٥٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنا سُفْيَانُ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَانَ: "أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عن ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا في دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ -عن قَتْلِهَا". [تقدَّم برقم ٣٨٧١]
(١٦٨) بَابٌ في الْخَذْفِ
٥٢٧٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ،
===
إبراهيم ﵇ ناره، ويقال: إنها أكثر الدواب تسبيحًا (١).
٥٢٦٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد) بن عبد الله بن قارظ، (عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان) وهو القرشي التيمي، أخي طلحة، صحابي (أن طبيبًا) لم أقف على تسميته (سأل النبيَّ ﷺ عن ضفدع) أي عن قتلها (يجعلها في دواء) كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": أي مما يؤكل (٢)، (فنهاه النبي ﷺ عن قتلها) لأنها ليس بمؤذ ولا مأكول، ولا يتوقف الدواء عليه بأن لا يكون له بدل.
(١٦٨) (بابٌ في الْخَذْف)
أي: رمي الحصباء والحجارة الصغار، قال في "القاموس": الخذف، كالضرب: رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما، تأخذ بين سبابتيك تخذف به أو بمخزفة من خشب
٥٢٧٠ - (حدثنا حفص (٣) بن عمر، نا شعبة، عن قتادة،
стр. 8682
عن عُقْبَةَ بْنِ صهْبَانَ، عن عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عن الْخَذْفِ، قَالَ (١): "إنَّهُ لَا يَصِيدُ صَيْدًا وَلَا يَنْكَأُ عَدُوًّا، وَإنَّمَا يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ". [خ ٦٢٢٠، م ١٩٥٤، جه ٣٢٢٧ و ٣٢٢٦، حم ٤/ ٨٦]
(١٦٩) بابٌ في الْخِتَان
===
عن عقبة بن صهبان) بضم المهملة وسكون الهاء بعدها موحدة، الحداني، وقيل: الراسبي، وقيل: الهنائي، قال العجلي وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرجوا له حديثًا واحدًا في كراهية الخذف.
(عن عبد الله بن مغفل قال: نهى رسول الله ﷺ عن الخذف، قال) أي رسول الله ﷺ : (إنه لا يصيد صيدًا) أي لا ينفع في الاصطياد (ولا ينكأ) أي لا يجرح (عدوًا، وإنما يفقأ العين) لو أصاب عينَ أحد (ويكسر السن).
(١٦٩) (بَابٌ في الْخِتَان) (٢)
والختان بكسر المعجمة وتخفيف المثناة، مصدر ختن أي قطع، والختن بفتح ثم سكون: قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص، قال الماوردي:
стр. 8683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ختان الذكر: قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة، وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشى به.
واختلف في وجوب الختان، فروي عن الشافعي وكثير من المشايخ أنه واجب في حق الرجال والنساء، وعند مالك (١) وأبي حنيفة، - قال النووي (٢): وهو قول أكثر العلماء-: أنه سنة فيهما، قاله الشوكاني (٣).
وقال الحافظ في "الفتح" (٤): وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخصال المذكورة في الباب الشافعي وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء حتى قال: لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختن، وعن أحمد وبعض المالكية: لا يجب، وعن أبي حنيفة: واجب، وليس بفرض، وعنه: سنة يأثم بتركه، وفي وجه للشافعية: لا يجب في حق النساء، انتهى.
стр. 8684
٥٢٧١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ (١) وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الأَشْجَعِيُّ قَالَا: نَا مَرْوَانُ، نَا مُحَمَّدُ بنُ حَسَّانَ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْكُوفِيُّ،
===
قلت: قال في "الدر المختار" (٢): صبي حشفته ظاهرة بحيث لو رآه إنسان ظنه مختونًا، ولا تقطع جلدة ذكره إلا بتشديد آلمه ترك على حالة كشيخ أسلم، وقال أهل النظر: لا يطيق الختان ترك أيضًا، ولو ختن ولم تقطع الجلدة كلها ينظر، فإن قطع أكثر من النصف كان ختانًا، وإن قطع النصف فما دونه لا يكون ختانًا يعتد به لعدم الختان حقيقة وحكمًا.
والأصل أن الختان سنة كما جاء في الخبر، وهو من شعائر الإِسلام وخصائصه، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإِمام، فلا يترك إلا لعذر، وعذر شيخ لا يطيقه ظاهر، انتهى.
٥٢٧١ - (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن) الدمشقي (وعبد الوهاب بن عبد الرحيم الأشجعي قالا: نا مروان) بن معاوية، (نا محمد بن حسان) قال أبو داود: هو مجهول، وحديثه ضعيف، وقال غيره: هو محمد بن سعيد بن حسان المصلوب.
قلت (٣): وبقية كلام أبي داود: وقد روى عن عبيد الله بن عمرو، يعني الرقي، عن عبد الملك بن عمير بسنده، وروي مرسلًا.
(نا عبد الوهاب الكوفي) هكذا في النسخة المجتبائية، والنسخة الكانفورية، والنسخة المكتوبة الأحمدية، والنسختين المدنيتين، وهذا غلط لأنه ليس أحد من عبد الوهاب كوفيًا، وليس في تلاميذ عبد الملك بن عمير عبدُ الوهاب، والصواب ما في النسخة المصرية ونسخة "العون" (٤): قال
стр. 8685
عن عَبْدِ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عن أُمِّ عَطِيِّةَ الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَنْهَكِي، فَإنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إلَى الْبَعْلِ". [ق ٨/ ٣٢٤]
قَالَ أَبُو داوُد: رُوِيَ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عن عَبْدِ المَلِكِ بِمَعْنَاهُ وإسْنَاده.
===
عبد الوهاب: الكوفي، أي قال عبد الوهاب بن عبد الرحيم الأشجعي شيخ المصنف لمحمد بن حسان: إنه الكوفي، وأما سليمان بن عبد الرحمن فلم يذكر إلَّا اسمه، ولم يقل: إنه كوفي.
(عن عبد الملك بن عمير، عن أم عطية الأنصارية، أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ : لا تنهكي) أي لا تبالغي بالخفض (فإن ذلك) أي عدم المبالغة في الخفض (أحظى) أي ألذ (للمرأة وأحب إلى البعل) أي الزوج.
(قال أبو داود: روي عن عبيد الله بن عمر) هكذا في النسخة المجتبائية والكانفورية والمكتوبة الأحمدية والنسخة المدنية بضم العين المهملة وفتح الميم بغير واو، وأما في النسخة المدنية التي عليها المنذري والنسخة المصرية ونسخة "العون" ففيها: عمرو بفتح العين المهملة وسكون الميم مكتوبًا بالواو، وهو الصواب، لأنه هو عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي مولاهم، أبو وهب الجزري الرقي، روى عن عبد الملك بن عمير، وكذا ذكره الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١) في ترجمة محمد بن حسان كما تقدم.
(عن عبد الملك) يعني ابن عمير (بمعناه وإسناده) أي بمعنى الحديث المتقدم وإسناده.
стр. 8686
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ (١).
(١٧٠) بَابُ مَا جَاءَ في مَشْيِ النِّسَاءِ (٢) في الطَّرِيقِ
٥٢٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عن أَبِي الْيَمَانِ، عن شَدَّادِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ،
===
(قال أبو داود: وليس هو) أي الحديث (بالقوي) وقد روي هذا الحديث مرسلًا، والمرسل رواه الحاكم في "المستدرك" (٣) وغيره، قال أبو داود: محمد بن حسان مجهول، وهذا الحديث ضعيف، والأحاديث التي رويت في ختان المرأة بطرق مختلفة كلها ضعيفة (٤) لا يحتج بها، وأما ختان الرجال فهو سنة، وقال بعضهم: واجب.
(١٧٠) (بابُ ما جاء في مَشْيِ النِّسَاء في الطَّرِيقِ)
٥٢٧٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد-، عن أبي اليمان) الرحال المدني، اسمه كثير بن اليمان، وقيل: ابن جريج، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن شداد بن أبي عمرو بن حماس) بكسر الحاء المهملة، ابن عمرو الليثي المدني، روى عن أبيه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا: "ليس للنساء وسط الطريق"، قلت (٥): قال الدارقطني في "العلل": لا يعرف في من يروى عنه الحديث، وأبوه معروف، وقال ابن الذهبي: لا يعرف هو ولا الراوي عنه.
стр. 8687
عن أَبِيهِ، عن حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ، عن أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- وَهُوَ خَارجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ في الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ-: "اسْتَأخِرْنَ، فَإنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ"، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْصَقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى أَنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُّ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. [هب ٧٨٢٢]
٥٢٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا أَبُو قتيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عن دَاوُدَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ (١)،
===
(عن أبيه) أبي عمرو بن حماس بكسر المهملة والتخفيف، ابن عمرو الليثي، قال ابن يسد: كان متعبدًا مجتهدًا يصلي بالليل، وكان كثير النظر إلى النساء، فدعا الله تعالى أن يذهب بصره فذهب، فلم يحتمل العمى، فدعا اللهَ تعالى أن يرده إليه فرده، فخرَّ لله تعالى ساجدًا، فكان بعد ذلك إذا رأى المرأة طأطأ رأسه، وكان يصوم الدهر، وقال الواقدي: لم أسمع له باسم، وقال أبو حاتم: مجهول.
(عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، وهو) الواو للحال والضمير لرسول الله ﷺ (خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله ﷺ للنساء: استاخِرْنَ) أي من الرجال (فإنه ليس لَكُنَّ) أن تتقدمن الرجال وتكن قدامهن، وليس لَكُنَّ (أن تحققن الطريق) أي تمشين حاقة الطريق ووسطها (عليكن بحافات الطريق) جمع حافة وهي الناحية (فكانت المرأة تلصَق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها) أي المرأة (به) أي الجدار.
٥٢٧٣ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا أبو قتيبة سلم بن قتيبة، عن داود بن أبي صالح) الليثي المدني، روى عن نافع عن ابن عمر
стр. 8688
عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -نَهَى أَنْ يَمْشِيَ- يَعْنِي الرَّجُلَ- بَيْنَ المَرأتينِ. [ك ٤/ ٢٨٠]
(١٧١) بابٌ في الرَّجُلِ يَسُبُّ الدَّهْرَ
٥٢٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ وَابْنُ السَّرْحِ قَالَا: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ،
===
"أن النبي ﷺ نهى أن يمشي الرجل بين المرأتين"، قال البخاري: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به، وقال أبو زرعة: لا أعرفه إلا في حديث واحد، وهو حديث منكر، وقال أبو حاتم: مجهول، حدثه بحديث منكر، قلت: وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات حتى كأنه يتعمد.
(عن نافع، عن ابن عمر) ﵄: (أن النبي ﷺ نهى أن يمشي يعني الرجلَ) بنصب الرجل لكونه مفعولًا ليعني، ثم إنه تفسير لفاعل يمشي أو لمفعول نهى، وهذا التفسير من بعض الرواه.
(بين المرأتين) فإنه ينافي الحياء والمروءة، ويخطر في قلبه الميل، وهو سبب للفتنة.
(١٧١) (بابٌ في الرَّجُلِ يَسُبُّ الدَّهْرَ)
٥٢٧٤ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان وابن السرح قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب، (عن أبي هريرة) وروى البخاري (١) عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال الحافظ (٢):
стр. 8689
عن النَّبيَّ ﷺ (١): "يُؤْذِيِنِي ابْنُ آدم: يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ الأَمْرُ، أقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ". [خ ٤٨٢٦، م ٢٢٤٦]
قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: عن ابْنِ الْمُسَيَّبِ مَكَانَ سَعِيدٍ.
[تَمَّ وَكَمُلَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَه]
===
قال ابن عبد البر: الحديثان للزهري، عن أبي سلمة، وعن سعيد بن المسيب جميعًا صحيحان، قلت: وقال النسائي: كلاهما محفوظ لكن حديث أبى سلمة أشهرهما.
(عن النبي ﷺ ) يقول الله : (يؤذيني (٢) ابن آدم: يسب الدهر) أي يقول: يا خيبة الدهر (٣) (وأنا الدهر) أي أنا خالق الدهر ومقلِّبه (بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار، قال ابن السرح: عن ابن المسيب مكان سعيد).
قال الحافظ (٤): ومعنى النهي عن سب الدهر أن من اعتقد أنه الفاعل للمكروه فَسَبَّه: أخطأ، فإن الله هو الفاعل، فإذا سببتم من أنزل ذلك بكم رجع السبّ إلى الله تعالى.
والحاصل: أن في تأويله ثلاثة أوجه، أحدها: أن المراد بقوله: "إن الله هو الدهر"، أي: المدبر للأمور، ثانيها: أنه على حذف مضاف أي صاحب الدهر، ثالثها: التقدير: مقلب الدهر، ولذلك عقبه بقوله: "بيدي الليل والنهار".
стр. 8690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقةً كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، يكره له ذلك لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق، وهو نحو التفصيل الماضي في قولهم: مطرنا بكذا.
وقال عياض (١): زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر (٢) من أسماء الله ﵎، وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان الدنيا، وعرفه بعضهم بأنه أحد مفعولات الله تعالى في الدنيا أو فعله لما قبل الموت.
وقد تمسك الجهلة من الدهرية والمعطلة بظاهر هذا الحديث، واحتجّوا به على من لا رسوخ له في العلم، لأن الدهر عندهم حركات الفلك وأمد العالم، ولا شيء عندهم ولا صانع سواه، وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث: "أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره"، فكيف يقلب الشيء نفسه؟ تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا، انتهى ما قاله الحافظ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
قد تم وكمل بتوفيق الله وحسن تسديده في المدينة المنورة في روضة من رياض الجنة عند قبر سيد ولد آدم، بل سيد الخلق والعالم، بتاريخ أحد وعشرين من شهر شعبان سنة خمس وأربعين بعد ثلثمائة وألف من هجرة النبي الأمين.
стр. 8691
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
اللهم تقبله منا كما تقبلتَ من عبادك المقربين الصالحين، واجعله خالصًا لوجهك الكريم، واغفر لنا ما وقع منا من الخطأ والزلل، وما لا ترضى به من العمل، فإنك عفو كريم رب غفور رحيم (١).
* * *
стр. 8692
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
خاتمة الطبع
من المحدِّث الكبير والعلَّامة الجليل محمد زكريا الكاندهلوي (١)
(شيخ الحديث)
الحمد لله الذي بعزَّته وجلاله تتم الصالحات.
أمّا بعد:
فقد تمَّ طبع هذا الكتاب الجليل في ثوبه القشيب بالحروف الحديدية، وبذلك يسهل لإخواننا العرب الأفاضل الذين لم يتعوَّدوا طبع الحجر الارتواءُ من هذا المنهل العذب.
فقد كانت الطبعة القديمة على الحجر، وكان الشرح بالخط الفارسي، وقد كان ذلك من أسباب زهد كثير من فضلاء العرب في الاستفادة بهذا الكتاب وانصرافِهم عنه، وقد طال طلبُ إخواننا طبعَ هذا الكتاب على الحروف الحديدية، وفي الحروف العربية وحدها، وقد أنعم الله بتحقيق هذه الأمنية، وتحقق هذا الحلم، وله الشكر الجزيل والثناء الحسن على هذه النعمة الكبيرة.
اللَّهُمَّ إنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
نرجو الله أن يتقبَّل هذا العمل وأن يجعله ذخرًا للآخرة، وأن يرفع الله
стр. 8693
درجات شيخنا ومربِّينا العلَّامة المحقق المحدِّث، خاتمة المحدثين، بقيّة السلف الصالحين مولانا أبي إبراهيم خليل أحمد السهارنفوري المهاجر المدني، وأن يكون في ذلك بهجة لنفسه وقرَّة لعينه.
وأسأله سبحانه أن يجزي خيرًا كل مَن ساهم شخصيًّا أو مادِّيًّا أو علميًّا في إخراج هذا السفر المبارك العظيم في هذا المظهر الجليل، وخاصة الذين عكفوا على خدمة هذا الكتاب بالمراجعة مع الأصول وانتساخ التعليقات لتحقيقها ووضعها في محلها وغير ذلك، وفي مقدمتهم العالم المحدث، والشيخ الفاضل، تقيّ الدِّين الندوي المظاهري، فإنه تفرَّغ لخدمة هذا الكتاب، وانصرف إليها، وعكف عليها سنة كاملة ينتسخ التعليقات ويراجع الأصول.
وكان في مساعدته الختنان العزيزان العالمان الشابّان: الشيخ محمد عاقل سلَّمه الله تعالى- رئيس المدرسين بجامعة مظاهر العلوم بسهارنفور-، والشيخ محمد سلمان- المدرِّس بالجامعة المذكورة-، وقد أعان في تصحيح التجارب فضيلة الشيخ محمد يونس، شيخ الحديث بمظاهر العلوم.
وللاستعجال في طبع هذا الكتاب الجليل- فإنه لا ثقة بالحياة، وليس على ريب الزمان معوّل- تقرر طبع ستة أجزاء منه في مطبعة ندوة العلماء بلكناؤ الهند، وقد عني بذلك فضيلة الشيخ محمد معين الله الندوي نائب مدير ندوة العلماء، والأستاذ سعيد الأعظمي الندوي أستاذ دار العلوم ورئيس تحرير مجلة "البعث الإِسلامي" عناية فائقة، ولم يدّخرا جهدًا في إخراجه في أحسن مظهر، جزاهم الله تعالى أفضل الجزاء، وتقبَّل مساعيهم.
ومن الجزء السابع إلى آخر الكتاب طبع بالقاهرة، وقد تفرَّغ الشيخ تقيّ الدِّين الندوي المظاهري المذكور لسنة أخرى للاهتمام بجميع أمور الطبع على بُعد من أهله وبلده، وساعده في ذلك العزيز الشيخ
стр. 8694
عبد الرحيم بن سليمان متالا السورتي، والعزيز الأعزّ عبد الحفيظ بن ملك عبد الحق المكي، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء، وتقبَّل من الجميع، وأنعم عليهم بنعمه السابغة، وجعل لهم حظًّا وافرًا من أجر المستفيدين من هذا النبع الفيّاض.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلى الله على خير خلقه سيِّدنا ومولانا محمَّد وآله وصحبه أجمعين.
محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي
نزيل المدينة المنورة، زادها الله شرفًا وكرامة
يوم الجمعة ٢٨ جمادي الأولى
سنة ١٣٩٣ هـ - ٢٩ يونيه/ حزيران سنة ١٩٧٣ م
стр. 8695
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
تقاريظ الكتاب
هذا ما نَمَّقَهُ الإِمام الهُمام، رأس أهل البرّ والتُّقي، رئيس أصحاب المجد والنُّهي، الماحي لرسوم الضلال والغواية، المجدِّد لمراسم الرشد والهداية، قدوة السالكين، زبدة العارفين، تاج الملّة، سراج الأُمّة، حضرة الشيخ الحافظ القارئ الشاه أشرف علي التهانوي (١)، أدام الله ظلال بركاته، ومتَّع المسلمين بمسلسلات فيوضه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد:
الحمد لمعطي النعمة، والصلاة على قاسم الحكمة، فقد سَرَّحْتُ النظر في بعض المقامات المهمة من هذا التعليق المحمود، الذي فاق على أكثر السنن في جمعه لكل باب مقصود، فوجدته في فنون الإسناد والرواية كافيًا، وفي أصول الاجتهاد والدواية شافيًا، وفي المقاصد العقلية والنقلية وافيًا،
стр. 8696
كيف لا وقد أنشأه ألمعيُّ عصره، ولوذعيّ دهره، سَمِيُّ سيدنا الخليل، ومولانا أحمد الجليل، صلى الله عليهما وسلَّم، أبقاه الله تعالى بالفيض النبيل، وأعانه على إتمام هذا التعليق الجميل.
وأنا العبد المفتقر إلى رحمة مولاه الغني، محمد أشرف علي، غفر له كل ذنبه الخفي والجلي.
والزمان أوائل شهر رمضان سنة ١٣٤١ من هجرة سيد الإنس والجان.
صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما سمار القمران ودار الملوان.
والمكان مدرسة إمداد العلوم من تهانه بهون، أبعدها الله تعالى من الشرور والفتن.
* * *
стр. 8697
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
هذا ما قرَّظه على ذلك الكتاب سُلالة صاحب البينات، وفصل الخطاب، شمس سماء التحقيق، مركز دائرة التدقيق، حلّال المعضلات، وكشّاف المغلقات، مخزن العلوم، مرجع الكمالات، فريد دهره ووحيد عصره، الحبر النبيل المقدام الإِمام العلَّامة الحافظ الحاج المولوي السيِّد حسين أحمد (١) المهاجر المدني، المدرِّس بالحرم المصطفوي والمسجد الشريف النبوي، أطال الله بقاءه بالعزّ والجلال، وحفَّه بأصناف المجد والكمال.
إن أضوأ درِّيٍّ تنورت به عوالم الأحاديث والأخبار، وألمع جوهر تزينت به قلائد الطروس والأفكار، حمد من تواترت صحاح آلائه الشهيرة، واتصلت حسان نعمائه العزيزة، مسلسلات فيضه لم تزل تشرح صدور طلاب مكارمه، ومراسيل جوده لم تبرح تحدث قصَّاد أبواب معالمه، أرسل لنا رسولًا بالحنيفية السمحة البيضاء، وأزاح عنا غياهب الشكوك والأوهام، فليلُها ونهارها سواء، رفع لنا حسان مروياته، فاستندت بها البراهين والحجج الباهرة، وأوصل لنا صحاح مرفوعاته، فانحلّت لها معقدات الأذهان والأفكار العالية، تكفل لنا بحفظ دينه القديم على مرور الدهور والأيام، فلم يزل يغرس لهذا الدين من يُجَدِّد رسومه من حاكم وحافظ وحجة وإمام.
اللهم فصَلِّ وَسَلِّم وبارك عليه وعليهم ما أشرقت أنوارُ علومهم عوالِمَ
стр. 8698
البيان والسطور، واستمطرت سحائب فيضهم عفاة الهداية وعطشى أنهار المعارف والبحور.
أما بعد:
فمن أعظمها ما منَّ الله به على هذه الأمة الأمينة أن وجه حضرة الإِمام الجليل، والمقدام النبيل، الحافظ الحجة، حلَّال المعاقد، وكشّاف الغُمَّة، رئيس أهل الفضل والتُّقى، رأس أصحاب المجد والنُّهى، قطب أفلاك الجرح والتحقيق، مركز دوائر التعديل والتدقيق، شمس المعارف والعلوم، وبدر التثبت وتنقيد المفهوم، مرجع الكمالات والفنون النقلية، ومنبع الفيوض والعلوم العقلية، المحيي لمعارف الشريعة الغرّاء، والمجدد لمراسم السنة الفيحاء.
الثقة المثبت الحجة، مولانا أبي إبراهيم خليل أحمد المجتبى، وحبيب محمد المصطفى، عليه وعلى آله الصلاة والسلام لا زال مرتقيًا قلل المرادات في الدارين، محفوفًا بأنواع الرحمة والرضوان في الكونين إلى أن يغيث الطلاب، فيزيح عنهم مشكلات الآثار التي زلَّت فيها الأقدام والأفكار لشيوخ السنن ومستمعي الأخبار، سيما المعضلات التي لا تكاد أن تنحلّ من معاقد أبي داود، كيف لا؟ وقد تحيّر لديها مهرة الفحول وحَلَّالو العقود، فشرح لها شرحًا يحق أن يفتخر بها الأوائل ذو المجد والكرم، ويستضيء به الأماثل أهل الفضل والنعم، فجزاه الله تعالى أحسن ما جازى به حفاظ السنن على الأمة المحمدية، ونضره بين خواص الملة حيث لا نضارة إلَّا من عطيته البهية، ونفع به الخاصة والعامة من المسلمين، ونشر معارفه بالتكميل بين أهل الآفاق من المؤمنين، ويرحم الله عبدًا قال: أمينا.
وأنا العبد الضعيف
حسين أحمد الحنفي الفيض آبادي
ثم المدني الديوبندي، غفر له
(٨ رمضان سنة ١٣٤٢ هـ)
стр. 8699
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
صورة ما قرّظه البحر العلام، والحبر القمقام، حضرة العلامة المفضال، منبع الفضل والكمال، البحر الزخار، والغيث المدرار، إمام المتكلمين، شيخ المحدثين، فرع السُّلالة النبوية، وطراز العصابة المحمدية، مولانا السيد أنور شاه الكشميري (١)، صدر المدرسين بدار العلوم الديوبندية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعله خليفة في بسيطة الأرض، حاكمًا على الطول والعرض، وآتاه الحكمة فهو يقضي بها، ويعلمها سائر الأكوان، وخلقه على صورته صيصية لأنوار الغيب وجارحة لمعاني القدس، كأنه غيب خرج إلى العيان، - لا يزال يتقرب إليه حتى كان ربُّه سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، وكان قلبه عرش الرحمن- سيحانه وريحانه ما أجل إحسانه من رب رحيم وحنَّان منَّان.
والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد المرسل رحمة للعالمين، والمبعوث إلى خير أمة أخرجت للناس، فهو أول الفكر، وآخر العمل، رسول الله، وخاتم النبيين، انقطعت بعده الرسالة والنبوة، وتمت
стр. 8700
دائرة النبوة عليه، ولم يبق بعده إلا المبشرات، والحمد لله رب العالمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فلم يبق من آثار النبي المروية عنه ﷺ إلا آثاره وأحاديثه، فهي أنفاسه وهديه وهداه، وهي خلقه ودينه ودين الله.
أَصَحُّ وَأَقْوَى مَا سَمِعْنَاه في الْوَرَى ... حَدِيثًا صَحِيحًا منذ عَهْدٍ قَدِيمِ
أَحَادِيثُ تَرْوِيهَا السُّيُولُ عَنِ النَّدَى ... عَنِ الْبَحْرِ عَنْ خُلُقِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ
بِهَا نُوْرُ الْعيُونِ وَفِيهَا شَرْحُ الصُّدُورِ
كما قيل:
الْقَلْبُ عَنْ جابرٍ، وَالْكَفُّ عَنْ صِلَةٍ ... وَالْعَيْنُ عَنْ قرَّةَ وَالسَّمْعُ عَنْ حَسَنٍ
وإن كتاب "السنن" للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجزي - رحمه الله تعالى- ثالث الكتب الستة، ولا يخفى رتبته ودرجته في الحديث في القديم والحديث، لم يطبع إلى الآن تعليق عليه وافٍ، وبحله وحقه كافٍ، وقد وجَّه الله تعالى المولى العلامة العارف الفقيه المحدث شيخنا وشيخ الفقه والحديث، مسند الوقت، مولانا خليل أحمد السهارنفوري خليفة شيخنا وشيخ مشايخنا مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي - رحمه الله تعالى- لخدمته، فوفّى كلَّ حق لها.
شَفَى وَكَفَى مَا في الصُّدُورِ فَلَمْ يَدَعْ ... لِذِي إرْبَةٍ في الْقَوْلِ جِدًّا وَلَا هَزَلًا
فشرح المتنَ وأقوال المصنف، وقد كانت مستورة فجلّاها، وصعبة فسهَّلها، وألانها كما أُلين لأبي داود الحديث، وضبط التراجم، وميَّز بين المفترق والمتفق، وبين المؤتلف والمختلف، واستخرج الفقه، ووجه لأصحابنا الحنفية، فجاء تعليقًا يشرح الصدور، وُينَوِّر القلوب، ويكون وديعة له عند الله تعالى، ومنَّة في رقاب الناس، وضيعة إلى العلماء- جزاه الله تعالى عنا وعن سائر المسلمين-، والحمد لله رب العالمين.
وأنا الأحقر الأفقر
محمد أنور الكشميري
المدرس بدار العلوم الديوبندية
стр. 8701
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
هذا ما حرره العلامة النحرير، منبع الفضائل والفواضل، فخر الأقران وزبدة الأماثل، حضرة الأديب الأريب، الفقيه المتفقه اللبيب، جامع الفنون العقلية، وحاوي العلوم النقلية، حضرة مولانا المولوي كفاية الله (١)، المفتي في المدرسة الأمينية الدهلوية، وصدر جماعة العلماء الهندية، أدام الله فيوضَه:
حمدًا لمن شاد معالم الدين، وشيدها بالحجج والبراهين، فهدى إلى سبل المعرفة واليقين، خلق الإنسان فشرَّفه وكرَّم، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وأرسل رسوله الأكرم ﷺ ليرد عباده إلى الطريق الأقوم، فقضى ما أُمِر، جوزي وشكر، اللهم صل وسلم على هذا النبي الصادق المصدوق، الذي صدع بما أتاه من ربه ولم يَخَفْ إلا الله.
أما بعد:
فإني سرَّحت أنظاري القاصرة في الحدائق الزاهرة والرياض الباسمة الباهرة من الكتاب المحمود المسمى بـ "بذل المجهود في حل سنن أبي داود" الذي ألَّفها شهامة زمانه، إمام أوانه، المتكلم الفائق على أقرانه، المولى الهمام العالم الأوحد الشيخ السيد السند، مولانا خليل أحمد، لا زال مغمودًا برحمة ربه الصمد، فوجدته سفرًا شافيًا وكتابًا كافيًا، يغني عن كثير من الشروح، ويحوي كثيرًا من الفتوح، أتى- دام فيضه- فيه بمباحث جليلة،
стр. 8702
ودقائق نبيلة، نَبَّه على ما وقع من بعض الشارحين من الخطأ، وحقق الصحيح من الأقوال وجلَّى- فجزاه الله من خلقه خير ما جزى به أحدًا-، ونفع بعلومه عباده، وأطال بقاءه ونشر بركاته، وجعل كتابه مقبولًا بين الأنام، فإنه المفضل المنعام.
وأنا العبد الراجي رحمةَ مولاه
محمد كفاية الله- عفا عنه ربّه وكفاه-
الثاني عشر من الشهر المبارك ربيع الأول من شهور سنة اثنتين وأربعين بعد ألف وثلاثمائة من الهجرة المقدّسة
стр. 8703
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
صورة ما قرظه جامع المعقول والمنقول، حاوي الفروع والأصول، صاحب التحرير والقلم، محيي دولة الأدب بعد العدم، صاحب التصانيف الكثيرة والتآليف الشهيرة، مولانا المولوى إعزاز على (١)، شيخ الأدب والعربية بالجامعة الديوبندية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على جليل آلائه وجميل إحسانه، كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه، يقينًا وإيهمانًا، وإسلامًا واحسانًا، رب السماوات والأرضين وما بينهما، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى.
والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وسائر الأنبياء المقربين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعلى آله وأصحابه ينابيع الهدى ومصابيح الظلم، خيار الناس من خير الأمم، وعلى التابعين وأتباعهم وسائر الأئمة المجتهدين والفقهاء والصديقين والشهداء والصلحاء الذين هم واسطة عقد الإسناد، وأخيار الخلق، وخيار العباد.
هيِّنُونَ ليِّنُونَ أَيْسارُ بَنُو يُسْرٍ ... سوَّاسُ مَكْرُمة أَبْناءُ إيثَارِ
لَا يَنْطِقُونَ عَنِ الْفَحْشَاءِ إنْ نَطَقُوا ... وَلَا يُمارُونَ إنْ مَارَوْا بإكثارِ
стр. 8704
مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ: لَاقَيْتُ سَيَّدَهُم ... مِثْلَ النُّجُومِ الَّتِي يُهْدَى بِهِ السَّارِي
وبعد:
فإن علم الحديث مما تزيّن به الإسلام، واختص به الفضلاء الذين خفقت لهم ذوائب الطروس، وانتصبت رماح الأقلام، ورغبة السلف لم تزل وافرة عليه، وأنامل إرشادهم للأنام بالحث إليه، حتى قيل لإمام الأئمة أحمد بن حنبل: ماذا تشتهي؟ فقال: "سند عالٍ وبيت خالٍ"، وما برح في دأب الكبار من الأئمة الارتحالَ إلى أقاصي الأقاليم في طلبه، وتحملَ المشاق والمتاعب فيه، ومنه ارتحال الإمام الشافعي وغيره إلي عبد الرزاق باليمن، ولكنه فَنٌّ ذروتُه عالية وعتبتُه سامية، ومن ثم قيل:
مَا كُلُّ مَنْ طَلَبَ الْمَعَالِي نَافِذًا ... فِيهَا وَلَا كُلُّ الرِّجَالِ فُحُولًا
ولما كان صيانة الطريقة المباركة المحمدية موعودة في كلام الملك الجليل، بذلت العلماء الربانيون أعمارَهم في حفظ كلامه تعالى شأنه، وكلام رسوله- روحي وروح أبي وأمي فداه -، ومنه ما ألفه الشيخ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن شدّاد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني، فإنه نظم الأحاديث النبوية في سلك بيانه، ففاقت الدرَر المنظومة، ونثر حيثما رأى نثره فخجلت اللآلئ المنثورة، وحدَّث عن أصح ما قاله سيد البشر ﷺ ، فصدع القلوب، وأجرى ذَنوب الدموع من أهل الذنوب، أئمة الدين تذعن إلى ما فيه من الأدلة ومصنفات السلف، تقول أمامه: بسم الله، فيا له من كتاب كأنه دليل لا يعارض بما ينقضه، وطوبى له من حجة يكَلّ عنه الخصم إذا هو على محك النقد يعرضه، قد أحكم ما ترجمه بالحديث والأثر، وله أثبت قدم في رواية الحديث حتى ما عثر، وأتى فيه بنُكت من أسرار الحديث، وميز بين الطيب والخبيث.
أَكْرِمْ بِهِ مُصَنَّفًا فَاقَ تَصَانيفَ الْوَرَى ... لَيْلُ الْمُرادِ فِيهِ بِالْمَعْنَى الْمنِيرِ أقْمَرَا
كَمْ فِيهِ بُردَ حُجَّةٍ قَدْ حَاكَهُ مُحَرَّرًا ... وَكَمْ دَلِيلَ سَيْفِهِ إذَا الْتَقَى خَصْمًا فَرىَ
فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَعْدِهِ مُخَالِفٌ قَطُّ بَرَا
стр. 8705
وبالجملة فمآثره الجميلة لا تعد ولا تحصى، وفضائله المأثورة لا تحصر ولا تستقصى، ولكنه لرفعة شأنه وعلوّ مكانه كان لا يحوم حوله الطالبون، حتى صار كأنه لم يره الراؤون، فتصدى لحل مشكلاته وتيسير معضلاته الفحولُ من العلماء، والأحبار من الأذكياء، وشرحوا له شروحًا بسيطة، وعلَّقوا عليه تعليقات عديدة، ومع ذلك لم يزل محجبات دقائقه تحت الأستار، وما فتي راحلة مطايا التسيار.
ثم تلاطمت بحار رحمته تعالى لعطشى الحديث وطلابه، فنهض له ولي من أوليائه المولى الحاج الشيخ السيد السند خليل أحمد الذي تشرفت الأقطار والأماكن بذكر وصفه، وتعطرت من طيب عرفه، سحاب علم أخصب الهند بدوام ديمه، وبحره الموَّاج لا يؤتى إلَّا ليقتبس من علمه وكرمه، مشهور صيته بين الأكابر والأعيان، معمور حلقة درسه من الشيب والشبان- علا قدره- واشتهر بالحسن الجميل ذكره.
أكرم به عالمًا عاملًا، وإمامًا لم يزل يلحم فضلًا، ويسدي نائلًا، كم له من آثار مشهورة، ومناقب مأثورة، وحجَّات مبرورة، ومواطن بذكر الله تعالى معمورة، فعلق عليه تعليقًا جليل القدر عظيم النفع كثير الفائدة كبير العائدة، لم ينسج على منواله في عالم الحديث.
ولا ندخل في شعاب الغلو إذا قلنا: إنه أنفس تعليق لـ"سنن أبي داود"، فهو تعليق يمتِّع الأسماع، ويُشَنِّف الآذان، اتفقت الألسن على حسنه فهو ممدوح بكل شأن، وأجمعت القلوب فكان له في سويدات القلوب مكانة ومكان، يشهد لمؤلفه بالفطنةِ والذكاءِ وطولِ الباع في هذا الفن الجليل، وقوةِ التمكن في البحث من الصحاح والحسان والضعاف والموضوعات.
فيه من أصول الحديث ما يغني قارئيه عن تصفُّح كثير من المطوَّلات الحديثية، وما غادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها من أصول الفن وفروعه ما غشاها، فكان هذا التعليق خزينة فيها تاريخ وسير، والمسائل الفقهية، وتفسير للآيات القرآنية على ما فسره أصحاب التفسير، فجاء ينادي له بلسان
стр. 8706
الحال: هذا هو الذي كانت تنتظر الآمال، فيا له عقد أغلت جواهر عقوده، وأنارت في آفاق التحديث أنجم سعوده، وهبت قبول الإقبال عليه، وأسرعت مسرات الأذكياء من العلماء إليه.
ولما كان حسن النية والإخلاص في العمل من مطامح أنظار العلماء الاعتماد على فضل الله تعالى في إيصال النفع من شعار الأتقياء، تمسك به المولى الهُمام السيد المقدام كدأبه في جميع أعماله، فانتشرت رائحته قبل تمامه في الأكناف، وانطبع حب الانتفاع به قبل طبعه، وتوالى الطلب من الطلاب، وتواتر طلبات أولي العلم من أقطار الأرض وآفاقها، اللهم فاجعله خالصًا لذاتك العلية السنية، واجعل سعي مؤلفه مشكورًا، وجزاءَه جزاءً موفورًا.
وأنا عبده المدعو بمحمد إعزاز علي غفر له ولوالديه.
* * *
стр. 8707
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قصيدة مدحية تاريخية تتضمن تاريخ طبع الجزء الأول من التعليق المسمى بالاسم التاريخي "بذل المجهود في مآرب سنن أبى داود" (سنة ١٣٤٢ هـ) من العلامة الفهَّامة الأديب الأريب، ذي القلب المنيب، الناثر للدرر المنضودة، والناظم للجواهر المنثورة المشرودة، الفاضل الأوحد مولانا الشيخ الحاج المولوي ظفر أحمد التهانوي (١) حفظه الله عن شر الغي والغوى:
يَا قَلْبُ مَا لَكَ طَائِرًا بِسُرورِ ... مَا لِي أَرَاكَ كَمَيِّتٍ مَنْشُورِ
مَا بَالُ وَجْهِكَ مُشْرِقًا مُتَهَلِّلًا ... أَرَأَيْتَ وجهَ سُعَادَ بَعْدَ دُهُورِ
حُورِيَّةٌ رَمَتِ الرِّقَابَ بِلَحْظِهَا ... سَبَتِ الْقُلُوبَ بِشَعْرِهَا الْمَضْفُورِ
أَمْ هَلْ مَرَرْتَ عَلَى مَنَازِلِهَا الَّتي ... شَاقَتْكَ مِنْ بَيْنِ الذُّرَى وَالدُّورِ
أَمْ هَلْ وَصَلْتَ إلَى سرَادِقِ عِزِّهَا ... أَوْ شِمْتَ بَرْقَ جَمَالِهَا الْمَسْتُورِ
أَوْ مَرَّ طَيْفُ خَيَالِهَا بِكَ مَوْهنًا ... أَمْ أَرْسَلَتْ مِنْ عِنْدِهَا بِبَشِيرِ
* * *
مَا لَلظَّلَامِ تَبَدَّلَتْ بِالنُّورِ ... مَا لِلزَّمَانِ أَتَى بِكُلِّ حُبورِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صورة ما قرَّظه على هذا الكتاب الإِمام العلَّام، ملاذ العلوم والمعارف، جسر الإِمام والعوارف، مولانا المفضال الأجل القاري الشيخ محمَّد بن أحمد الجمدي المالكي المهاجر في المدينة المنورة - أدامه الله تعالى بمنِّه وأفضاله-.
سيدنا إمام الأئمة، وهادي هداة الأمة، كشاف الحقائق، وكنز الدقائق، شيخ الإِسلام، ومفتي الأنام والمشرف بجوار النبي ﵊، ذو النور السرمد والمقام الأوحد والشرق الأصعد، مولانا وأستاذنا الشيخ خليل أحمد- أمد الله في عمره في عافية ونعمة وافية كافية-، آمين. مولاي.
قد طالعتُ شرحكم العظيم وكتابكم الكريم الذي وسمتموه بـ "بذل المجهود في حل أبي داود"، فألفيته يتيمة الدهر، وباكورة العصر، وقرة عين المحدثين، وقرارة صفوة المدرسين، ولقد حققتم ما جاء في الحديث الصحيح: "يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين".
فأصبح كتاب أبي داود ﵀ بشرحكم هذا واضح المسالك، قريب المدارك، سهل المآخذ بين المقاصد إلى ما أودعتموه من حقائق الرواية ودقائق نفائس علم الدراية، حتى غدا كل صاحب مذهب محتاجًا إليه، ومعولًا في الاستدلال عليه، وإن شرحًا هذه صفته يقال فيه: إنه أنجد وأغار وطوى الفيافي والبحار، وبلغ ما بلغه الليل والنهار، ولا شك أنه من فتح الباري، وهداية القاري، وسر الشريعة الساري، ونهر العلوم الجاري، فجزاك الله عن الإِسلام والمسلمين خيرًا، آمين. آمين، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 8711
وله أخلصه الله لمرضاته في القصيد:
شَرْحُ الإمُامِ خَلِيل أَحْمَد أَشْرَقَتْ ... قَبْلَ السَّمَاءِ عَلَى الدُّنَا أَنْوَارُهُ
فِيهِ أَبُو دَاوُدَ رَاقَ زُلالُهُ ... وَتَفَتَّحَتْ لِذَوِي النُّهَى أَزْهَارُهُ
فَعَلَى أُولي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَهُمُّهُم ... عِلْمُ الْحَدِيثِ سَمَاعُه وَمَزَارُه
الْفَتْحُ وَالإرْشَادُ فِيهِ مُحَقَّقٌ ... وَالنَّيِّرَانِ مَقَرُّهُ وَمَثَارُه
فَاعْكُفْ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَاحْرِصْ عَلى ... تَأْصِيلِه حَتَّى يَقَرَّ قَرَارُه
سَارَتْ فَوَائِدُهُ مَسِيرَ الشَّمْسِ في ... كَبِدِ السَّمَاءِ وَصُحِّحَتْ أَخْبَارُه
وَتَكَشَّفتْ أسْتَارُه وَتَوَضَّحَتْ ... أَسْرَارُه وَتَقَرَّرَتْ آثارُه
نِعْمَ الْمُعِين عَلَى حَديثِ الْمُصْطَفَى ... يَعْنِي عَلَى أَسْفَارِهِ أَسْفَارُه
وَمَدَارِكُ التَّنْزِيلِ مِنْ إمْدَادِهِ ... وَجَوَامِعُ الْكُتْبِ الصِّحَاحِ مَدَارُه
وَادْعُ السَّمِيعَ لِمَنْ تَوَلَّى جمْعَهُ ... بِبَقَائِهِ مَا اسْتُنْزِلَتْ أَسْرَارُهُ
وله أيضًا معلّلًا مما قد سقاه، علَّله الله بكاسات الطهور إذا حباه: الحمد لله الذي شرح صدور خواص العلماء لحفظ شريعته، ووفقهم لبذل مجهودهم في هداية من استهداهم من بريته، والصلاة والسلام على الصفوة من خلقه المبعوث بتيسيره ورفقه صاحب المقام المحمود واللواء المعقود والحوض المورود والجاه الممدود، سيدنا وسيد ولد آدم محمد صلَّى الله عليه وعلى آله، وكل ناسج على منواله، من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فقد مَنَّ عليَّ الكريم الوهَّاب البر التوَّاب بصحبة الإِمام الهمام شيخ مشايخ الإِسلام، العَلَم المفرد، والسند الأوحد، مولانا وأستاذنا الشيخ المحدث الحاج خليل أحمد متَّع الله الوجود بوجوده، وأمد في عمره بمحض كرمه وجوده، فاقتطفت من ثمار مجالسته وفوائد عوائد مؤانسته اطلاعي على شرحه العظيم المسمى بـ "بذل المجهود في حل أبي داود"، فرأيت ما لم أرَ،
стр. 8712
وسمعت ما لم أسمع من تحقيق بَهَر العقول، وتدقيق تقف دون مَرامه الفحول، جمع فيه بين وظائف الرواية ومسالك الدراية، وأعطى كلًّا حقه، وألَّف ما تفرَّق في شروح الصحاح، وكتب الرجال، ودواوين فقه أهل المذاهب المعتبرة، ورد شبه أهل الإلحاد، وإقامة الحجج الواضحة على أهل العناد مع اختصار غير مخل، وإيجاز غير ممل.
فالعلامة إذا رآه لا يضعه من يده، والمتعلم لا يمشي إلَّا وهو متأبط به في يقظته ومرقده. فسبحان من وهب لهذا الأستاذ في هذا العصر رقبة الحفاظ المهرة، وسيرة المتقين البررة، نفعنا الله به، وتقبَّل منه، وأثابه أجزل الثواب وأتمه، وأفاد علينا أشمل "الإحسان" وأعمه بمنه وكرمه.
وكتبه الفقير العاجز
محمد بن أحمد العمري المالكي
المهاجر في المدينة المنورة
مهر محمد العمري ١٣٤٠ هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كلمة عن الكتاب
بقلم محدث الديار المصرية
العلامة المحقق والعارف بالله والمصلح الكبير
فضيلة الشيخ محمد الحافظ التيجاني (١)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢)
وطاعة الله ، العمل بما في كتابه.
وطاعة الرسول ﷺ ، امتثال ما أمر به، وحيث إنه ﷺ هو الذي عهد إليه ربه ﵎ بأن يبين الكتاب، فقال عز شأنه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣).
والبيان يشمل إبلاغه لمن أنزل إليهم من الإنس والجن، وشرحه وإيضاحه.
وقد قال عز شأنه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
стр. 8715
ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١)، وقال عز شأنه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢).
وروى الحاكم في "المستدرك" (٣) عن الحسن قال: بينما عمران بن حصين يحدث عن سنَّة نبينا ﷺ ، إذ قال له رجل: يا أبا نحيد، حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك تقرؤون القرآن، أكنت محدثي عن الصلاة وما فيها، وحدودها؟ أكنت محدثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شهدت وغبت أنت. ثم قال: فرض علينا رسول الله ﷺ في الزكاة كذا وكذا، فقال الرجل: أحييتني أحياك الله.
قال الحسن: فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين. وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي.
وقد ذكر الحافظ ابن القيم في كتاب "إعلام الموقعين" (٤) في "باب الاجتهاد فيما لم يوجد فيه نص": قال شعبة بسنده عن معاذ: إن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن، قال: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ "، قال: فبسنَّهّ رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم يكن في سنَّة رسول الله ﷺ ؟ "، قال: أجتهد رأيى ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ صدري، ثم قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضى رسول الله ﷺ ".
قد صحح ابن القيم هذه الرواية، وهذا الحديث في المسند وفي السنن بإسناد جيد. وقد صححه الحافظ ابن كثير في "تفسيره" كذلك.
وأفقه الناس في كتاب الله أصحاب رسول الله ﷺ ، الذين تلقوا عنه التنزيل مباشرة، وبينه لهم ﷺ ، وفقههم فيه.
стр. 8716
روى البخاري (١) عن أبي جحيفة فقال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلَّا كتاب الله، أو فَهْمٌ أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.
وروى ابن جرير عن مسروق (٢) قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله، إلَّا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣)، هم أهل الفقه في الدين، الذين عرفوا استنباط الأحكام من الكتاب والسنَّة، واستجلاء الغوامض منها، وحل مشكلاتها، مع ثبوت القدم في لغة التنزيل لغة رسول الله ﷺ .
وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أولي الأمر منكم، يعني أهل الفقه والدين (٤). ومن أولي الأمر: الأمراء الذين يحكمون بما أنزل الله، لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥)، وما أنزل الله شامل لما قضى به رسول الله ﷺ ، وقضى به الفقهاء على قدر اجتهادهم.
وقد قال ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر". رواه الشيخان وأبو داود عن عمرو بن العاص ﵁ (٦) -.
стр. 8717
وقد درج السلف على أن يجتهد كل في العمل بالكتاب والسنَّة بقدر ما أراه الله، وما منحه من فهم في الكتاب والسنَّة. وكانوا يختلفون وهم أحباب. لا يفرض أحد رأيه على الآخرين. ولكن يتفاهمون فيما بينهم، ويرجع بعضهم إلى بعض، ويتراجعون فيما بينهم. ذلك لأن الله نزههم عن العصبية للنفس، والإعجاب بالرأي.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
وحفظ كتاب الله تعالى، تكفل الله به عز شأنه. تكفل بحفظه كما أنزل لم يتغير منه حرف، ولم يتطرق إليه زيادة أو نقص.
وحفظه بحفظ مقاصده والمعاني المرادة منه، وذلك بسنَّة رسول الله ﷺ المبينة له. فإنه لو ترك بلا بيان منه ﷺ لقال فيه أهل الدعاوي الكاذبة كل ما شاء بما شاء. والكتاب حمَّال ذو وجوه. وإنما تحدد السنَّة المراد منه.
فحفظ الله الكتاب بلفظه ومعناه المراد منه ببيان رسول الله ﷺ ، وما استنبطه أهل الحق الأئمة المجتهدون راجع إلى القواعد والأصول التي أصَّلها الله في كتابه، وأصَّلها على لسان رسول الله ﷺ .
وقد انتدب الله السَّبَّاقين من حملة العلم- حملة الكتاب والسنَّة- فحرَّروا أقواله ﷺ ، وأفعاله وأحواله، وتقريراته. فجمعوا المسانيد والسنن, وأبعدوا عن السنن الصحيحة ما دَسَّه المزيِّفون، الذين افتروا على رسول الله ﷺ وهم يعلمون أو يجهلون. ولكل كتاب من كتب السنة مزية خاصة. فـ "الموطأ" مزية، ولـ"مسند الإِمام أحمد" مزية، ولـ "الصحيحين" مزية، ولكل من السنن مزية.
قال الخطابي (٢): لم يصنف في علم الدين مثل كتاب السنن لأبي داود. وقد رُزِق القبول من كافة الناس على اختلاف مذاهبهم.
وقال ابن الأعرابي: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف
стр. 8718
وهذا الكتاب - يعني "سنن أبي داود" لم يحتج معهما إلى شيء من العلم، أي يكفيه في السنة.
وقد صنَّف علماء الحديث قبله الجوامع والمسانيد ونحوها. فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة فلم يقصد أحد منهم إفرادها واستخلاصها، ولا اتفق له ما اتفق لأبي داود.
وقد وفق الله العالم الرباني، خِرِّيت طرق السنَّة، الجامع للأصول والفروع، الذي نوَّر الله قلبه وباطنه وظاهره، ومولانا الإمام أبا إبراهيم خليل أحمد الأيوبي الأنصاري نسبًا ومحتدًا، والحنفي الرشيدي مشربًا ومذهبًا، والجشتي القادري النقشبندي السهروردي طريقة ومسلكًا، المولود بنانوته في كورة من نواحي سهارنفور بالهند في أواخر صفر سنة تسع وستين ومائتين وألف، والمتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف من الهجرة بالمدينة المنورة حيث دفن بالبقيع بجوار أهل البيت مجاورًا لرسول الله ﷺ ، وفقه لشرحه "سنن أبي داود".
وإذا كان الخط الجميل يدل بوضعه دلالة واقعية بَيِّنة على مهارة كاتبه وإتقانه لفنه، دلالة هي أقوى من الشهادات القولية، فالغوص في بحار معاني السنن, وإخراج مكنوناتها، وبسط مقاصدها، وتوضيح دقائقها، وتقريب فهمها، وجمع المتفرق منها، يدل هذا كله دلالة عملية على نبوغ وثبوت في ميدان المعرفة لمن وفقه الله لذلك.
وأولئك الذين بَيَّنوا سنة رسول الله ﷺ المبينة للقرآن، هم في حقيقة الأمر رسل رسول الله ﷺ ، الذين دعا لهم رسول الله ﷺ بالنضارة، لا نضارة الظاهر فحسب، بل نضارة الظاهر والباطن، نوَّرهم الله. فجعل لهم نورًا في باطنهم يكشفون به حقائق التنزيل، وحقائق البيان والتأويل.
ولقد بات الشافعي ﵁ ليلة يفكر في حديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ "، ففهم من هاتين الجملتين الكثير من الأحكام، منها تكنية الصبي الصغير تيمنًا بأنه سيكبر ويكون له ولد، يلاطفه بخطابه بالتصغير، فهو عمر، ولكنه يناديه بعمير. وأن تمكين الصبي من اللهو البريء الذي لا ضرر
стр. 8719
فيه أمر تسوغه الشريعة. وأن الرفق بالحيوان مما يحض عليه الشرع. وأن تمهيد أطفال المسلمين للصيد بالطير وغيره من غير إضرار به مما يحسن شرعًا ليتعودوا على الشجاعة من صغرهم، وغير ذلك مما بينه العلماء.
وقد منَّ الله على أولي العلم في عصرنا بهذا الجهبذ الموهوب، فكان شافعي زمانه في استنباط المعاني. فأبدى الله على يديه شتى المعاني الدقيقة في الحلل الأنيقة من ألفاظ لغة الكتاب والسنَّة، ذلك الشرح الدال بوضعه على فيض من شآبيب الفضل الإلهي، خصَّه الله به، فزكَّاه وزكَّى عقله وزكى بيانه، فوفقه سبحانه لإزالة ما يبدو لغير المدققين من تعارض في السنَّة، وإزالة ما يشتبه عليهم من مقاصد النبوة مع قوة الحجة، والإنصاف، وأدب العلماء، بعيدًا عن العصبية التي يجنح إليها بعض من حكمت عليهم البيئة أو قيدهم به التقليد بطريق لا يشعرون بها.
فهو- جزاه الله عن نفسه وعن المسلمين خيرًا - إذا سلك مسلك التوفيق بين المتعارضات كان موفقًا، وإذا سلك مسلك الترجيح كان موفقًا مستمسكًا بالقواعد الأصولية، سَبَّاقًا في التأصيل والتفريع. فشرحه وبيانه مثال لوضوح الحق لمن أراد التحقيق والتحرير والإنصاف.
كما أجرى الله سبحانه على يدي وارثه وخليفته مولانا شيخ الحديث حضرة العلامة محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي العلامة الفاضل المدقق المحقق، جمع هذا الكنز وحمله للمسلمين، غذاء لعقولهم وقلوبهم وأرواحهم جامعًا لنور العقل علمًا ويقينًا، والصراط المسقيم عملًا، وللأرواح حالًا وفرقانًا، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (١).
فهذا الشرح لـ "سنن أبي داود" زينة الشروح، وصاحبه زينة الشرَّاح، وهو آية العلم والإخلاص وثمرة التقوى ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ (٢).
стр. 8720
وفي هذا الشرح ترى مسلك مالك في السنن, وروح أبي حنيفة في الاستنباط، وعلم الشافعي في التأصيل والتفريع، وورع أحمد في الاحتياط.
وقد منَّ الله علينا بوجود هذا الكتاب في مكتبتنا من طبعته الأولى الحجرية نعتز به، ونرجع إليه وإخواننا وأهل العلم من الأزهر الشريف وغيره.
وإن أمثالنا يتشرفون بالاعتراف لذوي الفضل بالفضل، وما كان دليله من نفسه فهو أرفع من أن يحتاج إلى دليل.
وإخواننا الدين قاموا بطبع هذا الكتاب وتقديمه للعالم الإِسلامي، في أبهى الحلل وأبهجها، ثمارًا دانية قطوفها، لهم حق الشكر على كل من انتفع بهذا الشرح الذي هو بيان من البيان، وروض جمع الثمار والأزهار، وحجة واضحة وآية من آيات الله التي يظهرها على يد من اصطفاهم من عباده. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
محمد الحافظ التيجاني
القاهرة
يوم الخميس ٩ شعبان سنة ١٣٩٣ هـ
٦ سبتمبر/ أيلول سنة ١٩٧٣ م