روى البخاري (١) عن أبي جحيفة فقال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلَّا كتاب الله، أو فَهْمٌ أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.
وروى ابن جرير عن مسروق (٢) قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله، إلَّا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣)، هم أهل الفقه في الدين، الذين عرفوا استنباط الأحكام من الكتاب والسنَّة، واستجلاء الغوامض منها، وحل مشكلاتها، مع ثبوت القدم في لغة التنزيل لغة رسول الله ﷺ .
وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أولي الأمر منكم، يعني أهل الفقه والدين (٤). ومن أولي الأمر: الأمراء الذين يحكمون بما أنزل الله، لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥)، وما أنزل الله شامل لما قضى به رسول الله ﷺ ، وقضى به الفقهاء على قدر اجتهادهم.
وقد قال ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر". رواه الشيخان وأبو داود عن عمرو بن العاص ﵁ (٦) -.
стр. 8717
وقد درج السلف على أن يجتهد كل في العمل بالكتاب والسنَّة بقدر ما أراه الله، وما منحه من فهم في الكتاب والسنَّة. وكانوا يختلفون وهم أحباب. لا يفرض أحد رأيه على الآخرين. ولكن يتفاهمون فيما بينهم، ويرجع بعضهم إلى بعض، ويتراجعون فيما بينهم. ذلك لأن الله نزههم عن العصبية للنفس، والإعجاب بالرأي.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
وحفظ كتاب الله تعالى، تكفل الله به عز شأنه. تكفل بحفظه كما أنزل لم يتغير منه حرف، ولم يتطرق إليه زيادة أو نقص.
وحفظه بحفظ مقاصده والمعاني المرادة منه، وذلك بسنَّة رسول الله ﷺ المبينة له. فإنه لو ترك بلا بيان منه ﷺ لقال فيه أهل الدعاوي الكاذبة كل ما شاء بما شاء. والكتاب حمَّال ذو وجوه. وإنما تحدد السنَّة المراد منه.
فحفظ الله الكتاب بلفظه ومعناه المراد منه ببيان رسول الله ﷺ ، وما استنبطه أهل الحق الأئمة المجتهدون راجع إلى القواعد والأصول التي أصَّلها الله في كتابه، وأصَّلها على لسان رسول الله ﷺ .
وقد انتدب الله السَّبَّاقين من حملة العلم- حملة الكتاب والسنَّة- فحرَّروا أقواله ﷺ ، وأفعاله وأحواله، وتقريراته. فجمعوا المسانيد والسنن, وأبعدوا عن السنن الصحيحة ما دَسَّه المزيِّفون، الذين افتروا على رسول الله ﷺ وهم يعلمون أو يجهلون. ولكل كتاب من كتب السنة مزية خاصة. فـ "الموطأ" مزية، ولـ"مسند الإِمام أحمد" مزية، ولـ "الصحيحين" مزية، ولكل من السنن مزية.
قال الخطابي (٢): لم يصنف في علم الدين مثل كتاب السنن لأبي داود. وقد رُزِق القبول من كافة الناس على اختلاف مذاهبهم.
وقال ابن الأعرابي: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف
стр. 8718
وهذا الكتاب - يعني "سنن أبي داود" لم يحتج معهما إلى شيء من العلم، أي يكفيه في السنة.
وقد صنَّف علماء الحديث قبله الجوامع والمسانيد ونحوها. فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة فلم يقصد أحد منهم إفرادها واستخلاصها، ولا اتفق له ما اتفق لأبي داود.
وقد وفق الله العالم الرباني، خِرِّيت طرق السنَّة، الجامع للأصول والفروع، الذي نوَّر الله قلبه وباطنه وظاهره، ومولانا الإمام أبا إبراهيم خليل أحمد الأيوبي الأنصاري نسبًا ومحتدًا، والحنفي الرشيدي مشربًا ومذهبًا، والجشتي القادري النقشبندي السهروردي طريقة ومسلكًا، المولود بنانوته في كورة من نواحي سهارنفور بالهند في أواخر صفر سنة تسع وستين ومائتين وألف، والمتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف من الهجرة بالمدينة المنورة حيث دفن بالبقيع بجوار أهل البيت مجاورًا لرسول الله ﷺ ، وفقه لشرحه "سنن أبي داود".
وإذا كان الخط الجميل يدل بوضعه دلالة واقعية بَيِّنة على مهارة كاتبه وإتقانه لفنه، دلالة هي أقوى من الشهادات القولية، فالغوص في بحار معاني السنن, وإخراج مكنوناتها، وبسط مقاصدها، وتوضيح دقائقها، وتقريب فهمها، وجمع المتفرق منها، يدل هذا كله دلالة عملية على نبوغ وثبوت في ميدان المعرفة لمن وفقه الله لذلك.
وأولئك الذين بَيَّنوا سنة رسول الله ﷺ المبينة للقرآن، هم في حقيقة الأمر رسل رسول الله ﷺ ، الذين دعا لهم رسول الله ﷺ بالنضارة، لا نضارة الظاهر فحسب، بل نضارة الظاهر والباطن، نوَّرهم الله. فجعل لهم نورًا في باطنهم يكشفون به حقائق التنزيل، وحقائق البيان والتأويل.
ولقد بات الشافعي ﵁ ليلة يفكر في حديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ "، ففهم من هاتين الجملتين الكثير من الأحكام، منها تكنية الصبي الصغير تيمنًا بأنه سيكبر ويكون له ولد، يلاطفه بخطابه بالتصغير، فهو عمر، ولكنه يناديه بعمير. وأن تمكين الصبي من اللهو البريء الذي لا ضرر
стр. 8719
فيه أمر تسوغه الشريعة. وأن الرفق بالحيوان مما يحض عليه الشرع. وأن تمهيد أطفال المسلمين للصيد بالطير وغيره من غير إضرار به مما يحسن شرعًا ليتعودوا على الشجاعة من صغرهم، وغير ذلك مما بينه العلماء.
وقد منَّ الله على أولي العلم في عصرنا بهذا الجهبذ الموهوب، فكان شافعي زمانه في استنباط المعاني. فأبدى الله على يديه شتى المعاني الدقيقة في الحلل الأنيقة من ألفاظ لغة الكتاب والسنَّة، ذلك الشرح الدال بوضعه على فيض من شآبيب الفضل الإلهي، خصَّه الله به، فزكَّاه وزكَّى عقله وزكى بيانه، فوفقه سبحانه لإزالة ما يبدو لغير المدققين من تعارض في السنَّة، وإزالة ما يشتبه عليهم من مقاصد النبوة مع قوة الحجة، والإنصاف، وأدب العلماء، بعيدًا عن العصبية التي يجنح إليها بعض من حكمت عليهم البيئة أو قيدهم به التقليد بطريق لا يشعرون بها.
فهو- جزاه الله عن نفسه وعن المسلمين خيرًا - إذا سلك مسلك التوفيق بين المتعارضات كان موفقًا، وإذا سلك مسلك الترجيح كان موفقًا مستمسكًا بالقواعد الأصولية، سَبَّاقًا في التأصيل والتفريع. فشرحه وبيانه مثال لوضوح الحق لمن أراد التحقيق والتحرير والإنصاف.
كما أجرى الله سبحانه على يدي وارثه وخليفته مولانا شيخ الحديث حضرة العلامة محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي العلامة الفاضل المدقق المحقق، جمع هذا الكنز وحمله للمسلمين، غذاء لعقولهم وقلوبهم وأرواحهم جامعًا لنور العقل علمًا ويقينًا، والصراط المسقيم عملًا، وللأرواح حالًا وفرقانًا، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (١).
فهذا الشرح لـ "سنن أبي داود" زينة الشروح، وصاحبه زينة الشرَّاح، وهو آية العلم والإخلاص وثمرة التقوى ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ (٢).
стр. 8720
وفي هذا الشرح ترى مسلك مالك في السنن, وروح أبي حنيفة في الاستنباط، وعلم الشافعي في التأصيل والتفريع، وورع أحمد في الاحتياط.
وقد منَّ الله علينا بوجود هذا الكتاب في مكتبتنا من طبعته الأولى الحجرية نعتز به، ونرجع إليه وإخواننا وأهل العلم من الأزهر الشريف وغيره.
وإن أمثالنا يتشرفون بالاعتراف لذوي الفضل بالفضل، وما كان دليله من نفسه فهو أرفع من أن يحتاج إلى دليل.
وإخواننا الدين قاموا بطبع هذا الكتاب وتقديمه للعالم الإِسلامي، في أبهى الحلل وأبهجها، ثمارًا دانية قطوفها، لهم حق الشكر على كل من انتفع بهذا الشرح الذي هو بيان من البيان، وروض جمع الثمار والأزهار، وحجة واضحة وآية من آيات الله التي يظهرها على يد من اصطفاهم من عباده. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
محمد الحافظ التيجاني
القاهرة
يوم الخميس ٩ شعبان سنة ١٣٩٣ هـ
٦ سبتمبر/ أيلول سنة ١٩٧٣ م
стр. 8721
بحمد الله وتوفيقه تمَّ الجزء الثالث عشر من "بذل المجهود في حل سنن أبي داود" وبذلك ينتهي الكتاب
ويتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع عشر وهو يحتوي على الفهارس الفنية للكتاب.
والحمد لله أولًا وآخرًا، دائمًا وسرمدًا، وصلى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا.