وكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ بِأَرْضِهِ وحَكَّهُ، وتَعْلِيمُ صَبِيٍّ، وبَيْعٌ وشِرَاءٌ، وسَلُّ سَيْفٍ.
قوله: (وكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ بِأَرْضِهِ وحَكَّهُ) أي والحكم بعد الوقوع أَن يحكه، وهذا فِي غير المحصّب والمحصر لقوله فِي فصل صلاة الجماعة لما ذكر الجائزات: (وبصق بِهِ إِن حصب أَو تحت حصيره) وكذا قيّده ابن عبد السلام هنا.
وإِنْشَادُ ضَالَّةٍ، وهَتْفٌ بِمَيِّتٍ، ورَفْعُ صَوْتٍ كَرَفْعِهِ بِعِلْمٍ، ووَقِيدُ نَارٍ، ودُخُولُ كَخَيْلٍ لِنَقْلٍ، وفَرْشٌ ومُتَّكَأٌ. وَلِذِي مَأْجَلٍ، وبِئْرٍ، ومِرْسَالِ مَطَرٍ (كَمَاءٍ يَمْلِكُهُ) مَنْعُهُ وبَيْعُهُ.
قوله: (وإِنْشَادُ ضَالَّةٍ) يريد: ونشدها [١١٥ / ب] أَيْضاً ويتبين لك الفرق بينهما من قول الشاعر:
(٩١)
إِصَاخَةِ النَاشِدِ لِلْمُنْشِدِ
إِلا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ ولا ثَمَنَ مَعَهُ.
قوله: (إِلا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ ولا ثَمَنَ مَعَهُ) هو كقوله فِي " المدونة ": إِلا قوماً لا ثمن معهم، وإِن تركوا إِلَى أَن يردوا ماء غيره هلكوا فلا يمنعوا (١).
ابن يونس: إِن كَانَ المسافرون لا ثمن معهم وجبت مواساتهم للخوف عليهم ولا يتبعون بثمنه، وإِن كانت لهم أموال ببلدهم؛ لأنهم اليوم أبناء السبيل يجوز لهم أخذ الزكاة؛ لوجوب مواساتهم، وأما اللخمي فقال: إِن لَمْ يكن معهم ثمن كَانَ لهم أخذه الآن، ويختلف هل يتبعون بالثمن متى أيسروا قياساً عَلَى من وجبت مواساته لأجل فقره، فاختلف فيه هل يتبع بشيءٍ إِن أيسر، وإن كانوا مياسير فِي بلادهم اتبعوا.
والأَرْجَحُ بِالثَّمَنِ كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعٍ خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ، وأَخَذَ يُصْلِحُ. وأُجْبِرَ عَلَيْهِ كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ بِصَحْرَاءَ هَدَراً إِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الْمِلْكِيَّةِ.
قوله: (والأَرْجَحُ بِالثَّمَنِ) يريد إِن كَانَ معه ثمن كأنه رأى أَن ذكره الثمن يدل عَلَى [أَن] (٢) الفرض مَعَ وجوده ثم شبه فِي الأَرْجَحية وغيرها فقال: (كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعٍ خِيفَ
стр. 842
عَلَى زَرْعِ جَارِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ، وأَخَذَ يُصْلِحُ)، فاقتضى كلامه أَن ابن يونس رجّح أَن الواجد لا يأخذه إِلا بالثمن فيهما، وهو موافق للمدونة فِي الأول، ومخالف لَهَا فِي الثاني، وذلك أنّه قال فِي " المدونة ": وكل من حفر فِي أرضه أَو داره بيراً فله منعها ومنع مائها، ومنع المارة من مائها إِلا بثمن (١).
فقال ابن يونس: لَمْ ير هاهنا أَن يأخذوه بغير ثمن إِن كَانَ معهم، وقال فِي الذي انهارت بيره، وخاف عَلَى زرعه أَن لَهُ أَن يسقي بماء جاره الذي يجوز لَهُ بيعه بغير ثمن، وإحياء نفسه أعظم من إحياء زرعه، والأولى فِي كلا الأمرين أَن يأخذ ذلك بالثمن كما لَو مات جمله فِي الصحراء لكان عَلَى بقية الرفقة أَن يكروا منه. زاد أبو إسحاق التونسي: إِلا أَن يكون أراد أَن فضل ماء جاره لا ثمن لَهُ فلا يقدر عَلَى بيعه فيصحّ حينئذٍ الجواب، ويكون هذا الماء الذي باعه من المسافرين لَهُ ثمن، فيكون اختلاف الجواب لاختلاف المعنى.
أبو الحسن الصغير: وفرق بعضهم بأن المسافرين مختارون لسبب السفر، والذي انهارت بيره ليس بمختار. انتهى. وقد قال المصنف فِي باب الصيد: (ولَهُ الثمن إِن وجد).
وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ، ولَهُ عَارِيَةُ آلَةٍ ثُمَّ حَاضِرٍ، ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا.
قوله: (وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ، ولَهُ عَارِيَةُ آلَةٍ ثُمَّ حَاضِرٍ، ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا) الضمير فِي ربِّها يعود عَلَى البئر، يريد ثم دابّة المسافر ثم دابّة الحاضر، ولَمْ يصرّح بِهِ اكتفاءً بما ذكر فِي أربابها، والذي فِي " المقدمات " وجه التبدئة فِي الشرب فِي بئر الماشية: إِذَا اجتمع أهل البئر والمارة وسائر الناس والماء يقوم بهم أَن يبدأ أولاً أهل الماء فيأخذون لأنفسهم حتى يرووا، ثم المارة حتى يرووا، ثم دوابّ أهل الماء حتى يرووا، [ثم دوابّ المارة حتى يرووا] (٢)، ثم مواشي أهل الماء حتى يرووا، ثم الفضل لسائر مواشي الناس (٣).
стр. 843
لِجَمِيعِ (١) الرِّيِّ.
قوله: (لِجَمِيعِ الرِّيِّ) لامه لام الغاية. إشارة لقول ابن رشد فِي المراتب كلّها " حتى يرووا " (٢)، وفِي بعض النسخ بالباء كأنّه بدل اشتمال من قوله: (بمسافر).
وَإِلا فَبِنَفْسِ الْمَجْهُودِ، وإِنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُبَاحٍ سُقِيَ الأَعْلَى إِنْ تَقَدَّمَ لِكَعْبٍ، وأُمِرَ بِالتَّسْوِيَةِ، وإِلا فَكَحَائِطَيْنِ. وَقُسِمَ لِلْمُتَقَابِلَيْنِ كَالنِّيلِ، وإِنْ مُلِكَ أَوَّلاً قُسِمَ بِقِلْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وأُقْرِعَ لِلتَّشَاحِّ فِي السَّبْقِ. ولا يَمْنَعُ صَيْدَ سَمَكٍ، وإِنْ مِنْ مِلْكِهِ وهَلْ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَقَطْ؟ أَوْ إِلا أَنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وإِلا فَبِنَفْسِ الْمَجْهُودِ) راجع لـ: (فضل بئر ماشية) أي: إن لَمْ يكن فضل بديء بنفس المجهود، ويحتمل أَن يكون راجعاً لقوله: ([بجميع] (٣) الري) أي: وإن لَمْ يكن فِي الفضل ريّ الجميع. قال ابن رشد فِي " المقدمات ": فأما إِن لَمْ يكن فِي الماء فضل وتبدية أحدهم تجهد الآخرين فأنّه يبدأ بأنفسهم ودوابّهم من كَانَ الجهد عَلَيْهِ أكثر بتبدئة صاحبه، فإن استووا فِي الجهد تساووا. هذا مذهب أشهب، وعَلَى مَا ذهب إليه ابن لبابة أنهم إِذَا استووا فِي الجهد فأهل الماء أحقّ بالتبدئة لأنفسهم ودوابّهم، وأما إِن قلّ الماء وخيف عَلَى بعضهم بتبدئة بعض الهلاك، فأنّه يبدأ أهل الماء فيأخذون لأنفسهم بقدر مَا يذهب عنهم الخوف، فإن فضل فضل أخذ المسافرون لأنفسهم بقدر مَا يذهب عنهم الخوف، فإن فضل فضل أخذ أهل الماء لدوابّهم بقدر مَا يذهب عنهم الخوف، فإن فضل فضل أخذ المسافرون لدوابّهم بقدر مَا يذهب عنهم الخوف، ولا اختلاف عندي فِي هذا الوجه (٤).
وَ [لا] (٥) كَلأٍ بِفَحْصٍ وعَفَاءٍ لَمْ يَكْتَنِفْهُ زَرْعُهُ. بِخِلافِ مَرْجِهِ وحِمَاهُ.
قوله: (ولا كَلأٍ بِفَحْصٍ وعَفَاءٍ لَمْ يَكْتَنِفْهُ زَرْعُهُ، بِخِلافِ مَرْجِهِ وحِمَاهُ) هذا التقسيم فِي
стр. 844
الأرض المتملكة وتعرف هذه الأقسام. بالوقوف عَلَى كلام ابن رشد فِي " المقدمات " وهو الذي اختصر هنا ونصّه: [١١٦ / أ] " وإِن كَانَ الكلأ فِي أرضٍ متملّكة فإنها تنقسم عَلَى أربعة أقسام:
أحدها: أَن تكون محظّرة قد حظر عَلَيْهَا بالحيطان كالجنات (١) والحوائط.
والثاني: أَن تكون غير محظّرة إِلا أنها حماه ومروجه التي قد بوّرها للرعي، وترك زراعتها من أجل ذلك.
والثالث: فدادينه وفحوص أرضه التي لَمْ يبورها للرعي، وإنما ترك زراعتها لاستغنائه عن زراعتها أَو ليجمعها للحرث. والرابع العفاء والمسرح من أرض قريته.
فأما الأول: وهو إِذَا كانت محظرة فلا اختلاف فيما كَانَ فيها من الكلأ أَن صاحبها أحقّ بِهِ، لَهُ أَن يبيعه ويمنعه احتاج إليه أَو لَمْ يحتج إليه.
وأما الرابع: وهو العفاء والمسرح من أرض قريته، فلا اختلاف أنّه لا يبيعه ولا يمنع الناس عما فضل عن حاجته منه إِلا أَن يكون فِي تخلّف الناس بدوابهم ومواشيهم ضرر عَلَيْهِ من زرعٍ يكون حواليه فيفسد عَلَيْهِ بالإقبال والإدبار.
وأما الثاني والثالث فاختلف فيهما عَلَى ثلاثة أَقْوَال: فقال ابن الماجشون: لَهُ أَن يبيع مراعي أرضه كَانَ بوَّرها للكراء أَو لَمْ يبورها لذلك. وقال أشهب: ليس لَهُ أَن يبيع، وإنما يكون أحقّ بمقدار حاجته ويترك الفضل للناس. وقال ابن القاسم: لَهُ أَن يبيع إِن أوقفها للمرعى، وليس لَهُ أَن يبيع مَا فِي فدادينه وفحوصه ". انتهى. ولَمْ يصرّح المصنف بالتي حظر عَلَيْهَا إما لاندراجها فِي حماه أَو لأنها أحرى منه، والذي عند الجوهري: العفاء بالفتح والمدّ الدروس والهلاك، والعفو الأرض الغُفْل لَمْ توطأ. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 845
[باب الوقف]
صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ، وإِنْ بِأُجْرَةٍ.
قوله: (وإِنْ بِأُجْرَةٍ) قصد لمخالفة قول ابن الحاجب، ويصحّ فِي العقار المملوك لا المستأجر (١). عملاً عَلَى مَا حكى فِي " توضيحه " من اعتراض قول ابن الحاجب، بأن ظاهره أَن المنافع المملوكة دون الرقبة لا يصحّ وقفها. وفِي " الإجارة " من " المدونة ": " لا بأس أَن يكري أرضه عَلَى أَن تتخذ مسجداً عشر سنين، فإذا انقضت كَانَ النقض للذي بناه " (٢). انتهى. فليتأمل. وأما ابن عرفة فقال: وقول ابن الحاجب يصحّ فِي العقار المملوك لا المستأجر اختصاراً لقول ابن شاس: لا يجوز وقف الدار المستأجرة، (٣) وفِي كون مراد ابن شاس نفي وقف مالك منفعتها أَو بائعها نظر.
وفسّره ابن عبد السلام فِي لفظ ابن الحاجب بالأول، وهو بعيد؛ لخروجه بالمملوك، والأَظْهَر الثاني، وفِي نقله الحكم بإبطاله نظر؛ لأن الحبس إعطاء منفعة دائماً، وأمد الإجارة خاصّ فالزائد عَلَيْهِ يتعلّق بِهِ الحبس لسلامته من المعارض، ثم فِي لغو حوز المستأجر إياه للحبس، فيفتقر لحوزه بعد أمد الإجارة وصحته، فيتمّ من حين عقده قَوْلانِ مخرّجان عَلَى قول ابن القاسم وأشهب فِي مثلها من الهبة.
وَلَوْ حَيَوَاناً ورَقِيقاً كَعَبْدٍ عَلَى مَرْضَى لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَهُ. وَفِي وَقْفِ كَطَعَامٍ تَرَدُّدٌ. عَلَى أَهْلِ التَّمَلُّكِ كَمَنْ سَيُولَدُ، وذِمِّيٍّ وإِنْ لَمْ تَظْهَرْ قُرْبَةٌ.
قوله: (وَلَوْ حَيَوَاناً) استدلّ لهذا اللخمي وتبعه المتيطي بقوله ﷺ " من حبس فرساً فِي سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريّه فِي ميزانه يوم القيامة " أخرجه البخاري (٤). فقال ابن عرفة: هذا الاستدلال وهم شنيع فِي فهمه إِن
стр. 846
ضبط باء " حبس " بالتخفيف، وفِي روايته أَن ضبطها بالتشديد] (١).
أَوْ يَشْتَرِطْ تَسْلِيمَ غَلَّتِهِ مِنْ نَاظِرِهِ لِيَصْرِفَهَا، أَوْ كَكِتَابٍ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ صَرْفِهِ فِي مَصْرِفِهِ وبَطَلَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وحَرْبِيٍّ، وكَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ، أَوْ عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ.
قوله: (أَوْ يَشْتَرِطْ تَسْلِيمَ غَلَّتِهِ مِنْ نَاظِرِهِ لِيَصْرِفَهَا) أَو يشترط مجزوم عطفاً عَلَى مَا بعد لَمْ (٢)، وفِي بعض النسخ تسليم بسكون السين وكسر اللام وياء بعدها، وفِي بعضها تَسَلُّم بفتح السين وضم اللام المشددة وهذا أنسب.
أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ قَبْلَ عَامٍ.
قوله: (أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ قَبْلَ عَامٍ) فِي رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات: سئل عمن تصدّق عَلَى ولده وهم صغار يليهم بدار، وأشهد لهم، وكَانَ يكريها لهم فلما بلغوا الحوز قبضوها، وأكروها منه، فمات فيها فقال: لا أراها إِلا
стр. 847
جائزة إِذَا كانوا قد قبضوها وحازوها وانقطعوا (١) بالحيازة وانتقل منها قيل لَهُ: وكم حد ذلك السنة والسنتان؟ قال: أرى ذلك وما أشبهه.
قال ابن رشد: هذا مثل مَا مضى فِي رسم استأذن من أَن رجوع المتصدق إِلَى سكنى الدار التي تصدّق بها بعد أَن حيزت [١١٦ / ب] عنه حيازة بينة حدها العام عَلَى مَا نصّ عَلَيْهِ فِي هذه الرواية لا يُبطل الصدقة، ومثله فِي رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ من كتاب الرهون [بِخِلاف الرهن] (٢) إذ لا اختلاف فِي أنّه يبطل برجوعه إِلَى الراهن (٣) وإِن طالت مدة حيازة المرتهن إياه لقوله ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]، وفِي هذه المسألة بيان واضح؛ أن (٤) الأب لَو رجع إِلَى سكنى الدار وبنوه صغار، لبطلت الهبة، وإِن كَانَ قد أخلاها وحازها لهم بالكراء المدة الطويلة، (فتفترق فِي هذا حيازة الكبار لأنفسهم من حيازة الأب للصغار)، وقد نصّ عَلَى ذلك محمد ابن المواز (٥).
أَوْ جُهِلَ سَبْقُهُ لِدَيْنٍ إِنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورِهِ.
قوله: (أَوْ جُهِلَ سَبْقُهُ لِدَيْنٍ إِنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورِهِ) أي: [إن كَانَ الحبس عَلَى محجوره] (٦)، والشَرْط قاصر عَلَى هذه دون مَا قبلها. قال فِي كتاب: الهبات من " المدونة ": ومن وهب لرجلٍ هبة لغير ثواب (٧)، ثم ادعى رجلٌ أنّه ابتاعها من الواهب، وجاء ببينة، فقام الموهوب يريد قبضها فالمبتاع أحق بها (٨)، وذلك كقول مالك فِي الذي حبس عَلَى ولد
стр. 848
لَهُ صغار حبساً، ومات وعَلَيْهِ دين لا يدرى قبل الحبس أَو بعده، فقال البنون: قد حزنا بحوز الأب علينا، فإن أقاموا بينة أَن الحبس (١) كَانَ قبل (٢) الدين فالحبس لهم، وإِلا بيع للغرماء، وكَذَلِكَ الهبة لغير ثواب، وقد استوعبها المتيطي آخر كتاب: الحبس.
أَوْ عَلَى نَفْسِهِ ولَوْ بِشَرِيكٍ.
قوله: (أَوْ عَلَى نَفْسِهِ ولَوْ بِشَرِيكٍ) معطوف عَلَى قوله عَلَى معصية.
أَوْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَهُ، أَوْ لَمْ يَحُزْهُ كَبِئْرٍ وُقِفَ عَلَيْهِ، ولَوْ سَفِيهاً أَوْ وَلِيُّ [٧١ / ب] صَغِيرٍ، أَوْ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وبَيْنَ كَمَسْجِدٍ قَبْلَ فَلَسِهِ، ومَوْتِهِ، ومَرَضِهِ.
قوله: (أَوْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَهُ) قد تَرَدُّدٌ فِي فهم هذا فِي " توضيحه "، وذلك أنّه نقل فِي " الجواهر " عن كتاب محمد فيمن حبس غلة داره فِي صحته عَلَى المساكين، فكان يلي عَلَيْهَا حتى مات وهي بيده: أنها ميراث (٣). قال: وكَذَلِكَ لَو شرط فِي حبسه أنّه يلي ذلك لَمْ يجزه لَهُ ابن القاسم وأشهب فقال فِي " التوضيح ": انظر قوله فِي " الموازية ": وكَذَلِكَ لَو شرط: هل المراد أنّه يبطل حبسه، وهو ظاهر لفظه، ويؤيده اختلافهم فيما إِذَا جعله بيد غيره عَلَى أَن يتسلّم (٤) منه غلته ويصرفها، ولا شكّ أَن البطلان هنا أقوى (٥)، أَو معنى قوله: لَمْ يجزه (٦) لَهُ. ابن القاسم وأشهب، لَمْ يجيزا لَهُ الشَرْط، بل يصحّ ويخرج إِلَى غير يده.
والأَظْهَر أَن معنى مَا فِي " الموازية " أَن المُحْبِّسَ مات ولَمْ يُحَزْ عنه، ولا إشكال فِي البطلان مَعَ ذلك، وأما إِن كَانَ حياً فأنّه يصحّ الوقف ويخرج إِلَى يد ثقة ليتمّ الحوز، وكذا فسّر ابن عبد السلام وقال: وإذا (٧) [كان لا يوفي لَهُ بشرط] (٨) الخِيَار فهذا الشَرْط أولى أَن
стр. 849
لا يوفي بِهِ؛ لانبرام العقد معه. انتهى. فإن قيّد (١) كلامه هنا بأن يكون المحبس قد مات قبل الحوز، وإِلا كَانَ مخالفاً لفهم ابن عبد السلام، وفيه مَا فيه. وأما الفرع المختلف فيه الذي اعتضد بِهِ فقد قطع فيه قبل بالصحة إذ قال: (أَو يشترط تسلم غلته من ناظره ليصرفها).
إِلا لِمَحْجُورِهِ إِذَا أَشْهَدَ، وصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ، ولَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ، أَوْ عَلَى وَارِثٍ بِمَرَضِ مَوْتِهِ إِلا مُعَقِّباً خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ فَكَمِيرَاثٍ لِلْوَارِثِ كَثَلاثَةِ أَوْلادٍ وأَرْبَعَةِ أَوْلادِ أَوْلادٍ وعَقَّبَهُ وتَرَكَ أُمَّاً وزَوْجَةً فَيَدْخُلانِ فِيمَا لِلأَوْلادِ، وأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ وَقْفٌ.
قوله: (إِلا لِمَحْجُورِهِ إِذَا أَشْهَدَ، وصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ، ولَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ). ظاهر هذا الاستثناء أَن تحبيس الرجل عَلَى محجورة لا يفتقر للحوز إِذَا توفرت هذه الشروط الثلاثة، يريد الحوز الحسي، وأما الحكمي فلابد منه، والذي فِي كتاب الهبة من " المدونة ": ولا يكون واهب حائزاً للموهوب إلا (٢) والدٌ أَو وصي، أَو من يحوز أمره (٣).
أبو الحسن الصغير: [قالوا] (٤): هو مقدم القاضي. وفِي آخر كتاب الرهون منها: ومن حبَّس عَلَى صغار (٥) ولده داراً أَو وهبها لهم أَو تصدق بها عليهم جَازَ ذلك، وحوزه لهم حوز إِلا أَن يكون ساكناً فِي كلّها أَو جلها حتى مات فيبطل جميعها، وتورث عَلَى فرائض الله (٦).
وأما الدار الكبيرة ذات المساكين يسكن أقلها، وأكرى لهم باقيها فذلك نافذ لهم فيما سكن وفيما لَمْ يسكن، ولَو سكن الجلّ وأكرى الأقلّ بطل الجميع، وكَذَلِكَ دور يسكن واحدة منها وهي أقل حبسه أَو أكثره عَلَى مَا وصفنا. قال ابن عرفة فِي باب " الهبة " الحوز
стр. 850
حكمي معنوي وحسي، فالأول حوز الولي لمن فِي حجره، فيدخل الكبير السفيه فيها لا (١) الوالد لولده العبد، ولا الأم لولدها إِلا أَن تكون عَلَيْهِ وصيةً ومضى عمل الموثقين عَلَى كتبهم، وتولى الأب قبض هذه الصدقة من نفسه لابنه، واحتازها لَهُ من نفسه.
وكتب المتيطي في الوثيقة صرفها لَهُ من ماله وأبانها عن ملكه وصيرها من أملاك ابنه ثم قال والإشهاد بصدقته يغني (٢) عن الحيازة وإحضار الشهود لَهَا فيما لا يسكنه الأب ولا يلبسه. وكره ابن القاسم أَن يذكر فِي كتاب الصدقة أَن الأبّ احتاز ذلك من نفسه بما يحوز بِهِ الآباء لمن يلون عليهم من الأبناء، ورأى أَن السكوت عنه أحسن؛ لأن السنة قد أحكمت [١١٧ / أ] أنّه القابض لهم، ونقله ابن عات. انتهى، وكلام المتيطي عَلَيْهَا فِي كتاب: الحبس أوعب من هذا فقف عَلَيْهِ.
ابن عبد السلام: وليس مرادهم أَن الحيازة [تسقط هنا، وإنما مرادهم أَن الحيازة] (٣) تكون فِي هذا عَلَى وجهٍ مخالف لغيره. انتهى، وإنما أخرج المصنف دار سكناه لأنها (٤) لا يصحّ تحبيسها إِلا بمعاينة البينة إياها فارغة من شواغل المحبس، وقد زدنا هذا بياناً عند قوله فِي باب: الهبة (وَحيز وإِن بلا إذن).
وَانْتَقَضَ الْقَسْمُ بِحُدُوثِ وَلَدٍ لَهُمَا كَمَوْتِهِ عَلَى الأَصَحِّ، لا الزَّوْجَةِ والأُمِّ، فَيَدْخُلانِ، ودَخَلَتَا فِيمَا زِيدَ لِلْوَلَدِ بِحَبَسْتُ ووَقَفْتُ وتَصَدَّقْتُ، إِنْ قَارَنَهُ قَيْدٌ، أَوْ جِهَةٌ لا تَنْقَطِعُ، أَوْ لِمَجْهُولٍ وإِنْ حُصِرَ ورَجَعَ، إِنِ انْقَطَعَ لأَقْرَبِ فُقَرَاءِ عَصَبَةِ الْمُحَبِّسِ، وامْرَأَةٍ لَوْ رُجِّلَتْ عَصَّبَ. فَإِنْ ضَاقَ قُدِّمَ الْبَنَاتُ، وعَلَى اثْنَيْنِ وبَعْدَهُمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ نَصِيبُ مَنْ مَاتَ لَهُمْ، إِلا كَعَلَى عَشَرَةٍ حَيَاتَهُمْ فَيُمْلَكُ بَعْدَهُمْ، وفِي كَقَنْطَرَةٍ ولَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا فِي مِثْلِهَا، وإِلا وُقِفَ لَهَا، وصَدَقَةٌ لِفُلانٍ فَلَهُ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ فُرِّقَ ثَمَنُهَا بِالاجْتِهَادِ، ولا يُشْتَرَطُ التَّنْجِيزُ، وحُمِلَ فِي الإِطْلاقِ عَلَيْهِ كَتَسْوِيَةِ أُنْثَى بِذَكَرٍ.
стр. 851
ولا التَّأْبِيدُ، ولا تَعْيِينُ مَصْرِفِهِ وصُرِفَ فِي غَالِبٍ وإِلا فَالْفُقَرَاءُ، ولا قَبُولُ مُسْتَحِقِّهِ، إِلا الْمُعَيَّنَ الأَهْلَ، فَإِنْ رَدَّ فَكَمُنْقَطِعٍ، واتُّبِعَ شَرْطُهُ إِنْ جَازَ كَتَخْصِيصِ مَذْهَبٍ أَوْ نَاظِرٍ.
قوله: (كَمَوْتِهِ عَلَى الأَصَحِّ) عَلَيْهِ اقتصر ابن الحاجب (١) وهو خلاف ظاهر " المدونة " (٢).
أَوْ تَبْدِيَةِ فُلانٍ بِكَذَا، وإِنْ مِنْ غَلَّةِ ثَانِي عَامٍ، إِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ عَامٍ، أَوْ أَنَّ مَنِ احْتَاجَ مِنَ الْمُحَبِّسِ عَلَيْهِ بَاعَ.
قوله: (أَوْ تَبْدِيَةِ فُلانٍ بِكَذَا، وإِنْ مِنْ غَلَّةِ ثَانِي عَامٍ، إِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ عَامٍ) أشار بِهِ لقول المتيطي فِي كتاب " الحبس ": وإِذَا قال يجري من غلته عَلَى فلان كل عام كذا وكذا فكانت لَهُ فِي سنة غلة كثيرة، ولَمْ تكن لَهُ فِي سنة أخرى غلة فأنّه يعطي ذلك فِي العام الثاني من غلة الأول، وإِن قال يجري عَلَيْهِ من غلة كل عام كذا وكذا، فأتى عام بلا غلة لَمْ يعط من غلة العام الأول شيء. انتهى.
إلا أَن المصنف فرض عكس فرض المتيطي؛ لكن قال فِي كتاب: الوصايا الثاني من " المدونة ": فللموصى لَهُ أخذ وصيته كلّ عام مَا بقي من غلة العام الأول شيء، فإن لَمْ يبق منه شيء فإذا أغل (٣) ذلك أخذ منه لكلّ (٤) عام مضى لَمْ يأخذ لَهُ شيئاً (٥). انتهى. فأنت ترى نصّ " المدونة " مشتملاً عَلَى الفرضين.
стр. 852
أَوْ إِنْ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ رَجَعَ لَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ كَعَلَى وَلَدِي ولا وَلَدَ لَهُ، لا بِشَرْطِ إِصْلاحِهِ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ.
قوله: (أَوْ إِنْ (١) تَسَوَّرَ عَلَيْهِ قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ رَجَعَ لَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ) أشار بِهِ لقول المتيطي: وإِذَا شرط المحبس فِي حبسه أنّه إِن ذهب قاضٍ أَو غيره إِلَى التسور فِي حبسه (٢) هذا والنظر فيه، فجميع حبسه راجع إليه إِن كَانَ حياً، أَو إِلَى ورثته ميراثاً إِن كَانَ ميّتاً، أَو صدقة مبتولة عَلَى فلان كَانَ لَهُ شرطه.
كَأَرْضٍ مُوَظَّفَةٍ، إِلا مِنْ غَلَّتِهَا عَلَى الأَصَحِّ، أَوْ عَدَمِ بَدْءٍ بِإِصْلاحِهِ أَوْ نَفَقَتِهِ. وأُخْرِجَ السَّاكِنُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لِلسُّكْنَى، إِنْ لَمْ يُصْلِحْ، لِتُكْرَى لَهُ. وَأُنْفِقَ فِي فَرَسٍ لِكَغَزْوٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. فَإِنْ عُدِمَ بِيعَ، وعُوِّضَ بِهِ سِلاحٌ كَمَا كَلِبَ. وبَيْعَ مَا لا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عَقَارٍ فِي مِثْلِهِ، أَوْ شِقْصِهِ كَأَنْ أَتْلَفَ، وفَضْلُ الذُّكُورِ، ومَا كَبِرَ مِنَ الإِنَاثِ فِي إِنَاثٍ.
قوله: (كَأَرْضٍ مُوَظَّفَةٍ) لما شرح أبو الحسن الصغير نصّ " المدونة " فِي التي قبلها قال: قالوا فيقوم منه أنّه لا يجوز تحبيس الأرض الموظفة، ثم ذكر مَا قال ابن الهندي وابن كوثر.
لا عَقَارٌ وإِنْ خَرِبَ، ونِقْضٌ ولَوْ بِغَيْرِ خَرَابٍ، إِلا لِتَوْسِيعِ كَمَسْجِدٍ ولَو جبراً، وأُمِرُوا بِجَعْلِ ثَمَنِهِ لِغَيْرِهِ.
قوله: (لا عَقَارٌ وإِنْ خَرِبَ، ونِقْضٌ ولَوْ بِغَيْرِ خَرَابٍ) ظاهره أَن الإغياء راجع للربع الخرب والنقض، ولم نره منصوصاً إِلا فِي الربع الخرب.
وَمَنْ هَدَمَ وَقْفاً فعَلَيْهِ إِعَادَتُهُ.
قوله: (وَمَنْ هَدَمَ (٣) وَقْفاً فعَلَيْهِ إِعَادَتُهُ) كذا لابن شاس وابن الحاجب (٤) وقبله ابن عبد السلام وابن هارون. فقال ابن عرفة: قبولهما إياه يوهم أنّه كل المذهب أَو مشهوره
стр. 853
، ولا أعرفه؛ بل ظاهر " المدونة " أَن الواجب فِي الهدم القيمة مُطْلَقاً (١)، وقد قال عياض فِي " حديث جريج " (٢) في أول كتاب: البر من هدم حائطاً فمشهور مذهب مالك وأصحابه أَن فيه وفِي سائر المتلفات القيمة، وقال الشافعي: عَلَيْهِ بناءُ مثله، وفِي: " العتبية " عن مالك مثله. انتهى.
وأما المصنف فأنّه لما شرح نصّ ابن الحاجب قال: وهكذا ذكر فِي " النوادر " إِلا أنّه عزاه لابن كنانة فقال عنه: لا ينقض بنيان الحبس، وتبنى فيه حوانيت للغلة، وهو ذريعة إِلَى تغيير الحبس، ومن كسر حبساً من أهل الحبس أَو غيرهم فعَلَيْهِ أَن يردّ البنيان كما كَانَ.
وَتَنَاوَلَ الذُّرِّيَّةُ ووَلَدُ فُلانٍ وفُلانَةَ أَوِ الذُّكُورُ والإِنَاثُ وأَوْلادُهُمْ الْحَافِدَ لا نَسْلِي وعَقِبِي، ووَلَدِي، ووَلَدِ وَلَدِي وأَوْلادِي، وأَوْلادِ أَوْلادِي وبَنِيَّ وبَنِي بَنِيَّ.
قوله: (وَتَنَاوَلَ الذُّرِّيَّةُ ووَلَدُ فُلانٍ وفُلانَةَ أَوِ الذُّكُورُ والإِنَاثُ وأَوْلادُهُمْ الْحَافِدَ) أولادهم مقدر فِي الثانية بدليل ذكره فِي الثالثة، وأطلق الحافد فِي هذا الفصل نفياً وإثباتاً عَلَى ولد البنت، وقد ردّ ابن عرفة الاستدلال للذرية بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ ...﴾ إِلَى ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام:٨٤ - ٨٥] بأن مَا ثبت فيمن لا أب لَهُ لا يلزم ثبوته فيمن لَهُ أب، واستدل بجر الملاعنة المعتقة ولاء ولدها لمعتقها، ثم استطرد (٣) مسألة الشرف من قبل الأم. فقف عَلَيْهِ.
стр. 854
وَفِي وَلَدِي ووَلَدِهِمْ قَوْلانِ. والإِخْوَةُ الأُنْثَى. ورِجَالُ إِخْوَتِي ونِسَاؤُهُمُ الصَّغِيرُ. وبَنِي أَبِي وإِخْوَتَهُ الذُّكُورَ. وأَوْلادَهُمْ وآلِي وأَهْلِي الْعَصَبَةَ، ومَنْ لَوْ رُجِّلَتْ لَعَصَّبَ.
قوله: (وَفِي وَلَدِي ووَلَدِهِمْ قَوْلانِ) هذا تصريح بالخلاف (١) الذي لوّح لَهُ ابن الحاجب بقوله: وولدي (٢). وولدهم بين [في] (٣) المسألتين. وعَلَيْكَ بـ " المقدمات " (٤).
وَأَقَارِبِي أَقَارِبَ جِهَتَيْهِ مُطْلَقاً، وإِنْ قَصَوْا. ومَوَالِيهِ الْمُعْتَقَ [٧١ / أ]، ووَلَدِهِ، ومُعْتَقَ أَبِيهِ وابْنِهِ.
قوله: (وأَقَارِبِي أَقَارِبَ جِهَتَيْهِ مُطْلَقاً، وإِنْ قَصَوْا) أي: بعدوا، وفِي بعض النسخ وإِن نصارى أي: ذميين، ولَمْ أر من ذكره هنا، وهو مفرّع عَلَى جواز الوقف عَلَى الذمي، وبِهِ قطع إذ قال: (كمن سيولد وذمي) تبعاً لابن شاس وابن الحاجب (٥) وابن عبد السلام. قال ابن عرفة: ولا أعرف فيها نصاً للمتقدمين، والأَظْهَر جريها عَلَى حكم الوصية؛ ففي سماع ابن القاسم: " كراهة الوصية لليهودي والنصراني، وكَانَ قبل ذلك يجيزه " (٦). انتهى وكأنّه لَمْ يقف عَلَى مَا فِي " نوازل " ابن الحاجّ: من حبس عَلَى مساكين اليهود والنصارى جَازَ.
وَقَوْمُهُ عَصَبَتَهُ فَقَطْ. وطِفْلٌ وصَبِيٌّ وصَغِيرٌ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ. وشَابٌّ وحَدَثٌ لأَرْبَعِينَ، وإِلا فَكَهْلٌ لِلسِّتِّينَ، وإِلا فَشَيْخٌ. وشَمِلَ الأُنْثَى.
قوله: (وقَوْمُهُ عَصَبَتَهُ فَقَطْ) أي: الرجال دون النساء، قاله الباجي عن ابن شعبان، ولَمْ يحك ابن عرفة غيره.
كَالأَرْمَلِ.
قوله: (كَالأَرْمَلِ) أي فِي شمول الذكر [١١٧ / ب] والأنثى، ولَمْ يحك ابن عرفة غيره
стр. 855
وسلم الاستدلال عَلَيْهِ بقول جرير:
(١)
فَمَا لِحَاجَةِ هَذَا الأَرْمَل الذَّكْرَ (١)
وقد يقال لَو كَانَ شاملاً للذكر لغةً ما وصفه بِهِ، ولكنه مجاز دعت إليه المقابلة كقول الآخر:
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... فقلت اطبخوا ليّ جبّة وقميصا (٢)
ولكن قد علم أنّه لا يلزم من بطلان الدليل بطلان المدلول، وقد قال ابن السكيت: الأرامل المساكين من رجال أَو نساء قال: ويقال لهم وإِن لَمْ يكن فيهم نساء، إِلا أَن ابن عبد السلام لما تكلّم عَلَى لفظ القوم قال: الذي يجب أَن يعوّل عَلَيْهِ فِي هذا الباب إنما هو عرف الاستعمال.
وَالْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ لا الْغَلَّةُ.
قوله: (وَالْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ لا الْغَلَّةُ). ابن عرفة: أول الباب صرّح الباجي ببقاء ملك المحبس عَلَى حبسه وهو لازم تزكية حوائط الأحباس عَلَى ملك محبسها، وقول اللخمي آخر الشفعة: الحبس يسقط ملك [المحبس] (٣): غلط. انتهى.
وفِي رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الحبس: سئل عن الرجل يحبس عَلَى أولاد لَهُ صغار أَو كبار، ووكل عَلَيْهِ من يحوزه لهم ويكريه، وكيف إِن قال أولاده الكبار نحن نحوزه لأنفسنا. قال: لا يكون ذلك لهم، (٤) وهو عَلَى مَا وضعه عَلَيْهِ، قال ابن رشد: هذا كما قال؛ لأن الحبس ليس بملك للمحبس عليه كالهبة التي هي ملك للموهوب لَهُ، فلا يصحّ للواهب أَن يجعلها لَهُ عَلَى يد غيره إِذَا كَانَ كبيراً وإنما يغتله المحبس عَلَيْهِ عَلَى ملك
стр. 856
المحبس، فللمحبس أَن يوكل عَلَيْهِ من يحوزه للكبير ويجري (١) عَلَيْهِ غلته، [ويحوز لَهُ ذلك عَلَيْهِ فِي حياته وبعد مماته، ولا كلام لَهُ فيه] (٢). انتهى.
وهو مثل مَا صرّح بِهِ الباجي: وهذا فِي غير المساجد، [وأما المساجد] (٣) فلا خلاف أَن ملك المحبس قد ارتفع عنها، قاله القرافي فِي حبس " الذخيرة " ومثله فِي الفرق التاسع والسبعين من قواعده ونصّه: " الوقف هل يفتقر إِلَى القبول أم لا؟ فيه خلاف بين المذهب والعلماء، ومنشأ الخلاف: هل الواقف قد أسقط حقّه من المنافع فِي الموقوف فيكون ذلك كالعتق، أَو هو تمليك لمنافع العين الموقوفة للموقوف عَلَيْهِ، فيفتقر للقبول كالبيع والهبة، وهذا إِذَا كَانَ الموقوف عَلَيْهِ معيناً، أما غير المعين فلا يشترط قبوله لتعذره، هذا فِي منافع الموقوف، أما أصل ملكه فاختلف: هل يسقط (٤) أَو هو عَلَى ملك الواقف، وهذا ظاهر المذهب؛ لأن مالكاً أوجب الزكاة فِي الحائط الموقوف عَلَى غير المعين نحو الفقراء والمساكين إِذَا كَانَ خمسة أوسق بناءً عَلَى أنّه عَلَى ملك الواقف، فيزكّى عَلَى ملكه، وأما الحائط عَلَى المعينين (٥) فيشترط فِي حصة كلّ واحد منهم خمسة أوسق.
واتفق العلماء فِي المساجد أنها من باب الإسقاط كالعتق لا ملك لأحدٍ فيها لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، ولأنها تقام فيها الجُمعات، والجُمعَات لا تقام فِي المملوكات لا سيما عَلَى أصل مالك فِي أنها لا يصليها أرباب الحوانيت فِي حوانيتهم لأجل الملك والحجر، فلا تجري فِي المساجد القَوْلانِ. انتهى (٦).
стр. 857
والمقصود منه آخره، وقد قبل أبو القاسم بن الشاط السبتي جميعه، ويشهد لَهُ مَا فِي سماع موسى بن معاوية الصمادحي من كتاب الصلاة: سئل ابن القاسم عن مسجد بين قومٍ، فتنازعوا فيه واقتسموه بينهم، وضربوا وسطه حائطاً، أيجوز أَن يكون مؤذنهم واحداً وإمامهم واحداً؟ قال ابن القاسم: ليس لهم أَن يقتسموه؛ لأنّه شيء سبّلوه لله، وإِن كانوا بنوه جميعاً، وقال أشهب مثله، ولا يجزيهم مؤذن واحد ولا إمام واحد.
قال ابن رشد: هذا كما قال، أنهم ليس لهم أَن يتقسموه؛ لأن ملكهم قد ارتفع عنه حين سبّلوه، فإن فعلوا فله حكم المسجدين فِي الأذان والإمام حين فصلوا بينهما بحاجز، يبين (١) بِهِ كل [واحد] (٢) منهما عن صاحبه، وإن كَانَ ذلك لا يجوز لهم (٣).
وفِي قواعد المقري: وقف المساجد إسقاط إجماعاً، وفِي غيرها قَوْلانِ: نقل، وإسقاط.
فَلَهُ ولِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إِصْلاحَهُ.
قوله: (فَلَهُ ولِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إِصْلاحَهُ) بهذا قطع ابن الحاجب كابن شاس (٤) تبعاً لابن شعبان، ووجهه ابن عبد السلام بما حاصله أَن الحبس مملوك لمحبسه، وكل مملوك لشخصٍ لا يجوز تصرف غيره فيه بغير إذنه بوجه. قال ابن عرفة: والجاري عندي فِي ذلك [على] (٥) أصل المذهب التفصيل: فإن كَانَ خراب الحبس (٦) لحادثٍ نزل بِهِ دفعة كوابل مطر أَو شدة ريح أَو صاعقة فالأمر كما قالوه، وإِن كَانَ يتوالى عدم إصلاحه (٧) مَا ينزل بِهِ من [١١٨ / أ] هدم، شيءٍ بعد شيء، ومن هو عَلَيْهِ يستغل مَا بقي منه فِي أثناء توالي
стр. 858
الهدم عَلَيْهِ، كحال بعض أهل العلم وقتنا من أئمة المساجد، يأخذون غلته ويدعون بناءه حتى يتوالى عَلَيْهِ الخراب الذي يذهب كل منفعته أَو جلها، فهذا الواجب قبول من تطوع بإصلاحه، ولا مقال بمنعه (١) لمحبسه ولا لوارثه لأن مصلحه قام بأداء حقٍ عنه لعجزه عن أدائه أَو لدده.
وأما المصنف فقال فِي " توضيحه " تبعاً لابن عبد السلام: يستحسن للواقف أَو ورثته تمكين غير الواقف من البناء إِذَا كَانَ وقفاً عَلَى وجه من وجوه الخير، وأراد الباني إلحاق مَا يبنيه بالوقف؛ لأن ذلك من باب التعاون عَلَى الخير.
وَلا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِزِيَادَةِ، ولا يُقْسَمُ إِلا مَاضٍ زَمَانه، وأَكْرَى نَاظِرُهُ إِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ كَالسَّنَتَيْنِ.
قوله: (وَلا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِزِيَادَةِ) يريد إِلا أَن يثبت الغبن قال ابن عات عن المشاوَر (٢): إِن أكرى ناظر الحبس عَلَى يدي القاضي ربع الحبس بعد النداء عَلَيْهِ والاستقصاء، ثم جاءت زيادة لَمْ يكن لَهُ نقض الكراء ولا قبول الزيادة، إِلا أَن يثبت بالبينة أَن فِي الكراء غبناً عَلَى الحبس (٣) فتقبل الزيادة، ولَو ممن كَانَ حاضراً، وكذا الوصي فِي مؤاجرة يتيمه وكرائه ربعه، ثم يجد زيادة لَمْ تنقض (٤) الإجارة إِلا بثبوت غبن إِن فات وقت كرائها، فإن كَانَ قبل ذلك نقض الكراء، وأخذت الزيادة.
ابن عرفة: ظاهر أول كلامه إِن لَمْ يكن غبن لَمْ تقبل الزيادة، ولَو لَمْ يفت الإبان، والأول أقيس، والثاني أحوط، وقد يؤخذ من قوله فِي كتاب: العتق الأول من " المدونة ": بيع السلطان عَلَى خيار ثلاثة أيام، فإن وجد زيادة وإِلا نفذ البيع (٥). واستمر العمل فِي كراء الناظر فِي حبس تونس عَلَى أنّه قبول الزيادة فيكون عقده لازماً للمكتري غير لازمٍ
стр. 859
للمكري، فإذا زاده أحد فِي الربع شيئاً أخرج مكتريه منه إِن لَمْ يزد عَلَى من زاد عَلَيْهِ، ومضى عَلَيْهِ عمل القضاة، كذا فسّر ابن عرفة (١) هذا العمل فِي الأكرية وزاد أنّه يتخرّج عَلَى قوله فِي " المدونة " فيمن استأجر رجلاً شهراً عَلَى بيع ثوب عَلَى أَن الأجير متى شاء ترك: أنّه جائز إِن لَمْ ينقده لأنها إجارة بخيار. (٢) وعَلَى قوله فِي سماع ابن القاسم:
من اكترى دابّة لطلب حاجة بموضع سماه عَلَى أنّه إِن وجد حاجته دونه رجع وغرم بحسب مَا بلغ من الكراء: فلا بأس بِهِ مَا لَمْ يتعد. قال ابن رشد: وسحنون لا يُجيز المسألتين، بِخِلاف مكتري الدار سنة عَلَى أنّه متى شاء خرج، هذا جائز عنده وعند الجميع إِن لَمْ ينقد، وإنما لَمْ يجزهما سحنون؛ لأنّه رأى ذلك مجهلة فِي الكراء والإجارة، وقال: فضل فِي مسألة " المدونة ": إنما منعها سحنون؛ لأنّه خيار إِلَى أمد بعيد وليس كما قال؛ لأنّه بالخِيَار فِي الجميع الآن، وكلما مضى من الشهر شيء كَانَ بالخِيَار فيما بقى، فليس كالسلعة التي يشتريها عَلَى أنّه بالخِيَار فيها إِلَى الأمد الطويل؛ لأنّه يحتاج إِلَى توقيفها لانقضاء أمد الخِيَار؛ فلذلك لا يجوز وليس ذلك فِي الإجارة والكراء، إِلا أَن يكتري الدابّة عَلَى أَن يركبها بعد شهر أَو يستأجر الأجير عَلَى أَن يخدمه بعد شهر عَلَى أنّه بالخِيَار فِي الإجارة والكراء إِلَى انقضاء الشهر " (٣). انتهى ملخصاً. وبِهِ يتبين مَا أجمله ابن عبد السلام إذ قال فِي عمل أهل تونس:
[هو] (٤) قول منصوص عَلَيْهِ فِي المذهب ووقع فِي " المدونة " مَا يقتضيه، وإن كَانَ بعضهم رأى مَا فِي " المدونة " خارجاً عن أصول المذهب، واعتقد بعض من لقيناه أَن ذلك
стр. 860
مخالف للإجماع؛ لأنّه راجع إِلَى بيع الخِيَار، ولَمْ يجزه أحد إِلَى سنة، وأشار ابن رشد إِلَى أَن هذه المسألة ليست كبيع الخِيَار الذي جعل أمد الخِيَار فيه سنة، فإن ذلك ينتقض فيه البيع من أصله إِذَا أراد حلّه من جعل لَهُ الخِيَار، وهنا لا ينتقض إِلا فيما بقي من المدة فقط " انتهى. وقد نقله فِي " التوضيح " عَلَى إجماله ولَمْ يزد.
وَلِمَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ كَالْعَشْرِ. وإِنْ بَنَى مُحَبَّسٌ عَلَيْهِ فَمَاتَ ولَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ وَقْفٌ. وعَلَى مَنْ لا يُحَاطُ بِهِمْ، أَوْ عَلَى قَوْمٍ وأَعْقَابِهِمْ، أَوْ عَلَى كَوَلَدِهِ ولَمْ يُعَيِّنْهُمْ فَضَّلَ الْمُوَلَّى أَهْلَ الْحَاجَةِ والْعِيَالِ فِي غَلَّةٍ وسُكْنَى. ولَمْ يَخْرُجْ سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ، إِلا بِشَرْطٍ أَوْ سَفَرِ انْقِطَاعٍ، أَوْ بَعِيدٍ.
قوله: (وَلِمَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ كَالْعَشْرِ) زاد ابن الحاجب: وقد اكترى مالك منزله وهو كَذَلِكَ عشر سنين، واستكثرت (١). وأصل هذا الكلام لعبد الملك فِي " المبسوط " كما نقل المتيطي. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 861
[باب الهبة]
الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بِلا عِوَضٍ ولِثَوَابِ الآخِرَةِ. صَدَقَةٌ. وصَحَّتْ فِي كُلِّ مَمْلُوكٍ يُنْقَلُ، مِمَّنْ لَهُ تَبَرُّعٌ بِهَا، وإِنْ مَجْهُولاً، وكَلْباً، ودَيْناً وهُوَ إِبْرَاءٌ، إِنْ وُهِبَ لِمَنْ عَلَيْهِ، وإِلا فَكَالرَّهْنِ، ورَهْناً لَمْ يُقْبَضْ وأَيْسَرَ رَاهِنُهُ، أَوْ رَضِيَ مُرْتَهِنُهُ، وإِلا قُضِيَ عَلَيْهِ بِفَكِّهِ، إِنْ كَانَ الدَّيْنُ يُعَجَّلُ وإِلا بَقِيَ لِبَعْدِ الأَجَلِ.
قوله: (وَإِلا فَكَالرَّهْنِ) هذا كقول ابن الحاجب: وتصح هبة الدين وقبضه كقبضه فِي الرهن (١). أحاله عَلَى قوله فِي باب الرهن: وقبض الدين بالإشهاد والجمع بين الغريمين إِن كَانَ عَلَى غير المرتهن (٢).
بِصِيغَةٍ، أَوْ مُفْهِمِهَا، وإِنْ بِفِعْلٍ.
قوله: (بِصِيغَةٍ، [١١٨ / ب] أَوْ مُفْهِمِهَا) الصيغة لفظ الهبة ومَا تصرف منها ومفهمها كأعطيتك (٣) وبذلتك، وبنحو هذا فسّر كلام ابن الحاجب (٤) فِي " توضيحه ".
كَتَحْلِيَةِ وَلَدِهِ لا بِابْنِ مَعَ قَوْلِهِ دَارَهُ.
قوله: (كَتَحْلِيَةِ وَلَدِهِ) بالحاء المهملة أي إلباسه الحلي، وأشار بِهِ إِلَى قول أبي عمر فِي باب: الصدقة من " الكافي ": وإِذَا حلى الرجل أَو المرأة ولداً لَهُمَا صغيراً حلياً، وأشهدا لَهُ بذلك ثم مات الأب أَو الأم، فالحلي الذي عَلَى الصبي لَهُ دون سائر الورثة (٥).
وَحِيزَ.
قوله: (وَحِيزَ) أي: ولو حكماً [كما قدمنا] (٦) فِي قوله: (إِلا لمحجوره إِذَا أشهد وصرف الغلة لَهُ ولَمْ تكن سكناه)، ويقول بعد: (إِلا لمحجورة إِلا مَا لا يعرف، ولَو ختم ودار
стр. 862
سكناه ...) إِلَى آخره، وقد حام ابن الحاجب حول هذا المعنى إذ قال: وشرط استقرارها لا لزومها الحوز كالصدقة إِلا فِي صدقة أب عَلَى صغير؛ وعَلَى ذلك علماء المدينة (١). وهو فِي ذلك متبع لابن شاس (٢). فقال ابن عرفة: ترك هذا الاستثناء خير من ذكره لاقتضائه (٣) العموم فِي كلّ عطية من عينٍ أَو مثلي أَو مسكن، وإيهام قصره عَلَى الصدقة وعَلَى الصغير دون السفيه، وعَلَى الأب دون الوصي، والقاضي ومقدمه، فيوقع الناظر فيه فِي خطأٍ فاحش؛ ولأجل هذا ونحوه طرحه كثير من متقدمي الشيوخ ومتأخريهم " انتهى.
وسبقه ابن عبد السلام لنحو هذه المناقشة وزاد أَيْضاً: فاستثناؤه يوهم أَن الحيازة تسقط فِي عطية الأب ابنه الصغير، وليس كَذَلِكَ، وإنما الذي اختص بِهِ الأب ومن تنزل منزلته فِي حقّ الصغير والسفيه أنّه يكون حائزاً لما وُهب لَهُمَا فيقال فِي الإشهاد رفع يد الملك ووضع يد الحوز وغير الأب، ومن فِي معناه لا يكون حائزاً هكذا، نعم ألحقوا الأب بالأجنبي فِي هبة دار سكناه فشرطوا معاينة الشهود للدار خالية من شواغل الأب، وزاد فِي " التوضيح ": مَعَ دار سكناه ثوب لباسه، وقال تبعا لأبي الحسن الصغير: نقل أبو محمد صالح الاتفاق عَلَى أنّه إِذَا أشهد عَلَى هبته لمحجوره ولم يزد عَلَى قوله اشهدوا أني وهبت له كذا، فإنها حيازة " انتهى.
ومرّ بنا فِي بعض المجالس أَن ابن راشد القفصي وهب بعض تصانيفه لولده، وكتب عَلَى ظهر التصنيف الموهوب: ولا أقول كما يقول جهلة الموثقين: رفع يد الملك ووضع يد الحوز.
وَإِنْ بِلا إِذْنٍ، وأُجْبِرَ عَلَيْهِ.
قوله: (وَإِنْ بِلا إِذْنٍ) هو كقول ابن عرفة: والمذهب لغو التحويز فِي الحوز، ففي كتاب الهبة من " المدونة ": ومن وهب لرجلٍ هبة لغير ثواب فقبضها الموهوب بغير أمر الواهب جَازَ قبضه، إذ يقضى عَلَى الواهب بذلك إِذَا منعه إياها (٤).
стр. 863
ابن عبد السلام: يشترط إذن الواهب عَلَى القول الشاذ بعدم لزوم الهبة بالعقد، ولا شكّ أَن هذا مفهوم تعليل " المدونة "، وأما قوله: ولا يبعد تخريجه عَلَى المشهور من افتقاره فِي الرهن. فيردّ بقوة بقاء ملك الراهن.
وَبَطَلَتْ إِنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ، أَوْ وَهَبَ لِثَانٍ. وحَازَ أَوْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ أَوِ اسْتَوْلَدَ.
قوله: (وَبَطَلَتْ إِنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ) إنما لَمْ يقل: إِن تأخر لفلس تعويلاً منه عَلَى مَا قبل فِي " توضيحه " من تحرير ابن عبد السلام إذ قال فِي قول ابن الحاجب: ويشترط حصوله فِي صحة جسمه وعقله وقيام وجهه (١). ظاهر كلامهم فِي غير هذا الموضع أَن قيام الوجه هو السلامة من التفليس بالحكم، ومن قيام الغرماء بدين إِن أحاط دينهم بمال الغريم، ولَو لَمْ يحكم القاضي بفلسه، وأما هذا الموضع فإحاطة الدين بماله مانعة من الحيازة، فقيام الوجه إذن هنا هو السلامة من الدين المحيط.
وقال ابن عرفة: إحاطة الدين بماله قبل العطية يبطلها اتفاقاً، وفِي كون إحاطته بعدها قبل حوزها كَذَلِكَ، وصحة حوزها حينئذ نقلا الباجي عن الأخوين وأصبغ قائلاً: بناءً عَلَى اعتبار يوم الحوز أَو العقد.
وَلا قِيمَةَ.
قوله: (وَلا قِيمَةَ) يرجع للمسائل الثلاث (٢).
واسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً، أَوْ أَرْسَلَهَا ثُمَّ مَاتَ، أَوِ الْمُعَيَّنَةُ لَهُ، إِنْ لَمْ يُشْهِدْ كَأَنْ دَفَعْتَ لِمَنْ يَتَصَدَّقُ عَنْكَ بِمَالٍ ولَمْ تُشْهِدْ.
قوله: (وِ اسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً، أَوْ أَرْسَلَهَا ثُمَّ مَاتَ، أَوِ الْمُعَيَّنَةُ لَهُ، إِنْ لَمْ يُشْهِدْ) أي: وبطلت الهبة التي صحبها الواهب فِي طريقه ليوصلها للموهوب، أَو أرسلها مَعَ غيره ثم مات هذا الواهب الذي هو مستصحب، أَو مرسل أَو مات الذي عينت لَهُ الهبة استصحاباً، أَو إرسالاً إِن لَمْ يشهد الواهب فِي الصور الأربع، ومفهوم الشَرْط أنّه إِن أشهد فيهن لَمْ تبطل
стр. 864
الهبة، فهذه أربع صور أخرى ثم مفهوم الصفة فِي قوله: (المعينة لَهُ) أَن من لَمْ يعين لَهُ إِذَا وجهت إليه استصحاباً أَو إرسالاً فمات قبل قبضها لَمْ تبطل. فهاتان صورتان أخريان.
فمجموع مَا اشتمل عَلَيْهِ الكلام نصاً ومفهوماً عشر صور، وقد حمله الاختصار عَلَى حذف [١١٩ / أ] مرفوع السببي فلم يتمثل قول من قال:
وأبرزنّه مُطْلَقاً حيث تلا ... مَا ليس معناه لَهُ محصلاً
لا إِنْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ، وإِلا فَالثَّمَنُ لِلْمُعْطَي، رُوِيَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وكَسْرِهَا أَوْ جُنَّ، أَوْ مَرِضَ، واتَّصَلا بِمَوْتِهِ، أَوْ وَهَبَ لِمُودَعٍ، ولَمْ يَقْبَلْ لِمَوْتِهِ، وصَحَّ، إِنْ قَبَضَ لِيَتَرَوَّىَ، أَوْ جَدَّ فِيهِ، أَوْ فِي تَزْكِيَةِ شَاهِدِهِ أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ بَاعَ، أَوْ وَهَبَ إِذَا أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ.
قوله: (لا إِنْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ) كذا هو فِي بعض النسخ بأداتي النفي والشَرْط، وبِهِ يستقيم الكلام ولا يمتنع (١) منه عطف أوجز ومَا بعده عَلَى المثبتات، والعاقل يفهم.
أَوْ لَمْ يُعْلَمْ بِهَا، إِلا بَعْدَ مَوْتِهِ، وحَوْزُ مُخْدَمٍ ومُسْتَعِيرٍ مُطْلَقاً، ومُودَعٍ، إِنْ عَلِمَ، لا غَاصِبٍ ومُرْتَهِنٍ، ومُسْتَأْجِرٍ، إِلا أَنْ يَهَبَ الإِجَارَةَ، ولا إِنْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ.
قوله: (أَوْ لَمْ يُعْلَمْ بِهَا، إِلا بَعْدَ مَوْتِهِ) أي وكذا تصحّ الهبة إِذَا لَمْ يعلم بها الموهوب فِي حياته، فلما مات علم بها ورثته فلهم القيام بها عَلَى الواهب الصحيح، وقد جوّز فِي " توضيحه " أَن يحمل عَلَى هذا قول ابن الحاجب: فلو مات قبل علمه ففي بطلانه قَوْلانِ (٢). بعد أَن ذكر مَا اعترضه بِهِ بعض الشراح، وأظنه السفاقسي وعَلَى هذا فينبغي أَن نضبط (يُعلَم) بضم الياء وفتح اللام مبنياً للمجهول، وأما إِذَا لَمْ يعلم بها الموهوب إِلا بعد موت الواهب فإنها تبطل كما فِي " المدونة " وَغيرها، والقول الآخر الذي ذكر ابن الحاجب بالصحة لَمْ يوجد.
стр. 865
بِأَنْ آجَرَهَا، أَوْ أَرْفَقَ بِهَا، بِخِلافِ سَنَةٍ، أَوْ رَجَعَ، مُخْتَفِياً أَوْ ضَيْفاً فَمَاتَ، وهبةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآخَرِ، مَتَاعاً، وهبةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا، لا الْعَكْسُ، ولا إِنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ، إِلا لِمَحْجُورِهِ إِلا مَا لا يُعْرَفُ ولَوْ خَتَمَ ودَارَ سُكْنَاهُ، إِلا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا، ويُكْرِي لَهُ الأَكْثَرَ، وإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ بَطَلَ فَقَطْ، والأَكْثَرَ بَطَلَ الْجَمِيعُ.
قوله: (بِأَنْ آجَرَهَا، أَوْ أَرْفَقَ بِهَا) الضمير المستكن فِي الفعلين للموهوب؛ فيجب بناء الثاني للفاعل كالأول.
وجَازَتِ الْعُمْرَى كَأَعْمَرْتُكَ، أَوْ وَارِثَكَ.
قوله: (كأعمرتك أَو وارثك) كذا ينبغي أَن يكون بواو العطف بعد أَو أي: كأعمرتك فقط أَو أعمرتك ووارثك فهما (١) مثالان.
وَرَجَعَتْ لِلْمُعْمِرِ، أَوْ وَارِثِهِ كَحُبُسٍ عَلَيْكُمَا، وهُوَ لآخِرِكُمَا [٧١ / ب] مِلْكاً، لا الرُّقْبَى كَذَوَيْ دَارَيْنِ، قَالا إِنْ مُتَّ قَبْلِي، فَهُمَا لِي، وإِلا فَلَكَ كَهِبَةِ نَخْلٍ واسْتِثْنَاءِ ثَمَرَتِهَا سِنِينَ، والسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو سِنِينَ، ويُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ ولا يَبِيعُهُ لِبَعْدِ الأَجَلِ.
قوله: (وَرَجَعَتْ لِلْمُعْمِرِ، أَوْ وَارِثِهِ كَحُبُسٍ عَلَيْكُمَا، وهُوَ لآخِرِكُمَا مِلْكاً) لفظ (ملك) منصوب عَلَى الحال من ضمير الفاعل فِي (رجعت)، وأشار بالتشبيه لقوله آخر كتاب الهبات (٢) من " المدونة ": ومن قال لرجلين: عبدي هذا حبس عَلَيْكَما وهو للآخر منكما جَازَ ذلك، وهو للآخر يبيعه أَو يصنع بِهِ مَا يشاء (٣).
وَلِلأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ كَأُمٍّ فَقَطْ وَهَبَتْ ذَا أَبٍ، وإِنْ مَجْنُوناً، ولَوْ تَيَتَّمَ (٤) عَلَى الْمُخْتَارِ، إِلا مَا أُرِيدَ بِهِ الآخِرَةُ كَصَدَقَةٍ بِلا شَرْطٍ.
قوله: (وَلَوْ تَيَتَّمَ عَلَى الْمُخْتَارِ) هكذا فِي بعض النسخ بالفعل الماضي الدالّ عَلَى حدوث اليتم بعد الهبة، وهو فِي غاية الحسن.
وَأُثِيبَ مَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ، وإِنْ مَعِيباً، إِلا كَحَطَبٍ، فَلا يَلْزَمُ أَخْذُهُ، ولِلْمَأْذُونِ، ولِلأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ، وإِنْ قَالَ دَارِي - صَدَقَةٌ. بِيَمِينٍ مُطْلَقاً، أَوْ بِغَيْرِهَا ولَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِخِلافِ الْمُعَيَّنِ، وفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلانِ، وقُضِيَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وذِمِّيٍّ فِيهَا بِحُكْمِنَا.
قوله: (وَأُثِيبَ مَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ، وإِنْ مَعِيباً) لفظ (مَعِيباً) بفتح الميم وكسر العين ثم ياء ناشئة عن الكسرة ثم باء موحدة من باب (العيب).
وأشار بِهِ لقوله فِي كتاب: الهبات من " المدونة ": وإِن وجد الواهب عيباً بالعوض فإن كَانَ عيباً فادحاً لا يتعاوض فِي مثله كالجذام والبرص فله رده وأخذ الهبة، إِن لَمْ تفت إِلا أَن يُعوضه، وإِن لَمْ يكن فادحاً نظر إِلَى قيمته بالعيب، فإن كانت كقيمة الهبة فأكثر لَمْ يجب لَهُ غيره؛ لأن مَا زاد عَلَى القيمة تطوع غير لازم، فإن كَانَ دون قيمتها فأتمّ لَهُ القيمة بريء.
وليس للواهب ردّ العوض إِلا أَن يأبى الموهوب أَن يتمّ لَهُ قيمته؛ لأن كلّ مَا يعوضه مما يجري بين الناس فِي الأعواض يلزم الواهب قبوله، وإِن كَانَ معيباً إِذَا كَانَ فيه وفاءً بالقيمة (١). وبالله تعالى التوفيق.
стр. 868
[باب اللُقَطة]
قال عياض: اللقطة بضم اللام وفتح القاف: مَا التقط. قال ابن عبد السلام: بهذا ضبطها الأكثر عَلَى خلاف القياس، ومنهم من أنكر فتح القاف، وزعم أنها بالسكون عَلَى القياس فِي فِعْلَة الساكن العين أنّه للمفعول، ومنهم من ذكر الوجهين.
اللُّقَطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ عَرَضَ لِلضَّيَاعِ، وإِنْ كَلْباً، وفَرَساً وحِمَاراً. ورُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ، وبِهِ، وعَدَدِهِ، بِلا يَمِينٍ، وقُضِيَ لَهُ عَلَى ذِي الْعَدَدِ والْوَزْنِ، وإِنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أَوَّلٍ، ولَمْ يَبِنْ بِهَا حَلَفَا، وقُسِمَتْ كَبَيِّنَتَيْنِ لَمْ يُؤَرَّخَا، وإِلا فَلِلأَقْدَمِ ولا ضَمَانَ عَلَى دَافِعٍ بِوَصْفٍ، وإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ، واسْتُؤْنِيَ فِي الْوَاحِدَةِ، إِنْ جَهِلَ غَيْرَهَا لا غَلِطَ عَلَى الأَظْهَرِ، ولَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهِ.
قوله: (وَإِنْ كَلْباً) كذا لابن شاس وابن الحاجب (١). فقال ابن عرفة: يخص بالمأذون فيه ويعلم كونه كَذَلِكَ لعلم الملتقط حال ربه فيه أَو لغلبة صنفه للصيد وإِلا فلا، لقوله فِي كتاب الضحايا من " المدونة ": من قتل كلباً من كلاب الدور مما لَمْ يؤذن فيه فلا شيء عَلَيْهِ؛ لأنّه يقتل ولا يترك، وإِن كَانَ مأذوناً فيه فعَلَيْهِ قيمته (٢)، هذا وجه نقلهما، وفِي اختصاصهما بهذا النقل نظر؛ لقوله فِي " المدونة ": من سرق كلباً صائداً أَو غير صائد لَمْ يقطع؛ لأن النبي ﷺ حرم ثمنه (٣)، إِلا أَن يراعى درء الحدّ بالشبهة.
стр. 869
وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ لا إِنْ عُلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ، وإِلا كُرِهَ عَلَى الأَحْسَنِ، وتَعْرِيفُهُ سَنَةً، ولَوْ كَدَلْوٍ، لا تَافِهاً، بِمَظَانِّ طَلَبِهَا بِكَبَابِ مَسْجِدٍ، فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ يَثِقُ بِهِ، أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا، إِنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ وبِالْبَلَدَيْنِ إِنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا، ولا يُذْكَرُ جِنْسَهَا عَلَى الْمُخْتَارِ، ودُفِعَتْ لِحَبْرٍ، إِنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ، ولَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهُ، والتَّصَدُّقُ، أَوِ التَّمَلُّكُ ولَوْ بِمَكَّةَ ضَامِناً فِيهِمَا كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا ورَدِّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ، إِلا بِقُرْبٍ [٧٢ / أ] فتَأْوِيلانِ، وذُو الرِّقِّ كَذَلِكَ، وقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ.
قوله: (وإِلا كُرِهَ عَلَى الأَحْسَنِ) لما ذكر ابن عبد السلام قول ابن الحاجب: وفِي المأمون الاستحباب والكراهة، والاستحباب [١١٩ / ب] فيما لَهُ بال (١). قال: وبعد تسليم هذا فالأَظْهَر من الأَقْوَال الثلاثة، الاستحباب أَو الوجوب إِن قيل بِهِ لوجوب إعانة المسلم عند الحاجة، والقدرة عَلَى الإعانة، فلو أَن المصنف أشار لهذا لكان يقول وإِلا استحسن عَلَى الأحسن.
وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ و [لا ضمان] (٢) ولَوْ بِقَرْيَةٍ وشَاةٍ بِفَيْفَاءَ كَبَقَرٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ، وإِلا تُرِكَتْ كَإِبِلٍ.
قوله: (وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسدُ ولا ضمان) كذا فِي بعض النسخ، وهو جيّد.
وَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ، ثُمَّ تُرِكَتْ بِمَحَلِّهَا.
قوله: (وَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ) أي سنة كما فِي " المدونة " (٣).
وَكِرَاءُ بَقَرٍ ونَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَأْمُوناً ورُكُوبُ دَابَّةٍ لِمَوْضِعِهِ، وإِلا ضَمِنَ.
قوله: (وَكِرَاءُ بَقَرٍ ونَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَأْمُوناً) هذا هو الصواب من باب الأمان؛ كعبارة ابن الحاجب (٤) وغيره.
стр. 870
وَغَلَّتُهَا دُونَ نَسْلِهَا، وخُيِّرَ رَبُّهَا بَيْنَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ، أَوْ إِسْلامِهَا، وإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لِرَبِّهَا إِلا الثَّمَنُ، بِخِلافِ لَو وَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكِينِ، أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا.
قوله: (وَغَلَّتُهَا دُونَ نَسْلِهَا) المراد بالغلة هنا لبنها وزبدها وسمنها دون صوفها ودون الكراء، بدليل أنّه قدم الكراء إذ قال: (وَكِرَاءُ بَقَرٍ ونَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا) والصوف حكمه حكم النسل بدليل قوله فِي خيار النقيصة: (بِخِلاف ولد وثمرة أبرت وصوف تم أولا) وقال ابن عرفة: نسل الضالة المعرفة وصوفها مثلها وحصل فِي لبنها وزبدها وسمنها حيث كَانَ لَهُ ثمن أربعة أَقْوَال:
أحدها: أنه (١) مثلها لأبي عمر عن رواية ابن وهب.
والثاني: جواز أكل ملتقطها مُطْلَقاً. لأبي محمد واللخمي عن رواية ابن نافع.
والثالث: يجوز أَن يأكل منها بقدر قيامه بها؛ لظاهر نقل ابن رشد مَعَ سماع أشهب وابن نافع (٢).
والرابع: هذا فِي غير سمنها. لأبي محمد عن مُطَرِّف.
وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ.
قوله: (وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ) أي عَلَى المسكين المتقدم الذكر وهو الذي لَمْ يفوتها.
إِنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا، إِلا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وإِنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا. فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتِهَا. ووَجَبَ. لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً، وحَضَانَتُهُ، ونَفَقَتُهُ، إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنَ الْفَيْءِ إِلا أَنْ يَمْلِكَ. كَهِبَةٍ، أَوْ يُوجَدَ مَعَهُ.
قوله: (إِنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا) أي حيث يكون لَهُ الخِيَار فِي أخذ قيمتها وذلك إِذَا وجدها ناقصة بعد التصدق، وهذا الخِيَار وإِن لَمْ يصرح بِهِ كما فعل ابن الحاجب (٣) فهو
فِي (منه)، وهو عائد عَلَى أخذ العبد، وفيه النوع المسمى فِي فن البديع بالاستخدام؛ لأن الكلام كَانَ فِي أخذ الآبق إِذَا ادعى أنّه أبق منه، فخرج منه لأخذ العبد رهناً إِذَا ادعى أنّه أبق منه فهو كقول ابن الحاجب: وفِي لبن الجلالة وبيضها (١).
وَأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِلا دَعْوَاهُ إِنْ صَدَّقَهُ. ولْيُرْفَعْ لِلإِمَامِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مُسْتَحِقَّهُ إِنْ لَمْ يُخَفْ ظُلْمُهُ. وإِنْ أَتَى رَجُلٌ بِكِتَابِ قَاضٍ أنّه شَهِدَ عِنْدِي أَنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا فُلانٌ هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ، ووَصَفَهُ، فَلْيُدْفَعْ إِلَيْهِ بِذَلِكَ.
قوله: (وَأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِلا دَعْوَاهُ إِنْ صَدَّقَهُ) هذا كقوله فِي " المدونة ": وإِن ادعى أَن هذا الآبق لَهُ، ولم يقم بينة، فإن صدقه العبد دفع إليه (٢).
ابن يونس: يريد بعد التلوم ويضمنه إياه.
стр. 873
[باب الأقضية]
ابن عرفة: حال الفقيه من حيث هو فقيه كحال عالم (١) بكبرى قياس الشكل الأول فقط، وحال القاضي والمفتي كحال عالم بها مَعَ علمه بصغراه، ولا خفاء أَن العلم بهما أشقّ وأخصّ من العلم بالكبرى فقط، وأَيْضاً فقهاء القضاة والفتيا مبنيان عَلَى إعمال النظر فِي الصور الجزئية وإدراك مَا اشتملت عَلَيْهِ من الأوصاف الكائنة فيها، فيلغى طرديها (٢) ويعمل معتبرها.
[أحكام القضاء]
أَهْلُ الْقَضَاءِ عَدْلٌ، ذَكَرٌ، فَطِنٌ، مُجْتَهِدٌ، إِنْ وُجِدَ وإِلا فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ، وزِيدَ لِلإِمَامِ الأَعْظَمِ قُرَشِيٌّ فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلِّدِهِ، ونَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى، وأَبْكَمَ، وأَصَمَّ ووَجَبَ عَزْلُهُ، ولَزِمَ الْمُتَعَيِّنَ أَوِ الْخَائِفَ فِتْنَةً إِنْ لَمْ يَتَوَلَّ، أَو ضَيَاعَ الْحَقِّ الْقَبُولُ. والطَّلَبُ. وأُجْبِرَ وإِنْ بِضَرْبٍ، وإِلا فَلَهُ الْهَرَبُ - وإِنْ عُيِّنَ وحَرُمَ لِجَاهِلٍ طالب (٣) دُنْيَا [٧٢ / ب]، ونُدِبَ لِيُشْهِرَ عِلْمَهُ.
قوله: (وَحَرُمَ لِجَاهِلٍ، طالب دُنْيَا) كذا قال ابن عرفة فِي الذي تكون توليته ملزومة لما لا يحلّ من تكليفه تقديم من لا يحلّ تقديمه للشهادة. قال: وقد شاهدنا من ذلك مَا الله أعلم بِهِ.
كَوَرِعٍ، غَنِيٍّ، حَلِيمٍ، نَزِهٍ.
قوله: (كَوَرِعٍ، غَنِيٍّ، حَلِيمٍ، نَزِهٍ (٤)) الورع: التارك للشبهات، لئلا يقع فِي الحرام، والنزه: الكامل المرؤة.
نَسِيبٍ، مُسْتَشِيرٍ بِلا دَيْنٍ وحَدٍّ.
قوله: (نَسِيبٍ) أي معروف النسب كما عبّر عنه ابن الحاجب (٥). قال فِي " التوضيح "
стр. 874
: لأن من لا يعرف أبوه من ولد لعان أَو زنا يطعن فيه، فلا يكون لَهُ فِي نفوس الناس كبير هيبة. انتهى وأصله لابن رشد (١).
فرعان:
الأول: قال ابن عرفة: المعروف أَن كونه معتقاً غير مانع، ومنعه سحنون خوف استحقاقه بملك.
الثاني: قال ابن رشد: من خصاله المستحبة كونه من أهل البلد (٢). قال ابن عبد السلام: ليعرف المقبولين والمسخوطين من الشهود ويعرف من حال المحقّ والمبطل مَا لا يعرف غير البلدي، وأمراء عصرنا يقصدون إِلَى ترجيح غير البلدي عَلَى البلدي؛ لأن أكثر الحسدة المتكلمين (٣) فِي أعراض الناس إنما هم من [١٢٠ / أ] المشاركين فِي البلد، فإذا كَانَ القاضي غير بلدي قلّ حاسدوه فقل (٤) كلام الناس فيه، وقال ابن عرفة قضاة بلدنا يجعلون كونه من أهل البلد فِي قضاة الكور موجباً للرغبة عنه، لفساد القضاة بالميل إِلَى قرابتهم ومعارفهم.
وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ.
قوله: (وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ) عطف عَلَى دين أي: وبلا وصف أَو عقل زائد فِي الدهاء، فإذا ضبط زائد (٥) بإسكان الياء من غير ألف كَانَ مصدراً معطوفاً عَلَى مصدر فلا يحتاج إِلَى تقدير حذف المنعوت. قال الطرطوشي: الزيادة فِي عقله المفضية إِلَى الدهاء والمكر مذمومة؛ فقد عزل عمر بن الخطاب زياد بن سميّة وقال: كرهت أَن أحمل الناس عَلَى فضل عقلك. وكَانَ من الدهاة. وقال أبو عمر فِي " الاستيعاب ": كَانَ عمر بن الخطاب قد استعمله عَلَى بعض صدقات البصرة أَو بعض أعمال البصرة، وقيل بل كَانَ كاتباً لأبي موسى، فلما شهد
стр. 875
علي المغيرة مَعَ الثلاثة ولَمْ يقطع الشهادة عزله فقال: يا أمير المؤمنين أخبر الناس أنك لَمْ تعزلني [لخزية] (١) قال بعض الأخيار: أنّه قال لَهُ مَا عزلتك [لخزية] (٢) ولكني كرهت أَن أحمل الناس على فضل عقلك (٣)؛ ولهذا أنكر ابن عرفة إنكار ابن عبد السلام لهذه الحكاية.
وَبَطَانَةِ سُوءٍ، ومَنْعُ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ، والْمُصَاحِبِينَ لَهُ، وتَخْفِيفُ الأَعْوَانِ، واتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ وحُكْمِهِ وشُهُودِهِ، وتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ، إِلا فِي مِثْلِ اتَّقِ اللهَ فِي أَمْرِي فَلْيَرْفُقْ بِهِ، ولَمْ يَسْتَخْلِفْ، إِلا لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ مَنْ عَلِمَ مَا اسْتَخْلَفَ فِيهِ وانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ لا هُوَ بِمَوْتِ الأَمِيرِ، ولَوِ الْخَلِيفَةِ.
قوله: (وَبَطَانَةِ سُوءٍ) كذا ذكر ابن الحاجب فِي الصفات المستحبة كونه سليماً من بطانة السوء (٤). فقال ابن عرفة: الذي فِي " المعونة " أخص من هذا وهو أَن يستبطن أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة، يستعين بهم (٥)، وهذا أخصّ من كونه سليماً من بطانة السوء، وأما نفس السلامة من بطانة السوء فمقتضى قول أصبغ أنها من الشروط الواجبة. قال أبو محمد عنه: ينبغي للإمام أَن يعزل من قضاته من يخشى عَلَيْهِ الضعف والوهن أَو بطانة (٦) السوء، وإِن أمن عَلَيْهِ الجور.
وَلا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بَعْدَهُ أنّه قَضَى بِكَذَا.
قوله: (وَلا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بَعْدَهُ أنّه قَضَى بِكَذَا) كذا قال ابن الحاجب (٧). فقال ابن
стр. 876
عرفة: مفهوم قوله: بعد العزل. أنّه قبل (١) العزل يقبل قوله مُطْلَقاً، وليس كَذَلِكَ ففي سماع أصبغ (٢) شهادة القاضي بقضاءٍ قضى به (٣) وهو معزول أَو غير معزول لا تقبل.
ابن رشد: فِي هذه المسألة معنى خفي وهو أَن قول القاضي قبل عزله قضيت لفلان بكذا لا يقبل إِن كَانَ بمعنى الشهادة كتخاصم رجلين عند قاضٍ فيحتج أَحَدهمَا بأن قاضي بلد كذا قضى لي بكذا أَو ثبت عنده كذا، فيسأله البينة على (٤) ذلك، فيأتيه من عنده بكتابه أنّي حكمت لفلان [بكذا أَو أنّه ثبت عندي لفلان كذا فهذا لا يجوز؛ لأنّه شاهد ولَو أتى الرجل] (٥) ابتداءً للقاضي فقال لَهُ خاطب لي قاضي بلد كذا بما ثبت لي عندك عَلَى فلان أَو بما حكمت لي بِهِ عَلَيْهِ فخاطبه بذلك لقبل ذلك؛ لأنّه مخبر لا شاهد (٦).
ابن عبد السلام: وأما (٧) بعد العزل فلا يقبل كَانَ عَلَى سبيل الإقرار أَو الشهادة (٨).
وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ أَوْ خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ أَوْ نَوْعٍ والْقَوْلُ لِلطَّالِبِ، ثُمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ.
قوله: (وجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ أَوْ خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ أَوْ نَوْعٍ) احترز بالمستقل من المشترك الذي لا ينفذ حكمه إِلا بموافقة شريكه. قال المازري: تجوز تولية قاضيين ببلد عَلَى أَن يخص كل منهما بناحية من البلد أَو نوع من المحكوم فيه؛ لأن هذه الولاية يصحّ فيها التخصيص والتحجير (٩)، وكَذَلِكَ على عدم التخصيص مَعَ استقلال كلّ منهما بنفوذ حكمه (١٠)، ومنعه بعض الناس بمقتضى السياسة خوف تنازع الخصوم فيمن يحكم بينهم،
стр. 877
ومقتضى أصول الشرع جوازه؛ لأن لذي الحقّ استنابة من شاء عَلَى حقّه، والتنازع مرتفع شغبه باعتبار قول الطالب.
واستدل عَلَى جواز التعدد بالقياس عَلَى تولية الواحد لبقاء حكم الإمام معه، وفرق بيسير رفع التنازع عند اختلاف حكمهما بعزل الإمام قاضيه وتعذر عزل أحد القاضيين الآخر، وأما (١) تعددهما بشرط وقف نفوذ حكمهما عَلَى اتفاقهما (٢) فمنعه ابن شعبان وقال: لا يكون الحاكم نصف حاكم وغلا فيه الباجي، فادعى الإجماع عَلَى منعه، وأجاب عن الاعتراض بتعدد حكمي الصيد والنكاح بأنهما إِن اختلفا انتقل لغيرهما والقاضيان هما بولاية لا يصحّ التنقل فيها بعد انعقادها واختلافهما يؤدي لتضييع الأحكام والغالب اختلاف المجتهدين وإِن كانا مقلدين فولاية المقلد ممنوعة (٣).
قال المازري: وعندي أنّه لا يقوم دليل عَلَى المنع إِن اقتضت ذلك مصلحة ودعت إليه ضرورة فِي نازلة يرى الإمام أنّه لا ترتفع التهمة والريبة إِلا بقضاء رجلين فيها، [١٢٠ / ب] فإن اختلف نظرهما فِي ذلك استظهر بغيرهما. ابن عرفة: منع الباجي وابن شعبان فِي تولية قاضيين ولاية مطلقة لا فِي مسألة جزئية كما فرضه المازري، وذكر الباجي أنّه ولّى فِي بعض بلاد الأندلس ثلاثة قضاة عَلَى هذه الصفة، ولَمْ ينكره من كَانَ بذلك البلد من فقهائه، وقال ابن عرفة قبل هذا: هذا الكلام فِي القضاء وأما فِي نازلة معينة فلا أظنهم يختلفون فيها، وقد فعله علي ومعاوية فِي تحكيمهما أبا موسى وعمرو بن العاصي (٤).
стр. 878
وَإِلا أُقْرِعَ، كَالادِّعَاءِ، وتَحْكِيمُ غَيْرِ خَصْمٍ، وجَاهِلٍ، وكَافِرٍ، وغَيْرِ مُمَيَّزٍ فِي مَالٍ، وجَرْحٍ. لا حَدٍّ، ولِعَانٍ، وقَتْلٍ، ووَلاءٍ ونَسَبٍ وطَلاقٍ، وعِتْقٍ. ومَضَى، إِنْ حَكَمَ صَوَاباً، وأُدِّبَ، وفِي صَبِيٍّ، وعَبْدٍ، وامْرَأَةٍ، وفَاسِقٍ. ثَالِثُهَا، إِلا الصَّبِيَّ، ورَابِعُهَا وفَاسِقٌ، وضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ، وعَزْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ. ولَمْ يَنْبَغِ. إِنْ شُهِرَ عَدْلاً بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ ولْيُبَرَّأْ عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ وخَفِيفُ تَعْزِيرٍ بِمَسْجِدٍ لا حَدٌّ، وجَلَسَ بِهِ بِغَيْرِ عِيدٍ، وقُدُومِ حَاجٍّ، وخُرُوجِهِ، ومَطَرٍ ونَحْوِهِ، واتِّخَاذُ حَاجِبٍ وبَوَّابٍ، وبَدَأَ بِمَحْبُوسٍ، ثُمَّ وَصِيٍّ، ومَالِ طِفْلٍ، ومُقَامٍ ثُمَّ ضَالٍّ، ونَادَى بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وسَفِيهٍ، ورَفْعِ أَمْرِهِمَا، ثُمَّ فِي الْخُصُومِ.
قوله: (وَإِلا أُقْرِعَ، كَالادِّعَاءِ) أي كما يقرع فِي الادعاء، وهو المنبه عَلَيْهِ بقوله بعد: (وإلا فالجالب وإلا أقرع).
وَرَتَّبَ كَاتِباً عَدْلاً [مَرْضِيَّاً] (١).
قوله: (وَرَتَّبَ كَاتِباً عَدْلاً مَرْضِيَّاً) كذا فِي بعض النسخ مرضياً. اسم مفعول من الرضا، أشار بِهِ لقول ابن القاسم فِي " المدونة ": ولا يتخذ القاضي كاتباً من أهل الذمة ولا قاسماً ولا عبداً ولا مكاتباً، ولا يتخذ فِي شيءٍ من أمور المسلمين إِلا العدول المرضيين (٢). كذا فِي غير نسخة من " التهذيب "، ولما نقله فِي " التوضيح " ذكر بإثره قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ: وسواء غاب الكاتب عَلَى كتابته أَو لَمْ يغب فلا يكون إِلا من أهل العدالة والرضا (٣). ووقع فِي أكثر نسخ هذا المختصر (شرطاً) عوض (مرضياً)، وأظنّه تصحيفاً إذ لَمْ أر من عبّر هنا بالخلاف فِي الشَرْطية (٤)؛ وإنما تَرَدُّدٌ اللخمي فِي وجوب العدالة.
كَمُزَكٍّ، واخْتَارَهُمَا والْمُتَرْجِمُ مُخْبِرٌ كَالْمُحَلِّفِ.
قوله: (كَمُزَكٍّ). أي فِي كونه عدلاً رضي فهو كقوله فِي " الرسالة ": ولا يقبل فِي
стр. 879
التزكية إِلا من يقول عدل رضي أي ليجمع بين الآيتين ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] وهذا يدلك عَلَى أَن (شرطا) تصحيف (مرضياً)، ولا شكّ أنهما فِي الخط متشابهان (١).
وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ، أَوْ شَاوَرَهُمْ، وشُهُوداً.
قوله: (وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ، أَوْ شَاوَرَهُمْ). المازري: ينبغي أَن يستشير ولَو كَانَ عالماً، وإِن كَانَ حضورهم يوجب حصره لَمْ يختلف فِي عدمه وإِن كَانَ بليداً بلادة لا يمكنه معها ضبط قولي الخصمين وتصوّر حقيقة دعواهما لَمْ يختلف فِي حضورهم إياه.
وكَانَ عندنا قاض اشتهرت بالأمصار نزاهته، فرفع إليّ محاضر بين خصمين طال فيها النزاع والإثبات والتجريح، فتأملت المحاضر فوجدتها تتضمن أَن الخصمين متفقان فِي المعنى مختلفان فِي العبارة، ولَمْ يتفطن لذلك حتى نبهته لَهُ، فخجل منه وارتفع الخصام. فمثل هذا لابد أَن يحضره أهل العلم أَو كاتب يؤمن معه مثل هذا. ابن عرفة: قبول من هذه صفته القضاء جرحة.
وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ، ولَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ كَسَلَفٍ وقِرَاضٍ، وإِبْضَاعٍ، وحُضُورِ وَلِيمَةٍ، إِلا لِنِكَاحٍ.
قوله: (وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ) ظاهره مُطْلَقاً كقول ابن الحاجب تبعاً لابن شاس: ولا يفتي الحاكم فِي الخصومات، وقال ابن عبد الحكم: لا بأس بِهِ كالخلفاء الأربعة (٢).
ابن عرفة وقبله ابن عبد السلام: فحملوا قول ابن عبد الحكم عَلَى الخلاف، وعزى ابن المناصف القول بعدم جوابه فيما يتعلّق بالخصومات لمالك، وعزاه ابن حارث لسحنون، ثم ذكر قول ابن عبد الحكم وقال: النهي فِي الكلام الأول عن فتيا القاضي فِي نفس
стр. 880
الخصومات لأحد الخصمين، وكلام ابن عبد الحكم فِي فتياه فِي جملة الأشياء لَمْ يعن الخصومة بعينها. وفِي " الواضحة " للأخوين: لا ينبغي أَن يدخل عَلَى أحد الخصمين دون صاحبه لا وحده ولا فِي جماعة.
وَقَبُولِ هَدِيَّةٍ ولَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا، إِلا مِنْ قَرِيبٍ، وفِي هَدِيَّةِ مَنِ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلايَةِ، وكَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مَشْيِهِ، أَوْ مُتَّكِئاً، وإِلْزَامِ يَهُودِيٍّ حُكْماً بِسَبْتِهِ، وتَحْدِيثِهِ بِمَجْلِسِهِ لِضَجَرٍ، ودَوَامِ الرِّضَا فِي التَّحْكِيمِ لِلْحُكْمِ قَوْلانِ، ولا يَحْكُمُ مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنِ الْفِكْرِ، ومَضَى، وعَزَّرَ شَاهِداً بِزُورٍ فِي الْمَلإِ بِنِدَاءٍ، ولا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، ولِحْيَتَهُ، ولا يُسَخِّمُهُ.
قوله: (وَقَبُولِ هَدِيَّةٍ) بعد مَا طوّل فيها. ابن عرفة قال: قد يخفف للمفتي فِي قبولها إِن كَانَ محتاجاً ولا سيما إِن كَانَ اشتغاله بأصولها يقطعه عن التسبب ولا رزق لَهُ عَلَيْهَا من بيت المال، وعَلَيْهِ يحمل مَا أخبرني بِهِ غير واحد عن الشيخ الفقيه أبي علي بن علوان: أنّه كَانَ يقبل الهدية، ويطلبها ممن يفتيه.
ثُمَّ فِي قُبُولِهِ تَرَدُّدٌ، وإِنْ أَدَّبَ التَّائِبَ فَأَهْلٌ، ومَنْ أَسَاءَ عَلَى خِصْمِهِ أَوْ مُفْتٍ، أَوْ شَاهِدٍ، لا بِشَهِدْتَ بِبَاطِلٍ كَلِخَصْمِهِ كَذَبَتْ، ولْيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، ولَوْ مُسْلِماّ، [وَكَافِراً] (١). وقُدِّمَ الْمُسَافِرُ ومَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، ثُمَّ السَّابِقَ، قَالَ وإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلا طُولٍ، ثُمَّ أُقْرِعَ.
قوله: (ثُمَّ فِي قُبُولِهِ تَرَدُّدٌ). ابن عبد السلام: قال بعض الشيوخ كابن الحاجب: إِن كَانَ ظاهر العدالة لَمْ تقبل توبته بلا خلاف؛ لأنّه لا يكاد تعرف توبته، وإن كَانَ غير ظاهرها فقَوْلانِ (٢)، وقال ابن رشد بالعكس: إِن كَانَ ظاهر العدالة فقَوْلانِ وإِن لَمْ يكن ظاهرها لَمْ تقبل اتفاقاً. قال ابن عرفة مَا ذكره عن ابن رشد لا أعرفه لَهُ ولا لغيره، ثم جلب مَا فِي " المقدمات " ومَا فِي أول مسألة من سماع يحيي وهو خلاف مَا نسب لَهُ ابن عبد السلام، فقف عَلَى تمامه فِي أصله (٣).