← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الخفين، فلما تقرر أن المسح على الجبيرة غير موقت فكذلك المسح على الخفين رخصة. فإن قيل: مسح الرأس واللحية عزيمتان، ومسح الخفين ورخصة. ألا ترى أنه لو مسح شعر لحيته ورأسه، ثم سقط شعره لم ينتقض حكم مسحه، ولو مسح على خفيه ثم بدت رجله انتقض حكم مسحه. فأما مسح الجبائر فلا فرق بينهما وبين الخفين؛ لأن مسح الجبيرة ما دامت الحاجة، وقد بينا أن حاجة المسح على الخفين هي ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم. قيل: أما قولكم: إن مسح الرأس عزيمة فلهذا لم يتوقت وليس كذلك مسح الخفين فجوابه: أنه لا يتأثر لهذه العلة؛ لأن الجبيرة ليست بعزيمة، وهي غير موقتة مثل العزيمة. على أن العلة المتعدية أولى من غير المتعدية. وقولكم: إن حاجة المسح على الخفين ما ذكرتموه فقد بينا فساده، وأن الحاجة قد تدعو إلى أكثر من ذلك فسقط أيضا، وصار كالجبائر وسائر الرخص، وبالله التوفيق.

стр. 1157

[٦٧] مَسْأَلَة التيمم لا يرفع الحدث عندنا وعند سائر الفقهاء. وقال داود: إنه يرفع الحدث. والدليل لقولنا وقول الجماعة: هو انه محدث قبل التيمم، فمن زعم أن حدثه ارتفع فعليه الدليل. وأيضا ما روي عن عمر بن العاص أنه قال: ولاني النبي ﵇ غزاة ذات السلاسل، فأجنبت فخشيت أن اغتسلت هلكت، فتيممت وصليت بالناس، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته. فقال: «أصليت بالناس وأنت جنب؟». فقلت: قال الله - تعالى -: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾. فضحك مني. فموضع الدليل: وهو أنه ﵇ سوغ له التيمم،

стр. 1158

وسماه مع ذلك جنبا. وأيضا فلا خلاف أن الجنب إذا تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد ذلك فإنه يغتسل واجبا، ولولا الجنابة لم يجب عليه الغسل بعد التيمم لا الجنابة مستأنفة، فلما وجب عليه أن يغتسل بعد التيمم، لم تحدث منه جنابة مستأنفة علم أن الجنابة باقية؛ لأن وجود الماء ليس بجنابة، فلولا أن حدث الجنابة لم يرتفع لم يجب عليه الغسل. فإن قيل: هذا الغسل عبادة مستأنفة لا الجنابة المتقدمة. قيل: لولا الجنابة المتقدمة لم تجب هذه العبادة. ألا ترى أنه لو لم يكن جنبا لم يجب عليه هذا الغسل. وأيضا فإنها طهارة ضرورة فوجب أن لا ترفع الحدث، أصله طهارة المستحاضة. وأصحابنا يختلفون هل الاستحاضة حدث عفي عن الوضوء بها أو ليست بحدث؟، والله الموفق.

стр. 1159

[٦٨] مَسْأَلَة ومن توضأ فغسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها في الخف الآخر، ثم أحدث لم يجز له أن يمسح على الخفين حتى يكون طاهرا الطهارة التامة قبل لبسهما، وليس أحدهما. والجملة له في جواز المسح: أن ينزع الخف الأول ثم يلبسه، فيحصل لبسه حينئذ بعد كمال طهارته. وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، والثوري، والمزني: يجوز له المسح عليه، وهو

стр. 1160

قول مطرف من أصحاب مالك. وأبو حنيفة يخالفنا في أعظم من هذا؛ لأنه يعتبر في جواز المسح ورود الحدث على الوضوء، سواء لبس الخفين وهو محدث أو غير محدث؛ لأنه يقول: لو أن محدثا لبس خفيه، ثم غسل باقي أعضائه، ثم أدخل الماء في خفيه حتى انغسلت رجلاه، أو خاض في الماء، ثم أحدث بعد ذلك جاز له المسح. والدليل لقولنا: كونه محدثا قبل ذلك، فمن زعم أن حدثه قد ارتفع بهذا الفعل فعليه الدليل. وأيضا كون الصلاة والطهارة في ذمته بيقين، فمن زعم أنهما يسقطان بالمسح المستأنف بعد الطهارة الأولى فعليه الدليل. وأيضا قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وأرجلكم﴾، فأمر بغسل الرجلين إذا قام إلى الصلاة ولم يخص صلاة من صلاة، فلا يجوز المسح إلا بدليل. وأيضا قول النبي ﷺ بعد أن توضأ وغسل رجليه: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فلا يجوز بغير الغسل حتى يقوم دليل. وأيضا قوله: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه» إلى أن قال: «ويغسل رجليه»، فهو عموم لا تقبل صلاة عبد

стр. 1161

حتى يغسل رجليه في وضوئه إلا أن يقوم دليل. وأيضا قوله: «ويل للأعقاب من النار». وأيضا ما رواه المغيرة بن شعبة من قوله: كنا في غزاة تبوك مع النبي ﵇ فأهويت عند وضوئه أن أنزع خفيه. فقال: «دعهما فإني لبستهما وهما طاهرتان»، فجعل كون العلة في جواز المسح وجود اللبس والرجلان طاهرتان، ولا يكن اللبس وهما طاهرتان إلا بعد غسلهما جميعا، وللبس بعد غسل إحدى الرجلين لا يكون لبسا وهما طاهرتان، وقبول خبر واحد محتمل وقياس على هذا يؤدي إلى إسقاط تعليل النبي ﵇، وما أدى إلى ذلك لم يقبل. وفي رواية أخرى: «فإني لبستهما على طهر»، وفي حديث: «فإني أدخلتهما وهما طاهرتان»، وهذا في معنى قوله: «لبستهما وهما طاهرتان إنه، وهذا يقتضي أن تكونا طاهرتين قبل إدخالهما، ومن غسل أحدهما، ثم أدخلها في الخف فلم يدخلها طاهرة؛ لأنها لا تحصل طاهرة إلا بطهر الأخرى. ألا ترى أنه لا يجوز له أن يصلي قبل غسل الأخرى، فهو في حكم المحدث حتى يفرغ من غسل الأخرى. فإن قيل: فنحن نجيز له المسح على الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان، فقد قلنا بموجب الخبر. قيل: لعمري إنكم تجيزون هذا، ولكنكم تجعلون الشرط في جواز

стр. 1162

المسح ورود الحدث على الطهارة لا وجود اللبس على الطهارة، والنبي ﵇ جعل شرط جوازه ورود اللبس عليهما بعد كونهما طاهرتين. وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة أنه قال: أرخص رسول الله ﷺ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة إذا تظهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما، وموضع الدليل منه: أنه ذكر الرخصة وذكر شرطها، فقال: «إذا تطهر ولبس خفيه»، وقوله: تطهر عبارة عمن تطهر طهارة كاملة. والفاء بعد ذلك للعقب؛ لأنه قال بعد أن ذكر الطهارة: «فلبس خفيه أن يمسح عليهما»، فصار تقديره: أنه إذا تطهر الطهارة التامة ولبس الخف مسح. وأيضا ما روي في حديث عمر وأنس أن النبي ﷺ قال: «إذا أدخلت رجليك في خفيك وأنت طاهر فامسح عليهما، وصل فيهما ما لم تنزعهما أو تصبك جنابة»، فجوز المسح عليهما متى لبسهما وهو طاهر، فما عدا هذا الشرط بخلاف، ومن غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف فقد أدخلها وهو محدث؛ لأنه لا يكون متطهرا وقد بقي عليه عضو مأمور بغسله؛ لأنه لا يجوز له أن يصلي. ونقول: إن لبسه أحد الخفين بغسل إحدى الرجلين مقدم على كمال الطهارة، ولم يصادف تمام العبادة، فصار كمن لبس الخفين ولم يغسل إحدى الرجلين.

стр. 1163

ولك أن تعبر عبارة أخرى فنقول: هو لبس قبل كمال الطهارة فوجب أن لا يجوز له المسح عليه، أصله إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، وأدخل الأخرى الخف الآخر بغير غسل. فإن قيل: المعنى فيه أنه لم يغسل إحدى رجليه. قيل: هذه علة لا تتعدى فلا تصح على أصولكم، وعلى أصولنا نحن، والعلة المتعدية أولى منها. ونقول أيضا: إن ما تعلق صحته بالطهر استدعى كماله قبل المتأخر مما يقتضى أفعاله، دليله الصلاة لم يصح فعلها والدخول فيها إلا بعد كمال الطهارة. وأيضا فإن ابتداء اللبس وقع على غير كمال الطهارة الحكمية، فأشبه من لبس الخف وهو محدث. وأيضا فإن اللبس يقتضي الطهر، وكل ما اقتضى ظهرا حكميا اقتضى كماله قبله، كالصلاة. فإن قيل: قوله ﵇: «إذا أدخلت رجليك وهما طاهرتان» حجة لنا؛ لأنه إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلهما وهما طاهرتان. قيل: إذا أدخل إحداهما قبل غسل الأخرى أدخلها غير طاهرة، وإذا أدخل الأخرى أدخلها وحدها طاهرة، وبعدهما صارتا طاهرتين، والنبي ﵇ شرط أن تكون طاهرتين قبل لبسهما ولبس أحدهما.

стр. 1164

على أن الطهارة حكم شرعي، ولا يكون كذلك إلا بعد كمالها، ولم يقل: أدخلتهما مغسولتين. على أن الأحاديث الأخر تدل على ما نقول فلا احتمال، مثل قوله: «فإنني لبستهما على طهر، أو وأنا طاهر»، وفي حديث عمر: «إذا لبستهما وأنت طاهر فامسح عليهما»، وكذلك في حديث أبي بكرة على ما بيناه. فإن قيل: قوله ﵇: «يمسح المسافر ثلاثة أيام، والمقيم، يوما وليلة» لم يفرق فيه بين أن يكن لبس الخف بعد كمال طهارته أو قبلها، فهو عموم في جواز المسح. وش ما رواه عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة أنه قال: فأهويت أن أنزع خفيه ﵇ فقال: «دعهما فإنني لبستهما وهما طاهرتان»، وإذا فرق الغسل واللبس فقد حصل لابسا لهما على طهر. قيل: أما الخبر الأول ففيه رخصة المسح لا شرط الرخصة، وأخبارنا تقتضي شرط الرخصة، وهو موضع الخلاف. وأما الخبر الثاني فقد جعلناه حجتنا؛ لأن قوله: «لبستهما وهما طاهرتان» يقتضي أن يكونا طاهرتين ثم يلبسهما.

стр. 1165

فإن قيل: فأنتم لا توقتون في المسح فكيف تحتجون بالخير؟. قيل: لا يمتنع أن يتضمن الخبر شيئين يقوم الدليل على إسقاط أحدهما ويثبت الآخر، وحديث أبي بكرة عن النبي ﵇ تضمن التوقيت وتضمن شرط الرخصة في المسح، فقام الدليل على إسقاط التوقيت في المسح، ولم يقم دليل على إسقاط شرط الرخصة المسح، وعلى أي وجه يجوز. فإن قيل: قد قال صفوان بن عسال: أمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من غائط ونوم وبول، وهذا عام سواء لبسه على الوجه الذي تقولون، انو على ما نقول. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أنه ﵇ أراد أن يعلمهم زمان المسح الذي سألوا عنه، ثم كيف يمسحون، على أي وجه يلبسون معلوم من الأخبار الأخر. وجه آخر: وهو أن صفوان قال: أمرنا. ولم يذكر من أمرهم حتى نعلم من الآمر، صاحب الشريعة أو غيره، فنلزم قول صاحب

стр. 1166

الشريعة، وننظر في أمر غيره. وأيضا فإنهم لا ينزعون خفافهم إذا كانوا قد لبسوا على الوجه الذي بيناه بالأخبار الأخر. فإن قيل: فإنه حدث ورد على طهر كامل فجاز له المسح. أصله إذا لبسهما بعد غسل رجليه وكمال طهارته. وأيضا فإن لنزع الخف تأثيرا في منع المسح لا في إباحته وجوازه؛ بدليل أنه ل تطهر ولبس خفيه، ثم أحدث وهو لابس للخفين جاز له مسحهما، ولو أحدث ونزع الخف لم يجز له المسح عليه، فإذا كان كذلك، وأنتم تقولون: لو نزع الخف من الرجل الأولى ثم لبسه أباح له المسح بعد ذلك، وقد قلنا: إن نزعه يؤثر في منع المسح، وأنتم جعلتموه مؤثرا في إباحة المسح، لعم أن المسح كان جائزا له قبل النزع. قيل: أما القياس الأول فالمعنى في جواز المسح هو أنه لبسه بعد كال طهارته فلهذا جاز. فإن قيل: علتنا متعدية فهي أولى. قيل: قد ذكرنا قياسا يعارض هذا فهو أولى؛ لأنه يؤدي إلى الاحتياط، وسقوط حكم الصلاة والطهارة بيقين بإجماع. وأما الفصل الثاني وقولكم: إن للنزع تأثيرا في المنع على ما ذكرتم فإننا نقول: لنزعه تأثيرا في المنع من المسح إذا كان بعد الحديث، فأما إذا كان قبل الحدث فلا يمنع أصلا. ألا ترى أنه لو تطهر ثم لبس

стр. 1167

خفيه ونزعهما قبل أن أحدث، ثم لبسهما أيضا ثم نزعهما ثم لبسهما، ولو مائة مرة وهو على طهارته، ثم أحدث بعد لبسهما في المرة الأخيرة جاز له أن يمسح عليهما. وجواب آخر: وهو أنا لم ندع أن الشرع أباح المسح إلا بعد وجود اللبس بعد كمال الطهارة. فإن قيل: (فإن) لا فائدة في أن ينزع الخف الأول ويلبسه في الحال، فلما لم تكن فيه فائدة علم أن عدم نزعه لا يمنع المسح عليه. قيل: فائدته أنه يحصل لا بسا له بعد كمال طهارته. على أن هذا يلزمكم إذا اصطاد المحرم صيدا في حلا إحرامه، ثم حل من إحرامه فإنه يلزمه إرساله، ثم له أن يأخذه في الحال فيما الفائدة في إرساله؟ فإن قيل: فائدته أنه يصير ممسكا للصيد باصطياد مباح، ولو لم يرسله كان ممسكا له باصطياد محظور. قيل: وكذلك أيضا إذا نزع الخف ولبسه يصير لابسا له بعد كمال طهارته، وقبل نزعه يكون لابسا له قبل كمال طهارته. ومثل هذا قلتم في عبد كافر تحته أربع نسوة، ثم أسلم وعتق، فإنه يلزمه أن يفارق اثنتين ثم يتزوجهما في الحال، فما الفائدة في تخليتهما ثم يتزوجهما؟. وعلى أنكم لا تنفصلون ممن يقلب هذا عليكم فيقول: ولبس الخف لا يحدث طهارة، فلا معنى للبسهما على طهارة، وكذلك لا

стр. 1168

ينفصلون ممن يقول: لا معنى لنزعهما بعد المسح عليهما ثم لبسهما. فلما كان لهذا كله تأثيرا علم أن حكم الطهارة يتغير باللبس والنزع على ما ورد به الشرع. فإن قيل: فإن الطهر لما انتقض بظهور إحدى الرجلين بعد المسح على الخفين وجب أن يثبت حكم اللبس بلبس أحد الخفين. قيل: هذه دعوى، لم وجب هذا؟. على أنه قياس الضد، ومنا من لا يقول به. وعلى أنه يلزمكم على هذا أن تقتصروا على طهر رجل واحدة، كما قلتم في جواز المسح وسقوط المسح. وعلى أن المعنى في الظهور أنه إذا ظهر شيء من رجل واحدة وهو شيء كبير انتقض طهر الرجلين جميعا. وليس كذلك اللبس؛ لأنه لا يصير بلبس بعض الرجل الواحدة لابسا على الرجلين جميعا، ولا يغسل بعض الرجل الواحدة غاسلا للرجلين. فإن قيل: فإن استدامة اللبس كابتدائه. ألا ترى أنه لو حلف إلا يلبس ثوبا فإنه يحنث إن أدام على لبسه. قيل هذا باطل؛ لأنه لو أحدث بعد اللبس جاز له أن يمسح عليهما، ولو نزعهما ولبسهما ثم مسح عليهما، وكذلك إذا لبسهما

стр. 1169

على كمال طهارته فله أن يمسح عيهما، ثم لو انقضت مدة المسح - عندكم - لم يجز له أن يمسح، فعلمنا من هذين الوجهين أن الانتهاء في باب اللبس ليس كالابتداء. فإن قيل: فإن الحدث طرأ على لبس كامل بعد طهر شامل فجاز له أن يمسح. دليله إذا لبسهما بعد كمال الطهارة. قيل: قد تكلمنا على هذا، على أننا لا نسلم أنه كان على طهر كامل على الإطلاق؛ لأن اللبس طرأ على طهر غير كامل، فطرأ الحدث على لبس قبل كمال الطهارة. وعلى أننا قد ذكرنا أن المعنى فيه: أنه ل سه وه ممن تجز له الصلاة، وليس كذلك إذا لبس أحدهما قبل كمال الطهارة. وعلى أننا قد عارضنا بقياس مرجح على هذا باستناده إلى الظواهر والنصوص التي ذكرناها، وفيه احتياط للفرض، ولأن قياس الطهارة على الصلاة أولى؛ لأنها أحد أركانها. وأيضا فإن الأصول مبنية على أن حك الإجازة والمنع إذا التقيا في حكم الرجل كانت الغلبة للمنه. ألا ترى أنه لو نزع أحد الخفين بعد المسح صار إلى حكم الغسل، فكذلك لبس أحدهما والحدث في الأخرى قائم صار إلى حكم المنع. وأيضا فإننا وجدنا المسح يقتضي لبسا، واللبس يستدعي طهرا، ورأينا الأصول مبنية على أن كل موضع يستدعي صحته طهرا

стр. 1170

استدعى طهرا كاملا، كالصلاة لما استدعت طهرا استدعته كاملا قبلها، فصار قولنا لهذه الوجوه أولى. ويجوز أن نعبر بعبارة أخرى فنقول: كل شيء يفتقر الجزء منه إلى الطهارة فإن جميعه يفتقر إليها، كالصلاة والطواف. وبيان هذا هو أن أبا حنيفة يقول: إذا لبس خفه بالغداة على غير طهارة، واستدامه إلى الزوال وأحدث لم يجز له المسح عليه، ولو تطهر قبل الزوال وأحدث جاز له المسح عليه، فيعتبر أن يصادف الحدث بعض اللبس على طهارة، وهو اللبس الذي يتعقبه الحدث، واعتبرنا نحن جميع لبسه على الطهارة، والله أعلم.

стр. 1171

[٦٩] مَسْأَلَة إذا كان في الخف خرق يسير مما دن الكعبين، يظهر من الرجل شيء يسير جاز المسح عليه، وإن تفاحش لم يجز المسح ووجب نزعه وغسل الرجلين. وبه قال الشافعي في القديم. وقال في الجديد: لا يجوز المسح سواء كان الخرق يسيرا أو كبيرا، وبه قال أحمد. وقال الثوري، وأبو ثور، وإسحاق: إنه يجوز المسح عليه ما دام يمكنه المشي فيه. وقال الأوزاعي: يجوز المسح، ويمسح على ما ظهر من الرجل وعلى باقي الخف.

стр. 1172

وقال أبو حنيفة: إن كان الخرق مقدار ثلاث أصابع لم يجز المسح، وأن كان دونها جاز، وذهب إلى جواز التفليق إن كان في فرد خف، وإن كان في الخفين جميعا لم يلفق أحدهما إلى الآخر، فإذا كان في فرد خف خروق في مواضع منه متفرقة قال: إن بلغ كله إذا … ضم بعضه إلى بعض ثلاث أصابع لم يجز المسح عليه، وإن كان أقل من ثلاث أصابع مسح عليه، وإن كان في خف واحد قدر أصبع مثلا، وفي الآخر قدر أصبعين لم يلفق، وجاز المسح على الخفين جميعا وإن بلغ الجميع ثلاث أصابع. فحصل الخلاف في المسح بالخروق على خمسة مذاهب. والدليل لقولنا في جواز المسح إذا كان الخرق يسيرا، ما روي عن النبي ﷺ وعن الصحابة ﵃ في المسح على الخفين، وفي جوازه قولا وفعلا، في السفر والحضر، ولم يفرقوا بين أن يكون الخف صحيحا أو فيه خرق يسيرا أو كثير؛ لأن اسم الخف لا يزول عنه مع كون الخرق فيه، فلو خلينا وهذا الظاهر من فعلهم وقولهم لجوزنا المسح على الخف بأي خرق كان، ولكن قامت دلالة منعت من المسح إذا تفاحش الخرق، ولم تقم دلالة في المنع من الخرق اليسير، فبقي على حكم الظاهر في جواز المسح؛ لأن اسم الخف موجود. وأيضا فإن خفاف الناس تختلف على حسب أحوالهم وحاجاتهم، وفي الجدة والخلوة، فرخص له في المسح ترفيها لحاجتهم إلى

стр. 1173

الخفاف، وأنهم يحتاجون إلى لبسها في أسفارهم ومواضع البرد والثلوج، والمشي في طول الطرق، وحيث لا يجدون من يخرزها لهم، فعفي لهم عن الخرق اليسير. كما عفي عن العلم القليل في الصلاة؛ لأنه يشق التحرز منه، فكذلك يشق التحرز من الخرق اليسير في الخف في مثل ما ذكرنا، وليس كل أحوال الناس تتفق؛ لأن منهم من لا يستحسن لبس الخف المخرق، ومنهم من لا يمكنه غير ذلك، ويشق تتبع كل خرق يسير في خف، خاصة للماشة في طرقهم كلها، وقد عفي عن الدم اليسير الذي يشق التحفظ منه في الصلاة كدم البراغيث، وكذلك عفي عن الغرر اليسير في البياعات، وعن أشياء أخرجت عن أصولها؛ للرفق والحاجة إليها. وأيضا فإن المعنى الذي لأجله جوز المسح على الخف الصحيح السليم هو أن الحاجة تدعو إلى لبسه، وتلحق المشقة في نفسه في نزعه، وهذا المعنى موجود لا محالة فيمن في خفه خرق يسير. وأيضا فإن المسح على الخفين رخصة عامة لجميع من يحتاج إلى لبسه فلو قلنا: لا يمسح على خف مخرق صارت الرخصة خاصة لبعض أصحاب الخفاف دون بعض. فإن قيل: قد روي أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه إلى أن غسل رجليه، ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الطهارة

стр. 1174

إلا به»، فهو على عمومه إلا، يقوم دليل المسح. وكذلك ظاهر القرآن يدل على غسل الرجلين لكل صلاة إلا أن يقوم دليل. قيل: الآية والخبر وردا فيمن كانت رجلاه باديتين، فإما كانتا في الخف جاز المسح بما روي عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة في المسح على الخفين لم يخصوا خفا فيه خرق من غيره. فإن قيل: فإن ظهر من رجله ما يلزمه غسله عند ظهور جميعه، فوجب أن لا يجوز له المسح عليه، أصله إذا كان كبيرا. قبل: ليس المعنى ما ذكرتم؛ إن الكبير يكون نادرا، وليس هو الغالب، ولأن أكثر القدم يظهر، ليس كذلك اليسير؛ لأن خفاف الناس في الغالب لا تخلو منه، مثل أن يظهر منه ظفر أو رأس أصبع، وقد عفت الشريعة في الرخص عن القليل، كما ذكرنا في العمل القليل في الصلاة، وكدم البراغيث. فإن قيل: فإن الرجلين لو كانتا باديتين لكان الفرض فيهما الغسل، وإذا كانتا مستورتين جاز المسح، فإذا تخرق بعض الخف، وظهر بعض الرجل فلا بد من تغليب أحدهما على الآخر، فتغليب حكم الغسل أولى؛ لأنه أصل، والمسح بدل عنه. قيل: إذا تفاحش ظهور الرجل فهو كما قلتم، يغلب حكم الغسل،

стр. 1175

فأما إذا كان الخرق يسيرا غلب عليه حكم المسح، كما قلنا في الدم: الأصل كون الثوب طاهرا من الدم، فإن حصل فيه دم البراغيث غلب حكم العفو عنه، وإن كان على غير ذلك غلب حكم الإزالة، وكذلك حكم العمل القليل في الصلاة يخالف الكثير. على أنه إنما يغلب حك الأصل وهو المبدل على البدل إذا جد جميع المبدل، وها هنا لم يجد حكم جميع المبدل من ظهور القدمين أو أكثرهما. ألا ترى أن واجد الرقبة في الكفارة يمنع جواز البدل الذي هو الصم؛ لأن القبة - التي هي الأصل - موجودة فمنعت البدل، وليس كذلك إذا وجد بعض الرقبة، لم يقدر على باقيها، فإن الصوم - الذي هو البدل - جائز؛ لأن جميع الأصل معدوم، فكذلك ظهور القليل من القدم لا يمنع المسح الذي هو البدل، ويصير في حكم ما لم يظهر. فإن فصلوا بين الموضعين بأن واجد بعض الرقبة لا يقدر على باقيها، والذي ظهر اليسير من رجله يقدر على الغسل، الذي هو الأصل. قيل: هذا الفرق لا ينجي مما ذكرناه؛ لأننا قد رأينا الفصل بين ظهر المبدل مع البدل وبين عدمه، وهو موجود في الموضعين جميعا، وإنما كسرنا ما قلتم بما ذكرناه فلم.

стр. 1176

فصل فأما التقديم في الكلام مع أبي حنيفة فيستدل بظاهر قوله - تعالى -: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، إلى قوله: ﴿وأرجلكم﴾، وبالخبر عن النبي ﷺ في غسل الرجلين إلا أن يقوم دليل. وحصل الاتفاق منها ومنه على جواز المسح مع الخرق اليسير، ولم يقم دليل على جوازه مع الخرق الذي هو مقدر. فإن قيل: الأخبار الواردة في جواز المسح لم يفرق فيها بين القليل والكثير. قيل: لم يرد فيها حد محدود، فمن قدر بثلاث أصابع فعليه الدليل، والقديرات تحتاج إلى دليل من صاحب الشرع ﵇، ولما لم يكن في تقدير الخرق دلالة من كتاب ولا سنة ولا اتفاق ولا قياس لم يثبت حكمه، وقد ثبت في الأصول العفو عما يغلب على الظن قلته، كما ذكرنا في العمل القليل في الصلاة، والغرر اليسير في البياعات. وأيضا فإنه لا ينفك في قدر ذلك بثلاث أصابع ممن قدره بأربع أصابع أو أصبعين بغير دليل. وأيضا فإنهم يقولون: إن التقديرات والحدود والكفارات لا تؤخذ قياسا، وهذا من التقدير الذي لا أصل له يرجع إليه، فلا ينبغي أن يثبت من جهة القياس لو كان هناك أصل يقاس عليه، نحن نعلم أن

стр. 1177

خفاف الصحابة ﵃ وأكثرهم عرب - لم تخل من خروق فيها، وكذلك من بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم تحديد وامتناع من المسح إذا كان على حد محدود. فإن قيل: فكيف يجوز أن يكون اليسير منه مجوزا، ولا يجوز في الكثير ولا يكون بنيهما حد يفرق بين القليل والكثير حتى نعلمه؟. قيل: هذا جائز قد ورد الشرع به في مواضع، ووكلنا إلى ما يغلب على الظن من القلة أو الكثرة، كالعمل في الصلاة، وغير ذلك مما لا حد محدودا فيه بين القليل والكثير غير الرجوع إلى غلبة الظن. فإن قيل: إذا ثبت أن يسير الخرق لا يمنع المسح؛ لأن مواضع الخرق التي يدخلها الغبار لا تمنع جواز المسح، والكثير الذي يظهر معه أكثر الرجل يمنع احتيج إلى حد يفصل بينهما، فوجب أن يكون من طريق الاجتهاد مقدار ثلاثة أصابع من أصابع الرجال؛ لأن الحكم في الأصول يتعلق بذلك، كمسح الرأس ومسح الرجلين. قيل: إن الحد في ذلك لا يجوز أن يقف على تحكمنا نحن وتقديرنا من غير أصل يرجع إليه من كتاب أو سنة أو اتفاق أو قياس على علة أو تنبيه، فإذا عدم جميع ذلك فليس غير الاجتهاد الذي يختلف بحسب اختلاف المجتهدين؛ لاختلاف حال المجتهدين فيه. فأما مسح الرأس فليس فيه تقدير، وعليه أن يمسح الجميع - عندنا -، فإن سقط منه اليسير من حيث لا يقصد فليس هو مقدرا ولا محدودا، وأما الرجلان فلا يمسحان.

стр. 1178

فإن أرادوا مقدار المسح على الخف ين فليس فيه أحد، وإنما يمسح ظاهرهما وباطنهما، فهو على ما تقضيه العادة في مسح أكثره، وقد قال مالك ﵀: إنه إن مسح أعلاهما أعاد الصلاة في الوقت، ولم يحد في مسح أعلاه ثلاث أصابع ولا غيرها، وبالله التوفيق.

стр. 1179

[٧٠] مَسْأَلَة ولا يجوز المسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال الثوري، وأبو يوسف ومحمد، وأحمد بن حنبل: يجوز المسح عليه. والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا

стр. 1180

وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فأمر كل قائم إلى الصلاة بغسل رجليه عموما. فلا يجوز العدول عن الغسل إلا بدليل. وما روي أن النبي ﵇ غسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فلا يجوز غير غسل الرجلين في كل وضوء إلا بدليل. وأيضا فإن الطهارة والصلاة في ذمته بيقين فلا تسقطان إلا بدليل. وأيضا فإنه ستر قدميه بما لا يمكنه متابعة المشي عليه، فلم يجز المسح عليه، أصله إذا لف على رجليه خرقة. وأيضا فإن المروي عن النبي ﵇ وعن أصحابه ﵃ المسح على الخفين، وهذا الاسم لا يختص بالجوربين فما عدا الخفين بخلافه. وأيضا فإنما جوز المسح على الخفين؛ لأن حاجة الني عامة تدعو إلى لبسة، وتلحق المشقة في نزعه، وبهم حاجة إلى تتابع المشي فيه في الطرق الطلا والثلوج والأسفار، وهذا المعاني لا توجد في الجوربين، ولا يقاس الخف على الخف؛ لأن معنى غيره لا يوجد فيه، لا يوجد معناه في غيره، ولا تقاس العمامة عليه، لأن حاجة الناس تدعو إلى لبسها، ولكن لا تلحق المشقة في نزعها، أو إدخال اليد تحتها بالمسح. وأيضا فإن المخصوص بالذكر على ثلاثة أضرب:

стр. 1181

فضرب مخصوص بالذكر لا يعقل معناه، فلا يقاس عليه، مثل الصلوات والطهارات؛ لأنه لم يعلم معناه لم يمكن القياس عليه. وضرب آخر مخصوص بالذكر عام المعنى فهذا يقاس عليه، كالنص على البر والتمر في الربا يجوز القياس عليه؛ لأن معناه معقول يوجد فيه وفي غيره. والضرب الثالث مخصوص بالذكر مخصوص المعنى، فلا يقاس عليه، مثل المسح على الخفين. فإن قيل: قد روي أبو قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة أن النبي ﵇ مسح على الجوربين. وأيضا فإنه ساتر لقدميه فجاز المسح عليه كالخف. قيل: أما الخبر فغير صحيح من وجهين: أحدهما: أن عبد الرحمن بن مهدي قال: هزيل ضعيف، وهو لم يلحق المغيرة أيضا. على أنه ل صح لم تكن فيه حجة؛ لأنه نقل فعله عن النبي ﵇

стр. 1182

لا نعلم صفتها، ولا كيف هي، والفعلة الواحدة لا يدعي فيها العموم، فيحتمل أن يكو [كان] الجورب مجلدا يمكن متابعة الشيء فيه. وقياسهم باطل به إذا لف على رجليه خرقة. على أنه لو سلم من النقض لم يجز القياس على الخف؛ لأنه مخصوص المعنى. ثم إننا قد ذكرنا قياسا على الخرقة فيسقطه، ويرجع عليه بالاحتياط للصلاة، وإسقاط الفرض بيقين، والله أعلم.

стр. 1183

[٧١] مَسْأَلَة ولا يمسح على جرموقين. الجرموق هو الخف فوق الخف، وبه قال الشافعي في الجديد. وقد روي عن مالك جوازه، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في قوله القديم. وهذا ينبغي أن يكون الخف الأسفل مما [ينبغي] إذا انفرد جاز المسح عليه، ويكون الفوقاني كذلك، فأما إن كان التحتاني مما لا يجز المسح عليه الو انفرد، مثل أن يكون مخرقا خرقا فاحشا أو ضعيفا

стр. 1184

لا يمكن متابعة المشي عليه، فلا يختلف القول في جواز المسح على الأعلى، ويكون الأسفل كالجورب، وكذلك إن كان الأعلى بهذه الصفة، الأسفل صحيحا لم يجز المسح على الأعلى بلا خلاف على هذا المذهب. الدليل لقوله لا يجوز المسح على الأعلى على كل حال: كون الطهارة والصلاة في الذمة فلا تسقطان إلا بدليل. وأيضا قول النبي ﵇ وقد تطهر وغسل رجليه: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فه عموم في كل صلاة؛ لأن الألف واللام في الصلاة للجنس. وكذلك قوله ﵇: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه» أن قال: «ويغسل رجليه»، فنفي الإجزاء عن كل عبد إلا على هذه الصفة، فما عداها بخلافها إلا أن يقوم دليل. فإن قيل: قد اشتهرت الرواية عن النبي ﵇ وعن الصحابة ﵃ بجواز المسح على الخفين، فسواء كانا تحت أو فوق. قيل: إذا أطلق المسح على الخفين اقتضى لابس الخفين؛ لأن من لبس أربعة.

стр. 1185

على أنه لو كان عاما جاز أن يخص، فنقول: إن رخصة المسح لا تزول بزوال الجرموق على الشيء الذي هو منفصل عنه، فوجب ألا يجوز المسح. أصله إذا لف على الخف الأسفل خرقة مكان الجرموق. وقولنا: منفصل عنه؛ احتراز عن طبقتي الخف؛ لأنها غير منفصلة عنه، وعكس ما ذكرناه الخف الواحد لما زالت الرخصة بزواله جاز المسح عليه، وكذلك إذا كان التحتاني مخرقا جاز المسح على الأعلى؛ لأن الرخصة تزول بزواله. وأيضا فإنما جاز المسح على الخف الواحد للحاجة العامة إلى لبسه، ولحوق المشقة في نزعه، وهذا لا يوجد في الجرموق؛ لأنه لا تدعو عوام الناس إلى لبسه، ولا تلحق المشقة في نزعه فلم يجز المسح عليه. فإن قيل: فإنه خف يلي الماسح فجاز المسح عليه، أصله إذا كان خفا واحدا، أو كان التحتاني مخرقا خرقا فاحشا بحيث لا يجوز المسح عليه. وأيضا فإن المعنى الذي لأجله جاز المسح على الخف هو كون الحاجة إلى لبسه، ولحوق المشقة في نزعه، وهذا موجود في الخف الأعلى. قيل: أما القياس الأول فالمعنى فيه زال الرخصة في المسح بزواله، فلهذا جاز المسح عليه. وأما قولهم: إن الحاجة تدع إليه فقد ذكرنا أن الأمر بخلافه، والحاجة إليه لست عامة، هي عامة في الخف الواحد، والمشقة

стр. 1186

تلحق في نزع الخف الواحد، ولا تلحق في نزع الأعلى؛ لأن الأسفل باق. ونقول أيضا: إن ما تحت الجرموق يجوز المسح عليه، وهو الخف الأسفل؛ فالمغطي لما يجوز المسح عليه لا يجوز أن يقصد بالمسح عليه. دليله العمامة لا يجوز المسح عليها؛ لأن ما تحتها مما يمسح. فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ كان يمسح على الموق، وروي:

стр. 1187

الجرموقين، رواه الحارث بن معاوية عن بلال عنه ﵇. قيل: إن الموق غير لجرموق؛ لأنه خف يلبس وحده، أما مسحه على الجرموق فإن صح فلنا به، ولكننا لا نعرف. ويحتمل أن يكون ﵇ فعل ذلك؛ لأنه كان على طهر ولم ينتقض، فجدد وضوءه ومسح عليه، ولو كان يجوز على ما تقولون لاشتهرت الرواية فيه وظهرت عنه ﵇، أو عن أحد من أصحابه ﵃، وليس يجوز أن ينتقل عن فرض وغسل القدمين إلا بأمر ظاهر، كالمسح على الخف الأسفل. وأيضا فإن المسح على الخف رخصة وليس بعزيمة، والرخص لا يجوز القياس عليها عند كثير من أصحابنا، ويجوز عند بعضهم إذا عرف معناها، وليس في الخف الأسفل معنى يجمع به بينه وبين

стр. 1188

الجرموق؛ لأن الحاجة تعم في الخف الأسفل، وتلحق في نزعه المشقة، وقد بينا أيضا أنه ممسوح فلا ينوب عنه ممسوح مع القدرة عليه، فلم يسلم فيه معنى يجمع به بينه وبين الجرموقين. وأيضا عن مسح الخف بدل من غسل الرجلين فهو كالتيمم بدلا من الوضوء، فلما لم يكن للتيمم بدل مع القدرة عليه لم يكن للمسح على الخف بدل مع القدرة عليه. فإن قيل: قد يكون للبدل بدل يقوم مقامه. ألا ترى أن من لا يقدر أن يمسح لشجة فيه فإنه جوز له أن يمسح على العمامة والعصابة، وكذلك الوجه في التيمم قد يمسح على الحائل إذا كان هناك مانع من المسح عليه. قيل: هذا لا يلزم: لأننا لا نجوز ذلك مع القدرة على البدل، وأنتم تجيزون المسح على الجرموق مع القدرة على مسح الخف. ووجه قول مالك ﵀ إن المسح يجوز: هو ما ذكرناه من الأسئلة على هذه الرواية. وأيضا فإن الحاجة تدعو إلى لبس الجرموق في المواضع الباردة، ومواضع الثلوج وإن لم يكن ذلك عاما في جميع الناس، كما أن لبس الخف ليس تدعو الحاجة إليه في جميع الناس، والله أعلم.

стр. 1189

[٧٢] مَسْأَلَة إذا نزع خفيه أو أحدهما بعد أن كان قد مسح عليهما غسل رجليه مكانه، فإن أخر غسل رجليه استأنف الطهارة، وبه قال الليث بن سعد. وقال أبو حنيفة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه، والمزني: إنه يغسل رجليه سوءا طال ذلك أولا، ليس عليه أن يستأنف الطهارة. ومن قال من أصحابنا: إن الموالاة مستحبة وليست واجبة كذلك يقول. وقال الشافعي في القديم: يستأنف الطهارة من أولها على كل

стр. 1190

حال، وبه قال الأوزاعي، وابن أبي ليلى، والنخعي، الحسن البصري. وقال داود: إذا نوع خفيه ثم يحتج إلى شيء لا غسل الرجلين ولا استئناف الطهارة، ويصلي كما هو حتى يحدث حدثا مستأنفا.

стр. 1191

والدليل على داود: ظاهر قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فهو عموم في كل صلاة إلا أن يقوم دليل. وأيضا كون الصلاة في ذمته، فمن زعم إنها تسقط عنه إذا صلاها مكشوف الرجلين من غير غسل فعليه الدليل. وأيضا عن النبي ﵇ توضأ وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فهو عموم في كل صلاة. وأيضا قوله للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك» إلى أن قال: «واغسل رجليك»، فبين أن الذي أمر الله به غسل الرجلين. وأيضا قوله: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء موضعه، فيغسل وجهه ويديه» إلى قوله: «ويغسل رجليه»، فنفي الأجزاء عن كل عبد إلا بهذه الصفة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل. وأيضا قوله لأبي ذر: «التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته»، والرجل من البشرة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل.

стр. 1192

فإن قيل: فقد حصل الإجماع على أنه طاهر بعد مسحه على الخفين، وأن الصلاة جائزة له، فمن زعم أن عليه غسل رجليه، أن طهارته تنتقض فعليه الدليل، وإلا فنحن متمسكون بموضع الإجماع. قيل: إن الإجماع حصل على صفة، وهو كون رجليه في الخفين، فلما نزعهما انحل الإجماع، ألا ترى أن الخلاف حاصل. وعلى أن الأصل كان عليه غسل رجليه، لأنه محدث فجوز له الإجماع أن يمسح على الخفين ما دامت الرجلان مستترتين بالخف، فإذا نزعهما عاد إلى ما كان عليه من وجوب غسلهما، فلم يبق إجماع. فإن قيل: هذا كلام في إبطال استصحاب الحال؛ لأننا قلنا: قد حصل الاتفاق على أنه يجوز له الصلاة قبل نزع الخف، فمن زعم أن حكمه يتغير بنزعه فعليه الدليل. قيل: نحن أيضا نقول باستصحاب الحال، ويجوز الانتقال عنها بالدليل، وقد بينا لأي معنى حصل الإجماع، وهو كونه طاهرا قبل نزع الخف؛ لانستار قدميه في الخف مع وجود المسح عليهما. قد زال هذا المعنى بظهور قدميه، وإذا تعلق الحكم بعلة ثم زالت زال الحكم المتعلق بها. يدلك على هذا: أن القدمين لو كانا ظاهرين بعد الحدث وقبل كونهما ممسوحين في الخف لوجب غسلهما، ولكن المسح ناب عن الغسل، وصار هذا كالتيمم الذي كان على الإنسان في الأصل أن يستعمل الماء ما دام قادرا على استعماله، فإذا تعذر ذلك جاز له التيمم ما دام على هذا الحال، فإذا زال العذر زال حكم التيمم الذي هو

стр. 1193

بدل من الغسل، كذلك هذا كان عليه غسل رجليه بالماء، فإذا أدخلهما في الخف على صفة جاز له بعد الحدث المسح ما دام على هذه الحال، فإذا ظهرت رجلاه زال المعنى الذي من أجله زال المسح على الخف بدلا من غسلهما، ورجع الشيء إلى حكمه الأول من وجوب الغسل بأجل الحدث المتقدم. وعلى أننا قد إذا … كرنا استصحاب حال هي أولى مما ذكرتم، وقلنا: الصلاة في ذمته بيقين. فإن قيل: إن التيمم لم يرتفع حدثه وإنما استباح الصلاة بالتيمم وهو محدث، وماسح الخفين مع غسل باقي الأعضاء قد ارتفع حدثه، فلا يصير محدثا بنزعه الخفين. قيل: إنما نقول: إن حكم حدثه ارتفع على صفة، وهو أنه ما دامت رجلاه في الخف بدلا من الغسل فهو تابع للأعضاء المغسولة، فإذا ظهرت الرجلان حتى حضرت صلاة أخرى زال حكم المسح الذي هو بدل عن غسلهما لا بدلا عن جميع الأعضاء، فيجب غسل الرجلين. فإن قيل: فإن الإنسان إذا كان أصلع أو أمرد وجب عليه في الضوء غسل وجهه ومسح رأسه، ثم لو نبتت لحيته وشعر رأسه جاز له غسل الشعر ومسحه على الرأس، فلو أنه غسل ظاهر لحيته ومسح شعر رأسه ثم حلق ذلك لم تجب عليه إعادة الغسل والمسح، وجاز له أن يصلي قبل أن يحدث، فكذلك في مسألتنا في الخف. قيل: هذا التشبيه غلط؛ لأن الشعر ليس ببدل وهو من نفس الخلقة، وغسله ومسحه عزيمة كما لو لم يكن، وليس كذلك الخف؛ لأنه في الأصل منفصل ليس من الخلقة في شيء. ألا ترى أنه لو قال

стр. 1194

لزوجته: شعرك طالق. طلقت. فلو قال لها: خفكي طالق. ولم تطلق، فصار مسح الخف بالتيمم أشبه؛ لأنه بدل كالتيمم. فإن قيل: قد نجد في الأصول أن يكون الشيء له حكم في الأصل، ثم يحدث له حكم آخر، ثم يعود إلى مثل الحال الأولى فلا يعود حكمه إلى الأول ولا يتغير حكمه عما قد حصل عليه. من ذلك: عقد التزويج لو وقع في الإحرام لقبح - عندنا وعندكم، وكذلك في العدة، ثم لو عقد في غير الإحرام بشرائطه لكان صحيحا، ثم لو طرأ عليه الإحرام لم يقدح في صحته، ولم يبطل حكم النكاح، وكذلك لو طرأت العدة على زوجته، مثل أن توطأ بشبهة لم يبطل حكم عقده، وإن كانت هذه الحال لو وجدت في الابتداء لم يصح العقد، وكذلك لا يؤثر نزع الخف في صحة الطهارة المتقدمة، وإن كانت الرجلان لو كانتا في الابتداء ظاهرتين لم يكن بد من الغسل.

стр. 1195

قيل: إن التشبيهة أيضا غير صحيحة، وعروض مسألتنا: أن يكون في الابتداء محرما، محدثا ظاهر الرجلين، فهذا لا يجوز له المسح على رجليه لا إدخالهما في الخف إلا بعد الغسل، والمحرم لا يجوز له العقد، فإذا غسل هذا رجليه وأدخلهما في الخف صار بمنزلة من عقد وهو غير محرم في أنه فعل ماله أن يفعل، والآخر أدخل رجليه في الخفين ففعل ماله أن يفعل. فطرق المسح عليه لا يبطل فعله، وطرق الإحرام على الآخر لا يبطل فعله المتقدم وهو العقد، فإذا نزع هذا خفه بعد الحدث والمسح، فهو بمنزلة المحرم يطلق في حال إحرامه، فإنه يعد إلى حالته الأولى في الابتداء في أنه لا يصح منه التزويج الذي كان يصح منه، ورجلاه في الخف بل عاد إلى حالة الابتداء من أنه لا بد من غسل رجليه، كما كان في الأول قبل إدخالهما في الخف، كما عاد المحرم بعد إطلاقه إلى الحال التي لو كان عليها في الابتداء من الإحرام لم يجز له عقد التزويج. وعلى أن المحرم إذا طرأ عليه الإحرام بعد تقدم عقده فهو ممنوع من الوطء، كما لو عقد النكاح وه محرم، والذي أدخل رجليه في الخفين هو غير ممنوع من المسح ما دام على حاله، فبان بهذا أن التشبيه أيضا غير صحيح. وقد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن قالوا: العلل على ضربين: فضرب الابتداء والانتهاء، وضرب لابتداء دون الانتهاء. فالضرب للابتداء والانتهاء، وضرب للابتداء دون الانتهاء. فالضرب الذي للابتداء حسب، كالإحرام والعدة كما ذكرتموه. والضرب الذي يستوي حكم ابتدائه وانتهائه كالرضاع والردة.
следующие страницы →