[باب التخيير والتمليك]
وإِنْ فَوَّضَهُ لَهَا تَوْكِيلاً، فَلَهُ الْعَزْلُ إِلا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ، لا تَخْيِيراً، أَوْ تَمْلِيكاً، وحِيلَ بَيْنَهُمَا حَتَّى تُجِيبَ، ووُقِفَتْ. وإِنْ قَالَ إِلَى سَنَةٍ مَتَى عُلِمَ فَتَقْضِي، وإِلا أَسْقَطَهُ الْحَاكِمُ، وعُمِلَ بِجَوَابِهَا الصَّرِيحِ فِي الطَّلاقِ، كَطَلاقِهِ، ورَدِّهِ كَتَمْكِينِهَا طَائِعَةً، ومُضِيِّ يَوْمِ تَخْيِيرِهَا ورَدِّهَا بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا. وهَلْ نَقْلُ قُمَاشِهَا ونَحْوُهُ طَلاقٌ؟ أَوْ لا؟ تَرَدُّدٌ.
وقُبِلَ تَفْسِيرُ قَبِلْتُ، أَوْ قَبِلْتُ أَمْرِي، أَوْ مَا مَلَّكْتَنِي بِرَدٍّ أَوْ طَلاقٍ أَوْ بَقَاءٍ. وَنَاكَرَ (١) مُخَيَّرَةً لَمْ تَدْخُلْ، ومُمَلَّكَةً مُطْلَقاً إِنْ زَادَتْ عَلَى طَلْقَةٍ إِنْ نَوَاهَا، وبَادَرَ وحَلَفَ، إِنْ دَخَلَ، وإِلا فَعِنْدَ الارْتِجَاعِ، ولَمْ يُكَرِّرْ أَمْرُهَا بِيَدِهَا، إِلا أَنْ يَنْوِيَ التَّأْكِيدَ كَنَسْقِهَا هِيَ. وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْعَقْدِ، وفِي حَمْلِهِ عَلَى الشَّرْطِ إِنْ طَلَّقَ قَوْلانِ، وقُبِلَ إِرَادَةُ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَمْ أُرِدْ طَلاقاً، والأَصَحُّ خِلافُهُ ولا نُكْرَةَ [٤٠ / أ] لَهُ، إِنْ دَخَلَ فِي تَخْيِيرٍ مُطْلَقٍ. وإِنْ قَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي سُئِلَتْ بِالْمَجْلِسِ وبَعْدَهُ، فَإِنْ أَرَادَتِ الثَّلاثَ لَزِمَتْ فِي التَّخْيِيرِ، ونَاكَرَ فِي التَّمْلِيكِ. وإِنْ قَالَتْ وَاحِدَةً بَطَلَتْ فِي التَّخْيِيرِ [وَإِنْ قَالَ وهَذِهِ] (٢) يُحْمَلُ عَلَى الثَّلاثِ. أَوِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وقُبِلَ تَفْسِيرُ قَبِلْتُ، أَوْ قَبِلْتُ أَمْرِي، أَوْ مَا مَلَّكْتَنِي بِرَدٍّ أَوْ طَلاقٍ أَوْ بَقَاءٍ) لا إشكال في تفسير كل من الألفاظ الثلاثة بالطلاق والبقاء، وأما التفسير بالردّ ففيه نظر؛ لأن القبول ليس موضوعاً للردّ وليس الردّ من مقتضى القبول بل رافع لمقتضاه، وقد يجاب عنه بأنه لما كان الردّ من آثار قبول النظر في الأمر صحّ التفسير به على سبيل المجاز قاله في " التوضيح "، وأصله لابن عبد السلام.
والظَّاهِرُ سُؤَالُهَا إِنْ قَالَتْ [اخْتَرْتُ الطَّلاَقَ] (٣) أَيْضاً. وفِي جَوَازِ التَّخْيِيرِ قَوْلانِ.
قوله: (وَالظَّاهِرُ سُؤَالُهَا إِنْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ الطَّلَاقَ أَيْضاً) كذا في بعض النسخ، وهو الصواب إشارة لقول ابن رشد في " المقدمات ": وأما إن قالت قد اخترت [الطلاق] (٤).
стр. 422
فالذي أرى فيه على أصولهم أنها تسأل في التمليك والتخيير؛ لأن هذه (١) الألف واللام قد يراد بها الجنس، فيكون ثلاثاً، أو يراد بها العهد وهو الطلاق السنّي المشروع فتكون واحدة، فإذا احتمل اللفظ الوجهين وجب أن تسأل: أيهما أرادت؟ (٢).
وحَلَفَ فِي اخْتِارِي فِي وَاحِدَةٍ.
قوله: (وحَلَفَ فِي اخْتِارِي فِي وَاحِدَةٍ) أي: لاحتمال أن يكون أراد في مرة واحدة فتكون البتة.
أَوْ فِي أَنْ تُطَلِّقِي نَفْسَكِ طَلْقَةً وَاحِدَةً.
قوله: (أَوْ فِي أَنْ تُطَلِّقِي نَفْسَكِ طَلْقَةً وَاحِدَةً) لفظ الأمهات اختاري في أن تطلّقي نفسك تطليقة واحدة، وفي أن تقيمي (٣).
عياض: ظاهر كلام ابن القاسم أنه سوّاها مع قوله: اختاري في واحدة، وأنه يحلف ما أراد إلا واحدة، وعليه تأولها ابن أبي زيد وغيره (٤)، واختصرها ابن أبي زمنين، وكأن المراد عندهم محتمل لإمضاء الفراق في مرة واحدة باتاً لا يحتاج للإعادة والتكرار سواء سمى التطليقة أم لا. ويدل عليه أو تقيمي، والواحدة لا تبينها وهي معه في حكم المقيمة بعد. وقال عبد الحقّ في التعقيب: قال بعض القرويين يحلف لزيادة لفظة وفي أن تقيمي؛ لأنه قد علم أنها مع الطلقة مقيمة على حالها في عصمته، فلما زاد وفي أن تقيمي، استظهر عليه باليمين لذلك، فأما إذا أسقط هذا اللفظ وقال: اختاري في تطليقه فهذا لا إشكال فيه أن اليمين ساقطة عنه.
وقال ابن محرز: إنما حلفه ابن القاسم لقوله: وفي أن تقيمي؛ لاحتمال أن يكون أراد البينونة؛ لأن ضد الإقامة البينونة، فقد تظافرت هذه النقول على أن السرّ في قوله: [٥٥ / ب] " أو تقيمي " فعلى المصنف في إسقاطه درك.
стр. 423
لا اخْتَارِي طَلْقَةً. وبَطَلَ إِنْ قَضَتْ بِوَاحِدَةٍ فِي اخْتَارِي تَطْلِيقَتَيْنِ، أَوْ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ.
قوله: (لا اخْتَارِي طَلْقَةً) إشارة لقول أبي سعيد: وإن قال لها اختاري في طلقة، فقالت: قد اخترتها أو اخترت نفسي، لم يلزمه إلا واحدة، وله الرجعة (١). وليست في الأمهات.
ومِنْ تَطْلِيقَتَيْنِ، فَلا تَقْضِي إِلا بِوَاحِدَةٍ وبَطَلَ فِي الْمُطْلَقِ، إِنْ قَضَتْ بِدُونِ الثَّلاثِ كَطَلِّقِي [نَفْسَكِ] (٢) ثَلاثاً، ووُقِفَتْ، إِنِ اخْتَارَتْ بِدُخُولِهِ عَلَى ضَرَّتِهَا، ورَجَعَ مَالِكٌ إِلَى بَقَائِهِمَا بِيَدِهَا فِي الْمُطْلَقِ، مَا لَمْ تُوْقَفْ أَوْ تُوطَأْ كَمَتَى شِئْتِ، وأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِالسُّقُوطِ. وفِي جَعْلِ إِنْ شِئْتِ أَوْ إِذَا شِئْتِ كَمَتَى أَوْ كَالْمُطْلَقِ؟ تَرَدُّدٌ كَمَا إِذَا كَانَتْ غَائِبَةً وبَلَغَهَا، وإِنْ عَيَّنَ أَمَداً تَعَيَّنَ، وإِنْ قَالَتِ اخْتَرْتُ نَفْسِي وزَوْجِي أَوْ بِالْعَكْسِ، فَالْحُكْمُ لِلْمُتَقَدِّمِ.
قوله: (وَمِنْ تَطْلِيقَتَيْنِ، فَلا تَقْضِي إِلا بِوَاحِدَةٍ) مستأنف.
وهُمَا فِي التَّنْجِيزِ لِتَعْلِيقِهِمَا بِمُنَجَّزٍ وغَيْرِهِ كَالطَّلاقِ، ولَوْ عَلَّقَهُمَا بِمَغِيبِهِ شَهْراً فَقَدَمَ ولَمْ تَعْلَمْ وتَزَوَّجَتْ فَكَالْوَلِيَّيْنِ.
قوله: (وهُمَا فِي التَّنْجِيزِ لِتَعْلِيقِهِمَا بِمُنَجَّزٍ وغَيْرِهِ كَالطَّلاقِ) لام التعليل من قوله: (لِتَعْلِيقِهِمَا) تصحّف كثيراً بالكاف، (وغَيْرِهِ) معطوف على التنجيز، وحذف تعليله لدلالة الأول، و (كَالطَّلاقِ) خبر المبتدأ، والتقدير: سهل.
وبِحُضُورِهِ ولَمْ تَعْلَمْ، فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا، واعْتُبِرَ التَّنْجِيزُ قَبْلَ بُلُوغِهَا، وهَلْ إِنْ مَيَّزَتْ أَوْ مَتَى تُوْطَأُ؟ قَوْلانِ، ولَهُ التَّفْوِيضُ لِغَيْرِهَا.
قوله: (وبِحُضُورِهِ ولَمْ تَعْلَمْ، فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا) كذا ينبغي أن يكون بتنكير (حضور) غير مضاف للضمير ليطابق قوله في " المدونة ": وإن قال لامرأته: إذا قدم فلان فاختاري. فذلك لها إذا قدم، ولا يحال (٣) بينه وبين وطئها، وإن وطأها الزوج بعد قدوم فلان ولم
стр. 424
تعلم المرأة بقدومه إلا بعد زمان فلها الخيار حين تعلم (١).
وهَلْ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ؟ قَوْلانِ. ولَهُ النَّظَرُ، وصَارَ كَهِيَ إِنْ حَضَرَ، أَوْ كَانَ غَائِباً قَرِيبَةً كَالْيَوْمَيْنِ لا أَكْثَرَ فَلَهَا، إِلا أَنْ تُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهَا، أَوْ يَغِيبَ حَاضِرٌ ولَمْ يُشْهِدْ بِبَقَائِهِ. فَإِنْ أَشْهَدَ فَفِي بَقَائِهِ بِيَدٍ أَوْ يَنْتَقِلُ لِلزَّوْجَةِ قَوْلانِ، وإِنْ مَلَّكَ رَجُلَيْنِ، فَلَيْسَ لأَحَدِهِمَا الْقَضَاءُ إِلا أَنْ يَكُونَا رَسُولَيْنِ.
قوله: (وهَلْ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ؟ قَوْلانِ) هكذا هو فيما وقفنا عليه من النسخ، وهل له بتذكير الضمير، وهو مشكل؛ فإنه إن حمل على الوكيل الحقيقي الذي هو قسيم المملك والمخيّر والرسول فلا خلاف أن للزوج أن يعزله ما لم يوقع الطلاق كما جزم به اللَّخْمِيّ وغيره، وقد صرّح ابن عرفة بـ: أنه متفقّ عليه، وإن حمل على أنه تجوز فيه فأطلقه على المملك فهذا ليس له أن يعزله، وقد قال في " المدونة ": وإذا ملّكها أمرها أو ملّك أمرها لأجنبي، ثم بدا له فليس ذلك له، والأمر إليهما (٢). ولم يذكروا في ذلك خلافاً.
فإن قلت: كيف أنكرتم وجود الخلاف في هذا الأصل وقد وقع في " النوادر " عن ابن الماجشون: أن من قال لختنته إذا تكاريت لابنتك وخرجت [بها] (٣) من القرية فأمرها بيدك، فتكارت لها لتخرجها فأبى وبدا له فذلك له ولا شيء عليه.
قلت: قد تأوّل الباجي قول ابن الماجشون فقال: معناه عندي أن له الرجوع في سبب التمليك [وهو بأن يمنع (٤) أمها الخروج، ولو أخرجتها لم يكن له الرجوع في التمليك] (٥)، وقبله ابن زرقون وغيره كابن عرفة، ولو سلّمنا كونه خلافاً لكان من الشذوذ بمكان، فكيف يعادله المصنف بما في " المدونة "؟!.
ولأبي القاسم ابن محرز تحرير عجيب في تمييز أحد النوعين عن الآخر قال ﵀
стр. 425
تعالى -: التخيير والتمليك توكيل من الزوج على الطلاق وتمليك له إلا أنه لا يستطيع العزل فيه لما تعلّق للمخيرة والمملّكة فيه من الحقّ، وإن هو جعل أمر امرأته بيد رجلٍ إرادة موافقتها بذلك وإدخال المسرة عليها فكذلك ينبغي أيضاً أن يمنع من العزل لحقّها، ويؤمر هذا الذي جعل الأمر بيده أن لا يقضي إلا بما يعلم أنه يوافقها، وإن كان لم يرد بذلك موافقتها فهي وكالة كسائر الوكالات على أنواع المملوكات إن شاء أقرّ من وكّله وإن شاء عزله. انتهى.
فإن كان المصنّف فهم كلام ابن محرز هذا على الخلاف لظاهر " المدونة "، فأشار إلى ذلك بالقولين، فعبارته غير وافية بذلك، مع ما فيه من البعد في المعنى. نعم قال أبو الحسن الصغير: انظر إذا قالت الزوجة: أسقطت حقي في التمليك، هل للزوج أن يعزل المملك لأنهم عللوا عدم عزل الوكيل بتعلّق حق الغير، وها هي قد أسقطته أو يقال: للوكيل حقّ في الوكالة فلا يعزله. انتهى. فلو كان المصنف أراد التنبيه على هذا لكان يقول مثلاً: وهل له عزل مملكة إن أسقطت حقّها؟ تردد. وأما إن حمل كلام المصنف على قول اللَّخْمِيّ: واختلف إذا قال طلق امرأتي هل هو تمليك أو وكالة فيحتاج إلى وحي يسفر عن ذلك.
فإن قلت: ولعل صواب كلامه: وهل لها عزل وكيله بتأنيث الضمير المجرور باللام فيعود على الزوجة إذا أرادت عزل وكيل زوجها على طلاقها، ولعلّ الخلاف لا يعدم في هذا الأصل لتعارض ظواهر النصوص فيه.
قلت: ولو وجدنا من صرّح بالخلاف في هذا لاستسهلنا دعوى التصحيف، واغتفرنا الهجوم عليه؛ ولكن غاية ما قال ابن رشد في رسم استئذان (١) من سماع عيسى من كتاب: النكاح قال ابن القاسم في الذي اشترط على زوج ابنته إن تزوّج عليها فأمرها بيده: أنه إن تزوّج عليها، فأراد الأبّ أن يفرق بينهما، وأرادت هي البقاء مع زوجها أن السلطان ينظر في ذلك، [٥٦ / أ] فمن رأى الحظ في إرادته منهما كان القضاء قضاء الأب كان، أو الابنة. ولم يقل كما قال مالك في الذي جعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت إلى أجل سماه أنّه إن لم
стр. 426
يأت إلى الأجل (١)، فأراد الأب أن يفرق بينهما، وأرادت هي البقاء مع زوجها أنّ القول في ذلك قولها، ويمنع أبوها من الفراق.
والوجه فيما ذهب إليه أنه جعل اشتراط (٢) الأبّ على زوج ابنته أنّ أمرها بيده إن تزوّج عليها حقاً (٣)، فلم ير أن يخرج من يده إلا بنظر السلطان؛ لأنه يقول: أنا أعلم أنه إنما (٤) تزوّج عليها إرادة الإضرار بها من حيث لم تعلم هي؛ ولذلك اشترطت أن أمرها بيدي، فوجب أن ينظر (٥) السلطان في ذلك بخلاف جعل الزوج ذلك بيده دون أن يشترطه (٦) عليه؛ لأنه إن لم يشترطه عليه فإنما فعله لزوجته لا له، فكانت أحقّ بالقضاء في ذلك منه والله أعلم، ولا فرق بين المسألتين إلا من جهة الشرط (٧). انتهى.
وإلى قريب منه يرجع ما لابن راشد القفصي عن اللَّخْمِيّ والمَتِّيْطِي (٨).
стр. 427
[باب الرجعة]
يَرْتَجِعُ مَنْ يَنْكِحُ، وإِنْ بِكَإِحْرَامٍ [وَمَرَضٍ] (١)، وعَدَمِ إِذْنِ سَيِّدٍ طَالِقاً غَيْرَ بَائِنٍ فِي عِدَّةِ صَحِيحٍ. حَلَّ وَطْؤُهُ بِقَوْلٍ مَعَ نِيَّةٍ. كَرَجَعْتُ وأَمْسَكْتُهَا، أَوْ نِيَّةٍ عِلِى الأِظْهِرُ.
قوله: (أَوْ نِيَّةٍ عِلِى الأِظْهِر) كذا صححه في " المقدمات " (٢)، وهو عنده وعند اللَّخْمِيّ مخرج على أحد قولي مالك: بلزوم الطلاق واليمين بمجرد النية.
وصُحِّحَ خِلافُهُ، أَوْ بِقَوْلٍ ولَوْ هَزْلاً.
قوله: (وصُحِّحَ خِلافُهُ) هو المنصوص في " الموازية " (٣)، والمصحح له هو ابن بشير، فإنه جعله المذهب، وردّ تخريج اللَّخْمِيّ، وقد بسطنا الكلام على ذلك في: " تكميل التقييد وتحليل التعقيد ".
فِي الظَّاهِرِ لا الْبَاطِنِ، لا بِقَوْلٍ مُحْتَمَلٍ بِلا نِيَّةٍ كَأَعَدْتُ الْحِلَّ، ورَفَعْتُ [التَّحْرِيمَ] (٤)، ولا بِفِعْلٍ دُونَهَا كَوَطْءٍ، ولا صَدَاقَ، وإِنِ اسْتَمَرَّ وانْقَضَتْ لَحِقَهَا طَلاقُهُ عَلَى الأَصَحِّ، ولا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ دُخُولٌ، وإِنْ تَصَادَقَا عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلاقِ، وأُخِذَ بِإِقْرَارِهِمَا، كَدَعْوَاهُ لَهَا بَعْدَهَا إِنْ تَمَادَيَا عَلَى التَّصْدِيقِ عَلَى الأَصْوَبِ، ولِلْمُصَدِّقَةِ النَّفَقَةُ، ولا تُطَلَّقُ لِحَقِّهَا فِي الْوَطْءِ، ولَهُ جَبْرُهَا عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ بِرُبْعِ دِينَارٍ، ولا إِنْ أَقَرَّ بِهِ [٤٠ / ب] فَقَطْ فِي زِيَارَةٍ، بِخِلافِ الْبِنَاءِ، وفِي إِبْطَالِهَا إِنْ لَمْ تُنَجِّزْ كَغَدٍ أَوِ الآنَ فَقَطْ تَأْوِيلانِ، ولا إِنْ قَالَ مَنْ يَغِيبُ إِنْ دَخَلَتْ فَقَدِ ارْتَجَعْتُهَا، كَاخْتِيَارِ الأَمَةِ نَفْسَهَا أَوْ زَوْجَهَا بِتَقْدِيرِ عِتْقِهَا، بِخِلافِ ذَاتِ الشَّرْطِ تَقُولُ إِنْ فَعَلَهُ زَوْجِي فَقَدْ فَارَقْتُهُ وصَحَّتْ رَجْعَتُهُ، إِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ.
قوله: (فِي الظَّاهِرِ لا الْبَاطِنِ) أشار به لقوله في " المقدمات " ولو انفرد القول دون النية لما صحّ له بذلك رجعة فيما بينه وبين الله تعالى، وإن حكمنا عليه بها بما ظهر من قوله ولم نصدقه فيما ادعاه من عدم النية، إلا على مذهب من يرى أن الطلاق يلزم المستفتي بمجرد القول دون النية، وهو قائم من " المدونة " إلا أنه بعيد في المعنى (٥).
стр. 428
أَوْ تَصَرُّفِهِ [وْ] (١) مَبِيتِهِ فِيهَا أَوْ قَالَتْ حِضْتُ ثَالِثَةً فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَوْلِهَا قَبْلَهُ بِمَا يُكَذِّبُهَا، أَوْ أَشْهَدَ بِرَجْعَتِهَا فَصَمَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ كَانَتِ انْقَضَتْ.
قوله: (أَوْ تَصَرُّفِهِ ومَبِيتِهِ) كذا ينبغي أن يقرأ: (وَمَبِيتِهِ) معطوفاً بالواو لا بأو وفاقاً للمدونة (٢) خلافاً لابن بشير وابن شاس وابن الحاجب (٣)، وقد نبه (٤) ابن عبد السلام على مخالفة ابن الحاجب ظاهر " المدونة " في ذلك، وقبله في " التوضيح " (٥). واستوفيناه في: " تكميل التقييد ".
ولَوْ تَزَوَّجَتْ وْ (٦) وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ورُدَّتْ بِرَجْعَتِهِ ولَمْ تَحْرُمْ عَلَى الثَّانِي، وإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِهَا حَتَّى انْقَضَتْ وتَزَوَّجَتْ أَوْ وَطِئَ الأَمَةَ سَيِّدُهَا، فَكَالْوَلِيَّيْنِ والرَّجْعِيَّةُ، كَالزَّوْجَةِ، إِلا فِي تَحْرِيمِ الاسْتِمْتَاعِ والدُّخُولِ عَلَيْهَا والأَكْلِ مَعَهَا، وصُدِّقَتْ فِي انْقِضَاءِ عِدَّةِ الإِقْرَاءِ والْوَضْعِ بِلا يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ وسُئِلَ النِّسَاءُ، ولا يُفِيدُ تَكْذِيبُهَا نَفْسَهَا.
قوله: (وَلَوْ تَزَوَّجَتْ ووَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ورُدَّتْ بِرَجْعَتِهِ) كذا في بعض النسخ، وهو بيّن كعبارة ابن الحاجب (٧).
ولا أَنَّهَا رَأَتْ أَوَّلَ الدَّمِ وانْقَطَعَ، ولا رُؤْيَةُ النِّسَاءِ لَهَا، أَوْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ كَسَنَةٍ، فَقَالَتْ لَمْ أَحِضْ إِلا وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُرْضِعٍ ولا مَرِيضَةٍ لَمْ تُصَدَّقْ، إِلا إِنْ كَانَتْ تُظْهِرُهُ وحَلَفَتْ فِي كَالسِّتَّةِ.
стр. 429
قوله: (وَلا أَنَّهَا رَأَتْ أَوَّلَ الدَّمِ وانْقَطَعَ) هذه نفس عبارة ابن الحاجب (١) وليست في " المدونة ". قال ابن عبد السلام: " وفي هذا الوجه عندي نظر، وقد اضطرب المذهب: هل تحل المعتدة من الطلاق بنفس دخولها في الدم الثالث سواء تمادى بها أو لم يتمادى؟ والأكثرون على شرط التمادي، وإن كان مذهبهم أن الأصل تماديه إلا أنه إذا تحقق انقطاعه بعد ساعة من ظهوره لم يعتبر به في باب العدة والاستبراء، فعلى هذا إذا قالت: انقضت (٢) عدتي عندما رأته بناءً منها على أنه يتمادى، ثم انقطع فأخبرت بانقطاعه فينبغي أن يقبل قولها، وكما هي مؤتمنة على وجوده أوّلا فهى مؤتمنة أيضاً على تماديه وانقطاعه ". انتهى وقبله في " التوضيح " (٣).
وقال ابن عرفة: من نظر وأنصف علم أن ابن عبد السلام قَبِل نقل (٤) ابن الحاجب: أن المذهب أنها إذا قالت رأيت أول الدم وانقطع. أنه لا يقبل قولها، وأنه اختار من عند نفسه قبول قولها، وليس المذهب كما زعماه أنها إذا قالت: رأيت أول دم الحيضة الثالثة ثم قالت: قد انقطع أنه لا يقبل قولها، بل المذهب كلّه في هذه الصورة على قبول قولها أنه لم يتماد، وإنما الخلاف في إلغاء انقطاعه واعتباره، وهو نصّ " المدونة " و " العُتْبِيَّة "، وإنما يلغى قولها إذا قالت: دخلت في دم الحيضة الثالثة، ثم قالت: كنت كاذبة حسبما في " المدونة " (٥).
[باب الإيلاء]
يَمِينُ [زَوْجٍ] (١) مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، يُتَصَوَّرُ وِقَاعَهُ، وإِنْ مَرِيضاً بِمَنْعِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ، وإِنْ تَعْلِيقاً، غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ وإِنْ رَجْعِيَّةً أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ، ولا يَنْتَقِلُ بِعِتْقِهِ [بَعْدَهُ] (٢).كَوَ اللهِ لا أُرَاجِعُكِ أَوْ لا أَطَؤُكِ حَتَّى تَسْأَلِينِي أَوْ تَأْتِينِي، أَوْ لا أَلْتَقِي مَعَهَا، أَوْ لا أَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ لا أَطَؤُكِ حَتَّى أَخْرُجَ مِنَ الْبَلَدِ إِذَا تَكَلَّفَهُ، أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِذَا لَمْ يَحْسُنْ خُرُوجُهَا لَهُ، أَوْ إِنْ لَمْ أَطَأْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ وَطِئْتُكِ ونَوَى بِبَقِيَّةِ وَطْئِهِ الرَّجْعَةَ وإِنْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا. فِي تَعْجِيلِ الطَّلاقِ إِنْ حَلَفَ بِالثَّلاثِ، وهُوَ الأَحْسَنُ.
قوله: (أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِذَا لَمْ يَحْسُنْ خُرُوجُهَا لَهُ) أي: باعتبار حالهما معاً.
أَوْ ضَرْبِ الأَجَلِ، قَوْلانِ فِيهَا، ولا يُمَكَّنُ مِنْهُ كَالظِّهَارِ، لا كَافِرٌ وإِنْ أَسْلَمَ، إِلا أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْنَا ولا: لأَهْجُرَنَّهَا، أَوْ: لا كَلَّمْتُهَا، أَوْ: لا وَطِئْتُهَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً.
قوله: [٥٦ / ب] (قَوْلانِ فِيهَا) هو كقول ابن رشد في سماع عيسى: في كونه (٣) مولياً قولان، هما في " المدونة " (٤).
واجْتَهَدَ وطَلَّقَ فِي لأَعْزِلَنَّ.
قوله: (واجْتَهَدَ وطَلَّقَ) مستأنف ومعطوف عليه منطبقان على المسائل الأربع بعدهما، ويجوز بناؤهما للنائب والفاعل، وهو الإمام.
стр. 432
أَوْ لا أَبِيتَ (١) أَوْ تَرَكَ الْوَطْءَ ضَرَراً وإِنْ غَائِباً، أَوْ سَرْمَدَ الْعِبَادَةَ بِلا أَجَلٍ عَلَى الأَصَحِّ [٤١ / أ]، ولا إِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ بِيَمِينِهِ حُكْمٌ كَكُلِّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ حُرٌّ، أَوْ خَصَّ بَلَداً قَبْلَ مِلْكِهِ مِنْهَا، أَوْ لا وَطِئْتُكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، إِلا مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً، حَتَّى يَطَأَ وتَبْقَى الْمُدَّةُ، ولا إِنْ حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ إِنْ وَطِئْتُكِ فَعَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ الأَرْبَعَةِ. نَعَمْ إِنْ وَطِئَ صَامَهُ بَقِيَّتَهَا والأَجَلُ مِنَ الْيَمِينِ، إِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ لا إِنِ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ أَوْ حَلَفَ عَلَى حِنْثٍ فَمِنَ الرَّفْعِ والْحُكْمِ.
قوله: (أَوْ لا أَبِيتَ) هذا هو الصواب بلا نون توكيد؛ لأنه جواب قسم منفي (٢).
وهَلِ الْمُظَاهِرُ إِنْ قَدَرَ عَلَى التَّكْفِيرِ وامْتَنَعَ كَالأَوَّلِ وعَلَيْهِ اخْتُصِرَتْ أَوْ كَالثَّانِي وهُوَ الأَرْجَحُ، أَوْ مِنْ تَبَيُّنِ الضَّرَرِ، وعَلَيْهِ تُؤُوِّلَتْ؟ أَقْوَالٌ.
قوله: (أَوْ كَالثَّانِي وهُوَ الأَرْجَحُ) هذا كقوله في " التوضيح ": قال ابن يونس القول الثاني أحسن، ولعلّه في نسخة المصنف منه، وإلا فلم يوجد (٣).
كَالْعَبْدِ لا يُرِيدُ الْفَيْئَةَ، أَوْ يُمْنَعُ الصَّوْمَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ، وانْحَلَّ الإِيلاءُ بِزَوَالِ مِلْكِ مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ، إِلا أَنْ يَعُودَ بِغَيْرِ إِرْثٍ.
قوله: (كَالْعَبْدِ لا يُرِيدُ الْفَيْئَةَ، أَوْ يُمْنَعُ الصَّوْمَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ) أي: كالعبد المظاهر لا يريد الفيئة بالكفارة أو يمنعه سيّده الصوم لنقص العمل، وقد حصّل فيه (٤) ابن حارث أولاً ثلاثة أقوال: الأول: لا يدخل عليه الإيلاء، وهو قول مالك في " الموطأ ". الثاني: أنه
стр. 433
مولٍ وهو الذي روى محمد بن (١) القاسم عن مالك. الثالث: إن منعه سيّده الصوم فليس بمولٍ، وإن لم يرد الفيئة فهو مولٍ. انتهى.
وعلى الأول درج ابن الحاجب (٢) وتوجيهه في " المنتقى " (٣) و " الاستذكار " (٤)، وعلى الثاني مشى المصنف هنا ولا يصح حمل كلامه على الأول، فإذا تقرر أنه مولٍ فلا فرق بينه وبين الحر في جريان الأقوال الثلاثة في مبدأ ضرب الأجل، وفي كلام ابن عبد السلام تلويح بذلك، وإن كان لم يتنازل له بالذات، وقد ظهر من هذا [أن] (٥) التشبيه في قوله: (كالعبد) أفادنا فائدتين إحداهما: أنه مول والأخرى جريان الأقوال الثلاثة في المبدأ وبالله تعالى التوفيق.
كَالطَّلاقِ الْقَاصِرِ عَنِ الْغَايَةِ فِي الْمَحْلُوفِ بِهَا لا لَهَا.
قوله: (كَالطَّلاقِ الْقَاصِرِ عَنِ الْغَايَةِ فِي الْمَحْلُوفِ بِهَا لا لَهَا) أي: لا عليها وهي المولى منها.
стр. 434
وبِتَعْجِيلِ الْحِنْثِ، وبِتَكْ فِي رِ مَا يُكَفَّرُ وإِلا فَلَهَا ولِسَيِّدِهَا، إِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ وَطْؤُهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ الأَجَلِ بِالْفَيْئَةِ وهِيَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْقُبُلِ، وافْتِضَاضُ الْبِكْرِ إِنْ حَلَّ، ولَوْ مَعَ جُنُونٍ، لا بِوَطْءٍ بَيْنَ فَخْذَيْنِ، وَحَنِثَ إِلا أَنْ يَنْوِيَ الْفَرْجُ، وطَلَّقَ إِنْ قَالَ لا أَطَأُ بِلا تَلَوُّمٍ، وإِلا اخْتُبِرَ مَرَّةً ومَرَّةً، وصُدِّقَ إِنِ ادَّعَاهُ، وإِلا أُمِرَ بِالطَّلاقِ، وإِلا طُلِّقَ عَلَيْهِ.
قوله: (وبِتَعْجِيلِ الْحِنْثِ) هو كقوله في " المدونة " قال ابن القاسم وغيره: وإذا وقف المولي فعجل حنثه زال إيلاؤه، مثل أن يحلف أن لا يطأ بطلاق امرأة له أخرى أو بعتق عبد له بعينه، فإن طلّق المحلوف بها أو أعتق العبد أو حنث فيهما زال الإيلاء عنه (١).
عياض: معناه طلاقاً باتاً أو آخر طلقة أي: بخلاف القاصر عن الغاية كما فوقه، وبه يظهر التداخل في كلام المصنف. ابن الحاجب: وتعجيل الحنث في المحلوف به بعد الوقوف وقبله ينحلّ به الإيلاء (٢). وقال ابن رشد: ولا خلاف فيه إذ لا بقاء لليمين بعده.
وفَيْئَةُ الْمَرِيضِ والْمَحْبُوسِ بِمَا يَنْحَلُّ بِهِ، وإِنْ لَمْ تَكُنْ يَمِينُهُ مِمَّا يُكَفَّرُ فِيهِ كَطَلاقٍ رَجْعِيَّةٌ فِيهَا أَوْ غَيْرِهَا (٣)، وصَوْمٍ لَمْ يَأْتِ، وعِتْقِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَالْوَعْدُ، وبُعِثَ لِلْغَائِبِ، وإِنْ بِشَهْرَيْنِ، ولَهَا الْعَوْدُ إِنْ رَضِيتْ، وتَتِمُّ رَجْعَتُهُ إِنِ انْحَلَّ، وإِلا أُلْغِيَتْ.
قوله: (وَفَيْئَةُ الْمَرِيضِ والْمَحْبُوسِ بِمَا يَنْحَلُّ بِهِ) أي: من زوال ملك وتعجيل حنث وتكفير.
وإِنْ أَبَى الْفَيْئَةَ فِي: إِنْ وَطِئْتُ إِحْدَاكُمَا فَالأُخْرَى طَالِقٌ طَلَّقَ الْحَاكِمُ إِحْدَاهُمَا، وفِيهَا فِي مَنْ حَلَفَ بِاللهِ لا يَطَأُ واسْتَثْنَى أَنَّهُ مُولٍ، وحُمِلَتْ عَلَى مَا إِذَا رُوفِعَ ولَمْ تُصَدِّقْهُ، وأُورِدَ لَوْ كَفَّرَ عَنْهَا ولَمْ تُصَدِّقْهُ وفُرِّقَ بِشِدَّةِ الْمَالِ، وبِأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْحِلِّ.
(وإِنْ أَبَى الْفَيْئَةَ فِي: إِنْ وَطِئْتُ إِحْدَاكُمَا فَالأُخْرَى طَالِقٌ طَلَّقَ الْحَاكِمُ إِحْدَاهُمَا) تبع في
стр. 435
هذا ابن شاس وابن الحاجب (١). قال ابن عرفة: وقولهما مشكل إن أراد إيقاعه لامتناعه في مبهم، وإن أراد الحكم على الزوج به دون تعيين المطلّقة فكذلك، وإن أراد بعد تعيينه لها لا بالوطء فخلاف المشهور فيمن طلّق إحداهما غير ناوٍ تعيينها، وإن أراد بعد تعيينه لها بالوطء فخلاف الفرض لقولهما: وأبى الفيئة، والأظهر أنه مولٍ منهما لامتناعه من وطء كلّ واحدة منهما بيمين طلاق كقول ابن محرز فيمن قال: والله لا أطأ إحداهما، على القول بأنه مولٍ بنفس كلامه أنه مولٍ منهما جميعاً، ومن قامت منهما كان لها أن توقفه؛ لأنه ترك وطأها خوف انعقاد الإيلاء (٢) عليه في الأخرى. انتهى.
ونصّ ابن محرز: " من قال لامرأتين له: والله لا أطأ إحداكما سنة، ولا نية له في واحدة منهما بعينها فقد قيل: لا إيلاء عليه حتى يطأ إحداهما، فإذا وطئها كان من الأخرى مولياً، ويجيء على القول الآخر أنه مولٍ منهما جميعا من الآن ... ثم قال فيمن قامت .. إلى آخره. وقد سبق ابن عبد السلام لهذا الاستشكال فقال: فيها نظر؛ لأن القضاء يستدعي تعيين محل الحكم، إلا أن يريد ابن الحاجب أن القاضي يجبر الزوج هنا على طلاق أيتهما شاء، ولم يرد أن القاضي هو الذي يتولى إيقاع الطلاق فهذا صحيح؛ ولكنه بعيد من لفظه، ثم أورد بعد تسليم صحة المسألة: هل هو مولٍ من كلّ واحدة منهما [أو بواحدة منهما] (٣) لا بعينها؟
وأجاب: أن الظاهر أنه مولٍ من كلٍ واحدة منهما أو أيتهما رفعته حكم لها بحكم الإيلاء؟ وإن رفعتاه جميعاً فكذلك قال: وقد ذكر بعض الشيوخ في نظيرة هذه المسألة قولين: هل يكون مولياً منهما [٥٧ / أ] جميعاً (٤)(٥)؟ أو لا يكون مولياً إلا من إحداهما؟. انتهى.
стр. 436
ومراده ببعض الشيوخ: ابن محرز، وفي " التوضيح ": ينبغي أن يُفهم على أن القاضي يجبره على طلاق واحدة أو يطلق واحدة بالقرعة، وإلا كان ترجيحاً بلا مرجّح. انتهى (١).
فأما قول ابن عرفة: قولهما مشكل. إن أرادا إيقاعه لامتناعه (٢) فمبهم (٣) فهو نفس استشكال ابن عبد السلام، وأما قوله: وإن أرادا الحكم على الزوج به دون تعيين المطلقة فكذلك، وما بعده فهذا هو الذي قال فيه ابن عبد السلام: إنه صحيح، ولكنه بعيد من اللفظ، وأشار بقوله: (بخلاف المشهور) فيمن طلّق إحداهما غير ناوٍ، فتعيينها (٤) إلى الخلاف الذي بين المصريين والمدنيين فيها، وأما قوله: (والأظهر أنه مولٍ منهما) فتأمل هل هو موافق لما انفصل به ابن عبد السلام عن الإيراد السابق أم هو خلاف له؟؛ لأن ابن عبد السلام إنما قاله بعد تسليم جواب ابن الحاجب ومن معه تسليماً جدلياً من باب إرخاء العنان، وابن عرفة استظهره بعد أن أراد السبر والتقسيم على الجواب المذكور، واستشكله من كلّ وجه.
وأما ما وقع في بعض الطرر أن هذه المسألة في " الكافي " لابن عبد البر فليس بصحيح، بل نصّ ما وقفت عليه من نسختين من " الكافي ": (ولو حلف لكلّ واحدة منهما بطلاق الأخرى أن لا يطأها فهو بذلك مولٍ منهما، فإن رافعته واحدة منهما إلى الحاكم ضرب له فيها أجل الإيلاء من يوم رافعته، وإن رافعتاه جميعاً ضرب له فيهما أجل الإيلاء من يوم رافعتاه، ثم وقف عند انقضاء الأجل، فإن فاء (٥) في واحدة منهما حنث في الأخرى، وإن لم يف في واحدة منهما طلقتا عليه جميعاً). انتهى (٦).
فمسألة " الكافي ": حلف لكلّ واحدة منهما بطلاق الأخرى أن لا يطأها، ومسألة
стр. 437
المصنف قال لهما: إن وطئت إحداكما فالأخرى طالق، فهما مفترقتان في الصورة. نعم مسألة المصنف أصلها للغزالي في (الوجيز) ونصّ ما وقفت عليه فيه: (ولو قال إن وطأت إحداكما فالأخرى طالق وأبى الفيئة فللقاضي أن يطلّق إحداهما على الإبهام، ثم على الزوج أن يبين أو يعين، وقيل: لا يصحّ دعواهما مع الإبهام). انتهى.
كأنه يعني أن يبين [ما نوى] (١) أو يعين بالنية من الآن، وقيل: لا يصحّ دعوى التبيين والتعيين مع الإبهام، فإن أراد هذا فاستعمال الدعوى في التبيين حقيقة وفي التعيين مجاز. والله سبحانه أعلم.
стр. 438
[باب الظهار]
تَشْبِيهُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَنْ تَحِلُّ أَوْ جُزْأَهَا بِظَهْرِ مُحْرَمٍ أَوْ جُزْئِهِ ظِهَارٌ. وتَوَقَّفَ إِنْ تَعَلَّقَ بِكَمَشِيئَتِهَا، وهُوَ بِيَدِهَا مَا لَمْ تُوقَفْ، وبِمُحَقَّقٍ تَنَجَّزَ، وبِوَقْتٍ تَأَبَّدَ، أَوْ بِعَدَمِ زَوَاجٍ فَعِنْدَ الْيَأْسِ أَوِ الْعَزِيمَةِ، ولَمْ يَصِحَّ فِي الْمُعَلَّقِ تَقْدِيمُ كَفَّارَتِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ لُزُومِهِ، وصَحَّ مِنْ رَجْعِيَّةٍ ومُدَبَّرَةٍ، ومُحْرِمَةٍ، ومَجُوسِيٍّ أَسْلَمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ، ورَتْقَاءَ لا مُكَاتِبَةٍ ولَوْ عَجَزَتْ عَلَى الأَصَحِّ، وفِي صِحَّتِهِ مِنْ كَمَجْبُوبٍ تَأْوِيلانِ. وصَرِيحُهُ بِظَهْرِ مُؤَبَّدٍ تَحْرِيمُهَا أَوْ عِضْوِهَا، أَوْ ظَهْرِ ذَكَرٍ، ولا يَنْصَرِفُ لِلطَّلاقِ.
قوله: (أَوْ عِضْوِهَا، أَوْ ظَهْرِ ذَكَرٍ) لعلّ صوابه: لا عضوها أو كظهرٍ ذكر بالنفي، فإن جعل كل عضو من المؤبد تحريمها في الصراحة كالظهر خلاف المشهور (١)، ولا نعرف من ألحق ظهر الذكر بالصريح على القول بأنه ظهار. والله تعالى أعلم.
وهَلْ يُؤْخَذُ بِالطَّلاقِ مَعَهُ إِذَا نَوَاهُ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ كَأَنْتِ حَرَامٌ كَظَهْرِ [٤١ / ب] أُمِّي، أَوْ كَأُمِّي؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (كَأَنْتِ حَرَامٌ كَظَهْرِ [أُمِّي أَوْ] (٢) كَأُمِّي) تشبيه لمسألة بأخرى لا تمثيل للمسألة نفسها؛ ولذلك اغتفر فيه إدراج (كأمي)، وليس بصريح.
وكِنَايَتُهُ كَأُمِّي، أَوْ أَنْتِ أُمِّي، إِلا لِقَصْدِ الْكَرَامَةِ، أَوْ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ ونُوِيَ فِيهَا فِي الطَّلاقِ فالْبَتَاتُ كَأَنْتِ كَفُلانَةَ الأَجْنَبِيَّةِ، إِلا أَنْ يَنْوِيَهُ مُسْتَفْتٍ، أَوْ كَإِبْنِي، أَوْ غُلامِي، أَوْ كَكُلِّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ الْكِتَابُ. وَلَزِمَ بِأَيِّ كَلامٍ نَوَاهُ بِهِ.
قوله: (فالْبَتَاتُ) جواب شرط مقدر مربوط بالفاء أي: فإن نوى الطلاق فهو البتات، ثم شبّه به مسائل اختار فيها القول بالبتات قائلاً: (كَأَنْتِ كَفُلانَةَ (٣) ...) إلى آخره.
لا بِإِنْ وَطِئْتُكِ وَطِئْتُ أُمِّي، أَوْ لا أَعُودُ لِمَسِّكِ حَتَّى أَمَسَّ أُمِّي، أَوْ لا أُرَاجِعُكِ حَتَّى أُرَاجِعَ أُمِّي فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ وتَعَدَّدَتِ الْكَفَّارَةُ إِنْ عَادَ ثُمَّ ظَاهَرَ، أَوْ قَالَ لأَرْبَعٍ مَنْ
стр. 439
دَخَلَتْ، أَوْ كُلُّ مَنْ دَخَلَتْ، أَوْ أَيَّتُكُنَّ، لا إِنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ، أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ. أَوْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ، أَوْ كَرَّرَهُ، أَوْ عَلَّقَهُ بِمُتَّحِدٍ، إِلا أَنْ يَنْوِيَ كَفَّارَاتٍ فَتَلْزَمُهُ، ولَهُ الْمَسُّ بَعْدَ وَاحِدَةٍ عَلَى الأَرْجَحِ، وحَرُمَ قَبْلَهَا الاسْتِمْتَاعُ، وعَلَيْهَا مَنْعُهُ، ووَجَبَ إِنْ خَافَتْهُ رَفْعُهَا لِلْحَاكِمِ، وجَازَ كَوْنُهُ مَعَهَا، إِنْ أُمِنَ، وسَقَطَ إِنْ تَعَلَّقَ ولَمْ يَتَنَجَّزْ بِالطَّلاقِ الثَّلاثِ أَوْ تَأَخَّرَ كَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً، وأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَقَوْلِهِ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ، وأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لا إِنْ تَقَدَّمَ أَوْ صَاحَبَ كَإِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً، وأَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي، وإِنْ عُرِضَ عَلَيْهِ نِكَاحُ امْرَأَةٍ فَقَالَ هِيَ أُمِّي فَظِهَارٌ.
قوله: (لا بِإِنْ وَطِئْتُكِ وَطِئْتُ أُمِّي، أَوْ لا أَعُودُ لِمَسِّكِ حَتَّى أَمَسَّ أُمِّي، أَوْ لا أُرَاجِعُكِ حَتَّى أُرَاجِعَ أُمِّي فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ) أما الأول فذكره ابن عبد السلام، وذكر ابن عرفة: أنه لم يجده لغيره. قال: وكونه ظهاراً أقرب من لغوه؛ لأنه إن كان معنى قوله: إن وطأتك وطأت أمي: لا أطأك حتى أطأ أمي فهو لغو، وإن كان معناه: وطئي إياك كوطئي أمي فهو ظهار، وهذا أقرب لقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] [ليس معناه: لا يسرق حتى يسرق أخ له من قبل،] (١) وإلا لما أنكر عليهم يوسف ﵇، بل معناه: سرقته كسرقة أخيه من قبل؛ ولذلك أنكر عليهم.
وأما الثاني فهو في سماع يحيي قال ابن رشد: لأنه كمن قال: لا أمسّ أمي أبداً (٢). وأما الثالث فذكره ابن يونس عن مالك.
وتَجِبُ بِالْعَوْدِ، [ولا تُجْزِئُ قَبْلَهُ وتَتَحَتَّمُ بِالْوَطْءِ] (٣) وهَلْ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ، أَوْ مَعَ الإِمْسَاكِ؟ تَأْوِيلانِ وخِلافٌ. وسَقَطَتْ، إِنْ لَمْ يَطَأْ بِطَلاقِهَا ومَوْتِهَا، وهَلْ تُجْزِئُ إِنْ أَتَمَّهَا؟ تَأْوِيلانِ، وهِيَ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ لا جَنِينٍ وعَتَقَ بَعْدَ وَضْعِهِ ومُنْقَطِعٍ خَبَرُهُ مُؤْمِنَةٍ، وفِي الْعَجَمِيِّ تَأْوِيلانِ. وفِي الْوَقْفِ حَتَّى يُسْلِمَ قَوْلانِ، سَلِيمَةٍ مِنْ قَطْعِ
وفِيهَا ونِسْيَانٍ، وبِالْعِيدِ إِنْ تَعَمَّدَهُ، لا جَهِلَهُ. وهَلْ إِنْ صَامَ الْعِيدَ وأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وإِلا اسْتَأْنَفَ، أَوْ يُفْطِرُهُنَّ. ويَبْنِي؟ تَأْوِيلانِ، وجَهْلُ رَمَضَانَ كَالْعِيدِ عَلَى الأَرْجَحِ، وبِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وشُهِّرَ أَيْضاً الْقَطْعُ بِالنِّسْيَانِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ بَعْدَ صَوْمِ أَرْبَعَةٍ عَنْ ظِهَارَيْنِ مَوْضِعَ يَوْمَيْنِ صَامَهُمَا وقَضَى شَهْرَيْنِ، وإِنْ لَمْ يَدْرِ اجْتِمَاعَهُمَا صَامَهُمَا و [قَضَى] (١) الأَرْبَعَةَ.
قوله: (وفِيهَا ونِسْيَانٍ) إنما خصص النسيان بالعزو لـ " المدونة " (٢) دون غيره مما ذكر معه مع أنه في " المدونة " أيضاً؛ لأن ابن رشد شهر في النسيان خلاف ما في " المدونة "؛ ولذلك قال بعد: (وشهر أيضاً القطع بالنسيان) وآخره ليركب عليه ما بعده حيث قال: (فإن لم يدر ...) إلى آخره، فكان هذا أحسن من أن لو قال: وفي القطع بالنسيان خلاف.
ثُمَّ تَمْلِيكُ سِتِّينَ مِسْكِيناً أَحْرَاراً مُسْلِمِينَ لِكُلٍّ مُدٌّ وثُلُثَانِ بُرَّاً، وإِنِ اقْتَاتُوا تَمْراً أَوْ مُخْرَجاً فِي الْفِطْرِ فَعَدْلُهُ [شِبَاعاً] (٣).
قوله: (ثُمَّ تَمْلِيكُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) عدل عن الإطعام إلى التمليك؛ لئلا يفهم من الإطعام أنهم لابد أن يأكلوه.
ولا أُحِبُّ الْغَدَاءَ ولا الْعَشَاءَ كَفِدْيَةِ الأَذَى، وهَلْ لا يَنْتَقِلُ إِلا إِنْ أَيِسَ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الصِّيَامِ، أَوْ إِنْ شَكَّ؟ قَوْلانِ فِيهَا وتُؤُوِّلَتْ أَيْضاً عَلَى أَنَّ الأَوَّلَ قَدْ دَخَلَ فِي الْكَفَّارَةِ، وإِنْ أَطْعَمَ مِائَةً وعِشْرِينَ، فَكَالْيَمِينِ، ولِلْعَبْدِ إِخْرَاجُهُ إِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُ.
стр. 442
قوله: (كَفِدْيَةِ الأَذَى) يجب أن يرجع لقوله: (ولا أُحِبُّ الْغَدَاءَ ولا الْعَشَاءَ) كما في " المدونة " (١) ولا يصحُّ أن يكون أعمّ فيرجع لقدر المخرج مع عدم الاقتصار على الغداء والعشاء؛ لقوله في الحج: ([لكل] (٢) مدّان).
وفِيهَا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَصُومَ، وإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الإِطْعَامِ، وهَلْ هُو وَهْمٌ لأَنَّهُ الْوَاجِبُ، أَوْ أَحَبُّ لِلْوُجُوبِ، أَوْ أَحَبُّ لِلسَّيِّدِ عَدَمُ الْمَنْعِ.
قوله: (أَوْ أَحَبُّ لِلسَّيِّدِ عَدَمُ الْمَنْعِ) هذا هو الذي نسب في " التوضيح " لإسماعيل القاضي.
أَوْ لِمَنْعِ السَّيِّدِ لَهُ الصَّوْمَ، أَوْ عَلَى الْعَاجِزِ حِينَئِذٍ فَقَطْ؟ تَأْوِيلاتٌ.
قوله: (أَوْ لِمَنْعِ السَّيِّدِ لَهُ الصَّوْمَ) نسبه في " التوضيح " لعياض، ولابن عرفة في عزو تأويلات (٣) المسألة تحرير وبحث، فعليك به.
وفِيهَا إِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ فِي الْيَمِينِ أَجْزَأَهُ، وفِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ، ولا يُجْزِئُ تَشْرِيكُ كَفَّارَتَيْنِ فِي مِسْكِينٍ ولا تَرْكِيبُ صِنْفَيْنِ.
قوله: (وَفِيهَا: إِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ فِي الْيَمِينِ أَجْزَأَهُ، وفِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ) ذكرها بإثر التي قبلها تبعاً للمدونة (٤)، وكذا فعل ابن الحاجب (٥) كالمستدل بها على صحة تأويل من حمل الأولى على ما إذا منعه من الصيام؛ لأنه لا يشكّ أن الشيء الذي في قلب الإمام من جهة (٦) الإطعام إنما هو عدم صحة ملك العبد أو الشك في ذلك، قاله ابن عبد السلام،
стр. 443
وزاد: قال محمد بن دينار: ليس على العبد المظاهر عتق ولا إطعام، ولو كان يجد ما يعتق ويطعم، ولكن يصوم.
ولَوْ نَوَى لِكُلٍّ عَدَداً، أَوْ عَنِ الْجَمِيعِ كَمَّلَ، وسَقَطَ حَظُّ مَنْ مَاتَتْ، ولَوْ أَعْتَقَ ثَلاثاً عَنْ ثَلاثٍ مِنْ أَرْبَعٍ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً حَتَّى يُخْرِجَ الرَّابِعَةَ، وإِنْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ طُلِّقَتْ.
قوله: (وَلَوْ نَوَى لِكُلٍّ عَدَداً، أَوْ عَنِ الْجَمِيعِ كَمَّلَ، وسَقَطَ حَظُّ مَنْ مَاتَ) هذا استئناف مشتمل على صورتين خاصتين بالإطعام، وتصورهما (١) ظاهر. والله تعالى أعلم.
стр. 444
[باب اللعان]
إِنَّمَا يُلاعِنُ زَوْجٌ وإِنْ فَسَدَ نِكَاحُهُ أَوْ فَسَقَا أَوْ رُقَّا، لا كَفَرَا إِنْ قَذَفَهَا بِزِنًى فِي نِكَاحِهِ، وإِلا حُدَّ تَيَقَّنَهُ أَعْمَى ورَآهُ غَيْرُهُ، وانْتَفَى بِهِ مَا وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وإِلا لَحِقَ بِهِ، إِلا أَنْ يَدَّعِيَ الاسْتِبْرَاءَ، وبِنَفْيِ حَمْلٍ وإِنْ مَاتَ أَوْ تَعَدَّدَ الْوَضْعُ أَوِ التَّوْأَمُ بِلِعَانٍ مُعَجَّلٍ كَالزِّنَا والْوَلَدِ إِنْ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ وَضْعٍ أَوْ لِمُدَّةٍ لا يَلْحَقُ الْوَلَدُ لِقِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ أَوِ اسْتِبْرَاءٍ بِحَيْضَةٍ.
قوله: (بِلِعَانٍ مُعَجَّلٍ) متعلق بمحذوف، أي: فينتفي الحمل بلعان معجّل: يدل عليه قوله: (بِنَفْيِ حَمْلٍ) وبه يصحّ المعنى.
ولَوْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِهِ إِلا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَو وهُوَ صَبِيٌّ حِينَ الْحَمْلِ أَوْ مَجْبُوبٌ، أَوِ ادَّعَتْهُ مَغْرِبِيَّةٌ عَلَى مَشْرِقِيٍّ، وفِي حَدِّهِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ، أَوْ لِعَانِهِ. خِلافٌ، وإِنْ لاعَنَ لِرُؤْيَةٍ وادَّعَى الْوَطْءَ قَبْلَهَا، وعَدَمِ الاسْتِبْرَاءِ.
قوله: (ولَوْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِهِ) يريد: فلابد من لعان الزوج وحده دون الزوجة، كذا قال ابن يونس وغيره.
فَلِمَالِكٍ فِي إِلْزَامِهِ لَهُ وعَدَمِهِ ونَفْيِهِ أَقْوَالٌ. ابْنُ الْقَاسِمِ: ويُلْحَقُ إِنْ ظَهَرَ يَوْمَهَا، ولا يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى عَزْلٍ ولا مُشَابَهَةٍ لِغَيْرِهِ.
قوله: (فَلِمَالِكٍ فِي إِلْزَامِهِ لَهُ وعَدَمِهِ ونَفْيِهِ أَقْوَالٌ) أي: فلمالك في إلزام الزوج بالولد وعدم إلزامه ونفي الولد ثلاثة أقوال، فهو كقول ابن الحاجب: " فألزمه (١) مرة، ولم يلزمه مرة، وقال بنفيه مرة " (٢). وعلى ترتيبه.
وإِنْ بِسَوَادٍ.
قوله: (وإِنْ بِسَوَادٍ) هذا لقوله ﵇: " لعلّ عرقاً نزعه " ابن عبد السلام ففهم الأئمة من هذا الحديث أن الأشباه لا يعتمد عليها في اللعان، وأنها لا تصلح (٣) مظنة في ذلك ولا علة، وأراد اللَّخْمِيّ أن يسلك بذلك مسلك التعليل، وزاد فألزم عكس العلّة فقال: ولو
стр. 445
كان الأبوان أسودين قَدِما من الحبشة فولدت أبيض فانظر هل ينفيه بذلك؛ لأنه لا يظن أنه كان في آبائه أبيض، يعني أنه لا يمكن أن يقال ها هنا: " لعلّه نزعه عرق " (١).
ابن عرفة: لا يلزم من نفي الظن نفي مطلق الاحتمال، وهو مدلول قوله ﵇: " لعله (٢) نزعه عرق " وقول ابن عبد السلام إثر كلام اللَّخْمِيّ: المعنى لا يمكن أن يقال هنا: لعله نزعه عرق. واضح بطلانه ضرورة إمكانه.
ولا وَطْءٍ بَيْنَ الْفَخْذَيْنِ إِنْ أَنْزَلَ.
قوله: (ولا وَطْءٍ بَيْنَ الْفَخْذَيْنِ إِنْ أَنْزَلَ) في " النوادر " عن " المَوَّازِيِّة ": من أنكر حمل امرأته لكلّ وطء يمكن وصول المني منه للفرج لم ينفعه، وكذا في الدبر، فقد يخرج منه للفرج (٣). ابن عرفة: ونحوه مفهوم قوله في كتاب: الاستبراء من " المدونة ": إن قال البائع (٤): كنت أفخذ ولا أنزل وولدها ليس مني. لم يلزمه (٥). اللَّخْمِيّ: إن أصاب بين الفخذين وشبهه لزمه الولد، ولا يلاعن ولا يحد؛ لأن نفيه لظنّه إلا أن يكون عن وطئه حملٌ. الباجي إثر ذكره ما في " المَوَّازِيِّة ": يتعذر وجود الولد من الوطء في غير الفرج، ولو صحّ ما حُدّت امرأة بحملها، [٥٨ / أ] ولا زوج لها لجواز كونه من وطء في غير الفرج (٦) انتهى. ابن عبد السلام: وكلام الباجي صحيح.
стр. 446
ولا وَطْءٍ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ [٤٢ / ب] إِنْ أَنْزَلَ قَبْلَهُ ولَمْ يَبُلْ، ولاعَنَ فِي [نَفْيِ] (١) الْحَمْلِ مُطْلَقاً، وفِي الرُّؤْيَةِ فِي الْعِدَّةِ وإِنْ مِنْ بَائِنٍ، وحُدَّ بَعْدَهَا كَاسْتِلْحَاقِ الْوَلَدِ، إِلا أَنْ تَزْنِيَ بَعْدَ اللِّعَانِ وتَسْمِيَةِ الزَّانِي بِهَا وأُعْلِمَ بِحَدِّهِ.
قوله: (وَلا وَطْءٍ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ إِنْ أَنْزَلَ قَبْلَهُ ولَمْ يَبُلْ) كذا في " النوادر " عن " المَوَّازِيِّة ".
لا إِنْ كَرَّرَ قَذْفَهَا بِهِ.
قوله: (لا إِنْ كَرَّرَ قَذْفَهَا بِهِ) أي: لا إن كرر قذفها [به أي لا إن كرر قذفها] (٢) بعد اللعان بما لاعنها به احترازاً مما إذا قذفها بأمر آخر وبما (٣) هو أعمّ، وأبين منه قول ابن الحاجب: " ولو لاعنها ثم قذفها به لم يحدّ على الأصحّ " (٤)، واقتصر هنا على قول ابن المواز، قال في " النوادر ": من قال لزوجته بعد أن لاعنها ما كذبت عليها وقذفها (٥)، قال محمد: لا يحدّ؛ لأنه إنما لاعن لقذفه إياها (٦)، وما سمعت فيها من أصحاب مالك شيئاً، وفي " المدونة " لربيعة يحدّ، ومثله في " الموازية " لابن شهاب. ابن عرفة: ويحتمل أن يكون قول محمد فيمن قذفها بما لاعنها به، وقول ابن شهاب وربيعة إذا لم يقيّد قذفه (٧) بما لاعنها به، وقول ابن الحاجب ثم قذفها به لم يحدّ على الأصحّ (٨)، لا أعرف مقابل الأصحّ لغير ربيعة وابن شهاب، واختيار التونسي، ولم يعزه اللَّخْمِيّ لغير ابن شهاب. انتهى وقال في " التوضيح ": " نقله عياض عن ابن نافع ". انتهى.
стр. 447
قلت: إنما وجدته في " التنبيهات " منسوباً لربيعة وعبد الرحمن ابن القاسم بن محمد ونافع لا ابن نافع. فانظره.
ووَرِثَ الْمُسْتَلْحِقُ الْمَيِّتَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وقَلَّ الْمَالُ، وإِنْ وَطِئَ أَوْ أَخَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوَضْعٍ أَوْ حَمْلٍ بِلا عُذْرٍ امْتَنَعَ، وشَهِدَ بِاللهِ أَرْبَعاً لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي، أَوْ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، ووَصَلَ خَامِسَةً بِلَعْنَةِ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
قوله: (ووَرِثَ الْمُسْتَلْحِقُ الْمَيِّتَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وقَلَّ الْمَالُ) الكلام عليه من وجوه:
الأول: قال: إن كان له ولد، ولم يقل: إن كان له ابن تبعاً لقوله في " المدونة "، ومن نفى ولداً بلعان ثم ادعاه بعد أن مات الولد عن مال، فإن كان لولده ولد ضرب الحدّ ولحق به، وإن لم يترك ولداً لم يقبل قوله؛ لأنه [يتهم في ميراثه] (١)، ويحدّ ولا يرثه (٢)، وقد قال ابن عرفة: ظاهره ولو كان الولد بنتاً، وذكر بعض المغاربة عن أحمد بن خالد أنه قال: إن كان بنتاً لم يرث معها، بخلاف إقرار المريض لصديقٍ ملاطف إن ترك بنتاً صحّ إقراره؛ لأنه ينقص قدر إرثها.
الثاني: قيّد ولد المستلحق بأن يكون حراً مسلماً بحيث يزاحم الملاعن المستلحق في الميراث فتبعد التهمة، احترازاً من أن يكون عبداً أو كافراً، بحيث لا يزاحم المستلحق في الميراث فتقوى التهمة، على أنّي لم أقف على هذا القيد لغيره ممن يقتدى به، وهو خلاف ما نقل في " توضيحه " تبعاً لابن عبد السلام من قول أشهب، ولو كان الولد عبداً أو نصرانياً صُدّق ولحق به، وقول أبي اسحاق: لم يتهمه إذا كان له ولد وإن كان يرث معه السدس فكذلك العبد والنصراني وإن كانا لا يرثان، وهو أيضاً خلاف ما في " النوادر " من قول أصبغ، وإذا ترك ولداً أو ولد ولد وإن كان نصرانياً (٣) صُدِّق، ولحق به، وحُدّ (٤)، وإن لم
стр. 448
يترك ولداً لم يلحق به، وحُدّ (١)، ولم يعرج ابن عرفة هنا على شيء من هذا بنفيٍ ولا إثبات.
الثالث: قوله: (أو لم يكن وقلّ المال) ذكره أبو إبراهيم الأعرج الفاسي عن فضل (٢)، ومن يد أبي إبراهيم أخذه ابن عرفة.
الرابع: فهم من تفصيله (٣) في الإرث دون الاستلحاق أن الولد لاحقٌ به على كلّ حال بناءً على أن استلحاق النسب ينفي كلّ تهمة، وكذا في " التقييد " وهي طريقة الفاسيين، ولهم نسبها ابن عرفة فقال: قال ابن حارث: اتفقوا فيمن لاعن ونفى الولد ثم مات الولد عن مال وولد فأقرّ الملاعن به: أنه يلحقه ويحدُّ، وأنّه إن لم يترك ولداً لم يلحقه، واختلفوا في الميراث: فقول ابن القاسم في " المدونة " يدل على وجوب الميراث وهو قوله: إن لم يترك ولداً لم يقبل قوله؛ لتهمته في الإرث، وإن ترك ولداً قُبِلَ قوله؛ لأنه نسب يلحق (٤).
وروى البرقي عن أشهب: أن الميراث قد ترك لمن ترك فلا يجب له ميراث، وإن ترك ولداً ثم قال، وما ذكره ابن حارث من الاتفاق على عدم استلحاقه إن كان الولد قد مات مثله لابن المواز وابن القاسم وأصبغ، وقال أبو إبراهيم وغيره من الفاسيين: إنما يتهم إن لم يكن له ولد في ميراثه فقط، وأما نسبه فثابت باعترافه (٥).
الخامس: قد قدمنا نصّ " المدونة " في حدّ من لاعن ثم استلحق الولد كما ذكره المصنف قبل، إذ قال: (كاستلحاق الولد) يعني حياً وميتاً، قال ابن عرفة: ظاهر " المدونة " مع غيرها أنه يحدّ باستلحاقه مطلقاً. وفي " النوادر " عن محمد: إن كان للرؤية فقط أو لها ولنفي الولد لم يحدّ، وإن كان لإنكار الولد [حدّ] (٦)، ونقله الباجي ولم يتعقبه بشيء، وهو [٥٨ / ب] عندي خلاف ظاهر " المدونة ".
стр. 449
أَوْ إِنْ كُنْتُ كَذَبْتُهَا، وأَشَارَ الأَخْرَسُ أَوْ كَتَبَ. وشَهِدَتْ مَا رَآنِي أَزْنِي، أَوْ مَا زَنَيْتُ، أَوْ لَقَدْ كَذَبَ فِيهِمَا، وفِي الْخَامِسَةِ غَضَبُ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ووَجَبَ أَشْهَدُ، واللَّعْنُ والْغَضَبُ، وبِأَشْرَفِ الْبَلَدِ، وبِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ، ونُدِبَ إِثْرَ صَلاةٍ وتَخْوِيفُهُمَا، وخُصُوصاً عِنْدَ الْخَامِسَةِ، والْقَوْلُ بِأَنَّهَا مُوْجِبَةُ الْعَذَابِ، وفِي إِعَادَتِهَا إِنْ بَدَأَتْ خِلافٌ ولاعَنَتِ الذِّمِّيَّةُ بِكَنِيسَتِهَا ولَمْ تُجْبَرْ.
قوله: (أَوْ إِنْ كُنْتُ كَذَبْتُهَا) أشار به لقول ابن محرز عن أصبغ: إن جَعل مكان: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٧] إن كنت كذّبتها، أو جعلت بدل ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩] إنه لمن الكاذبين، أجزأ، زاد الباجي عنه: وأحب إلينا لفظ القرآن. فأشار إلى أن لفظ اللعان غير متعين، إلا أن لفظ القرآن أفضل، وظاهر قول ابن وهب تعيّنه بلفظ القرآن، كذا اختصره ابن عرفة.
وإِنْ أَبَتْ أُدِّبَتْ ورُدَّتْ لِمِلَّتِهَا كَقَوْلِهِ وَجَدْتُهَا مَعَ رَجُلٍ فِي لِحَافٍ، وتَلاعَنَا، إِنْ رَمَاهَا بِغَصْبٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ وأَنْكَرَتْهُ.
قوله: (وإِنْ أَبَتْ أُدِّبَتْ ورُدَّتْ لِمِلَّتِهَا) أي: لحكام أهل ملّتها، وهو كقول (١) ابن شاس: وإن أبت فهما على الزوجية، وتردّ إلى أهل دينها بعد العقوبة، لأجل خيانة زوجها في فراشه، وإدخالها الإلتباس في نسبه. انتهى (٢). والعامل في قوله: لأجل خيانة زوجها هو العقوبة، وكذا روى مطرّف عن مالك: أنها تردّ في النكول في هذا إلى أهل دينها، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ نقله في " النوادر " عن " الواضحة ".
قال عبد الحقّ في " النكت ": " ذكر في الكتاب أن الكتابية تلاعن في كنيستها، وهي لو أقرّت أو نكلت عن اللعان لم تحدّ، والصغيرة قال [لا] (٣) تلاعن؛ إذ لو أقرّت أو نكلت لم تحدّ، فلعلّ الفرق بينهما أن النصرانية قد يتعلّق عليها بإقرارها أو نكولها حدّ عند أهل ملّتها؛ لأنها مردودة إليهم، والصغيرة لا يتعلّق عليها شيء البتة فافترقتا لهذا ". انتهى بنصّه.
стр. 450
أَوْ صَدَّقَتْهُ ولَمْ يَثْبُتْ، ولَمْ يَظْهَرْ، وتَقُولُ مَا زَنَيْتُ، ولَقَدْ غُلِبْتُ، وإِلا الْتَعَنَ فَقَطْ كَصَغِيرَةٍ تُوطَأُ، وإِنْ شَهِدَ مَعَ ثَلاثَةٍ الْتَعَنَ، ثُمَّ الْتَعَنَتْ، وحُدَّ الثَّلاثَةُ لا إِنْ نَكَلَتْ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ بِزَوْجِيَّتِهِ حَتَّى رُجِمَتْ، وإِنِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ ثُمَّ ولِدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَكَالأَمَةِ، ولأَقَلَّ، فَكَالزَّوْجَةِ وحُكْمُهُ رَفْعُ الْحَدِّ والأَدَبُ فِي الأَمَةِ والذِّمِّيَّةِ، وإِيجَابُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ، إِنْ لَمْ تُلاعِنْ. وقَطْعُ نَسَبِهِ، وبِالْتِعَانِهِمَا تَأْبِيدُ حُرْمَتِهِمَا، وإِنْ مُلِكَتْ أَوِ انْفَشَّ حَمْلُهَا.
قوله: (أَوْ صَدَّقَتْهُ ولَمْ يَثْبُتْ، ولَمْ يَظْهَرْ) عبّر ابن شاس وغيره بالثبوت، وعبّر ابن الحاجب بالظهور وكأنه أعمّ (١)، وقد جمع المصنف بينهما.
ولَوْ عَادَ إِلَيْهِ قُبِلَ كَالْمَرْأَةِ عَلَى الأَظْهَرِ، وإِنِ اسْتَلْحَقَ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ لَحِقَا.
قوله: (ولَوْ عَادَ إِلَيْهِ قُبِلَ كَالْمَرْأَةِ عَلَى الأَظْهَرِ) تصوره ظاهر: فأما المرأة ففيها القولان بين القرويين، ويأتي توجيههما، وأما الرجل ففيه لمن بعدهم ثلاث (٢) طرق:
الأولى: أنه مختلف فيه كالمرأة، وهو الذي أخذه ابن عرفة من كلام ابن يونس.
الثانية: أنّ رجوعه متفق على قبوله، وبه قطع ابن شاس وابن الحاجب (٣) والمصنف هنا، ووجّهه في " التوضيح " بأن الزوج مدعي والزوجة مدعى عليها فإذا نكل الزوج فكأنه صفح عنها، وأيضاً فإنه ما انحصر أمده بل له أن يقيم البينة، وأما هي فإنها مدعىً عليها فإذا نكلت فقد صدقته، وأيضاً فقد انحصر أمرها فيه.
الثالثة: أن رجوعه غير مقبول في ظاهر المذهب مع التردد في جريان الخلاف فيه، وهو مقتضى كلام ابن رشد في " المقدمات " فإنه بعدما حكى الخلاف في رجوع المرأة وصحح
стр. 451
القبول كما لوّح له المصنف بالأظهر قال ما نصّه: " وانظر هل يدخل هذا الاختلاف في الزوج إذا نكل عن اللعان ثم أراد أن يرجع إليه؟ فقد قيل: إنه يدخل في ذلك، والصحيح أنه لا يدخل فيه، والفرق بين المرأة والرجل في ذلك أن نكول المرأة عن اللعان كالإقرار منها على نفسها بالزنا، ولها أن ترجع عن الإقرار به، ونكول الرجل عن اللعان كالإقرار منه على نفسه بالقذف، وليس له أن يرجع عن الإقرار به " (١). انتهى.
ومنه يظهر لك أن ما حكي عنه في " التوضيح " من تصحيح القول بقبول رجوع الرجل وهم، كما أن نقل كلام ابن رشد هذا بواسطة المَتِّيْطِي كما فعل ابن عرفة والمصنف في " التوضيح " قصور، ولو أراد المصنف أن يسلك طريقة ابن رشد في الزوجين معاً لكان يقول مثلاً: ولو عاد إليه لم يقبل لا المرأة على الأظهر فيهما (٢).
تكميل:
قال ابن عرفة: وفي " تهذيب " عبد الحقّ ما حاصله: لو نكلت المرأة عن اللعان فقال أبو بكر ابن عبد الرحمن وأبو عليّ بن خلدون بقبول رجوعها إليه، محتجين بالقياس على قبول رجوعها عن إقرارها بالزنى، وقال ابن الكاتب وأبو عمران: بعدم قبول رجوعها، محتجّين بالقياس على عدم قبول رجوع من سلم أعذار بينة بحقّ عليه؛ لأن لعان الزوج كبينة عليها، ولعانها قدح فيها، وبالقياس على عدم قبول رجوع من نكل عن يمين إلى الحلف بها وردَّ (٣) قياس أبي بكر الأول بالفرق بأن الحقّ في الزنا لله فقط، واللعان فيه حقّ للزوج، وهو بقاء عصمته إن كانت أمة أو غير محصنة، وبأن الإقرار بالزنا إقرار بما لم يثبت إلا به، وباللعان إقرار بما ثبت بزائدٍ عليه وهو أيمان الزوج، هذا حاصل استدلاله في نحو سبعة أوراق.
стр. 452
وقال الباجي: عندي أن في " المَوَّازِيِّة " عن ابن القاسم مثل قول أبي بكر، ولسحنون في " العُتْبِيَّة " مثل قول ابن الكاتب (١) [٥٩ / أ]، وعزا عبد الحميد الصائغ قول أبي بكر لأبي محمد اللوبي (٢) وغيره قال: وما قاله ابن الكاتب له وجه لتعلّق حقّ الزوج، لكن لعلّه أراد أنها لا ترجع إلى اللعان، بمعنى أنها تبقى زوجة على القول أنها تقع الفرقة بلعانهما معاً إذ يتعلّق بنكولها ورجوعها [حقّ لله تعالى وحقّ للزوج، [كما لو] (٣) أقرّ بسرقة مال رجل يجب به قطعه ثم رجع، فيسقط] (٤) حقّ الله تعالى في قطعه لا حقّ الآدمي في المال.
وإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةٌ فَبَطْنَانِ، إِلا أَنَّهُ قَالَ إِنْ أَقَرَّ بِالثَّانِي، وقَالَ لَمْ أَطَأْ بَعْدَ الأَوَّلِ سُئِلَ النِّسَاءُ، فَإِنْ قُلْنَ إِنَّهُ قَدْ يَتَأَخَّرُ هَكَذَا لَمْ يُحَدَّ.
قوله: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةٌ فَبَطْنَانِ، إِلا أَنَّهُ قَالَ إِنْ أَقَرَّ بِالثَّانِي، وقَالَ لَمْ أَطَأْ بَعْدَ الأَوَّلِ سُئِلَ النِّسَاءُ، فَإِنْ قُلْنَ إِنَّهُ قَدْ يَتَأَخَّرُ هَكَذَا لَمْ يُحَدَّ) كذا جاء ابن الحاجب بهذا الاستثناء (٥)، على سبيل الاستشكال، ونص " المدونة " على اختصار أبي سعيد: فإن وضعت الثاني لستة أشهر فأكثر فهما بطنان، فإن أقرّ بالأول ونفى الثاني، فقال: لم أطأها بعد ولادتها الأول لاعن ونفى الثاني؛ إذ هما بطنان (٦). فسكت ابن الحاجب والمصنف عن هذا الفرع لجريانه على أصل كونهما بطنين، ثم جاء في " المدونة " بالفرع المستشكل فقال: " وإن قال لم أجامعها بعد ما ولدت الأول وهذا الثاني ولدي فإنه يلزمه؛ لأن الولد للفراش ويسأل النساء، فإن قلن: إن الحمل يتأخر هكذا لم يحدّ وكان بطناً واحداً، وإن قلن لا يتأخر حدّ ولحق به، بخلاف الذي يتزوج امرأة فلم يبن بها حتى أتت بولد لستة أشهر
стр. 453
من يوم تزوجت، فأقرّ به الزوج وقال: لم أطأها منذ تزوجتها، هذا يحد ويلحق به الولد (١).
وقد أشار في " التقييد " لهذا الاستشكال ثم انفصل عنه أحسن الانفصال فقال: جزم أولاً بجعلهما بطنين ثم قال: يسأل النساء، وما ذاك إلا لأجل حدّ الزوج حدّ القذف؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ثم قال: واختصرها اللَّخْمِيّ وإن أقرّ بهما جميعاً وقال: لم أجامعها بعدما ولدت سئل النساء، فالنزاع إنما هو في الثاني يدلّ عليه النظير (٢) إذ كأنه نفاه وأثبته. انتهى.
وإليه يرجع ما عند ابن عرفة فإنه قال: إنما لم يحدّ إذا قال النساء يتأخر لعدم نفيه إياه بقوله: لم أطأها بعد وضع الأول؛ لجواز كونه بالوطء الذي كان عنه الأول عملاً بقولهن يتأخر وحدَّ إذا قلن لا يتأخر لنفيه إياه بقوله: لم أطأها بعد وضع الأول منضماً (٣) لقولهن لا يتأخر، فامتنع كونه عن الوطء الذي كان عنه الأول مع قوله: لم أطأ (٤) بعده، وإقراره به مع ذلك فآل أمره لنفيه وإقراره به، فوجب لحوقه به وحده. انتهى.
وأما ابن عبد السلام فحمله على أنه إنما أقر بالثاني بعد أن نفى الأول ولاعن فيه، وقرر الاستشكال بأنه إذا كان يتأخر كان كما لو ولدا في وقتٍ واحد أو كان (٥) بينهما أقل من ستة أشهر، وقد قال في هاتين الصورتين: إن أقرّ بأحدهما ونفى الآخر حدّ ولحقا به، فكذا يجب الحكم فيما شاركهما في المعنى، فقبله في " التوضيح "، وعبّر عن الاستشكال بأن النساء إذا قلن: يتأخر هكذا، كان حكم الجميع حكم الحمل الواحد، فكان ينبغي أن يحدّ لتكذيبه نفسه في نفي الأول، وكأنه إنما أسقط الحدّ؛ لأن قول النساء لا يحصل به القطع فكان ذلك شبهة تسقط الحد، ويردّ على هذا أنه لو كان كذلك لزم أيضاً سقوط الحدّ إذا
стр. 454
قلن إنه لا يتأخر؛ لأن قولهن لا يُحصِّل (١) القطع، وقد نصّ في " المدونة " على وجوب الحدّ في ذلك، ولم يقبله ابن عرفة، واعترضه بما يتأمل في كتابه، وجعل قوله بعد أن نفى الأول ولاعن فيه تحريفاً لمسألة " المدونة " بنقيض ما هي عليه مع وضوحها وشهرتها.
قال: وقد يكون موجب ما قاله ابن عبد السلام اعتقاده أن لا موجب لما زعمه من استشكال ابن الحاجب غير ما ذكره، وليس كذلك لإمكان تقرير استشكاله بأن يقال: قوله في " المدونة " في وضعها الثاني لستة أشهر هما بطنان إن أقرّ بالأول ونفى الثاني وقال: لم أطأها بعد وضع الأول لاعن للثاني، ولم يقل يسأل النساء منافٍ لقوله في الثانية: يُسألن؛ لأن وضع الثاني للستة إن لم يستقل في دلالته مع قوله: لم أطأها بعد وضع الأول على قطعه عن الأول دون سؤالهن كما في الأولى لزم في الثانية فيحدّ، وإلا سُئلن في الأولى، فإن قُلن يتأخر حُدّ كما لو وضعتهما لأقلّ من ستة [٥٩ / ب] أشهر، ويجاب باستقلاله حيث لا يعارض أصلاً، ولا يستقل حيث يعارضه، وهو في الثانية يعارض أصل درء الحدود بالشبهات بخلاف الأولى). انتهى.
وهو راجع لاستشكال صاحب " التقييد " وانفصاله، وقوله: على قطعه متعلّق بدلالته، ثم قال: وقوله في " المدونة ": بخلاف الذي يتزوج المرأة فلم يبن بها ... إلى آخره، معناه أنه في هذه يحدّ من غير سؤال النساء عن التأخر، ووجهه واضح إذا لم يتقدّم للزوج فيها وطء، بحيث يحتمل كون الولد الذي أقرّ به منه، فاتضح منه في الولد نفيه وإقراره به، ومسألة الولدين تقدّم فيها من الزوج وطء هو الذي كان عنه الأول فعرض احتمال كون الولد الثاني منه إن صحّ تأخر الوضع ستة أشهر فلم (٢) يكن قوله: ما وطأتها. بعد وضع الأول نفياً له، فيحدّ بإقراره به، فوجه المخالفة بين الفرعين بيّن، خلافاً لابن عبد السلام.
стр. 455
[باب العدة]
تَعْتَدُّ حُرَّةٌ، وإِنْ كِتَابِيَّةً أَطَاقَتِ الْوَطْءَ بِخَلْوَةٍ وبَالِغٍ غَيْرِ مَجْبُوبٍ أَمْكَنَ شَغْلُهَا مِنْهُ وإِنْ نَفَيَاهُ، وأُخِذَا بِإِقْرَارِهِمَا لا بِغَيْرِهَا.
قوله: (وأُخِذَا بِإِقْرَارِهِمَا) تفريع على ما إذا نفيا الوطء في الخلوة الحاصلة، فيسقط حقّها من النفقة والسكنى وتكميل الصداق لإقرارها بنفي الوطءِ، ويسقط حقّه من الرجعة لذلك.
إِلا أَنْ تُقِرَّ بِهِ أَوْ يَظْهَرَ حَمْلٌ، ولَمْ يَنْفِهِ بِثَلاثَةِ أَقْرَاءٍ أَطْهَارٍ، وذِاتِ الرِّقِّ قِرْءَانِ والْجَمِيعُ لِلاسْتِبْرَاءِ، لا الأَوَّلُ فَقَطْ عَلَى الأَرْجَحِ، ولَوِ اعْتَادَتْهُ فِي كَالسَّنَةِ أَوْ أَرْضَعَتْ، أَوِ اسْتُحِيضَتْ ومَيَّزَتْ، ولِلزَّوْجِ انْتِزَاعُ وَلَدِ الْمُرْضِعِ فِرَاراً مِنْ أَنْ تَرِثَهُ أَوْ لِيَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ رَابِعَةً، إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْوَلَدِ وإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ أَوْ تَأَخَّرَ بِلا سَبَبٍ [٤٣ / أ]، أَوْ مَرِضَتْ تَرَبَّصَتْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ اعْتَدَّتْ بِثَلاثَةٍ. كَعِدَّةِ مَنْ لَمْ تَرَ الْحَيْضَ والآيسَةِ ولَوْ بِرِقٍّ، وتُمِّمَ مِنَ الرَّابِعِ فِي الْكَسْرِ، لَغَا يَوْمُ الطَّلاقِ، وإِنْ حَاضَتْ فِي السَّنَةِ انْتَظَرَتِ الثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ، ثُمَّ إِنِ احْتَاجَتْ لِعِدَّةٍ، فَالثَّلاثَةِ.
قوله: (إِلا أَنْ تُقِرَّ بِهِ) ليس بمكرر مع قوله: (وأُخِذَا بِإِقْرَارِهِمَا)؛ لأن هذا في غير الخلوة وذلك في الخلوة.
ووَجَبَ إِنْ وُطِئَتْ بِزِناً أَوْ شُبْهَةٍ، ولا يَطَأُ الزَّوْجُ، ولا يَعْقِدُ، أَوْ غَابَ غَاصِبٌ أَوْ سَابٍ أَوْ مُشْتَرٍ ولا يُرْجَعُ لَهَا قَدْرُهَا.
قوله: (ووَجَبَ إِنْ وُطِئَتْ بِزِناً أَوْ شُبْهَةٍ، ولا يَطَأُ الزَّوْجُ، ولا يَعْقِدُ، أَوْ غَابَ غَاصِبٌ أَوْ سَابٍ أَوْ مُشْتَرٍ ولا يُرْجَعُ لَهَا قَدْرُهَا) أي: ووجب قدر العدة على اختلاف أنواعها على الحرة إن وطئت بزنىً، فالضمير في وطئت للحرة المتقدمة في قوله: (تعتدّ حرة)، فهو في قوة قول ابن الحاجب: ويجب على الحرة عدة المطلّقة ... إلى آخره (١). وأما الأمة فتأتي في فصل الاستبراء.
ويندرج في الشبهة الغلط والنكاح الفاسد، ويندرج في قوله: لا يعقد العقد على الأجنبية والعقد على الزوجة التي فسخ نكاحه إياها، إذا استعمل لفظ الزوج في حقيقته
المعترك بين المسلمين تعتد بعد انفصال الصفيّن، قال: وروي بعد التلوم والاجتهاد (١). قال في " التوضيح ": جعله ابن الحاجب خلافاً للأول، وجعله غيره تفسيراً له ومثله لابن عبد السلام، إلا أنه استقرب التفسير، فإلى هذين القولين أشار هنا.
وفِي الْفَقْدِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ والْكُفَّارِ بَعْدَ سَنَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ، ولْمُعْتَدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ والْمَحْبُوسَةِ بِسَبَبِهِ فِي حَيَاتِهِ السُّكْنَى، ولِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِنْ دَخَلَ بِهَا، والْمَسْكَنُ لَهُ أَوْ نَقَدَ كِرَاءَهُ، لا بِلا نَقْدٍ، وهَلْ مُطْلَقاً؟ أَوْ إِلا الْوَجِيبَةَ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وفِي الْفَقْدِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ والْكُفَّارِ بَعْدَ سَنَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ) هكذا هو في كثيرٍ من النسخ بظرفين مضافين لما بعدهما وهو الصواب، فالظرف الأول متعلّق بمحذوف، والثاني في موضع الصفة لسنة، والتقدير: تعتد بعد سنة كائنة بعد النظر، أشار به لقول المَتِّيْطِي فيمن فقد في حرب العدو، وروى أشهب وابن نافع عن مالك: أنه يضرب لامرأته أجل سنة من وقت النظر لها، ثم يورث عند انقضائها، وتنكح زوجته (٢) بعد العدة.
ولا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ، إِلا أَنْ يُسْكِنَهَا، لا لِيَكْفُلَهَا، وسَكَنَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْكُنُ، ورَجَعَتْ لَهُ إِنْ نَقَلَهَا، واتُّهِمَ. أَوْ كَانَتْ بِغَيْرِهِ وإِنْ بِشَرْطٍ فِي إِجَارَةِ رَضَاعٍ، وانْفَسَخَتْ، ومَعَ ثِقَةٍ إِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْعِدَّةِ، إِنْ خَرَجَتْ ضَرُورَةً فَمَاتَ، أَوْ طَلَّقَهَا فِي كَالثَّلاثَةِ الأَيَّامِ، وفِي التَّطَوُّعِ أَوْ غَيْرِهِ إِنْ خَرَجَ لِكِرْبَاطٍ لا لِمُقَامٍ، إِنْ وَصَلَتْ، والأَحْسَنُ، ولَوْ لإِقَامَةٍ نَحْوَ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ، والْمُخْتَارُ خِلافُهُ وفِي الانْتِقَالِ تَعْتَدُّ بِأَقْرَبِهِمَا أَوْ أَبْعَدِهِمَا أَوْ بِمَكَانِهَا، وعَلَيْهِ الْكِرَاءُ رَاجِعاً، ومَضَتِ الْمُحْرِمَةُ أَوِ الْمُعْتَكِفَةُ أَوْ أَحْرَمَتْ وعَصَتْ، ولا سُكْنَى لأَمَةٍ لَمْ تُبَوَّأْ، ولَهَا حِينَئِذٍ الانْتِقَالُ مَعَ سَادَتِهَا كَبَدَوِيَّةٍ ارْتَحَلَ [٤٤ / أ] أَهْلُهَا فَقَطْ، أَوْ لِعُذْرٍ لا يُمْكِنُ الْمُقَامُ مَعَهُ بِمَسْكَنِهَا كَسُقُوطِهِ أَوْ خَوْفِ جَارِ سُوءٍ، ولَزِمَتِ الثَّانِيَ والثَّالِثَ.
قوله: (لا لِيَكْفُلَهَا) كذا هو في أصل ابن يونس من باب الكفالة التي هي الحضانة والتربية، وكذا عبّر عنه ابن عرفة فقال: " ففي (٣) كون الصغيرة المضمومة أحقّ، ثالثها إن
стр. 459
ضمها لا لمجرد كفالتها، وفي بعض النسخ: (لا ليكفها) من الكفّ الذي هو المنع، والصواب ما قدمنا.
والْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهَا طَرَفَيِ النَّهَارِ، لا لِضَرَرِ جِوَارٍ لِحَاضِرَةٍ، ورَفَعَتْ لِلْحَاكِمِ، وأَقْرَعَ لِمَنْ يَخْرُجُ، إِنْ أَشْكَلَ. وهَلْ لا سُكْنَى لِمَنْ سَكَّنَتْ زَوْجَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا؟ قَوْلانِ.
قوله: [٦٠ / أ] (والْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهَا طَرَفَيِ النَّهَارِ) كأنه أطلق طرفي النهار على الطرفين المكتنفين له من الليل فهو وفاق للمدونة (١)، ويبعد حمله على ما اختار اللَّخْمِيّ من أن تؤخر الخروج إلى طلوع الشمس وترجع لغروبها. قال: وهذا في بعض الأوقات وعند الحاجة، وليس لها أن تتخذه عادة، وقد لوّح لهذا بقوله: (فِي حَوَائِجِهَا).
وسَقَطَتْ إِنْ أَقَامَتْ بِغَيْرِهِ.
قوله: (وسَقَطَتْ إِنْ أَقَامَتْ (٢) بِغَيْرِهِ) أي وسقطت أجرة السكنى.
كَنَفَقَةِ وَلَدٍ هَرَبَتْ بِهِ، ولِلْغُرَمَاءِ بَيْعُ الدَّارِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا؟ فَإِنِ ارْتَابَتْ فِهِيَ أَحَقُّ، ولِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، ولِلزَّوْجِ فِي الأَشْهُرِ، ومَعَ تَوَقُّعِ الْحَيْضِ قَوْلانِ. ولَوْ بَاعَ إِنْ زَالَتِ الرِّيبَةُ فَسَدَ. وأُبْدِلَتْ فِي الْمُتَهَدِّمِ، والْمُعَاِر، والْمُسْتَأْجِرِ الْمُنْقَضِي الْمُدَّةِ.
قوله: (كَنَفَقَةِ وَلَدٍ هَرَبَتْ بِهِ) كذا أقام أبو محمد صالح من التي قبلها، وقد قيّد في تضمين الصناع وجوب النفقة على أبي اللقيط بما إذا تعمّد طرحه، ولابن عات عن الاستغناء قال المشاور: إذا خاف الأب أن تخرج به الحاضنة بغير إذنه، وشرط عليها إن نقلته بغير إذنه فنفقته وكسوته عليها لزمها ذلك، ونحوه لغيره من المفتين.
وإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَكَانَيْنِ أُجِيبَتْ، وامْرَأَةُ الأَمِيرِ ونَحْوِهِ لا يُخْرِجُهَا الْقَادِمُ، وإِنِ ارْتَابَتْ كَالْحُبُسِ حَيَاتَهُ، بِخِلافِ حُبُسِ مَسْجِدٍ بِيَدِهِ، ولأُمِّ وَلَدٍ يَمُوتُ عَنْهَا السُّكْنَى. وزِيدَ مَعَ الْعِتْقِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ كَالْمُرْتَدَّةِ والْمُشْبِهَةِ إِنْ حَمَلَتَا.
قوله: (وإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَكَانَيْنِ أُجِيبَتْ) أي: عند الإبدال في المتهدم ونحوه كما في " المدونة ".
стр. 460
وهَلْ نَفَقَةُ ذَاتِ الزَّوْجِ إِنْ لَمْ تَحْمِلْ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الْوَاطِئِ؟ قَوْلانِ.
قوله: (وهَلْ نَفَقَةُ ذَاتِ الزَّوْجِ إِنْ لَمْ تَحْمِلْ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الْوَاطِئِ؟ قَوْلانِ). لشراح ابن الحاجب (١) في صفة هذين القولين ثلاث عبارات:
الأولى: هل النفقة في العدة عليها نفسها أو على واطئها؟ كما هنا، وهي التي في " التوضيح "، وفيما وقفنا عليه من نسخ ابن عبد السلام، ولم أرها لغيرهما ممن قبلهما، ويبعدها أن الخلاف لو كان كذلك لم تختص (٢) بذات الزوج.
الثانية: هل النفقة على زوجها أو على واطئها؟ وهو [الذي] (٣) نسبه ابن عرفة لابن عبد السلام ووهّمه فيه.
الثالثة: هل النفقة على زوجها أو عليها؟ وهو الذي عند ابن عرفة اعتماداً على نقل ابن يونس في كتاب النكاح الثاني في مسألة الأخوين، إذا أدخلت على كلّ واحد منهما زوجة أخيه، ونصّه: " ذكر عن أبي عمران أنه قال: لا نفقة لكلّ واحدة في الاستبراء على زوجها؛ لأنه لم يدخل بها ولا على الواطئ؛ لأنها غير زوجته، إلا أن يظهر حمل فترجع عليه بما أنفقت ".
فأما من وطيء زوجة رجلٍ في ليلٍ يظنّ أنها زوجته ولم تحمل: فنفقتها في استبرائها على زوجها، كما لو مرضت فإنه ينفق عليها قال: وسواءً كان للتي أدخلت على غير زوجها مال أم لا، لا نفقة لها على واحد منهما، وذكر في بعض التعاليق: أن نفقة كلّ واحدة منهما على زوجها الحقيقي، والأول أصوب ". انتهى، وقبله في " التقييد "، وكتب عليه شيخ شيوخنا الفقيه أبو القاسم التازغدري قول أبي عمران: وأما من وطيء زوجة رجل. معناه: إن كانت مدخولاً بها، وإلا فهي كالأولى.