من جهة العجز لجهة الرقبة، وذلك هو العرض قال فِي " المدوّنة " والإشعار فِي الجانب الأيسر من أسنمتها عرضاً (١)، إلا أن اللام (٢) من قوله: " للرقبة " تعطي أن الابتداء من جهة العجز، وإنما ذكره الباجي وغيره من جهة المقدم، كما درج عَلَيْهِ ابن الحاجب (٣) وعبارته فِي " المناسك " خير من هذه إذ قال: والإشعار أن يشقّ من سنامها الأيسر وقيل الأيمن من نحو الرقبة إِلَى المؤخر، وقيل طولاً قدر أنملتين أو نحو ذلك. انتهى.
وفي النكت قال أبو بكر الأبهري: إنما قال [إن] (٤) الإشعار فِي الشق الأيسر؛ لأنه يجب أن يستقبل بها القبلة ثم يشعرها، فإِذَا فعل ذلك كان وجهه إِلَى القبلة متى أشعرها فِي شقها الأيسر، وإِذَا أشعرها فِي الأيمن لَمْ يكن وجهه إِلَى القبلة، وذلك مكروه. انتهى.
ولعل ابن عرفة لَمْ يقف [عليه] (٥) إذ عزاه لمن دون الأبهري فقال: وجّه الباجي كونه فِي الأيسر بأنها توجّه للقبلة ومشعرها كذلك فلا يليه منها إلا الأيسر، وابن رشد: بأن السنة كون المشعر مستقبلاً يشعر بيمينه، وخطامها بشماله، فإِذَا كان كذلك وقع فِي الأيسر، ولا يكون فِي الأيمن إلا أن يستدبر القبلة أو يشعر بشماله أو يمسك له غيره. ابن عرفة: إنما يصح ما قالا إن أراد توجيهها للقبلة كالذبح لا رأسها للقبلة. انتهى فليتأمل.
تنبيه:
قال اللخمي: قال مالك: عرضاً. وابن حبيب: طولاً. قال ابن عرفة: لَمْ أجد لغوياً فسّر الطول إلّا بضد العرض، ولا العرض إلّا بضد الطول.
стр. 247
وقال البيضاوي فِي " مختصره الكلامي ": الطول البعد المفروض أولاً، وقيل: أطول الامتدادين المتقاطعين فِي السطح، والأخذ من رأس الإنسان لقدمه، ومن ظهر ذوات الأربع لأسفلها، والعرض: المعروض ثانياً، والامتداد الأقصر، والأخذ من يمين الإنسان ليساره، ومن رأس الحيوان لذنبه والطول والعرض كهيئتان (١) مأخوذتان مَعَ إضافتين. قال: فلعلّ العرض عند مالك كنقل البيضاوي، وهو الطول عند ابن حبيب كما مرّ فيتفقان.
وَشَقُّهَا إِنْ لَمْ تَرْتَفِعْ، وقُلِّدَتِ الْبَقَرُ فَقَطْ، إِلا بِأَسْنِمَةٍ لا الْغَنَمُ، ولَمْ يُؤْكَلْ مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ عُيِّنَ مُطْلَقاً عَكْسُ الْجَمِيعِ فَلَهُ إِطْعَامُ الْغَنِيِّ والْقَرِيبِ، وكُرِهَ لِذِمِّيٍّ إِلا نَذْراً لَمْ يُعَيَّنَ، والْفِدْيَةَ والْجَزَاءَ بَعْدَ الْمَحِلِّ، وهَدْيَ تَطَوُّعٍ إِنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَتُلْقَى قِلادَتُهُ بِدَمِهِ ويُخَلَّى لِلنَّاسِ كَرَسُولِهِ، وضَمِنَ فِي غَيْرِ الرَّسُولِ بِأَمْرِهِ، بِأَخْذِ شَيْءٍ كَأَكْلِهِ مِنْ مَصْنُوعٍ بَدَلَهُ، وهَلْ إِلا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ، فَقَدْرُ أَكْلِهِ؟ خِلافٌ، والْخِطَامُ والْجِلالُ كَاللَّحْمِ وإِنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَبْحِهِ، أَجْزَأَ، لا قَبْلَهُ، وحُمِلَ الْوَلَدُ عَلَى غَيْرٍ ثُمَّ عَلَيْهَا وإِلا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ لِيَشْتَدَّ، فَكَالتَّطَوُّعِ ولا يَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ وإِنْ فَضَلَ وغَرِمَ، وإِنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الأُمَّ أَوِ الْوَلَدَ مُوجَبَ فِعْلِهِ، ونُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلا عُذْرٍ، ولا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ.
قوله: (وشَقُّهَا إِنْ لَمْ تَرْتَفِعْ) أي: وشق الجلال (٢)، وهي جمع جُلّ بالضم إن لَمْ ترتفع قيمتها حتى يكون فِي شقها إضاعة المال. قال مالك فِي رسم الحجّ من سماع أشهب: من أمر الناس أن تشق الجلال عن أسنمتها وذلك يحبسه عن أن يسقط، وما علمت أن أحداً كان يدع ذلك إلّا عبد الله بن عمر فإنه لَمْ يكن يشق، ولَمْ يكن يحلل حتى يغدو من منى إِلَى عرفات فيجللها وذلك إن كان يجلل الجلال المرتفعة [والأنماط المرتفعة] (٣) قيل وإنما كان يفعل ذلك استبقاءً للثياب. قال: نعم فأحبّ إلي (٤) إِذَا كانت الجلال المرتفعة ألا يشقّ منها شيئاً، وإن كانت ثياباً دوناً فشقها أحبّ إليّ (٥).
стр. 248
وقال ابن يونس عن ابن المواز قال مالك: أحبّ إلينا شقّ الجلال عن الأسنمة إن كانت قليلة الثمن كالدرهمين ونحوهما، وأن لا تشقّ المرتفعة استبقاءً لها، وقال القابسي: إن كان الجُل رفيعاً ترك شقه؛ فهو أنفع للفقراء.
وَنَحْرُهَا قَائِمَةً أَوْ مَعْقُولَةً وأَجْزَأَ إِنْ ذَبَحَ غَيْرُهُ مُقَلَّداً، ولَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ إِنْ غَلِطَ، ولا يُشْتَرَكُ فِي هَدْيٍ، وإِنْ وُجِدَ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ، إِنْ قُلِّدَ وقَبْلَ نَحْرِهِ نُحِرَا مَعاً، إِنْ قُلِّدَا وإِلا بِيعَ وَاحِدٌ.
قوله: (ونَحْرُهَا قَائِمَةً أَوْ مَعْقُولَةً) قيل: يعني أنه يستحبّ نحر البدنة قائمة عَلَى قوائمها الأربع، أو معقولة يدها اليسرى قائمة عَلَى ما بقى من قوائمها. انتهى. وكأنه يحوم عَلَى محاذَاة قول ابن الحاجب: وينحرها صاحبها قائمة معقولة أو مقيدة. إذ المقيدة قائمة عَلَى قوائمها الأربع إلا أن إحدى يديها قرنت للأخري بالقيد، والأصل فِي الصفتين القراءتان فِي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وقرئ: ﴿صوافن﴾ (١) قال ابن يونس عن ابن حبيب: معنى صوافّ أن تصفّ أيديها بالقيود وقتنحرها، وقرأ ابن عبّاس: " صوافن " وهي المعقولة من كل بدنة يد واحدة، فتقف عَلَى ثلاث قوائم، فخيّر بينهما ابن الحاجب (٢). [٣٣ / أ]
والذي وقع فِي " الموازية " عن مالك: الشأن نحر البدن قائمة مقيدة اليدين للقبلة، ولا يعقلها إلا من يخاف ضعفه عنها، وفِي الأمهات قال مالك: الشأن نحرها قياماً. قلت: [معقولة أو] (٣) مصفوفة اليدين؟ قال: لا أقوم عَلَى حفظ ذلك الآن، ولا بأس بنحرها معقولة إن امتنعت واختصره أبو سعيد، والشأن أن تنحر البدن قياماً، فإن امتنعت جاز أن تعقل (٤). فقال ابن عرفة: قول ابن الحاجب: قائمة معقولة أو مقيدة، وفِي الذبائح:
стр. 249
نحر الإبل قائمة معقولة (١)، وقبول ابن عبد السلام وابن هارون له لا أعرفه، إلا ما نقله ابن رشد عن بعض العلماء قائمة معقولة.
[موانع الحج]
وَإِنْ مَنَعَهُ عَدُوٌّ أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ لا بِحَقٍّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ، إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ، ولا دَمَ بِنَحْرِ هَدْيِهِ وحَلْقِهِ، ولا دَمَ إِنْ أَخَّرَهُ، ولا يَلْزَمُهُ طَرِيقٌ مَخُوفٌ.
قوله: (إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ) أي بالمنع وأيسر من زواله أي: زوال المنع، فهو أعم من العدو.
وكُرِهَ إِبْقَاءُ، إِحْرَامِهِ، إِنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا. ولا يَتَحَلَّلُ، إِنْ دَخَلَ وَقْتُهُ، وإِلا فَثَالِثُهَا يَمْضِي وهُوَ مُتَمَتِّعٌ، ولا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ، ولَمْ يَفْسُدْ بِوَطْءٍ، إِنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ، وإِنْ وَقَفَ وحُصِرَ عَنِ الْبَيْتِ، فَحَجُّهُ تَمَّ ولا يَحِلُّ إِلا بِالإِفَاضَةِ.
قوله: (وكُرِهَ إِبْقَاءُ، إِحْرَامِهِ، إِنْ قَارَبَ مَكَّةَ) إنما زاد بعده (أَوْ دَخَلَهَا)، وإن كان أحرى لئلا يتوهم تحريم إبقاءه إن دخل.
وَعَلَيْهِ لِلرَّمْيِ ومَبِيتِ مِنًى ومُزْدَلِفَةَ هَدْيٌ كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ.
قوله: (كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ) كذا اختصر ابن الحاجب نصّ " المدوّنة " (٢)، وسلّمه فِي " التوضيح "، ونقل بعده قول ابن رشد: ولو قيل إِذَا نسي الرمي والمبيت بمزدلفة بالتعدد ما بَعُدَ لتعدد الموجبات كما فِي العمد، وكأنهم لاحظوا أن الموجب واحد لا سيما وهو معذور. انتهى. واختصرها أبو سعيد: كمن ترك رمي الجمار كلها ناسياً حتى زالت أيام منى (٣). واختصرها ابن يونس وعَلَيْهِ لجميع ما فاته رمي الجمار والمبيت بالمزدلفة ومنى هدي واحد، كمن ترك ذلك ناسياً حتى زالت أيام منى.
стр. 250
وَإِنْ حُصِرَ عَنِ الإِفَاضَةِ، أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ خَطَإِ عَدَدٍ، أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يَحِلَّ إِلا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ بِلا إِحْرَامٍ.
قوله: (وإِنْ حُصِرَ عَنِ الإِفَاضَةِ، أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ خَطَإِ عَدَدٍ، أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يَحِلَّ إِلا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ بِلا إِحْرَامٍ) ما ذكر فِي المحصر (١) عن الإفاضة تبعه عَلَيْهِ صاحب، " الشامل (٢) "، ولم أر من قال إن المحصر عن الإفاضة لا يحل إلا بفعل عمرة، بل لا يحلّ إلا (٣) بالإفاضة، وهو داخل فِي قوله أولا: (وإِنْ وَقَفَ وحُصِرَ عَنِ الْبَيْتِ، فَحَجُّهُ تَمَّ ولا يَحِلُّ إِلا بِالإِفَاضَةِ) فتعين أنه تصحيف؛ وإن تواطأت عَلَيْهِ النسخ التي وقفنا عَلَيْهَا، وصوابه: وإن حصر عن عرفة فقط، وبهذا يوافق قول اللخمي وغيره: إن صدّ عن عرفة خاصة دخل مكة وحلّ بعمرة.
ويؤيده أنه ذكر فِي " توضيحه " (٤) و " مناسكه " أن حصر العدو ثلاثة أقسام: عن البيت وعرفة معا، وعن البيت فقط، وعن عرفة فقط، وبما صوّبناه يكون قد استوفى هنا الثلاثة كما فعل ابن الحاجب وغيره (٥) ونصّه فِي " المناسك ": " المحصر عن عرفة فقط لا يحل إلّا بأفعال عمرة، يطوف ويسعى، ولا يكتفي بطواف القدوم والسعي بعده عَلَى المشهور؛ لكونه لَمْ ينو بهما التحلل خلافاً لعبد الملك، وما ذكره فِي خطأ العدد قيّده ابن عبد السلام فقال: وهذا إِذَا علموا اليوم الأول من الشهر ثم نسوه، وأما إِذَا كان بسبب رؤية الهلال [فقط] (٦)، فقد تقدّم حكمه إِذَا أخطأ أهل الموسم، وتبعه فِي " التوضيح " وباقي كلامه ظاهر التصور.
стр. 251
وَلا يَكْفِي قُدُومُهُ، وحَبَسَ هَدْيَهُ مَعَهُ، إِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ، ولَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَوَاتٍ، وخَرَجَ لِلْحِلِّ إِنْ أَحْرَمَ بِحَرَمٍ، أَوْ أَرْدَفَ، وأَخَّرَ دَمَ الْفَوَاتِ لِلْقَضَاءِ، وأَجْزَأَ إِنْ قَدِمَ، وإِنْ أَفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ أَوْ بِالْعَكْسِ، وإِنْ بِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ تَحَلَّلَ وقَضَاهُ دُونَهَا، وعَلَيْهِ هَدْيَانِ، لا دَمُ قَرَانٍ ومُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ، ولا يُعِيدُ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ بِحُصُولِهِ.
قوله: (ولا يَكْفِي قُدُومُهُ) أي: لا يكفي طواف القدوم وسعيه المتصل به كما تقدم من نصه فِي " المناسك ".
ولا يَجُوزُ دَفْعُ مَالٍ لِحَاصِرٍ إِنْ كَفَّرَ.
قوله: (ولا يَجُوزُ دَفْعُ مَالٍ لِحَاصِرٍ إِنْ كَفَّرَ) بهذا قطع ابن شاس، أنه لا يعطاه إن كان كافراً؛ لأنه وهن. وقال سند: يكره إعطاء الحاصر كافراً أو مسلماً؛ لأنه ذلة. قال ابن عرفة: والأظهر جواز إعطاء الكافر ووهن الرجوع لصده أشد من إعطائه. انتهي. فليتأمل.
وَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ مُطْلَقاً تَرَدُّدٌ.
قوله: (وفِي جَوَازِ الْقِتَالِ [مُطْلَقاً] (١) تَرَدُّدٌ) أشار بالتَرَدُّدٌ لما فِي " توضيحه " وقال ابن عرفة: وقتال الحاصر الباديء به جهاد ولو كان مسلماً، وفِي قتاله غير باد نقلا سند وابن الحاجب مَعَ ابن شاس عن المذهب (٢)، والأول الصواب إن كان الحاصر بغير مكة، وإن كان بها فالأظهر نقل [ابن شاس] (٣) لحديث: " إنما أحلت لي ساعة من نهار " (٤) وقول ابن هارون: الصواب جواز قتال (٥) الحاصر، وأظنني رأيته لبعض أصحابنا نصاً، وقد قاتل ابن الزبير ومن معه من الصحابة الحجّاج (٦)، وقاتل أهل المدينة عقبة، يردّ بأن
стр. 252
الحجّاج وعقبة بدءا به، وكانوا يطلبون النفس، ونقله عن بعض أصحابنا لا أعرفه إلا قول ابن العربي: إن ثار أحد فِيهَا واعتدى عَلَى الله قوتل، لقوله تعالى ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] " وفِي المدوّنة: إن ألجِئ المحرم لتقليد السيف فلا بأس به (١).
وَلِلْوَلِيِّ مَنْعُ سَفِيهٍ كَزَوْجٍ فِي تَطَوُّعٍ، وإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَلَهُ التَّحَلُّلُ، وعَلَيْهَا [٢٤ / ب] الْقَضَاءُ كَعَبْدٍ، وأَثِمَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ، ولَهُ مُبَاشَرَتُهَا كَفَرِيضَةٍ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، وإِلا فَلا إِنْ دَخَلَ، ولِلْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ يَعْلَمْ رَدُّهُ لا تَحْلِيلُهُ، وإِنْ أَذِنَ فَأَفْسَدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إِذْنٌ لِلْقَضَاءِ عَلَى الأَصَحِّ، ومَا لَزِمَهُ عِنْ خَطَإٍ أَوْ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الإِخْرَاجِ، وإِلا صَامَ بِلا مَنْعٍ، وإِنْ تَعَمَّدَ فَلَهُ مَنْعُهُ، إِنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ.
стр. 253
[باب الذكاة]
الذَّكَاةُ قَطْعُ مُمَيِّزٍ يُنَاكِحُ تَمَامَ الْحُلْقُومِ والْوَدَجَيْنِ مِنِ الْمُقَدَّمِ بِلا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمَامِ، وفِي النَّحْرِ طَعْنٌ بِلِبَّةٍ.
قوله: (وفِي النَّحْرِ طَعْنٌ [٣٣ / ب] بِلِبَّةٍ) اختلف: هل يقتصر بالنحر على اللبة دون ما عداها كما قال المصنف أم لا؟ ويصحّ فعلها فيما بين اللبة والمذبح، والأول هو مذهب أكثر الشيوخ: الباجي وابن رشد .. وغيرهما.
والثاني: مذهب ابن لبابة واللخمي، واحتج اللخمي بقول مالك: ما بين اللبة والمذبح مذبح ومنحر، فإن ذبح فجائز، وإن نحر فجائز، فأخذ منه أن النحر لا يختصّ باللبة، وقال ابن رشد: معناه عند الضرورة كالواقع (١) في مهوات إذا لم يقدر أن ينحره إلّا في موضع الذبح نحره فيه، وكذلك إن [لم يقدر] (٢) أن يذبحه إلا في موضع النحر ذبحه فيه، وهو بين (٣) من قوله في " المدونة " وصححه ابن عبد السلام: واللبة محل القلادة من الصدر من كلّ شيء. قاله الجوهري.
قال اللخمي: لم يشترطوا في النحر قطع الحلقوم والودجين، كما قالوا في الذبح [وعليه اقتصر ابن عرفة ووقع للخمي أن النحر قطع الحلقوم مع ودج واحد] (٤)، ثم أشار بعد إلى ما يقتضي أنه لابد من قطع الودجين جميعاً. وظاهر كلام ابن عبد السلام أنه جعله اختلافاً من قوله. وقال ابن عرفة: إنما أراد اللخمي التفصيل، فإن كان فيما بين اللبة والمذبح كفى قطع ودج واحد وإن كان في اللبة قطعهما معاً؛ لأنهما مجمعهما.
قال ابن عرفة: وظاهر قوله في الرسالة: والذكاة قطع الحلقوم والأوداج لا يجزيء أقل من ذلك إنه كالذبح (٥). انتهى، فحمل الذكاة على الجنس وهو هنا بعيد للزوم عقر الصيد.
стр. 254
وشُهِرَ أَيْضاً الاكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحَلْقُومِ، والْوَدَجَيْنِ، وإِنْ سَامِرِيَّاً، أَوْ مَجُوسِيَّاً تَنَصَّرَ، وذَبَحَ لِنَفْسِهِ مُسْتَحِلَّهُ وإِنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ، إِنْ لَمْ يَغِبْ لا صَبِيٍّ ارْتَدَّ، وذِبْحٍ لِصَنَمٍ أَوْ غَيْرِ حِلٍّ لَهُ إِنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا، وإِلا كُرِهَ كَجِزَارَتِهِ، وبَيْعٍ، وإِجَارَةٍ لِعَبْدِهِ، وشِرَاءِ ذَبْحِهِ، وتَسَلُّفِ ثَمَنِ خَمْرٍ، وبَيْعٍ بِهِ، لا أَخْذِهِ قَضَاءً، وشَحْمِ يَهُودِيٍّ، وذِبْحٍ لِصَلِيبٍ، أَوْ عِيسَى وقَبُولِ مُتَصَدَّقٍ بِهِ لِذَلِكَ، وذَكَاةِ خُنْثَى، وخَصِيٍّ، وفَاسِقٍ، وفِي ذِبْحِ كِتَابِيٍّ لِمُسْلِمٍ قَوْلانِ. وجَرْحُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ وَحْشِيَّاً، وإِنْ تَأَنَّسَ عَجَزَ عِنْهُ إِلا بِعُسْرٍ، لا نَعَمٍ شَرَدَ.
قوله: (وشُهِرَ أَيْضاً الاكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحَلْقُومِ، والْوَدَجَيْنِ) هذا من تمام الكلام على الذبح، ولفظ: (الْوَدَجَيْنِ) معطوف على لفظ: (نِصْفِ) لا على لفظ: (الْحَلْقُومِ) والمراد الاكتفاء [بنصف] (١) الحلقوم مع قطع جميع الودجين. قال في " النوادر ": قال ابن حبيب: إن قطع الأوداج ونصف الحلقوم فأكثر أكلت، وإن قطع منه أقل لَمْ يؤكل (٢).
وفي العتبية عن [ابن القاسم] (٣) في الدجاجة والعصفور إذا أجهز على أوداجه ونصف حلقه أو ثلثيه فلا بأس بأكله. وقال سحنون: لا يحلّ حتى يجهز على جميع الحلقوم والأوداج.
قال ابن عبد السلام: فابن القاسم وابن حبيب متفقان على أن بقاء النصف مغتفر، وقال سحنون: لا يغتفر منه شيء البتة، وبعض من لقيناه يقول: لا يلزم ابن القاسم الذي اغتفر بقاء نصف الحلقوم في الطير أن يقول مثله في غير الطير؛ لما علم عادة من صعوبة استئصال قطع الحلقوم من الطير وسهولة ذلك من غير الطير، والأقرب عندي اغتفار ذلك؛ لقوله ﵇: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل " (٤) قال في " التوضيح ": قيل وهو المشهور (٥). وتبعه في " الشامل " فقال: وشهر أَيْضاً إجزاء نصف الحلقوم.
стр. 255
أَوْ تَرَدَّى بِكَهُوَّةٍ.
قوله: (أَوْ تَرَدَّى بِكَهُوَّةٍ) أي: في مثل هوة فالكاف للتشبيه والهُوَّة بضم الهاء وتشديد الواو. وقال الجوهري: الهوة، الوهدة العميقة والأهوية على: أفعولة مثلها، والمهوى والمهواة: ما بين الجبلين ونحو ذلك. انتهى. والمهواة بفتح الميم وجمع الهوة هوى بالضم، قال شيخ شيوخنا أبو زيد المكودي في مقصورته:
وأنت يا نفس شغلت بالهوى ... حتى وقعت منه في قعرٍ هوى
وفي بعض النسخ: بكحفرة، والمعنى واحد.
بِسِلاحٍ مُحَدَّدٍ، وحَيَوَانٍ عُلِّمَ بِإِرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ بلا ظُهُورِ تَرْكٍ، ولَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ، أَوْ أَكَلَ، أَوْ لَمْ يُرَ بِغَارٍ، أَوْ غَيْضَةٍ، أَوْ لَمْ يَظُنَّ نَوْعَهُ، أَوْ ظَهَرَ خِلافَهُ لا إِنْ ظَنَّهُ حَرَاماً، أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مُرْسَلٍ عَلَيْهِ.
قوله: (بِإِرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ) أي: فإن أرسله وهو في غير يده لَمْ يؤكل ما قتله؛ لهذا رجع مالك في " المدونة " قال ابن القاسم فيها: وبالأول أقول. يعني الجواز المرجوع عنه (١).
أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمُبِيحَ فِي شَرِكَةِ غَيْرٍ كَمَاءٍ، أَوْ ضُرِبَ بِمَسْمُومٍ، أَوْ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ أَوْ بِنَهْشِهِ مَا قَدَرَ عَلَى خَلاصِهِ مِنْهُ.
قوله: (أَوْ بِنَهْشِهِ مَا قَدَرَ عَلَى خَلاصِهِ مِنْهُ) يعني أن ما قدر على إخلاصه من الجارح (٢) فلم يخلصه وذكاه في حال نهشه له لا يؤكل؛ لعدم تحقق المبيح، وعلى هذه فرّع نظائر الشركة في " التوضيح " وذلك بيّن في " المدونة " قال فيها: ولو قدر على خلاصه منها فذكّاه وهو في أفواهها تنهشه فلا تؤكل إذ لعله من نهشها مات، إلا أن يوقن أنه ذكّاه وهو مجتمع الحياة قبل أن تنفذ هي مقاتله فيجوز أكله وبئسما ما صنع (٣).
стр. 256
أَوْ إِغْرَاءٍ فِي الْوَسَطِ أَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ، إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لا يَلْحَقُهُ، أَوْ حَمَلَ الآلَةَ مَعَ غَيْرٍ أَوْ بِخُرْجٍ، أَوْ بَاتَ، أَوْ صَدَمَ، أَوْ عَضَّ بِلا جُرْحٍ.
قوله: (أَوْ أغْرَى فِي الْوَسَطِ) أي: في أثناء الانبعاث، وفي بعض النسخ: أو إغراء (١) بالمصدر في الوسط عطفاً على نظائر الشركة، وهو مما يمكن أن ينخرط في سلكها، وما نوقش به من أن الإغراء مبيح لا محظر تعسّف، وفي بعضها أو أغرى بالفعل الماضي كما بعده عطفاً على قوله: " لا إن ظنه حراماً فهو خارج عن نظائر الشركة " وهو المطابق لما في " التوضيح " إذ لَمْ يعدّه فيها منها (٢).
أَوْ قَصَدَ مَا وَجَدَ، أَوْ أَرْسَلَ ثَانِياً بَعْدَ إِمْسَاكِ أَوَّلٍ، وقَتَلَ.
قوله: (أَوْ قَصَدَ مَا وَجَدَ) يشير به لقول ابن عبد السلام: وأما الإرسال على غير معين ولا محصور كإرساله على كل صيد يقوم بين يديه فلا خلاف في المذهب أن ذلك لا يجوز. انتهى، وممن صرح بنفي الخلاف فيه الباجي والمازري وابن شاس. [٣٤ / أ]
فإن قلت: ما الفرق بينه وبين قوله في " المدوّنة ": وإن أرسله على جماعة لا يرى غيرها ونوى إن كان ورائها غيرها فهو عليها مرسل، فليأكل ما أخذ من سواها، وكذلك إن أرسله على صيدٍ لا يرى غيره ونوى ما صاد سواه فليأكل ما صاده (٣).
قلت: فرق بينهما المصنف بأن ما في " المدونة " تبع للصيد المرئي، وجعل خلاصة كلام ابن عبد السلام قاعدة وهي: إن كان الصيد معيناً أكل كان المكان محصوراً أم لا، وإن لَمْ يكن الصيد معيناً، وكان المكان محصوراً كالغار والغيضة، فثالثها الفرق بينهما، وإن لَمْ يتعين الصيد ولا انحصر المكان لَمْ يؤكل باتفاق، يريد وتبع المعين كالمعين.
стр. 257
أَوِ اضْطَرَبَ فَأَرْسَلَ ولَمْ يُرَ إِلا أَنْ يَنْوِيَ الْمُضْطَرَبَ، وغَيْرَهُ فَتَأْوِيلانِ.
قوله: (إِلا أَنْ يَنْوِيَ الْمُضْطَرَبَ) بفتح الراء أي: المضطرب عليه فحذفه مع أنه عمدة؛ إذ هو النائب عن الفاعل.
ووَجَبَ نِيَّتُهَا، وتَسْمِيَةٌ إُنْ ذَكَرَ ونَحْرُ إِبِلٍ، وذَبْحُ غَيْرِهِ، إِنْ قَدِرَ، وجَازَا لِلضَّرُورَةِ، إِلا الْبَقَرَ فَيُنْدَبُ الذَّبْحُ كَالْحَدِيدِ، وإحدادُهُ.
قوله: (وجَازَا لِلضَّرُورَةِ) بألف التثنية هو الصواب (١).
وقِيَامُ الإِبِلِ، وضَجْعُ ذِبْحٍ عَلَى أَيْسَرَ وتَوْجِيهِهِ، وإِيْضَاحُ الْمَحَلَّ، وفَرْيُ وَدَجَيْ صَيْدٍ أُنْفِذَ مَقْتَلُهُ، وفِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِالظُّفْرِ (٢) أَوِ السِّنِّ، أَوِ انْفَصَلا، أَوْ بِالْعَظْمِ، ومَنْعِهِمَا، خِلافٌ، وحَرُمَ اصْطِيَادُ مَأْكُولٍ، لا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ، إِلا بِكَخِنْزِيرٍ، فَيَجُوزُ كَذَكَاةِ مَا لا يُؤْكَلُ إِنْ أَيِسَ مِنْهُ.
وكُرِهَ ذَبْحٌ بِدَوْرِ حُفْرَةٍ، وسَلْخٌ أَوْ قَطْعٌ قَبْلَ الْمَوْتِ، كَقَوْلِ مُضَحٍّ اللَّهُمَّ مِنْكَ وإِلَيْكَ، وتَعَمُّدُ إِبَانَةِ رَأْسٍ. وتُؤُوِّلَتْ أَيْضاً عَلَى عَدَمِ الأَكْلِ. إِنْ قَصَدَهُ أَوَّلاً، ودُونَ نِصْفٍ أُبِينَ مَيْتَةٌ، إِلا الرَّأْسَ، ومَلَكَ الصيْدَ الْمُبَادِرُ، وإِنْ تَنَازَعَ قَادِرُونَ [٢٥ / أ] فَبَيْنَهُمْ، وإِنْ نَدَّ ولَوْ مِنْ مُشْتَرٍ فَلِلثَّانِي، لا إِنْ تَأَنَّسَ ولَمْ يَتَوَحَّشْ، واشْتَرَكَ طَارِدٌ مَعَ ذِي حِبَالَةٍ قَصَدَهَا، ولَوْلاهُمَا لَمْ يَقَعْ، بِحَسَبِ فِعْلِهِمَا.
قوله: (وَقِيَامُ الإِبِلِ) تقدم البحث فيه في الحجّ (٣).
وإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وأَيِسَ مِنْهُ فَلِرَبِّهِ، وعَلَى تَحْقِيقٍ بِغَيْرِهَا فَلَهُ كَالدَّارِ إِلا أَنْ لا يَطْرُدَهُ لَهَا فَلِرَبِّهَا.
قوله: (إِلا أَنْ لا يَطْرُدَهُ لَهَا فَلِرَبِّهَا) سقط (لا) في كثير من النسخ وهو فساد ومخالف للمدونة إذ قال فيها: ومن طرد صيداً حتى دخل دار قومٍ فإن اضطره هو أو جارحه إليها فهو له، وإن لَمْ يضطروه وكانوا قد بعدوا عنه فهو لرب الدار، وفي بعض نسخ هذا المختصر: " إلا أن يضطره " كلفظ " المدوّنة " وهو أولى؛ لأن الطرد يوهم الاختصاص بما كان مقصوداً بخلاف الاضطرار، بدليل نسبته في " المدوّنة " للجارح (٤).
стр. 258
وضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ، وتَرَكَ.
قوله: (وضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ، وتَرَكَ) هذا خاص بالصيد؛ قال اللخمي: ولو مرّ بشاةٍ يخشي عليها الموت، فلم يذبحها حتى ماتت لَمْ يضمن؛ لأنه يخشى أن لا يصدّقه ربّها فيضمنه وليس كالصيد؛ لأنه يراد للذبح، على أن اللخمي اختار في الصيد نفي الضمان قال: وإن كان يجهل أن ليس له أن يذكّيه؛ كان أبين في نفي الغرم.
وعُمُدٍ وخَشَبٍ فَيَقَعُ الْجِدَارُ، ولَهُ الثَّمَنُ إِنْ وُجِدَ كَتَرْكِ تَخْلِيصِ مُسْتَهْلِكٍ مِنْ نَفْسٍ ومَالٍ بِيَدِهِ أَوْ شَهَادَتِهِ أَوْ بِإِمْسَاكِ وَثِيقَةٍ أَوْ تَقْطِيعِهَا وفِي قَتْلِ شَاهِدَيْ حَقٍّ تَرَدُّدٌ، وتَرْكِ مُوَاسَاةٍ وَجَبَتْ بِخَيْطٍ لِجَائِفَةٍ، وفَضْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لِمُضْطَرٍّ.
قوله: (وعُمُدٍ وخَشَبٍ) لعل العمد عندهم (١) يختصّ بغير الخشب كالحجارة.
وأُكِلَ الْمُذَكَّى، وإِنْ أُيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ بِتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ مُطْلَقاً، أَوْ سَيْلِ دَمٍ، إِنْ صَحَّتْ إِلا الْمَوْقُوذَةَ، ومَا مَعَهَا الْمَنْفُوذَةَ الْمَقَاتِلِ.
قوله: (وَأُكِلَ الْمُذَكَّى، وإِنْ أُيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ بِتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ مُطْلَقاً، أَوْ سَيْلِ دَمٍ، إِنْ صَحَّتْ) معنى مطلقاً سواءً كانت صحيحة أو مريضة أم مصابة بالخنق ونحوه إن لَمْ ينفذ مقتلها، ويدل أن هذا مراده بالإطلاق تقييده سيل الدم بالصحة، فالتحريك كافٍ في الثلاثة فإذا انضم إليه سيلان الدم لَمْ يزده إلَّا خيراً، وأما سيلان الدم وحده فلا يكفي إلا في الصحيحة، وهذا حاصل ما في " المقدمات " (٢)، على أنه أجرى المنخنقة ونحوها إذا تحركت ولَمْ يسل دمها على الخلاف في المأيوسة غير المنفوذة المقاتل، قال: لأن دمها إذا لَمْ يسل حين الذبح فقد علم أنها كانت لا تعيش لو تركت؛ لأن انقطاع الدم إنما يكون بانقطاع بعضها من بعض وذلك ما لا يصح معه حياة، واحترز بالتحرك القوي من الضعيف.
стр. 259
قال ابن المَوَّاز: دليل استجماع حياتها حركة رجلها أو ذنبها أو طرف عينها. قال ابن حبيب: أو استفاضة نفسها في جوفها أو في منخريها، وعبّر عنه ابن رشد بكونه في حلقها قال: وحركة الارتعاش والارتعاد ومدّ يد أو رجل أو قبضها ملغاة اتفاقاً. ابن عرفة: في إلغاء القبض نظر. اللخمي: إلغاء الاختلاج الخفيف وحركة العين أحسن؛ لأن الاختلاج يوجد بعد الموت وحركة الرجل والذنب أقوى من حركة العين؛ لأن خروج الروح من الأسافل قبل الأعالي.
ابن عرفة: قوله: أحسن يوهم أن في الاختلاج اختلافاً، وتعليله ومتقدم نقل ابن رشد ينفيه. انتهى. ابن عبد السلام: تفريق اللخمي بين الأسافل والأعالي ظاهر إلا أن يقال: الشرط في صحة الذكاة هو مطلق الحياة، لا عموم وجودها في جميع الجسد، فإذا وجدنا ما يدلّ على الحياة صحت الذكاة، كان في الأعالي أو في الأسافل.
بِقَطْعِ نُخَاعٍ، ونَثْرِ دِمَاغٍ، وحَشْوَةٍ، وفَرْيَ وَدَجٍ، وثَقْبِ مُصْرَانٍ، وفِي شَقِّ الْوَدَجِ قَوْلانِ، وفِيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ، أَوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لا يَعِيشُ إِنْ لَمْ يَنْخَعْهَا.
قوله: (بِقَطْعِ نُخَاعٍ، ونَثْرِ دِمَاغٍ، وحَشْوَةٍ، وفَرْيَ وَدَجٍ، وثَقْبِ مُصْرَانٍ) مفهوم قوله: (قَطْعِ نُخَاعٍ) أن شقه ليس كذلك، وقد خرّجه ابن عرفة على القولين الآتيين في شقّ الودج، ومفهوم قوله: (ونَثْرِ دِمَاغٍ، وحَشْوَة) أن شدخ الرأس دون انتثار الدماغ وشقّ الجوف، دون قطع مصران، ودون انتثار شيء من الحشوة، غير مقتل؛ وكذا صرّح به عبد الحقّ، ويحيي بن إسحاق عن ابن كنانة دمغ الرأس مقتل، وقد روى عن ابن القاسم: أكل منتثر الحشوة.
ابن عرفة: فجعله اللخمي قولاً بإعمال الذكاة في منفوذ المقاتل، وجعله عياض قولاً بأنّه غيرُ مُقْتل، ومفهوم قوله: (وفري ودج) أن قطعَ الودجين معاً غيرُ مشترط في كون ذلك مقتلاً، وقد صرّح عبد الحقّ بأنّ قطع الودج الواحد مقتل، والفري (١) إبانته كله، فظاهرُه أنّ البعض ليس كذلك، وقد قال ابن المَوَّاز: قطع بعض الأوداج والحلق مقتل، ومفهوم قوله: (وثقب مصران) أنّ القطع أحرى.
стр. 260
وفي " التنبيهات ": أما (١) فري المصران وإبانة بعضه من بعض [٣٤ / ب] فمقتل لا (٢) شك فيه، بخلاف شقّه؛ لأنه لا يلتئم بعد انقطاعه بالكلية ويتعذر وصول الغذاء إلى ما بان منه، وتتعطل الأعضاء تحته، ولا يجد التفل مخرجاً من داخل الجوف، فيهلك صاحبه. انتهى.
وذكر أن بعض حذّاق الأطباء تلطّف لمصران [شقّ طولاً] (٣)، فجمع طرفي الشقّ، ووضع عليها النمل، فلما شبكت فيهما قطع أسافلها، فبقيت رؤوسها شابكة في الطرفين، فالتأما بإذن الله تعالى.
وأطلق المصنف في المصران اتباعاً للأكثر، وقد خصّه ابن رشد بالأعلى، وصححه عياض، وفهم من عطف بعضها على بعض أنها متغايرة، وفي " التنبيهات " عد شيوخنا قطع المصران وانتثار الحشوة وجهين، وهما عندي راجعان لشيءٍ واحد؛ لأنه إذا قُطع أو شُقّ انتثرت الحشوة.
وقول بعض شيوخنا: انتثارها خروجها عند شقّ الجوف عنها، يردّ بأن مجرد شقّ الجوف غير مقتل اتفاقاً، وكذا انتثارها لمشاهدة علاجها بردِّها وخياطة الجوف عليها.
ابن عرفة: قوله: ليس مجرد انتثارها مقتلاً. إن أراد مجرد خروجها، فمسلّم؛ وليس هذا مراد الشيوخ به، وإن أراد ولو زال التصاق بعضها ببعض أو التزاقها بمقعر البطن، منعناه؛ وهذا هو مراد الأشياخ به، وما ادعاه من العلاج إنما هو في الأول لا في هذا، وبالضرورة إن هذا مباين لقطع المصير، ولا تلازم بينهما في الوجود. وليحيي بن إسحاق عن ابن كنانة: لا يؤكل ما خرجت أمعاؤه، وفهم من اقتصار المصنف على هذه الخمسة أن ثقب الكرش ليس منها.
стр. 261
وقد حكى ابن رشد عن شيوخه قولين في صحيحةٍ وجد كرشها بعد ذبحها مثقوباً قال: نزلت (١) في ثور، فحكم ابن مكي بفتوى ابن حمدين (٢) بطرحها بالوادي دون فتوى ابن رزق بأكلها، وبيان ذلك لمن يشتريها، فغلبت العامة أعوان القاضي لعظم قدر ابن رزق عندهم، فأخذوه من أيديهم وأكلوه، وهو الصواب لما تقدّم (٣).
يعني أن خرق أسفل المصير حيث الرجيع غير مقتل لبقائها به زماناً تتصرّف. ابن عرفة: ويؤيده نقل عدد التواتر من كاسبي البقر بإفريقية، أنهم يثقبون كرش الثور لبعض الأدواء فيزول عنه به، وقول ابن عبد السلام: إنه محل الطعام قبل تغيّره خلاف تعليل ابن رشد صحة قول ابن رزق، ولعلّه يريد (٤) كمال تغيّره.
وذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِنْ تَمَّ بِشَعَرٍ، وإِنْ خَرَجَ حَيَّاً ذُكِّيَ، إِلا أَنْ يُبَادِرَ فَيَفُوتُ.
قوله: (وذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِنْ تَمَّ بِشَعَرٍ) مفهوم الشرط إن لَمْ يتم بشعر لَمْ يؤكل، وهو المذهب. قال ابن عرفة: وقول ابن العربي في " القبس " عن مالك: إن لَمْ يتمّ خلقه فهو كعضوٍ منها ولا يذكى العضو مرتين، ظاهره أن قول مالك عنده أكله وإن لَمْ يتم خلقه (٥) دون ذكاة، وذكر في " العارضة " عن مالك كنقل الجماعة، واختار هذا لنفسه.
стр. 262
فوائد:
الأولى: قال ابن عرفة: ظاهر الروايات وأقوال الشيوخ أن المعتبر نبات شعر جسده، لا شعر عينيه فقط، خلافاً لبعض أهل الوقت، وفتوى بعض شيوخ شيوخنا.
الثانية: في سماع أشهب: إذا خرج ميتاً يمر المدية على حلقه ليخرج دمه، قال في سماع أبي زيد: ركض ببطن أضحيتي جنينها بعد ذبحها، فتركته حتى أخرجته ميتاً فذبحته وأكلت منه (١).
الثالثة: في أكل المشيمة، وهي وعاء الجنين ثلاثة أقوال:
... الأول: الحلّيّة؛ لقول ابن رشد في سماع موسى من كتاب الصلاة: السلا وعاء الولد وهو كلحم الناقة المذكاة.
... الثاني: تحريمها؛ لجواب عبد الحميد الصائغ.
... الثالث: إن حل أكل الجنين بذكاة أمه وتم خلقه ونبت شعره حلّت، وإلا فلا لبعض شيوخ شيوخ ابن عرفة وقد حصلها هذا التحصيل. رحمه الله تعالى.
وذُكِّيَ الْمُزْلَقُ إِنْ حَيَ مِثْلُهُ، وافْتَقَرَ نَحْوَ الْجَرَادِ لَهَا بِمَا يَمُوتُ بِهِ، ولَوْ لَمْ يُعَجِّلْ كَقَطْعِ جَنَاحٍ.
قوله: (وذُكِّيَ الْمُزْلَقُ (٢) إِنْ حَيَ مِثْلُهُ) ابن رشد: وليس الذي لَمْ تتحقق حياته كمريضة علم أنها لا تعيش لتقدم تقرر حياتها دونه.
стр. 263
[باب الأطعمة والأشربة]
الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ، والْبَحْرِيُّ وإِنْ مَيِّتاً، وطَيْرٌ ولَوْ جَلاَّلَةً وذَا مِخْلَبٍ، ونَعَمٌ، ووَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ كَيَرْبُوعٍ، وخُلْدٍ ووَبْرٍ، وأَرْنَبٍ وقُنْفُذٍ، وضُرْ بُوبٍ، وحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا، وخَشَاشُ أَرْضٍ، وعَصِيرٌ وفُقَّاعٌ وسُوبِيَا وعَقِيدٌ (١) أُمِنَ سُكْرُهُا (٢).
قوله: (أُمِنَ سُكْرُهُا) كذا في بعض النسخ بضمير المؤنث على ملاحظة الجماعة، وهو أعم، يتناول العصير وما بعده.
ولِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ، غَيْرَ آدَمِيٍّ وخَمْرٍ، إِلا لِغُصَّةٍ، وقَدَّمَ الْمَيِّتَ عَلَى خِنْزِيرٍ، وصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ.
قوله: (ولِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ) لعله ما يشبع، فصُحّف.
لا لَحْمِهِ، وطَعَامِ غَيْرٍ، إِنْ لَمْ يَخَفِ الْقَطْعَ وقَاتَلَ عَلَيْهِ.
قوله: (وطَعَامِ غَيْرٍ) بالجر عطفاً على قوله: (لا لَحْمِهِ) أي: فلا يقدم الميت على طعام الغير إن لَمْ يخف القطع.
والْمُحَرَّمُ: النَّجَسُ، وخِنْزِيرٌ، وبَغْلٌ، وفَرَسٌ، وحِمَارٌ؛ ولَوْ وَحْشِيَّا دَجَنَ، والْمَكْرُوهُ: سَبْعٌ، وضَبْعٌ، وثَعْلَبٌ، وذِئْبٌ، وهِرٌّ؛ وإِنْ وَحْشِيَّاً، وفِيلٌ.
قوله: (والْمَكْرُوهُ سَبْعٌ) لما ذكر ابن عبد السلام هنا تأويل بعض المتأخرين، نهيه ﵇ عن أكل كلّ ذي ناب من السباع (٣)، على أنه من إضافة المصدر إلى الفاعل؛ فيكون كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]- وضعّفَه (٤). وأورد حكاية [٣٥ / أ] ظريفة عن خديمين بالمسحاة، لا يظن بهما العلم أعطى أحدهما صاحبه يسير جبن فقال الآخذ: عطية القوم على أقدارهم. فقال المعطي: صدقت، فقال الآخذ: ليس هذا مذهب سيبويه،
стр. 264
يعني أن حمل المصدر كعطية على الإضافة إلى الفاعل هو الراجح عند سيبويه، وهذا بيّن فيما صرّح فيه بذكر الفاعل والمفعول معاً، فقف على الحكاية بطولها في شرحه رحمه الله تعالى.
وكَلْبُ مَاءٍ وخِنْزِيرِهِ، وشَرَابُ خَلِيطَيْنِ، ونَبِيذٌ بِكَدُبَّاءٍ (١)، وفِي كُرْهِ الْقِرْدِ والطِّينِ ومَنْعِهِ قَوْلانِ.
قوله: (وكَلْبُ مَاءٍ وخِنْزِيرِهِ) كذا نقل الباجي كراهتهما عن ابن شعبان رواية عن مالك قال: وبه قال [ابن حبيب] (٢) ونقل أبو عمر عن الليث: لا يؤكل إنسان الماء (٣).
стр. 265
[باب الضحية والعقيقة]
سُنَّ لِحُرٍّ غَيْرِ حَاجٍّ بِمِنًى ضَحِيَّةٌ لا تُجْحِفُ، وإِنْ يَتِيماً بِجَذَعِ ضَأْنٍ، وثَنِيِّ مَعْزٍ وبَقَرٍ وإِبِلٍ ذِي سَنَةٍ، وثَلاثٍ، وخَمْسٍ، بِلا شِرْكٍ، إِلا فِي الأَجْرِ، وإِنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ، إِنْ سَكَنَ مَعَهُ وقَرُبَ لَهُ، وأَنْفَقَ عَلَيْهِ وإِنْ تَبَرُّعاً. وإِنْ جَمَّاءَ ومُقْعَدَةً لِشَحْمٍ، ومَكْسُورَةَ قَرْنٍ، لا إِنْ أَدْمَى كَبَيِّنِ مَرَضٍ، وجَرَبٍ، وبَشَمٍ، وجُنُونٍ، وهُزَالٍ، وعَرَجٍ، وعَوَرٍ، وفَائِتِ جُزْءٍ غَيْرِ خُصْيَةٍ وصَمْعَاءَ جِدَّا، وذِي أُمٍّ وَحْشِيَّةٍ، وبَتْرَاءَ، وبَكْمَاءَ وبَخْرَاءَ، ويَابِسَةِ ضَرْعٍ، ومَشْقُوقَةِ أُذُنٍ، ومَكْسُورَةِ [٢٥ / ب] سِنٍّ، لِغَيْرِ إِثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ، وذَاهِبَةِ ثُلُثِ ذَنَبٍ، لا أُذُنٍ - مِنْ ذَبْحِ الإِمَامِ لآخِرِ الثَّالِثِ - وهَلْ هُوَ الْعَبَّاسِيُّ. أَوْ إِمَامُ الصَّلاةِ؟ قَوْلانِ، ولا يُرَاعَى قَدْرُهُ فِي غَيْرِ الأَوَّلِ وأَعَادَ سَابِقَهُ، إِلا الْمُتَحَرِّيَ أَقْرَبَ إِمَامٍ كَأَنْ لَمْ يُبْرِزْهَا.
قوله: (وهَلْ هُوَ الْعَبَّاسِيُّ، أَوْ إِمَامُ الصَّلاةِ؟ قَوْلانِ) قال ابن عبد السلام: في قول ابن الحاجب: والإمام [اليوم] (١) العباسي أو من يقيمه (٢)، يعني حيث ذلك؛ ولذلك قيّده بقوله اليوم، وهذا لا إشكال فيه إذا كان هو متولّي الصلاة، وكذلك من يقيمه، وهو الأمير إذا كان أَيْضاً يتولى الصلاة بنفسه، فإن كان يتولى الصلاة غير الأمير، فظاهر كلام ابن رشد أن المعتبر هو إمام الصلاة وهو الظاهر؛ لأن الولاية على الصلاة تستلزم الولاية على تابعها كسائر الولايات.
قال اللخمي ما معناه: وأمّا المتغلبون فلا يعتبرونهم ولا من يقيمونه في الذبح، ويكون من في بلدهم كمن لا إمام لهم، فيتحرون ذبح أقرب الأئمة الذين أقامهم أمير المؤمنين إليهم، وفيه نظر؛ لأن المنصوص في المذهب نفوذ أحكامهم وأحكام قضاتهم. وقيل لعثمان رضي الله تعالى عنه وهو محصور: إنه يصلّي للناس [إمام] (٣) فتنة، وأنت إمام العامة فقال: إن الصلاة من أحسن ما يفعله الإنسان، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم.
стр. 266
وقال ابن عرفة في كون المعتبر إمام الصلاة أو إمام الطاعة: طريقان لابن رشد (١) واللخمي، ثمّ ردّ اعتراض ابن عبد السلام على اللخمي بنفوذ أحكام المتغلبين وقضاتهم بعدم إمكان غير ذلك، وإمكان تحرّي وقت الإمام غير المتغلب، كما لو كان وأخّر ذبحه اختياراً قال: واستدلاله بقول عثمان ينتج عكس ما ادعاه؛ لأن البغي إساءة إجماعاً، ولا سيما البغاة على عثمان، فوجب اجتناب الاقتداء بالبغاة لإساءتهم. انتهى. وهذا تعسّف.
ثم قال ابن عرفة: وصريح نصّ " المدوّنة " مع سائر الروايات بأقرب الأئمة، وكون المعتبر إمام بلد من ذبح عن مسافر لا إمام بلد المسافر، ظاهر في كونه إمام الصلاة لامتناع تعدد إمام الطاعة؛ وعليه لا يعتبر ذبح إمام صلاتها إذا أخرج السلطان أضحيته للذبح بالمصلى كما عندنا؛ لأن إخراجه (٢) دليل على عدم استنابته إياه في الاقتداء بذبحه خلافاً لبعضهم. انتهى.
وما احتجّ به من امتناع تعدد إمام الطاعة سبقه إليه أبو الفضل راشد، وانفصل عنه تلميذه أبو الحسن الصغير بتعدد عماله، وما نسبوا لابن رشد وقع له في رسم شك من سماع ابن القاسم ونصّه: " والمراعى في ذلك الإمام الذي يصلي صلاة العيد بالناس إذا كان مستخلفاً على ذلك " (٣).
وتَوَانَى بِلا عُذْرٍ قَدْرَهُ.
قوله: (وتَوَانَى بِلا عُذْرٍ قَدْرَهُ) فاعل (تَوَانَى): ضمير الإمام، و (قَدْرَهُ): ظرف لتوانى أي: وتوانى الإمام بلا عذر قدر زمان الذبح المعتاد حتى انصرم.
وَبِهِ انْتُظِرَ لِلزَّوَالِ. والنَّهَارُ شَرْطٌ، ونُدِبَ إِبْرَازُهَا، وجَيِّدٌ، وسَالِمٌ، وغَيْرُ خَرْقَاءَ وشَرْقَاءَ، ومُقَابَلَةٌ، ومُدَابَرَةٌ، وسَمِينٌ، وذَكَرٌ، وأَقْرَنُ، وأَبْيَضُ، وفَحْلٌ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ، وضَأْنٌ مُطْلَقاً، ثُمَّ مَعْزٌ.
قوله: (وبِهِ انْتُظِرَ لِلزَّوَالِ) ظاهره استمرار الانتظار لحصول الزوال، ولفظ ابن رشد
стр. 267
في رسم شك من سماع ابن القاسم، فإن أخّر الذبح لعذر من اشتغال بقتال عدو أو غيره انتظروه ما لَمْ يذهب وقت الصلاة بزوال الشمس، واختصره ابن عرفة كلفظ المصنف فتأمله (١). انتهى.
ثُمَّ هَلْ بَقَرٌ وهُوَ الأَظْهَرُ، أَوْ إِبِلٌ؟ خِلافٌ وتَرْكُ حَلْقٌ، وقَلْمٌ لِمُضَحٍّ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ، وضَحِيَّةٌ عَلَى صَدَقَةٍ وعِتْقٍ، وذَبْحُهَا بِيَدِهِ، ولِلْوَارِثِ إِنْفَاذُهَا، وجَمْعُ أَكْلٍ وصَدَقَةٍ وإِعْطَاءٍ بِلا حَدٍّ، والْيَوْمُ الأَوَّلُ، [أَفْضَلُ] (٢) وهَلْ جَمِيعُهُ أَوْ إِلَى الزَّوَالِ؟ قَوْلانِ. وفِي أَفْضَلِيَّةِ أَوَّلِ الثَّالِثِ عَلَى آخِرِ الثَّانِي، تَرَدُّدٌ، وذَبْحُ وَلَدٍ خَرَجَ قَبْلَ الذَّبْحِ وبَعْدَهُ جُزْءٌ.
قوله: (ثُمَّ هَلْ بَقَرٌ [وَهُوَ الأَظْهَرُ] (٣) أَوْ إِبِلٌ؟ خِلافٌ) صوّب ابن رشد في " المقدمات " تقديم البقر على الإبل، وإليه أشار بالأظهر (٤). ووجه عكسه في رسم مرض من سماع ابن القاسم: بأن الإبل أعلى ثمناً وأكثر لحماً (٥). إلّا أن تفضيل الغنم خرج بدليل السنة اتباعاً لفداء الذبيح ﵇ بذبحٍ عظيم، وصرّح ابن عرفة بمشهورية الأول، ولا أعلم من شهر الثاني.
وكُرِهَ جَزُّ صُوفِهَا قَبْلَهُ، إِنْ لَمْ يَنْبُتْ لِلذَّبْحِ.
قوله: (وَكُرِهَ جَزُّ صُوفِهَا قَبْلَهُ، إِنْ لَمْ يَنْبُتْ لِلذَّبْحِ) لو قال: وكره جزّ صوفها قبل الذبح إن لَمْ ينبت له؛ لكان أفصح (٦).
ولَمْ يَنْوِهِ حِينَ أَخَذَهَا، وبَيْعُهُ، وشُرْبُ لَبَنٍ، وإِطْعَامُ كَافِرٍ، وهَلْ إِنْ بُعِثَ لَهُ أَو ولَوْ فِي عِيَالِهِ؟ تَرَدُّدٌ.
قوله: (ولَمْ يَنْوِهِ حِينَ أَخَذَهَا) مفهومه أنه لو نوى حين أخذ الشاة أن يجزّ صوفها قبل
стр. 268
الذبح جاز، [٣٥ / ب] وكأنه مسلّم، وأما لو نوى حين أخذها أن يجز بعد الذبح، قال ابن عرفة: إنه شرط مناقض لحكمها ونصّه: وفي قبول ابن عبد السلام ما وقع في بعض أجوبة عبد الحميد: من اشترى شاة ونيته جزّ صوفها لينتفع به ببيع وغيره جاز له، ولو جزّه بعد ذبحها نظر؛ لأنه إن شرطه قبل ذبحها فذبحها يفيته، وبعده مناقض لحكمها، فيبطل على أصل المذهب في الشرط المنافي للعقد.
والتَّغَالِي فِيهَا، وفِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ.
قوله: (وَالتَّغَالِي فِيهَا) كذا في سماع القرينين. ابن رشد: لأنه يؤدي إلى المباهاة. اللخمي: [استحبّ استفراهها] (١) لقوله تعالى: ﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وبالقياس على قوله ﷺ : " أفضل الرقاب أعلاها ثمناً " (٢). ابن عرفة: ظاهره خلاف الأول إلّا أن يحمل على التغالي بمجرد المباهاة.
كَعَتِيرَةٍ، وإِبْدَالُهَا بِدُونِ، وإِنْ لاخْتِلاطٍ قَبْلَ الذَّبْحِ.
قوله: (كعتيرة) ابن يونس: العتيرة الطعام الذي يبعث لأهل الميت. قال مالك: أكره أن يُرْسِل للمناحة طعاماً. انتهى، والكراهة في سماع أشهب من الجنائز. [قال ابن رشد: ويستحبّ لغير مناحة لقوله ﵇: " اصنعوا لآل جعفر طعاماً "؛ ولذا جعله المصنف في الجنائز] (٣) مندوباً.
وفي " مختصر العين ": العتيرة شاة كانت الجاهلية يذبحونها لأصنامهم. زاد الجوهري: في رجب وليس ذلك بمراد هاهنا.
стр. 269
وجَازَ أَخْذُ الْعَوَضِ إِنِ اخْتَلَطَتْ بَعْدَهُ عَلَى الأَحْسَنِ، وصَحَّ إِنَابَةٌ بِلَفْظٍ إِنْ أَسْلَمَ، ولَوْ لَمْ يُصَلِّ، أَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ بِعَادَةٍ كَقَرِيبٍ، وإِلا فَتَرَدُّدٌ، لا إِنْ غَلِطَ، فَلا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدِهِمَا، ومُنِعَ الْبَيْعُ وإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الإِمَامِ، أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةُ الذَّبْحِ، أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ ذَبَحَ مَعِيباً جَهْلاً والإِجَارَةُ، والْبَدَلُ، إِلا لِمُتَصَدَّقٍ عَلَيْهِ، وفُسِخَتْ، وتُصُدِّقَ بِالْعِوَضِ فِي الْفَوْتِ، إِنْ لَمْ يَتَوَلَّ غَيْرٌ بِلا إِذْنٍ، وصَرْفٍ فِيمَا لا يَلْزَمُهُ.
قوله: (وجَازَ أَخْذُ الْعَوَضِ إِنِ اخْتَلَطَتْ بَعْدَهُ عَلَى الأَحْسَنِ) أشار بالأحسن لقول ابن عبد السلام: والجواز أقرب؛ لأن مثل هذا لا يقصد به المعاوضة، لأنها شركة ضرورية كشركة الورثة في لحم أضحية موروثهم، وقال ابن عرفة: ولو اختلطت ضحيتا رجلين بعد ذبحهما أجزأتهما، وفي لزوم صدقتهما بهما وجواز أكلهما إياهما قول يحيي بن عمر، وتخريج (١) اللخمي. ولَمْ يحك المازري غير الأول، وكذا (٢) عبد الحقّ، واعترضه فقال: لا أرى المنع من أكلها، وهي شركة ضرورية كالورثة في أضحية موروثهم.
ابن بشير: لو اختلطت [أضحية] (٣) أو جزء منها بغيرها ففي إباحة أخذ العوض قَوْلانِ، فظاهره أنهما منصوصان. انتهى كلام ابن عرفة مختصراً. وبالأول قطع ابن يونس، وفرق بينهما وبين مسألة الورثة بأن كل واحد منهم ورث جزءاً معلوماً فيأخذه منها وهو تمييز حقّ.
كَأَرْشِ عَيْبٍ لا يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ، وإِنَّمَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ والذَّبْحِ، فَلا تُجْزِئُ إِنْ تَعَيَّبَتْ قَبْلَهُ، وصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ كَحَبْسِهَا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ إِلا أَنَّ هَذَا آثِمٌ، ولِلْوَارِثِ الْقَسْمُ، ولَوْ ذُبِحَتْ، لا بَيْعٌ بَعْدَهُ فِي دَيْنٍ.
قوله: (كَأَرْشِ عَيْبٍ لا يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ) كذا هو فيما وقفنا عليه من النسخ بإثبات " لا " (٤)؛ فيكون المعنى: وتصدّق بالعوض في الفوت كالتصدّق بأرش عيب لا يمنع الإجزاء، ويظهر من كلام المصنف أنه عنده بإسقاط (لا) راجعاً لمفهوم قوله: (إِنْ لَمْ يَتَوَلَّ ...) إلى آخره.
стр. 270
وَنُدِبَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً فِي سَابِعِ الْوِلادَةِ نَهَاراً، وأُلْغِيَ يَوْمُهَا، إِنْ سَبَقَ بِالْفَجْرِ.
قوله: (وأُلْغِيَ يَوْمُهَا، إِنْ سَبَقَ بِالْفَجْرِ) الضمير النائب في سبق يعود على المولود المدلول عليه بالولادة، وأغفل المصنّف حكم الختان والخفاض والتسمية، وذكر في الجنائز كراهة تسمية السقط.
فائدة:
قال في " الإكمال ": فقهاء الأمصار على جواز التسمية والتكنية بأبي القاسم، والنهي عنه منسوخ. ابن عرفة: دخل الشيخ الفقيه القاضي أبو القاسم بن زيتون على سلطان بلده أمير إفريقية المستنصر بالله أبي عبد الله بن الأمير أبي زكريا فقال له: لَمْ تسميت بأبي القاسم، وقد صحّ عنه ﵇: " تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي " (١)؟ فقال: إنما تسميت [بكنيته] (٢) ﷺ ولَمْ أتكن بها، فاستحسن بعض شيوخنا هذا الجواب. انتهى
وعند الأُبّي: فيه نظر. وفي رسم نذر من سماع ابن القاسم من الجامع قال مالك: لا بأس بتكنية الصبي. قيل له: لَمَ كنّيت [ابنك] (٣) بأبي القاسم؟ قال: ما فعلته بل أهل البيت، ولا بأس به. ابن رشد: قوله: لا بأس بتكنية الصبي، يدل [على] (٤) أن تركه أحسن؛ لما يوهم ظاهره من الإخبار بالكذب، إذ لا ولد للصبي وليس فيه إثم؛ لأن القصد ترفيعه بذلك دون الإخبار (٥). انتهى، وجوازه مستفاد من قوله ﵇: " أبا عمير ما فعل النغير " (٦).
стр. 271
وفي رسم شك من السماع المذكور: كره مالك أن يسمى الرجل بجبريل ولَمْ يعجبه وتلى: ﴿إِن أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [آل عمران: ٦٨]. ابن رشد: لأنه سبب لأن يقول جاءني البارحة جبريل ورأيت جبريل، وأشار علىّ جبريل بكذا، وهذا من الكلام المستشنع.
وفي الحديث: " لا تسم غلامك رباحاً ولا أفلح ولا يساراً، أو قال بشيراً (١) ": يقال (٢): ثم فلان؟ فيقال: لا، فأحرى هذا وليس شيء من ذلك حراماً، ولكن تركه أحسن، وجاء بالآية حضّاً على الاقتداء بهم في ترك التسمية بذلك. انتهى. فقول ابن عرفة: روى الباجي: لا ينبغي بجبريل (٣)، قصور. وفي سماع أشهب لا ينبغي بياسين.
ابن رشد: للخلاف في كونه اسماً لله تعالى أو للقرآن، أو هو بمعنى إنسان.
ابن عرفة: مقتضى هذا التعليل الحرمة.
وفي " الإكمال ": [٣٦ / أ] كرهها الحارث بن مسكين بأسماء الملائكة. وفي " المدارك ": تقدم رجل لخصومة عند الحارث بن مسكين (٤)، فناداه رجل باسمه إسرافيل. فقال له الحارث: لَمْ تسميت بهذا الاسم وقد قال ﷺ : " لا تسموا بأسماء الملائكة " (٥) فقال: ولَمْ سمي مالك بن أنس بمالك؟ وقد قال الله ﵎: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ثم قال: لقد تسمى الناس بأسماء الشياطين فما عيب ذلك - يعني الحارث اسمه؛ فإنه يقال هو اسم إبليس -.
ابن عرفة: يرحم الله الحارث في سكوته والصواب معه؛ لأن محمل النهي في الاسم
стр. 272
الخاص [بالوضع] (١) أو الغلبة كإسرافيل وجبريل وإبليس والشياطين، وأما مالك والحارث فليسا منه؛ لصحة كونهما من نقل النكرات للأشخاص المعينة أعلاماً من اسم فاعل، مالك وحارث كقاسم. انتهى. والعمدة في الفرق الاتباع، فقد تسمّى كثير من الصحابة بمالك والحارث ولَمْ ينكره ﷺ
وَالتَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ وجَازَ كَسْرُ عَظْمِهَا، وكُرِهَ عَمَلُهَا وَلِيمَةً، ولَطْخُهُ بِدَمِهَا، وخِتَانُهُ يَوْمَهَا.
стр. 273
[باب الأيمان والنذور]
الْيَمِينُ تَحْقِيقٌ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ أَوْ صِفَتِهِ كَبِاللهِ، وتَاللهِ، وايْمِ اللهِ، وحَقِّ اللهِ، والْعَزِيزِ، وعَظَمَتِهِ، وجَلالَتِهِ، وإِرَادَتِهِ، وكَفَالَتِهِ، وكَلامِهِ، والْقُرْآنِ، والْمُصْحَفِ.
وإِنْ قَالَ أَرَدْتُ وَثِقْتُ بِاللهِ، ثُمَّ ابْتَدَأْتُ لأَفْعَلَنَّ دُيِّنَ لا بِسَبْقِ لِسَانِهِ. وكَقُدْرَةِ اللهِ، وأَمَانَتِهِ، وعَهْدِهِ، وعَلَيَّ عَهْدُ اللهِ، إِلا أَنْ يُرِيدَ الْمَخْلُوقَ، وكَأَحْلِفُ، وأُقْسِمُ، وأَشْهَدُ، إِنْ نَوَى بِاللهِ، وأَعْزِمُ، إِنْ قَالَ [٢٦ / أ] بِاللهِ، وفِي أُعَاهِدُ اللهَ قَوْلانِ، لا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، أَوْ أُعْطِيكَ عَهْداً، وعَزَمْتُ عَلَيْكَ بِاللهِ، وحَاشَ اللهِ، ومَعَاذَ اللهِ، واللهُ رَاعِ أَوْ كَفِيلْ، والنَّبِيِّ والْكَعْبَةِ.
قوله: (لا بِسَبْقِ لِسَانِهِ) الظاهر أن مراده بسبق اللسان كمراد ابن الحاجب وغيره، وهو أن يسبق اللسان للفظ من غير عقد (١)، كقوله: بلى والله، ولا والله، وفي هذا قَوْلانِ، المشهور ما في " المدوّنة " أنه ليس بلغو، وذهب إسماعيل القاضي والأبهري إلى أنه المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، واختاره اللخمي وابن عبد السلام وابن أبي جمرة، وإليه كان يميل شيخ شيوخنا الفقيه المحدّث أبو القاسم العبدوسي، فإذا تقرر هذا فحمل كلام المصنف على المشهور؛ بناءً على ردّ النفي لحكم المسألة التي [قبله] (٢) تليه، أولى من حمله على القول الثاني، بناءً على ردّ النفي لقوله: (بذكر اسم الله)، على أن يكون التقدير اليمين تحقيق ما لَمْ يجب بذكر اسم الله لا بسبق لسانه؛ ولذلك اقتصر بعد على تفسير اللغو بما يعتقده، فظهر نفيه. والله تعالى أعلم.
وكَالْخَلْقِ، والإِمَاتَةِ، وهُوَ يَهُودِيٌّ، وغَمُوسٍ بِأَنْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ.
قوله: (وَكَالْخَلْقِ، والإِمَاتَةِ) [الإماتة] (٣) بكسر الهمزة وبتاءين آخره، ضد الإحياء. قال ابن يونس: لا كفارة على من حلف بشيءٍ من صفات أفعاله تعالى كالخلق والرزق
стр. 274
والإحياء والإماتة (١)، وأما لو قال: والخالق والرازق والمحيي والمميت، فهذا حالفٌ بالله فعليه الكفارة، وإن كانت تسميته تقتضي صفات الفعل. انتهى.
ولما ضبطه الشارح الأمانة، بفتح الهمزة وبالنون قبل آخره، فرّق بينه وبين أمانة الله التي تقدّمت، بأن ذلك مضاف لاسم الله، وهذا غير مضاف، وثبت على ذلك في " الشامل " ولَمْ أقف على هذا التفريق لمن يوثق به بل قال في " الذخيرة " أمانة الله تعالى تكليفه لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وتكليفه كلامه القديم (٢).
وحَلَفَ بِلا تَبَيُّنِ صِدْقٍ، ولْيَسْتَغْفِرِ اللهَ، وإِنْ قَصَدَ بِكَالْعُزَّى التَّعْظِيمَ، فَكَفَرَ، ولا لَغْوٍ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ ولَمْ يُفِدْ فِي غَيْرِ اللهِ.
قوله: (بِلا تَبَيُّنِ صِدْقٍ) مفهومه: لو تبين صدقه لَمْ تكن يمين غموس، وهو المتبادر من قوله في " المدونة ": قال مالك: [ومن قال] (٣): والله ما لقيت فلاناً أمس وهو لا يدري ألقيه (٤) أم لا، ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف برّ وإن كان على خلاف ذلك أثم، وكان كمتعمد (٥) الكذب فهي أعظم من أن تكفّر، وعلى هذا المعتبر (٦) حملها ابن الحاجب (٧).
قال ابن عبد السلام: وعليه حمل ابن عتاب لفظ " العتبية " فيما يشبه مسألة " المدوّنة "، وحمل غير واحد من الشيوخ لفظ " المدوّنة " على أنه وافق البرّ في الظاهر [لا أن إثم] (٨) جرأته بالإقدام على الحلف شاكاً سقط عنه؛ لأن ذلك لا يزيله إلا التوبة، وهو ظاهر في الفقه، إلّا أنه بعيد في لفظ " المدوّنة ". انتهى.
стр. 275
وممن حملها على موافقة البر لا نفي إثم الحلف على الشكّ، وإن كان دون إثم التعمد. أبو الفضل عياض: قال: ابن عرفة وهو خلاف قول محمد في الحالف على شكّ أو ظن، إن صادف صدقاً، فلا شيء عليه، وقد خاطر. وقال اللخمي: الصواب أنه آثم.
كَالاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللهُ، إِنْ قَصَدَهُ كَإِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، أَوْ يُرِيدَ، أَوْ يَقْضِيَ عَلَى الأَظْهَرِ.
قوله: (كَإِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، أَوْ يُرِيدَ، أَوْ يَقْضِيَ عَلَى الأَظْهَرِ) أي في الأخيرين أشار به لما في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب النذور: ومن حلف لا فعل كذا إلا أن يقضي الله أو يريد غيره: فليس استثناءً. عيسى: هو في اليمين بالله استثناء (١).
ابن عرفة: فحمله ابن حارث وابن رشد على الخلاف في اليمين بالله، واختار قول عيسى، وظاهر " النوادر " حمل قول ابن القاسم على اليمين بالطلاق، فلا يكون خلافاً، والأول أظهر لسماعه إياه في الأيمان بالطلاق، من قال لامرأته: إن فعلت كذا إلا أن يقدر الله فأنت طالق إن فعلت حنث. انتهى، فقف على تمامه في رسم إن خرجت (٢).
وأَفَادَ بِكَإِلا فِي الْجَمِيعِ.
قوله: (وأَفَادَ بِكَإِلا فِي الْجَمِيعِ) أي: في جميع متعلقات اليمين مستقبلة وماضية كانت [٣٦ / ب] اليمين منعقدة أو غموساً، وكذا لابن عبد السلام.
إِنِ اتَّصَلَ، إِلا لِعَارِضٍ.
قوله: (إِنِ اتَّصَلَ) شرط في الاستثناء بإن شاء الله، وبإلا، وأخواتها.
ونَوَى الاسْتِثْنَاءَ، وقَصَدَ، ونَطَقَ بِهِ وإِنْ سِرَّاً بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ.
قوله: (ونَوَى الاسْتِثْنَاءَ، وقَصَدَ) كأنه يحوم على ما حرر ابن عبد السلام أن الاستثناء بإن لابد أن يكون المقصود به حل اليمين، وما أشبه ذلك، وأما إن جرى على اللسان من غير قصد، كما قال في " العتبية ": إذا تكلّم به لهجاً فإنه لا ينتفع به، وكذلك إذا تكلّم تبرّكاً؛
стр. 276
لأنه على مضادة حل اليمين كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] وكما في الصحيح: " إن سليمان ﵇ لو قال إن شاء الله لتمَّ مراده " (١) وكما روي ابن عباس أن الرسول ﵇ قال ثلاثاً: " والله لأغزون قريشاً " ثم قال: " إن شاء الله " (٢) فهذا وأشباهه مما يقصد به التبرك هو تأكيد لمقتضى اليمين على الضد من الاستثناء الذي يُبوِّبُ له الفقهاء. انتهى. وقد ظهر أن هذا خاص بالمشيئة (٣)، وأن المصنف لَمْ يقنع بقوله أولاً: كالاستثناء بإن شاء الله. إن قصد خلاف عادته في الاختصار.
وفي سماع أشهب: إن كان لهجاً كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] لم يغن شيئاً (٤). وفي " النوادر " عن محمد: وكذا إن كان سهواً أو استهتاراً. وابن عرفة: وتفسير ابن عبد السلام كونه لهجاً بأنه غير منوي وكونه للتبرك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] خلاف سماع أشهب.
إِلا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلاً كَالزَّوْجَةِ فِي الْحَلالِ عَلَيَّ حَرَامٌ وهِيَ الْمُحَاشَاةِ.
قوله: (إِلا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلاً كَالزَّوْجَةِ فِي الْحَلالِ عَلَيَّ حَرَامٌ وهِيَ الْمُحَاشَاةِ) ابن محرز: إنما فرّق الفقهاء بين الاستثناء والمحاشاة لاختلاف معناهما، فما كان بابه إيقاف حكم اليمين كلها أو حلّها، ورفع حكمها فذلك ما لا يصح فيه الاستثناء بالقلب حتى ينطق به اعتباراً بعقد اليمين، بل هذا آكد؛ لأنه حل وإيقاف، وقد يحتاط في أصل عقد اليمين [فيلزم بالقلب من غير نطق.
стр. 277
وما كان بابه رفع الحكم عن بعض ما يتناوله اليمين] (١) أو إيقافه، نُظرت: فإن كان من أول ما حلف عزله في نفسه وعلّق اليمين بما سواه فذلك له؛ لأن ذلك المقدار الذي عزله ما انعقد فيه يمين ولا تعلّق به حكمها، وهو الذي يسميه الفقهاء محاشاة، وإن كان لَمْ يعزله في أصل عقده، بل علق يمينه بجميع الأشياء المحلوف عليها، ثم استدرك بالاستثناء بعضها، فلا ينفعه الاستثناء هنا حتى يحرك به لسانه؛ لأنه إنما يريد حلّ ما قد انعقد بيمينه وإيقاف حكمه، وذلك ما لا يصح إلاّ بالنطق، وسواء كان استثناءُه بإلا أو غيرها من الألفاظ التي تتناول البعض. انتهى.
وقال ابن عبد السلام -[بعد أن أشار إلى بعض كلام ابن محرز] (٢) -: وهذا ظاهره أنه قصد تفسير قاعدة المذهب في هذا؛ لا أنه اختيار له خالف فيه نصوص المذهب، فقف على بقية كلامه وكلام ابن عرفة. وبالله تعالى التوفيق.
وفِي النَّذْرِ الْمُبْهِمِ، والْيَمِينِ، والْكَفَّارَةِ، والْمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ بِإِنْ فَعَلْتُ، ولا فَعَلْتُ، أَوْ حِنْثٍ بِلأَفْعَلَنَّ، وإِنْ لَمْ أَفْعَلْ، إِنْ لَمْ يُؤَجِّلْ - إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدٌّ، ونُدِبَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ زِيَادَةُ نِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ، أَوْ رَطْلانِ خُبْزاً بِإِدَامٍ كَشِبَعِهِمْ أَوْ كِسْوَتِهِمْ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ، ولِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وخِمَارٌ، ولَوْ غَيْرَ وَسَطِ أَهْلِهِ، والرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا، أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَالظِّهَارِ، ثُمَّ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، ولا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ ومُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ ونَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ، إِلا أَنْ يُكَمِّلَ، وهَلْ إِنْ بَقِيَ؟ تَأْوِيلانِ، ولَهُ نَزْعُهُ إِنْ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ، وجَازَ لِثَانِيَةٍ إِنْ أَخْرَجَ، وإِلا كُرِهَ، وإِنْ كَيَمِينٍ وظِهَارٍ، وأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ، ووَجَبَتْ بِهِ إِنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ، وفِي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وعِتْقُهُ، وصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، ومَشْيٌ بِحَجٍّ، وكَفَّارَةٌ، وفِي لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ تَرَدُّدٌ، وتَحْرِيمُ الْحَلالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ والأَمَةِ لَغْوٌ، وتَكَرَّرَتْ إِنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفُ كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ، أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ.
[قوله: (وفِي النَّذْرِ الْمُبْهِمِ) هذا مستأنف وهو خبر مقدم لـ: " إطعام "] (٣).
стр. 278
وزِيدَ فِي الأَيْمَانِ يَلْزَمُنِي صَوْمُ سَنَةٍ إِنِ اعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ.
قوله: (وزِيدَ فِي الأَيْمَانِ يَلْزَمُنِي صَوْمُ سَنَةٍ إِنِ اعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ) أي: وزيد على بت من يملك وعتقه وصدقة ثلث ماله، ومشي بحجّ وكفارة، إن جرت العادة باليمين به.
وفيه تنبيهات:
الأول: ظاهره أنه إن لَمْ يكن في ملكه رقيق لَمْ يلزمه عتق، خلاف قول الباجي: إن لَمْ يكن له رقيق لزمه عِتْقُ رقبةٍ إذ قال ابن زرقون: هو غير معروف، وقبل ابن عرفة قول ابن زرقون، وقال في " التوضيح " فيه نظر؛ لما في " الجواهر " عن الطرطوشي أن المتأخرين أجمعوا أنه إن لَمْ يكن له رقيق فعليه عتق رقبة واحدة (١).
الثاني: لَمْ يبين (٢) هنا وقت اعتبار ثلث ماله اكتفاءً بقوله بعد: (وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ) وعليه قاس في " التوضيح " عتق من يملك يوم اليمين، واعترض قول ابن الحاجب: يوم الحنث (٣).
الثالث: خصص المشي بالحجّ دون العمرة، وكذا فسّر كلام ابن الحاجب مستدلاً بقول أبي بكر بن عبد الرحمن: يلزمه من كل نوع من الأيمان أوعبها، فكما لزمه الحجّ ماشياً دون العمرة لزمه طلاق الثلاث دون الواحدة، مع أن ابن رشد قال في رسم [من] (٤) أوصى من سماع عيسى من النذور: المشي في حجّ أو عمرة (٥).
الرابع: مقتضى قوله: " اُعتيد " مبنياً للمفعول: أن المعتبر عادة بلاد الحالف كما اختاره ابن عبد السلام - لا عادة الحالف فقط كما قال ابن بشير وأتباعه، وإلا وجب طرده في بقيتها.
стр. 279
الخامس: إنما [لم يقل] (١) ولا نية تخصص اكتفاءً بقوله [٣٧ / أ] بعد: (وخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ).
أَوْ قَالَ لا ولا، أَوْ حَلَفَ لا يَحْنَثُ.
قوله: (أَوْ قَالَ لا ولا) أي: أو قال مجاوباً: لا والله، ولا أنت، لمن قال له: وأنا لما حلف لا بعت سلعتي من فلان، ونصّها في كتاب ابن يونس عن ابن المَوَّاز: ومن حلف لا باع سلعته من فلان فقال له آخر: وأنا، فقال: لا (٢) والله ولا أنت، فباعها منهما جميعاً فعليه كفّارتان، وفي الطلاق طلقتان، ولو باعها من أحدهما ثم ردها عليه فباعها من الثاني، فعليه كفارتان، وقاله مالك وابن القاسم: ومن قال: والله لا بعتها من فلان ولا من فلان: فكفارة واحدة تجزيه؛ باعها منهما أو من أحدهما، وردّها عليه فباعها أَيْضاً من الآخر فهم سواء.
أَوْ بِالْقُرْآنِ والْمُصْحَفِ والْكِتَابِ أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا أَوْ مَهْمَا لا مَتَى مَا ووَاللهِ ثُمَّ واللهِ وإِنْ قَصَدَهُ.
قوله: (أَوْ بِالْقُرْآنِ والْمُصْحَفِ والْكِتَابِ) قطع هنا بتعدد الكفارة، وهو عند ابن رشد ظاهر قول ابن القاسم في رسم أوصى من سماع عيسى قال: لاختلاف التسميات، وإن كان المحلوف به واحداً، وهو كلام الله تعالى القديم (٣) وهو خلاف ما ذكر ابن يونس عن ابن المَوَّاز وابن حبيب: أن كفارة واحدة تجمعها.
وَالْقُرْآنِ، والتَّوْرَاةِ، والإِنْجِيلِ، ولا كَلَّمَهُ غَداً أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ غَداً.
قوله: (والْقُرْآنِ، والتَّوْرَاةِ، والإِنْجِيلِ) قطع هنا بعدم التعدد، وكذا قال سحنون في " نوازله "، وقد صرح ابن رشد بأنه خلاف ظاهر سماع عيسى الذي فوقه (٤)، ولَمْ ينقل ابن يونس في الفرعين إلا كفارة واحدة، وقال آخر كلامه: لأن ذلك كلّه كلام الله وهو صفة من صفات ذاته، فكأنه حلف بصفةٍ واحدة، فعليه كفارة واحدة باتفاق.
стр. 280
فإن قلت: فما وجه تفريق المصنف؟
قلت: كأنه لما رأى المنصوص في الثانية الاتحاد لَمْ يمكنه العدول عنه، وعول في الأولي على ظاهر قول ابن القاسم، وإن خالف نصّ غيره لتقديم أهل المذهب ابن القاسم على غيره؛ مع أن مدرك الحكم في المسألتين واحد، وكثيراً ما يفعل مثل هذا لتبقى الفروع معروضة للنظر. والله تعالى أعلم.
وخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وقَيَّدَتْ إِنْ نَافَتْ وسَاوَتْ فِي اللهِ وغَيْرِهَا.
قوله: (وخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وقَيَّدَتْ إِنْ نَافَتْ وسَاوَتْ) في هذه العبارة قلق؛ لأن النية التي تنيف أي: تزيد، والتي تساوي، أي تطابق ليست مخصصة ولا مقيدة، وإنما المخصصة والمقيدة التي تنقص، فالوجه أن يقال: واعتبرت [نية] (١) الحالف، إن نافت أو ساوت، وإلا خصصت وقيدت، كما قال القاضي في " تلقينه ": يُعمل على النية إذا كانت مما يصلح أن يراد اللفظ بها كانت مطابقة له أو زائدة فيه أو ناقصة عنه، بتقييد مطلقه أو تخصيص عامّه، ثم قال: وذلك كالحالف [لا آكل] (٢) رؤوسا أو بيضاً أو لا سبح في نهر أو غدير، فإن قصد معنى عاماً وعبّر عنه بلفظ خاص، أو معنى خاصا وعبّر عنه بلفظ عام حكم بنيته، إذا قارنها عرف التخاطب كالحالف: لا أشرب لفلان ماءً، يقصد قطع المن، فإنه يحنث بكل ما ينتفع به من ماله.
وكذا: لا لبس ثوباً من غزل زوجته، يقصد قطع المن، دون عين المحلوف عليه (٣).
ولحسّن عبارة " التلقين " انتحلها صاحب " الجواهر " إعجاباً بها (٤)، وحولها دندن ابن عرفة إذ قال: والنية إن وافقت ظاهر اللفظ أو خالفته بأشدٍّ اعتبرت، وإلا فطرق، فلو قال المصنف، وخصصت نية الحالف، وقيدت، كإن نافت أو ساوت، بزيادة الكاف والعطف بأو لكان أمثل.
стр. 281
فإن قلت: لعل قوله: (نافت) من باب المنافاة، مفاعلة من النفي فيرجع لمعنى النقص، وتكون الزيادة والمطابقة أحرى بالاعتبار والمساواة على هذا بمعنى المعادلة في الاحتمال، من غير ترجيح أي: أمكن أن يقصد باللفظ الصادر عنه ما ادعى أنه نواه، وأمكن أن لا يقصد على حد سواء ويشفع له محاذاة قول ابن الحاجب: فإن تساويا قبلت (١)، وينعشه عطف ساوت بالواو دون أو، ويكون معنى قوله بعد: (كإن خالفت) كأن لَمْ تساو.
قلت: لو لَمْ يكن في هذا من التكلّف إلا استعمال المنافاة، التي هي المضادة في مثل هذا المعنى لكان كافياً في قبحه، ولولا خشية السآمة لطرقنا فيه احتمالاً آخر. والله تعالى أعلم (٢).
كَطَلاقٍ كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي أَلا يَتَزَوَّجَ حَيَاتَهَا كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي لا آكُلُ سَمْناً، ولا أُكَلِّمُهُ [فَقَالَ نَوَيْتُ شَهْراً] (٣). وكَتَوْكِيلِهِ [٢٦ / ب] فِي لا يَبِيعُهُ، ولا يَضْرِبُهُ، إِلا لِمُرَافَعَةٍ وبَيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ فِي طَلاقٍ وعِتْقٍ فَقَطْ، أَوِ اسْتُحْلِفَ مُطْلَقاً فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ، لا إِرَادَةِ مَيِّتَةٍ، وكَذِبٍ فِي طَلاقٍ وحُرَّةٍ، أَوْ حَرَامٌ، وإِنْ بِفَتْوَى ثُمَّ بِسَاطُ يَمِينِهِ، ثُمَّ عُرْفٌ، قَوْلِيٌّ ثُمَّ مَقْصَدٌ لُغَوِيٌّ، ثُمَّ شَرْعِيٌّ، وحَنِثَ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. ولا بِسَاطٌ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، ولَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ سَرِقَةٍ، لا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ فِي لَيَذْبَحَنَّهُ.
قوله: (كَطَلاقٍ كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي أَلا يَتَزَوَّجَ حَيَاتَهَا كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي لا آكُلُ سَمْناً) أربع تشبيهات مختلفة الجهات،
فالأول تمثيل لقوله: (وغيرها) وهو تنبيه بالأعلى على الأدنى.
والثاني: تمثيل للنية المخصصة لعموم اللفظ.
والثالث: [٣٧ / ب] تشبيه للنية المخالفة القريبة، التي يفصل فيها بين القضاء والفتيا، بغير المخالفة المقبولة مطلقاً، ومنه يظهر أن قوله: (إلا لمرافعة) راجع لما بعد هذه الكاف
стр. 282
فقط، على القاعدة التي أسلفناكها في مقدمة الكتاب (١)، مع أنه عطف عليه الاستخلاف الذي هو أعمّ.
والرابع: وهو قوله: (كسمن ضأن) تمثيل للمخالفة القريبة؛ ولذلك قابله بالمخالفة البعيدة إذ قال: (لا إرادة ميتة ...) إلى آخره، وهو بخفض إرادة عطفاً على سمن. والله تعالى أعلم.
وبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ، وبِالنِّسْيَانِ إِنْ أَطْلَقَ، وبِالْبَعْضِ عَكْسُ الْبِرِّ، وبِسَوِيقٍ أَوْ لَبَنٍ فِي لا آكُلُ، لا مَاءٍ ولا تَسَحُّرٍ فِي لا أَتَعَشَّى، وذَوْقٍ لَمْ يَصِلْ جَوْفَهُ، وبِوُجُودِ أَكْثَرَ فِي لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ لِمُتَسَلِّفٍ، لا أَقَلَّ، وبِدَوَامِ رُكُوبِهِ ولِبْسِهِ فِي لا أَرْكَبُ وأَلْبَسُ، لا فِي كَدُخُولٍ، وبِدَابَّةِ عَبْدِهِ فِي دَابَّتِهِ، وبِجَمْعِ الأَسْوَاطِ فِي لأَضْرِبَنَّهُ كَذَا، وبِلَحْمِ الْحُوتِ، وبَيْضِهِ، وعَسَلِ الرُّطَبِ فِي مُطْلَقِهَا وبِكَعْكٍ، وحُشْكِنَانٍ، وهَرِيسَةٍ وإِطْرِيَةٍ (٢) فِي خُبْزٍ، لا عَكْسِهِ، وبِضَأْنٍ ومَعْزٍ ودِيَكَةٍ، ودَجَاجَةٍ فِي غَنَمٍ، ودَجَاجٍ، لا بِأَحَدِهِمَا، فِي آخَرَ، وبِسَمْنٍ اسْتُهْلِكَ فِي سَوِيقٍ، وبِزَعْفَرَانٍ فِي طَعَامٍ لا بِكَخَلٍّ طُبِخَ، وبِاسْتِرْخَاءٍ لَهَا فِي لا قَبَّلْتُكِ أَوْ قَبَّلْتِنِي، وبِفِرَارِ غَرِيمِهِ فِي لا أُفَارِقُكَ، أَوْ فَارَقْتَنِي إِلا بِحَقِّي، ولَوْ لَمْ يُفَرِّطْ، وإِنْ أَحَالَهُ، وبِالشَّحْمِ فِي اللَّحْمِ لا الْعَكْسِ، وبِفَرْعٍ فِي لا آكُلُ مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ، أَوْ هَذَا الطَّلْعَ، لا الطَّلْعِ أَوْ طَلْعاً إِلا نَبِيذَ زَبِيبٍ، ومَرَقَةَ لَحْمٍ، أَوْ شَحْمِهِ، وخُبْزَ قَمْحٍ وعَصِيرَ عِنَبٍ وبِمَا أَنْبَتَتِ الْحِنْطَةُ إِنْ نَوَى الْمَنَّ، لا لِرَدَاءَةٍ أَوْ كَسُوءِ صَنْعَةِ طَعَامٍ وبِالْحَمَّامِ فِي الْبَيْتِ، ودَارِ جَارِهِ، أَوْ بَيْتِ شِعْرٍ، كَحَبْسٍ أُكْرِهُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، لا بِمَسْجِدٍ، وبِدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَيِّتاً فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ، لا بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَنْوِ الْمُجَامَعَةَ، وبِتَكْفِينِهِ فِي لا نِفِعِهُ حَيَاتَهُ، وبِأَكْلٍ مِنْ تَرِكَتِهِ قَبْلَ قَسْمِهَا، فِي لا أَكَلْتُ طَعَامَهُ إِنْ أَوْصَى، أَوْ كَانَ مَدِيناً.
قوله: (وبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ) قال في " المدوّنة ": ومن قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن لَمْ أتزوج عليك، فأراد ألا يتزوج عليها، فليطلّقها واحدة ثم يرتجعها فتزول يمينه، ولو
стр. 283
ضرب أجلاً كان على برّ وليس له أن يحنث [نفسه] (١) قبل الأجل، وإنما يحنث إذا مضى الأجل ولَمْ يفعل ما حلف عليه (٢).
قال ابن رشد في رسم لَمْ يدرك من سماع عيسى من كتاب الظهار: المشهور فيمن كانت يمينه على بر فحلف أن لا يفعل فعلاً بطلاق أو مشيٍ أو عتق أو ظهار أو غير ذلك مما هو غير معين مما عدا اليمين بالله أنه لا يجوز أن يطلّق ولا أن يمشي ولا أن يعتق ولا أن يكفّر عن ظهاره ولا أن يصوم قبل أن يحنث، فإن فعل شيئاً من ذلك قبل الحنث لَمْ يجزه، ولزمه أن يفعله مرة أخرى إن حنث (٣). انتهى بتلخيص " جامع الطرر ". وبه يفسر كلام المصنف.
وبِكِتَابٍ إِنْ وَصَلَ وقَرَأَ.
قوله: (وبِكِتَابٍ إِنْ وَصَلَ وقَرَأَ) هكذا في بعض النسخ بزيادة (وقرأ) أي: وقرأه المحلوف عليه بلسانه، وبهذا يكون مطابقاً لمفهوم قوله: (لا قراءته بقلبه) أي لا قراءة المحلوف عليه بقلبه دون لسانه، وهكذا جاء عن أشهب أن الكتاب إذا وصل إلى المحلوف عليه فقرأه بقلبه ولَمْ يقرأه بلسانه فلا يحنث، واحتجّ على ذلك بأن من حلف أن لا يقرأ فقرأ بقلبه، لَمْ يحنث.
قال ابن عبد السلام: والظاهر أنه يحنث إذا قرأ الكتاب بقلبه؛ لأن المقصود من ترك المقاطعة قد حصل كما لو تلفّظ بقراءته. وقال ابن حبيب: إن وصل الكتاب إلى المحلوف عليه فقرأ عنوانه حنث، فإن لَمْ يقرأه وأقام عنده سنين لَمْ يحنث.
اللخمي: ولا وجه لهذا؛ لأنه إنما يحنث بالمكاتبة؛ لأنها ضربٌ من المواصلة يرفع بعض المقاطعة؛ فلذلك يقع بنفس وصول الكتاب إلى المحلوف عليه، وإن لَمْ يقرأه.
قال شيخ شيوخنا الفقيه النظار أبو القاسم التازغدري: فقول أشهب المتقدّم أبعد من هذا وأحرى بالاعتراض، وفي " التوضيح " وإذا كان الظاهر عند اللخمي الحنث بأخذ
стр. 284
الكتاب وإن لَمْ يقرأه فلأن (١) يكون الحنث في مسألة أشهب فيما [إذا] (٢) قرأه بقلبه أولى (٣)، فلو اقتصر المصنف على قوله: (وبكتابٍ إن وصل)، وأسقط ذكر القراءة بالقلب واللسان؛ لكان أسعد بظاهر " المدونة " وأجرى مع اختيار أهل النظر، ونصّ ما في النوادر وكتاب ابن يونس قال أشهب: وإن ارتجع الكتاب بعد أن وصل إلى الرجل وقرأ منه بقلبه ولَمْ يقرأه بلسانه فلا شيء عليه (٤). ففهمه الأئمة (٥) كابن عبد السلام وابن عرفة والمصنف على أن المحلوف عليه هو الذي قرأه كما تقدّم، ولا يصحّ إلا هذا، ولا يلتفت لمن ردّه للحالف الذي كتبه؛ لأن ذلك لو كان يعتبر لحنث بنفس كتبه إذا ذاك قراءة بقلبه.
أَوْ رَسُولٍ، فِي لا أُكَلِّمُهُ، ولَمْ يِنْوِ فِي الْكِتَابِ فِي الْعِتْقِ والطَّلاقِ، وبِالإِشَارَةِ لَهُ، وبِكَلامِهِ ولَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ، لا بِقِرَاءَتِهِ بِقَلْبِهِ.
قوله: (أَوْ رَسُولٍ) يريد إن بلّغه الكلام (٦) قال أبو الحسن الصغير: فلو لَمْ يبلغه الرسول لَمْ يحنث، إلا أن يسمعه المحلوف عليه حين أمره، فيحنث.
ولا قَرَأَة أحد عَلَيْهِ بِلا إِذْنٍ، ولا بِسَلامِهِ عَلَيْهِ بِصَلاةٍ، ولا كِتَابِة الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ولَوْ قَرَأَ عَلَى الأَصْوَبِ والْمُخْتَارِ، وبِسَلامِهِ عَلَيْهِ مُعْتَقِداً أَنَّهُ غَيْرُهُ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ إِلا أَنْ يُحَاشِيهِ، وبِفَتْحٍ عَلَيْهِ، وبِلَا عِلْمِ إِذْنِهِ فِي لَا تَخْرُجِي (٧) إلَّا بِإِذْنِي.
قوله: (ولا قَرَأَة أحد عَلَيْهِ بِلا إِذْنٍ) الأقرب أن يحمل (٨) على ما إذا كان الحالف لما كتب الكتاب بدا له فأمسكه أو رماه أو نهى حامله عن إيصاله للمحلوف عليه فقرأه شخص على المحلوف عليه من غير (٩) إذن الحالف فإن الحالف لا يحنث.
стр. 285
وقد نقل في النوادر ما يشبهها فقال: ولو قال الحالف للرسول اقطع كتابي ولا تقرأه أو رده إليّ فعصاه وأعطاه للمحلوف عليه فقرأه (١) فلا يحنث كما لو رماه راجعاً عنه بعد أن كتبه فقرأه المحلوف عليه. انتهى فمسألتنا أحرى.
وبِعَدَمِ إِعْلامِهِ فِي لأُعْلِمَنَّهُ، وإِنْ بِرَسُولٍ، وهَلْ إِلا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ عَلِمَ تَأْوِيلانِ. أَوْ إِعْلامِ (٢) وَالٍ ثَانٍ فِي حَلِفِهِ لأَوَّلَ فِي نَظَرٍ، وبِمَرْهُونٍ فِي لا ثَوْبَ لِي وبِالْهِبَةِ والصَّدَقَةِ فِي لا أَعَارَهُ، وبِالْعَكْسِ، ونُوِّيَ، إِلا فِي صَدَقَةٍ عَنْ هِبَةٍ، وبِبَقَاءٍ ولَوْ [٢٧ / أ] لَيْلاً فِي لا سَكَنْتُ، لا فِي لأَنْتَقِلَنَّ، ولا بِخَزْنٍ.
قوله: (وَبِعَدَمِ إِعْلامِهِ) كذا هو الصواب بمصدر الرباعي، وكذا قوله: (وإعلام (٣) وال ثان).
وَانْتَقَلَ فِي لا سَاكَنَهُ عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ.
قوله: (وانْتَقَلَ فِي لا سَاكَنَهُ عَمَّا كَانَا) أي: فإن كانا في بلد وظهر أنه قصد الانتقال عنه وجب عليه ذلك وإن كان معه في قرية فكذلك أَيْضاً، وإن كان في حارة (٤) انتقل عنها [٣٨ / أ] وكذا الدار والبيت، وهذا معنى ما في " المدوّنة " وغيرها (٥)، وهو مما نظر فيه إلى المقاصد والسبب المحرك لليمين، وقاله ابن بشير.