإِمام أبو داود على درجة عالية من النسك والعفاف والصلاح والورع، وكان مثالًا يحتذى في هديه وسمته. قال أبو حاتم: كان الإِمام أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا. وقال أبو موسى: تفقّه أبو داود بأحمد بن حنبل ولازمه مدة، وبلغنا عن بعض الأئمة أن أبا داود يُشَبَّه بأحمد بن حنبل في هديه وسمته ودلّه، وكان أحمد يُشَبَّه بوكيع، ووكيع بسفيان، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم، وهو بعلقمة، وهو بابن مسعود، وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي ﷺ (٢). وجاءه سهل بن عبد الله التستري فقيل له: يا أبا داود، هذا سهل بن عبد الله قد جاءك زائرًا، فرحّب به وأجلسه، فقال له: يا أبا داود، لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: حتى تقول: قضيتها مع الإِمكان، قال: قد قضيتها مع الإِمكان، قال: أَخْرِج لسانك الذي حدَّثْتَ به عن رسول الله ﷺ حتى أقبّله، قال: فأخرج لسانه فقبّله (٣).

стр. 96

وكان له كُمَّان: كُم واسع، وكم ضيق، فسئل عن ذلك، فقال: الواسع للكتب، والثاني لا نحتاج إليه. وقال: من اختصر على لباس دُوْنٍ ومطعم دُوْنٍ أراح جسده (١). اعتزازه بكرامة العلم والعلماء: ومما يدل على هذا الاعتزاز ما ذكره الإِمام الخطابي بسنده عن أبي بكر بن جابر- خادم أبي داود - قال: كنت مع أبي داود ببغداد، فصلينا المغرب، إذ قُرع الباب ففتحته، فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن، فدخلت إلى أبي داود، فأخبرته بمكانه، فأذن له فدخل وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال: ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟ قال: خلال ثلاث، قال: وما هي؟ قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطنًا ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض، قال: هذه واحدة، هات الثانية، قال: تروي لأولادي كتاب "السنن"، قال: نعم، هات الثالثة، فقال: تفرد لهم الرواية, فإن أولاد الخلفاء لا يجلسون مع العامة، فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، فإن الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء، قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون، ويضرب بينهم وبين الناس سِتر فيسمعون مع العامة (٢)! ! وهكذا فليكن العلماء، لا يَسْعَوْن إلى الملوك والأمراء، وإنما يسعى إليهم الملوك والأمراء، وهكذا فلتكن المساواة في العلم والمعرفة. اعتراف الأئمة بفضله وكماله: كان أبو داود عَلَمًا من أعلام الإِسلام حفظًا وفقهًا وعلمًا بالأحاديث

стр. 97

وعللها، وقد حظي بتقدير العلماء له، ونال اعتراف أهل العلم والفضل بعلمه وفضله في كل عهد وجيل. قال أبو بكر الخلال (١): أبو داود سليمان بن الأشعث الإِمام المقدَّم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورع مقدَّم (٢). قال الحافظ موسى بن هارون (٣): خُلِقَ أبو داود في الدنيا للحديث وفي الآخرة للجنة، ما رأيت أفضل منه (٤). ولما صنف كتابه "السنن" قال إبراهيم الحربي (٥): ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود ﵇ الحديد (٦). وهو تشبيه يدلى على فضل الرجل في صنعة الحديث، وأنه يَسَّر العسير وقرَّب البعيد وذلَّل الصعب. وقال الحاكم (٧): أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة (٨).

стр. 98

وقال الحافظ أحمد الهروي (١): كان أبو داود أحد حفاظ الإِسلام لحديث رسول الله ﷺ وعلمِه وعللِه وسنده في أعلى درجة، مع النسك والعفاف والصلاح والورع، وكان من فرسان الحديث في عصره بلا مدافعة (٢). وقال أبو حاتم بن حبان (٣): كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا، جمع وصنَّف وذَبَّ عن السنن (٤). وقال ابن الجوزي (٥): كان عالمًا عارفًا بعلل الحديث، ذا عفاف وورع، وكان يشبَّه بأحمد بن حنبل (٦). وقال الذهبي (٧): كان رأسًا في الحديث، رأسًا في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورعٍ حتى إنه كان يشبَّه بأحمد (٨).

стр. 99

وقال النووي (١): واتفق العلماء على الثناء على أبي داود، ووصفه بالحفظ التام، والعلم الوافر، والإِتقان، والورع، والدين، والفهم الثاقب في الحديث وغيره (٢). تحرِّيه في الإِسناد: قال أبو عبد الله بن منده (٣): الذين أخرجوا ومَيزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم وبعدهما أبو داود والنسائي (٤). وقد جاء في كتاب "الميزان" للذهبي: قال زكريا بن يحيى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات (٥) على ظهوركتبه، فسألته عنه فقال: رأينا في "مسنده" أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول، فدافعنا ثم أخرجها بعدُ، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها (٦). وذكر ابن يعلى أن محمد بن علي الآجُريّ (٧) قال: قلت لأبي داود:

стр. 100

أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد (١) أو عمرو بن مرزوق (٢)؟ قال: عمرو أعلى عندنا، علي بن الجعد وُسِم بميسم سوء؛ قال: وما يسوءني أن يعذب الله معاوية، وقال: ابن عمر، ذلك الصبي! (٣). يعني أن علي بن الجعد كان يقع في الصحابة، وذلك عندما يقرر أنه لا يسوءه أن يعذب الله معاويه ﵁، وكذلك فإن قوله عن ابن عمر: "إنه صبي" فيه ما يدل على قلة احترامه للصحابة، وعلى التهوين من شأنهم. مذهبه الفقهي: واختلف في مذهبه الفقهي، فقيل: حنبلي، وقيل: شافعي (٤). وعدّه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٥) في "طبقات الفقهاء" من أصحاب أحمد بن حنبل (٦)، وكذلك ذكره القاضي ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (٧). وأما السيد صدِّيق حسن خان (٨)، فقد ذكر في كتابه "أبجد العلوم"

стр. 101

البخاري وأبا داود والنسائي في الشوافع (١). وقال صاحب "كشف الظنون" (٢) في ذكر أبي داود: ومن مذهبه أن الحديث الضعيف أقوى عنده من رأي الرجال، وهو قول جماعة من العلماء، منهم الإِمام أحمد بن حنبل، إلى أن قال: وبهذا وشبهه يتقوى ما يقال: إن أبا داود وكذلك الترمذي مجتهدان مطلقان منتسبان إلى أحمد وإسحاق (٣). وقال الشيخ طاهر الجزائري (٤): وعندي أن البخاري وأبا داود أيضًا كبقية الأئمة المذكورين ليسا مقلِّدَيْن لواحد بعينه، ولا من الأئمة المجتهدين على الإِطلاق، بل يميلان إلى أقوال أئمتهم (٥). قال الإِمام العلامة الشيخ محمد أنور الكشميري (٦): النسائي

стр. 102

وأبو داود حنبليان، صرح به الحافظ ابن تيمية (١). وفي موضع آخر من "الفيض" (ص ٣٠١) جزم بأنه حنبلي. وقال الشيخ ابن القيم (٢) في "إعلام الموقعين": البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم (٣)، وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتبع له من المقلدين المحض المنتسبين إليه (٤). وكذلك ذكر هؤلاء الثلاثة ابن أبي يعلى (٥) في "طبقات الحنابلة". وأما التاج السبكي (٦) فلم يذكر في "طبقات الشافعية" إلَّا البخاري وأبا داود والنسائي. وأما الحنفية والمالكية فلم يذكروا واحدًا منهم في طبقاتهم (٧).

стр. 103

قال العلامة المحدث الكبير الشيخ محمد زكريا (١): إن أهل العلم اختلفوا في مسالك أئمة الحديث، فبعضهم عدوهم كلهم من المجتهدين وآخرون عدوهم كلهم من المقلدين. والأوجه عندي أن فيهم تفصيلًا: فإن الإِمام أبا داود عندي حنبلي قطعًا، متشدد في مسلك الحنابلة، كالطحاوي في الحنفية. ولا يشك في ذلك من أمعن النظر في "سنن أبي داود"، فإنه ﵀ كثيرًا ما أشار إلى ترجيح مسلكهم، بخلاف الروايات المعروفة، كما أشار إلى ذلك بتبويب البول قائمًا، والمعروف عنه ﷺ البول جالسًا، ولم يذكر هذه الرواية في الباب مع أنه أخرجها في موضع آخر، وترجم بباب الوضوء بفضل طهور المرأة، ثم ذكر بعد ذلك باب النهي عن ذلك إشارة إلى تأخره، وترجم بباب الوضوء مما مست النار، وترجم بعد ذلك بباب التشديد في ذلك، كأنه رجح أن الأمر وقع فيه التشديد بعد التخفيف، ويظهر نظائر ذلك كثيرًا لمن أمعن النظر في الكتاب (٢). وقال في موضع آخر: والذي تحقق لي أن أبا داود حنبلي بلا ريب، لا ينكر ذلك من أمعن النظر في "سننه"، والإِمام البخاري عندي مجتهد برأسه، وهذا أيضًا ظاهر من ملاحظة تراجمه بدقة النظر لمن يعرف اختلاف الأئمة (٣).

стр. 104

وإذا أردت التفصيل فعليك بمطالعة مقدمة "لامع الدراري على جامع البخاري" في الفائدة التاسعة. وفاته: وبعد هذه الحياة الحافلة بالعلم وجمع الأحاديث ونشرها، توفي الإِمام أبو داود بالبصرة التي أتخذها موطنًا له، وكانت وفاته في شوال سنة خمس وسبعين ومائتين، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري - عليهما رحمة الله -. ابنه أبو بكر: وقد ترك الإِمام أبو داود ابنًا يسمى "عبد الله"، وقد صار حافظًا كبيرًا، وهو أبو بكر عبد الله بن أبي داود فهو إمام ابن إمام، وُلد أبو بكر سنة ثلاثين ومائتين، وتوفي سنة ست عشرة وثلاثمائة (١). مؤلَّفاته: ١ - " المراسيل": وقد طُبع بالقاهرة سنة ١٣١٠ هـ. ٢ - "الردّ على القدريّة": كما ذكره السيوطي في "التدريب" (ص ٥٦)، والحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" باسم "الردّ على أهل القدر"، وذكر أنَّ راوي هذا الكتاب عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري (٢). وقال فؤاد سزكين (٣): ذَكَرَه ابن حجر في كتابه "الإِصابة". ٣ - "النَّاسخ والمنسوخ": ذكر ابن حجر أنَّ راوي هذا الكتاب عنه (٤)

стр. 105

أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، ونقل السيوطي عن هذا الكتاب (١)، وذكره إسماعيل البغدادي بعنوان "ناسخ القرآن ومنسوخه" (٢). ٤ - "مسائل الإِمام أحمد": وهي مرتَّبة على أبواب الفقه، يذكر فيها الإِمام أبو داود السؤال الموجَّه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من الناحية الفقهية، ينقل لنا بدقة وأمانة آراء الإِمام أحمد بن حنبل. وقد طبع في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخَّرًا. ٥ - "كتاب الزُّهْد": توجد له نسخة بالقرويين بفاس وفي المكتبة الظاهرية بدمشق (٣). وقد طبع هذا الكتاب. ٦ - "رسالته في وصف كتاب "السنن"": وقد طبعت في القاهرة بتحقيق وتعليق العلَّامة محمد زاهد الكوثري سنة ١٣٦٩ هـ، وطبع مع "بذل المجهود في حلّ أبي داود" ١٣٩٣ هـ، وطبع بتحقيق وتعليق فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة - رحمه الله تعالى-، وفضيلة الدكتور محمد بن لطفي الصبّاغ أيضًا. ٧ - "إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري". قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، كتاب مفيد (٤). وذكرها فؤاد سزكين (٥) بعنوان: "سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم" (٦).

стр. 106

وذكر أنها موجودة في كوبرلي وباريس، وذكر أنَّ ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيرًا في "تهذيب التهذيب" (١). طُبع في الرياض بعام ١٤١٨ هـ. ٨ - "تسمية الإِخوة الذين روى عنهم الحديث": وهي رسالة في ثماني ورقات، محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السِّلفي، ومكتوبة بخطّ مغربي، كما ذكر ذلك الشيخ ناصر الدّين الألباني (٢). وذكر الدكتور أكرم ضياء العمري هذه الرسالة بعنوان "تسمية الإخوة من أهل الأمصار"، وقال: وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالة "تسمية الإِخوة" ما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الإخوة الذين روى عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء، ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضًا (٣). وذكر الأستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها أنَّ الرسالة تقع في (٧) ورقات، وأنَّ الورقة ٢٤ سطرًا، وأنها مكتوبة بخطّ ناعم. وذكر فؤاد سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس (٤). وقد طُبعَ هذا الكتاب. ٩ - "أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء". قال الشيخ ناصر الدّين الألباني: رُتّبت على أسماء بلادهم، ثقات مكة، وثقات المدينة ... وينتهي بضعفاء المدينة. وهي نسخة ناقصة من أولها وموجودة في الظاهرية (٥). وطُبع الكتاب باسم "مسائل أبي داود" سنة ١٣٥٣ هـ.

стр. 107

١٠ - "كتاب البعث والنشور": ذكره بروكلمان، وذكر أنه موجود في دمشق (١). ١١ - "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد": ذكره فؤاد سزكين وقال: إنه موجود في دمشق (٢). ١٢ - "دلائل النبوَّة" ذكره إسماعيل البغدادي (٣)، وابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٤). ١٣ - "التفرُّد في السنن": ذكره إسماعيل البغدادي (٥). ١٤ - "فضائل الأنصار": ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه "تهذيب التهذيب" (٦). ١٥ - "مسند مالك": ذكره ابن حجر في مقدمة "تهذيب التهذيب" (٧). ١٦ - "الدُّعاء": ذكره ابن حجر في مقدمة "تهذيب التهذيب" (٨). ١٧ - "ابتداء الوحي": ذكره ابن حجر في مقدمة "تهذيب التهذيب" (٩). ١٨ - "أخبار الخوارج": ذكره ابن حجر في مقدمة "تهذيب التهذيب" (١٠).

стр. 108

١٩ - "أصحاب الشعبي": ورد في "سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود". ٢٠ - "الكنى": ذكره ابن حجر في "الإِصابة" (١). ٢١ - "ما تفرَّد به أهل الأمصار": ذكره ابن تيمية في "رفع الملام" (٢)، والزركشي في "النكت" (٣). ٢٢ - ومِن أهم تصانيفه كتابه "السنن". ولذلك سأشبع الكلام فيه إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 109

" سُنَن أبي دَاوُد" تأليفه - مكانته - خصائصه كانت المؤلَّفات في الحديث - الجوامع والمسانيد ونحوها-يُذْكَر فيها إلى جانب أحاديث الأحكام الفضائل والقصص والمواعظ والآداب والتفسير؛ حتى جاء الإِمام أبو داود وصنَّف كتابه "السنن" تصنيفًا خاصًّا بأحاديث الأحكام مع الاستقصاء. قال الإِمام الخطابي: كان تصنيف علماء الحديث - قبل زمان أبي داود- الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها , ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود. ولذلك حلّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محلّ الإِعجاب، فضربت فيه أكباد الإِبل ودامت إليه الرّحَل (١). ينبغي أن يعلم أنَ هناك اصطلاحًا خاصًّا للسنن، قال الكتاني: وهي في اصطلاحهم الكتب المرتَّبة على الأبواب الفقهية من الإِيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، وليس فيها شيء من الموقوف, لأنَّ الموقوف لا يسمَّى في اصطلاحهم سنّة، ويسمَّى حديثًا (٢).

стр. 110

ومن هنا يتَّضح لنا لماذا سمى أبو داود كتابه بـ "السنن"، وقال في رسالته إلى أهل مكة: وإنما لم أصنف في كتاب "السنن" إلَّا الأحكام ولم أصنِّف كتب "الزهد" و"فضائل الأعمال" وغيرها (١). وقال الكتاني: وهو أوَّل مَن صنَف في "السنن" (٢)، وفيه نظر يتبين ممّا يأتي. قال الخطّابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأُمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدّمًا سبقه إليه ولا متأخّرًا لحقه فيه (٣). فاقتصاره في كتابه على أحاديث الأحكام ميزة عظيمة، وكلامه على الرواة في آخر الأحاديث التي يعقِّب عليها ميزة أخرى له، وإنَّ كلامه هذا ليعتبر النواة الصالحة التي تفرع عنها فن الجرح والتعديل فيما بعد، وأصبح بابًا واسعًا في أبواب مصطلح الحديث، وله ملاحظات أخرى يذكرها عقب الأحاديث ليست داخلة في باب الجرح والتعديل هي من الأصول التي بني عليها المحدِّثون أساس بحوثهم في النقد والتعليل، كما أنَّ له بيان المتابعات والشواهد ما يشهد له بالاقتدار والباع الطويل. موضوع الكتاب ومعظم مقصود الإِمام في تأليفه: قد أبدع أبو داود في تنظيم كتابه بالنسبة إلى الأبواب الفقهية والمواضيع الشرعية، فهو يبدأ في كتاب الطهارة، وهكذا يتسلسل حسب المواضيع الشرعية. قال العلَّامة الكوثري في هامش "شروط الأئمة" للحازمي: "أما الفرق ما بين الخمسة من القصد: فغرض البخاري تخريج الأحاديث الصحيحة المتّصلة، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير، فذكر عرضًا الموقوف والمعلَّق
следующие страницы →