← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

والدليل على داود: ظاهر قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فهو عموم في كل صلاة إلا أن يقوم دليل. وأيضا كون الصلاة في ذمته، فمن زعم إنها تسقط عنه إذا صلاها مكشوف الرجلين من غير غسل فعليه الدليل. وأيضا عن النبي ﵇ توضأ وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فهو عموم في كل صلاة. وأيضا قوله للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك» إلى أن قال: «واغسل رجليك»، فبين أن الذي أمر الله به غسل الرجلين. وأيضا قوله: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء موضعه، فيغسل وجهه ويديه» إلى قوله: «ويغسل رجليه»، فنفي الأجزاء عن كل عبد إلا بهذه الصفة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل. وأيضا قوله لأبي ذر: «التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته»، والرجل من البشرة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل.

стр. 1192

فإن قيل: فقد حصل الإجماع على أنه طاهر بعد مسحه على الخفين، وأن الصلاة جائزة له، فمن زعم أن عليه غسل رجليه، أن طهارته تنتقض فعليه الدليل، وإلا فنحن متمسكون بموضع الإجماع. قيل: إن الإجماع حصل على صفة، وهو كون رجليه في الخفين، فلما نزعهما انحل الإجماع، ألا ترى أن الخلاف حاصل. وعلى أن الأصل كان عليه غسل رجليه، لأنه محدث فجوز له الإجماع أن يمسح على الخفين ما دامت الرجلان مستترتين بالخف، فإذا نزعهما عاد إلى ما كان عليه من وجوب غسلهما، فلم يبق إجماع. فإن قيل: هذا كلام في إبطال استصحاب الحال؛ لأننا قلنا: قد حصل الاتفاق على أنه يجوز له الصلاة قبل نزع الخف، فمن زعم أن حكمه يتغير بنزعه فعليه الدليل. قيل: نحن أيضا نقول باستصحاب الحال، ويجوز الانتقال عنها بالدليل، وقد بينا لأي معنى حصل الإجماع، وهو كونه طاهرا قبل نزع الخف؛ لانستار قدميه في الخف مع وجود المسح عليهما. قد زال هذا المعنى بظهور قدميه، وإذا تعلق الحكم بعلة ثم زالت زال الحكم المتعلق بها. يدلك على هذا: أن القدمين لو كانا ظاهرين بعد الحدث وقبل كونهما ممسوحين في الخف لوجب غسلهما، ولكن المسح ناب عن الغسل، وصار هذا كالتيمم الذي كان على الإنسان في الأصل أن يستعمل الماء ما دام قادرا على استعماله، فإذا تعذر ذلك جاز له التيمم ما دام على هذا الحال، فإذا زال العذر زال حكم التيمم الذي هو

стр. 1193

بدل من الغسل، كذلك هذا كان عليه غسل رجليه بالماء، فإذا أدخلهما في الخف على صفة جاز له بعد الحدث المسح ما دام على هذه الحال، فإذا ظهرت رجلاه زال المعنى الذي من أجله زال المسح على الخف بدلا من غسلهما، ورجع الشيء إلى حكمه الأول من وجوب الغسل بأجل الحدث المتقدم. وعلى أننا قد إذا … كرنا استصحاب حال هي أولى مما ذكرتم، وقلنا: الصلاة في ذمته بيقين. فإن قيل: إن التيمم لم يرتفع حدثه وإنما استباح الصلاة بالتيمم وهو محدث، وماسح الخفين مع غسل باقي الأعضاء قد ارتفع حدثه، فلا يصير محدثا بنزعه الخفين. قيل: إنما نقول: إن حكم حدثه ارتفع على صفة، وهو أنه ما دامت رجلاه في الخف بدلا من الغسل فهو تابع للأعضاء المغسولة، فإذا ظهرت الرجلان حتى حضرت صلاة أخرى زال حكم المسح الذي هو بدل عن غسلهما لا بدلا عن جميع الأعضاء، فيجب غسل الرجلين. فإن قيل: فإن الإنسان إذا كان أصلع أو أمرد وجب عليه في الضوء غسل وجهه ومسح رأسه، ثم لو نبتت لحيته وشعر رأسه جاز له غسل الشعر ومسحه على الرأس، فلو أنه غسل ظاهر لحيته ومسح شعر رأسه ثم حلق ذلك لم تجب عليه إعادة الغسل والمسح، وجاز له أن يصلي قبل أن يحدث، فكذلك في مسألتنا في الخف. قيل: هذا التشبيه غلط؛ لأن الشعر ليس ببدل وهو من نفس الخلقة، وغسله ومسحه عزيمة كما لو لم يكن، وليس كذلك الخف؛ لأنه في الأصل منفصل ليس من الخلقة في شيء. ألا ترى أنه لو قال

стр. 1194

لزوجته: شعرك طالق. طلقت. فلو قال لها: خفكي طالق. ولم تطلق، فصار مسح الخف بالتيمم أشبه؛ لأنه بدل كالتيمم. فإن قيل: قد نجد في الأصول أن يكون الشيء له حكم في الأصل، ثم يحدث له حكم آخر، ثم يعود إلى مثل الحال الأولى فلا يعود حكمه إلى الأول ولا يتغير حكمه عما قد حصل عليه. من ذلك: عقد التزويج لو وقع في الإحرام لقبح - عندنا وعندكم، وكذلك في العدة، ثم لو عقد في غير الإحرام بشرائطه لكان صحيحا، ثم لو طرأ عليه الإحرام لم يقدح في صحته، ولم يبطل حكم النكاح، وكذلك لو طرأت العدة على زوجته، مثل أن توطأ بشبهة لم يبطل حكم عقده، وإن كانت هذه الحال لو وجدت في الابتداء لم يصح العقد، وكذلك لا يؤثر نزع الخف في صحة الطهارة المتقدمة، وإن كانت الرجلان لو كانتا في الابتداء ظاهرتين لم يكن بد من الغسل.

стр. 1195

قيل: إن التشبيهة أيضا غير صحيحة، وعروض مسألتنا: أن يكون في الابتداء محرما، محدثا ظاهر الرجلين، فهذا لا يجوز له المسح على رجليه لا إدخالهما في الخف إلا بعد الغسل، والمحرم لا يجوز له العقد، فإذا غسل هذا رجليه وأدخلهما في الخف صار بمنزلة من عقد وهو غير محرم في أنه فعل ماله أن يفعل، والآخر أدخل رجليه في الخفين ففعل ماله أن يفعل. فطرق المسح عليه لا يبطل فعله، وطرق الإحرام على الآخر لا يبطل فعله المتقدم وهو العقد، فإذا نزع هذا خفه بعد الحدث والمسح، فهو بمنزلة المحرم يطلق في حال إحرامه، فإنه يعد إلى حالته الأولى في الابتداء في أنه لا يصح منه التزويج الذي كان يصح منه، ورجلاه في الخف بل عاد إلى حالة الابتداء من أنه لا بد من غسل رجليه، كما كان في الأول قبل إدخالهما في الخف، كما عاد المحرم بعد إطلاقه إلى الحال التي لو كان عليها في الابتداء من الإحرام لم يجز له عقد التزويج. وعلى أن المحرم إذا طرأ عليه الإحرام بعد تقدم عقده فهو ممنوع من الوطء، كما لو عقد النكاح وه محرم، والذي أدخل رجليه في الخفين هو غير ممنوع من المسح ما دام على حاله، فبان بهذا أن التشبيه أيضا غير صحيح. وقد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن قالوا: العلل على ضربين: فضرب الابتداء والانتهاء، وضرب لابتداء دون الانتهاء. فالضرب للابتداء والانتهاء، وضرب للابتداء دون الانتهاء. فالضرب الذي للابتداء حسب، كالإحرام والعدة كما ذكرتموه. والضرب الذي يستوي حكم ابتدائه وانتهائه كالرضاع والردة.

стр. 1196

وملك أحد الزوجين صاحبه. فأدني ما في ذلك ألا تكونوا فيما ذكرتموه من اعتبار ما تنازعناه بأسعد منه باعتباره بما ذكرناه من علل الابتداء الانتهاء؛ لأن العقد مع وجود الردة والرضاع لا يجوز، ولو طرأ بعد العقد لأبطله، كما كان يبطله في الابتداء، ووجب أن يغلب الأقوى من الاعتبارين، فكان اعتبارنا أولى؛ لأن مسح الخفين نائب عن الغسل لا محالة؛ لأنه إحدى الطهارتين، ولا تصح نيابته عنه إلا على صفة، وهي أن يكون العضو الذي هو الأصل غير ظاهر؛ لأنه متى ظهر كان الخف أجنبيا منه لا يكن من المسح بسبيل، فإذا ظهر القدم فقد زال حكم المسح؛ لأن الأصل الذي من أجله صار هذا نائبا عنه قد حضر، فوجب أن يكون على الأصل الذي كان عليه. يدل على صحة هذا: التيمم على ما تقدم ذكره، ولهذا نظائر كثيرة في الأصول منها: أن شهود الأصل لو كانوا حضورا غير مرضى ولا مسافرين، أو فسقوا لم يجز لشهود الفرع أو يؤدوا الشهادة التي على شهادتهم؛ لأن شهادتهم تجوز على صفة هي غيبة شهود الأصل، أو تخلفهم لعذر، ولكونهم عدولا. ومنها: أن الميتة مباحة للمضطر إليها، ثم لو حضر من الحلال ما ينب منه بها ارتفعت الإباحة، وعاد إلى الأصل الذي كان عليه من حضرها لعدم ضرورة. فإن قيل: فلنا نحن شواهد في الأصول. منها: إن عدم الطول

стр. 1197

وخوف العنت يبيح التزويج بالأمة المؤمنة، فإذا تزوج ثم وجد الطول، وزال خوف العنت لم يبطل حكم عقده على الأمة، وإن كان قد صار إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لم يجز له العقد، وكذلك ما تنازعناه. قيل: عروض مسألتنا في نزعه خفيه هو أن يطلق هذا هذه الأمة، فيحصل على الحالة التي لا يجوز معها ابتداء العقد، فيتغير حكنه لا محالة، كما أن نازع الخف قد تغير حكمه، وعاد إلى ما لو أن عليه في الابتدء لم يجز له الصلاة إلا بغسل رجليه. وأجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن اعتبار مَسْأَلَة الخلاف أولى؛ لأنه من بابه والمسح إليه أقرب، وله أشبه. وأيضا فإن عروض ما إذا … ذكروه الصلاة التي أديت في حال المسح وهي صحيحة، وليس أمرها مراعى أو موقوفا، وكذلك النكاح ليس أمره مراعى، وقد مضى سليما. وأيضا فإن النكاح لا يبطله مضي زمان من غير فعل مؤثر، والمسح يزول حكمه - عندكم - بمضي مدة المقيم ومدة المسافر.

стр. 1198

ويقوي ما نقوله في المسألة: أن من عليه رقبة من ظهار أو قتل، إذا كان واجدا لها لم يجز له الصوم، فلو لم يجدها ثم دخل في الصوم، ثم جد الرقبة فإنه يمضي على صيامه ما دام على حاله، فلو أفسد صيام التتابع بغير عذر أو لعذر - وهو واجد للرقبة - عاد إلى حكم الرقبة التي لا يجوز له مع وجودها في الابتداء العدول إلى الصوم، فصارت الأبدال على طريقة واحدة. ومثل ذلك، هدي القرآن والتمتع وغيرها إذا عدمها حتى دخل في صيام العشرة الأيام، ثم وجد الهدي فإنه يمضي على صيامه، فلو أفسده رجع إلى الهدي الذي في ملكه، فقد استمر هذا في الأصول، وبالله الموفق. واعتبارنا أولى؛ لاه يؤدي إلى إسقاط الصلاة بيقين. فأما الكلام في غسل الرجلين عند نوع الخفين دون استئناف الطهارة من أولها، فمبني على جواز تفرقة الوضوء لعذر، فإن أخر غسل رجليه استأنف الطهارة من أولها. وقد مضى الكلام في الموالاة في موضعه. وقد ذكرنا أن أحد قولي الشافعي أنه يستأنف الطهارة من أولها على كل حال. ويجوز أن ندل على أن عليه غسل رجليه في الحال دون استئناف الطهارة بأن نقول: الأصل ألا شيء عليه قبل نزعهما، ثم قامت دلالة على غسل الرجلين، وبقي الباقي على الأصل.

стр. 1199

وأيضا فإنه بدل بطل حكمه بظهور مبدله فوجب فوجب أن يلزمه غسل ما كان البدل نائبا عنه. دليله التيمم، وذلك أن الإنسان إذا عدم الماء وتيمم فن التيمم نائب عن غسل جميع الأعضاء، فإذا وجد الماء لزمه غسل جميع الأعضاء التي كان التيمم نائبا عنها، كذلك أيضا مسح الخفين بدل عن غسل الرجلين، ونائب عنهما، فإذا بطل حكمه بالنزع لزمه غسل الرجلين؛ لأن المسح عنهما لا عن غيرهما. فإن قيل: هذا فاسد به إذا أخر غسلهما. قيل: لا يلزم؛ لأنه ليس علية الاستئناف هي النزع، وإنما العلة لشيء آخر، وهو تأخير غسل الرجلين، وإلا فالواجب بالنزع وهو غسل الرجلين فقط. وأيضا فإن مسح الخفين في حكم رفع الحدث؛ لأن الحدث حقيقة يرتفع؛ لأن مسح الخفين ليس كغسل الرجلين الذي يرتفع معه الحدث حقيقة. والدليل على أنه لا يرفع الحدث حقيقة، وإنما هو تابع للأعضاء المغسولة: وهو أن كل طهارة ترفع الحدث لم تبطل قبل وجود الحدث، وكل طهارة لا ترفع الحدث يجوز أن تبطل قبل الحدث، كالتيمم، فلما كان المسح على الخفين يبطل حكمه بنزع الخفين، علم أنه لم يرفع الحدث، فإذا لم يرفع الحدث عن الرجلين، وإنما استباح الصلاة بالمسح، فإذا نزع الخف فقد بطلت الاستباحة، وصار كمن غسل

стр. 1200

الأعضاء الثلاثة وبقي غسل رجليه فيكفيه أن يغسل رجليه. فإن قيل: قد روى صفوان بن عسال قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، ثم نحدث وضوءا بعد ذلك، فأخبرنا أن النبي ﵇ أمر بالوضوء عند نزع الخف، وإطلاق الوضوء يقتضي وضوءا كاملا. قيل: الخبر يدل على أنه ينزع الخف للجنابة، وإذا كان جنبا أحدث وضوءا كاملا مع غسله، فنقول بموجبه. فإن قيل: فإنه معنى يبطله الحد فوجب أن يكن انتقاض جزء منه كانتقاض جميعه، أصله الصلاة إذا بطلت ركعة منها بطلت كلها. وأيضا فإن المسح على الخفين يرفع الحدث؛ بدليل أنها طهارة بالماء، وكل طهارة بالماء فإنها ترفع الحدث كغسل الرجلين. ألا ترى أنه يجمع بالمسح على الخفين بين صلوات كثيرة، وكل طهارة يستباح بها الجمع بين الفرضين فإنها ترفع الحدث، كغسل الأعضاء كلها، عكسه التيمم، فإذا كان يرفع الحدث فالحدث إذا ارتفع لم يبطل إلا بالحدث، فعلم أن نزع الخفين كالحدث، والمتطهر إذا أحدث لم يكفه غسل الرجلين. قيل: أما القياس على صلاة فليس بصحيح؛ لأن فساد ركعة يفسد الصلاة، فعروضه أن يفسد غسل الرجلين، والرجلان فلم

стр. 1201

يحصل فيهما غسل، وإنما فسد مسح الخفين، والمسح ليس من جنس المغسول، وإذا فسد رجع الفرض إلى غسل القدمين حتى تساوي الأعضاء التي غسلت. وقولكم: إن مسح الخفين يرفع الحقد فقد قلنا: إنه يصير في معنى رفع الحدث؛ لأنه تابع للأعضاء المغسولة ليس كالغسل حقيقة، وما هو في حكم المغسول فهو أضعف من المغسول، فلهذا لم يكن نزع الخف حدث، وبالله التوفيق.

стр. 1202

[٧٣] مَسْأَلَة - عندنا - أن الكمال والسنة في مسح أسفل الخفين وأعلاهما وبه قال الشافعي، وهو مذهب ابن عمر، وسعد ابن أبي وقاص. من التابعين الزهري. وقالت طائفة: إن باطن الخف ليس بمحل للمسح مسننا ولا جائزا. وحكي أنه قول أنس بن مالك، وهو مذهب الشعبي، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه.

стр. 1203

قالوا: لما رواه عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﵇ مسح على ظهور خفيه، قالوا: فلا يخلو أن يكن ﵇ أتى

стр. 1204

بالجائز أو الكامل، فبطل أن يكون هذا القدر الجائز؛ لأن ما دونه يجوز. أي ما دون جميع ظهر الخفين، فلعم أنه المسح الكامل، فخرج باطن الخفين على الجواز والكمال. وأيضا فقد روي أن جابرا مسح ظهور خفيه، وقال: صنعت كما رأيت رسول الله ﷺ يصنع.

стр. 1205

وروى عبد خير عن علي ﵁ أنه قال: لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف بالمسح أولى من ظاهره، ولكنني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهره، فمنع علي أن يجري المسح على الباطن، وأن يكون محلا له. والدليل لقوله: ما رواه إبراهيم بن يحيى عن ثور بن يزيد عن

стр. 1206

رجاء بن حيوة عن وراد كاتب المغيرة عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله، وهذا نص في مسح أسفله،

стр. 1207

فلا بد أن يكون ﵇ فعل الجائز أو الكامل. وأيضا فإنه موضع من الخف يحاذي المغسول من القدم، فجاز أن يكون محلا للمسح عليه، أصله ظاهر الخف. فأما الجب عما ذكروه من خبر المغيرة فإننا نقول بموجبه، ويجوز المسح على ظهور الخفين، ولهذا لا يمنع أن يكون أسفلهما محلا للمسح، وإنما فعل الجائز؛ ليعلمنا جوازه، ولا يجوز الاقتصار - عندنا

стр. 1208

- بالمسح على بعض أعلاهما. ولو جوزنا لم يمتنع أن يكون ﵇ فعل الجائز وبعض الكمال، وأعلمنا أن هذا أيضا يجوز، وإن كان قد ترك باقي الكمال في مسح الباطن، وهكذا الجواب عما ذكروه من حديث جابر. وما ذكروه عن علي - رضوان الله عليه - لا حجة فيه؛ لأنه لم يقل: ل كان الدين بالقياس لجاز المسح على باطن الخف، وإنما قال: لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف بالمسح أولى، لكني رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظاهره، يمنع أن يكون أسفله محلا للمسح، وإنما جعل مسح الظاهر أولى، ولو كان القياس لكان باطنه أولى، وهذا يقتضي أن يكون ظاهره أولى، وكذلك نقول: إنه أولى إذا أفرده؛ لأنه لو اقتصر على ظاهره أجزأه، ولو اقتصر بالمسح على باطنه لم يجزئه، وكون الظاهر أولى بالمسح لا يدل على أن أسفله ليس بحل للمسح، فظاهر الخف هو الجائز، ومسح الأسفل مع الظاهر هو الكامل.

стр. 1209

وأيضا فإنه ممسوح جرى مجرى البدل من المغسول فجاز أن يكون جميعه محلا للمسح الوجه في التيمم.

стр. 1210

[٧٤] مَسْأَلَة وإن مسح أسفل الخف دون أعلاه لم يجزئه، به قال أبو حنيفة، والشافعي، وعامة أصحابه، وهو عندنا إجماع الصحابة. وقال المروزي في شرحه: يجوز الاقتصار على أسفله.

стр. 1211

وهو خلاف منصوص الشافعي. واستدل له: بما رواه المغيرة أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله، قالوا: وإنما مسح أعلاه وأسفله؛ لأن كل واحد منهما محل للمسح جوازا ومسنونا. قالوا: ولأن انكشاف جزء مما تحت القدم لما كان كانكشاف الجزء من ظاهر القدم في المنع من المسح، كذلك أيضا استتاره يجب أن يكون كاستتاره في جواز الاقتصار عليه. والدليل لقولنا: ما روي عن عمر علي ﵄ أنهما قالا: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكننا رأينا رسول الله ﷺ مسح على ظاهره، وموضع الدلالة منه: أنهما أخبرا أن المسح على ظاهره أولى، وأن له مزية على باطنه، فإذا جاز الاقتصار على باطنه لم تكن للظاهر مزية عليه، لأنه أراد الكمال فالجمع بينهما كامل مسنون، وإذا أراد الجواز فجعل الباطن جائزا كالظاهر كان الظاهر والباطن في الكمال سواء، وكذلك في المسنون والجائز، ولم يكن للظاهر مزية على الباطن. وأيضا ما رواه أبو بكرة قال: رخص رسول الله ﷺ للمسافر ثلاثة أيام لياليها إذا تطهر فلبس أن يمسح على خفيه، والمسح على

стр. 1212

الخف يقتضي المسح على ظاهره، فثبت بهذا أن الرخصة توجهت إليه وحده. ويجوز أن نقول: قد اتفقنا على أن الحدث حاصل، والصلاة عليه بيقين، فمن زعم أن حدثه ارتفع، وأن صلاته مجزئة فعليه الدليل. وأيضا: فإنه لما لم يجز تعدي مسح الخف إلى غيره من الجورب وشبهه، لم يجز تعدي موضع المسح المنصوص عليه إلى غيره قياسا. وفإن أسفل الخف يجري مجرى النعل، وظهر القدم يجري مجرى الخف. ألا ترى أن المحرم إذا لبس الخف كانت عليه الفدية، ولو لبس نعلا لم تجب عليه الفدية، ثم قد تكرر أنه لو لبس خفا بلا أسفل وله ظهر القدم كانت عليه فدية، ولو لبس خفا لا ظهر له على القدم وله أسفل القدم لم تجب عليه فدية. فإذا لم يكن بد من أن يجعل أحد الموضعين محلا للجواز فلأن يجعل ما هو في حكم الخف ويجري مجراه أولى مما يجري مجرى النعل. وأيضا فإن أسفل الخف، وباطن الخف لا يكون محلا للمسح. ألا ترى أنه لو أدخل يده في خفه فمسح على باطنه لم يجزئه. فأما قوله: إن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله ليبين أنهما جميعا ملح للمسح فه صحيح، ولكنه ﵇ قصد أن يبين محل المسنون من مسح لا محل الجائز، والمعنى في مسح ظهر الخف: هو كونه ظاهرا من الخف، وليس كذلك أسفله؛ لأنه باطن.

стр. 1213

وما ذكروه من المعنى في الخبر فهو عكس، ولا يقول به أكثر أصحابنا؛ لأنهم اعتبروا جواز المسح بالمنع منه، وهذا لا يجوز، فسقط ولو اقتصرنا في المسألة على الإجماع لكفى. فإن قال قائل: فإنه محل للمسح بالماء غير مستوعب فوجب ألا يتعين كمسح الرأس في الوضوء. قيل: مسح الرأس - عندنا - مستوعب؛ لأنه عزيمة في الوضوء ليس برخصة، والمسح على الخفين رخصة فلا يتعدى به موضع إجازته. فإن قيل: إن لكل موضع غسل غطاه خف تام فهو موضع للمسح كالظاهر من الخف. قيل: فينبغي أن يستوعب جميعه على هذا التعليل، أو يقتصر على موضع الرخصة منه ولا يتعدى بقياس. وما قلناه مرجح بما حكيناه من النص على أعلاه، والمنع من التعدي إلى غير الخف، فكذلك موضع الرخصة من المسح، وبالاحتياط للفرض، وإسقاط حكم الطهارة والصلاة وزوال الحدث بيقين. وأيضا فإن الأصول تشهد له؛ وذلك أننا وجدنا قد تعلق بظاهر القدم في المحرم إذا لم يجد نعلين لبس الخفين وقطعهما أسفل الكعبين؛ فكذلك الإباحة يجب أن تتعلق بظاهر القدم دون الباطن، وبالله التوفيق.

стр. 1214

[٧٥] مَسْأَلَة ويمسح على العصائب الجبائر إذا كان يخاف نزعهما، وسوءا وعضها على طهر تام أو حدث، ولا إعادة عليه إذا كان قد صلى، رهب قال أبو حنيفة. والشافعي يقول: إن وضعها على طهارة تامة ثم برأ من مرضه ففي الإعادة قولان، وإذا شدها على موضع الوضوء والغسل وهو محدث فالإعادة واجبة قول واحد. والدليل لقولنا: ما روي أن عليا ﵁ قال انكسرت إحدى زندي فشددتها، وسألت النبي ﷺ عن الوضوء، فقال: «امسح عليها»، ولم يفرق بين شدها على طهر أو حدث، فلو كان الحكم يختلف لسأله ﵇

стр. 1215

هل شدها على طهر أو هو محدث؟. ثم كان يبين له الحكم في ذلك، فلما لم يسأله، وأطلق له المسح مع جواز أن يكون شدها هو محدث علم أن الحكم لا يختلف. وأيضا فإن ضرورة الخف لأنه يسمح على الخف مع القدرة على نزعه وغسل رجليه، وهذا لا يقدر على غسل ما تحت العصائب، فهو يمسح عليها مضطرا غير مختار، فلم يكلف أن يعصب على الجرح وهو متطهر، مع جواز أن يتفق الجرح والكسر عليه وهو محدث فلا يمكنه الغسل، ليس كذلك الخف. ألا ترى أن الجنب مأخوذ عليه نزع خفه، وليس ذلك على الكسير المجروح. ولا إعادة عليه، لاه قد صلى على الوجه المأمور به على حسب قدرته، فصار بمنزلة من تعذر عليه استعمال الماء وخاف فوات الصلاة فإنه يبج عليه التيمم، ولا إعادة عليه، وكذلك من عجز عن قيام في الصلاة وجب عليه أن يصلي على حسب قدرته وطاقته، ثم لا إعادة عليه، وكذلك من لم يقدر على الرقبة في الظهار وقدر على الصيام جب عليه الصوم ولا إعادة عليه متى قدر على الرقبة، وكذلك من عجز عن كفارة اليمين حتى دخل في الصوم لم يجب عليه الرجوع في الكفارة إذا قدر، وهذا كله لأنه قد أدى الفرض على ما وجب عليه. فإن قيل: فإن الصحابة ﵃ قالت: إن من لم يجد ماء، ولم يقدر على التيمم، مثل المصلوب ومن حبس في الحش إنه يصلي ويعيد الصلاة، ولم يطرحوا الفرض الذي لزمه بالعجز. ومنهم

стр. 1216

من قال: لا يصلي، ولكنه يقضي، فقد بطل ما قلتم. قيل: ليس تقدرون أن تعينوا على أحد من الصحابة أنه نص على هذه المسألة - وعندنا - أن المصلوب لا يصلي ولا يقضي، وكذلك المهدوم عليه إذا لم يقدر على ماء ولا تيمم. وأما المحبوس في الحش فقد قال مال في رواية ابن القاسم عنه: إنه يتيمم على الأرض النجسة، ولكنه يعيد في الوقت استحبابا إن قدر على أرض طاهرة. ويجوز أن يصلي في المكان النجس كالثوب النجس إذا لم يجد غيره. وقد قال أصحابنا في المصلوب والمهدوم عليه غير ما حكيناه، قد ذكرت قبل هذا اختلافهم فيه، فلو قلنا: إنهما يعيدان الصلاة لما ضر، لأن صاحب الجبائر قد مسح على الجبائر فناب المسح عن الغسل، وكما ناب التيمم عن الغسل، وهؤلاء لم يأتوا بأصل ولا بدل فافترق الحكم. فإن قيل: فما تقولون فيمن منعه مانع من الماء فصلى؟ قيل: إن كان تيمم لم تكن عليه إعادة، وإن لم يتيمم مع القدرة فعليه الإعادة، عن لم يقدر على التيمم أيضا فهو كمسألة المصلوب. فإن قيل: لو لطخه إنسان بنجاسة وهو في الصلاة، ومنعه أن يخرج منها حتى صلاها.

стр. 1217

قيل: لا إعادة عليه، لأنه لو ابتدأ في الصلاة بنجاسة لعذر النسيان استحببنا له الإعادة في الوقت، وليس بواجب. وهذا أيضا إنما يلزم المزني، لأنه يقول: لا إعادة على صاحب الجبيرة إذا شد العصائب على طهارة، لأنه عاجز فتلزمه هذه الأسئلة أو يفرق بينهما فلا يلزمه ذلك. فإن قيل: قد اتفقنا على أنه لو مسح على الخف وقد لبسه على الخف وقد لبسه على غير طهر أن الإعادة واجبة، فكذلك في العصائب، المعنى الجامع بينهما، أنه مسح على حائل دون العضو المأمور بغسله، وهو محدث قبل غسله. قيل: هذا غلط فاحش، لأن لابس الخف على غر طهر ممنوع من الصلاة، عاص بفعلها فن مسح الخف، وصاحب الجبائر مأمور بالصلاة، عاص بتركها على ما هو عليه. ثم نقول أيضا: ليس المعنى في الخف ما ذكرتم، وإنما المعنى فيه أنه عند كل صلاة قادر على غسل رجليه، وإنما يترك ذلك ترخيصا واختيارا للترفه. أو نقول: العلة فيه أنه يجب عليه نزع الخف وغسل رجليه عند الجنابة، وليس كذلك صاحب الجبائر. ثم نعارض بأصل آخر فنقول: اتفقنا على أنه لو تكلف المشقة العظمى في نزع العصائب، فغسل أو مسح بعد تكلفة ونزعها، ثم صلى

стр. 1218

لم تكن عليه الإعادة، والعلة فيه: أنه قد صلى على قدر طاقته وعلى ما كلف وأمر، فكذلك إذا مسح ولم ينزعها. وقد كان وضعها على غير طهر، فيكون هذا القياس أولى؛ لشهادة الأصول له. وقد روي عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا في غزوة فاشتد عليهم البرد، فأمرهم النبي ﵇ أن يمسحوا على العصائب والتساخين، لم يقل لهم: إن كنتم لبستموها على طهارة، وذلك للضرورة، والعصائب: العمائم. وقد اتفقنا على أنه لا يجوز المسح على العمائم مع القدرة على مسح الرأس. فإن قيل: ففي الخبر أنه أمرهم بالمسح على التساخين، وهي الخفاف، وقد اتفقنا على أنه لا يجوز المسح عليها إذا … لبست على غير طهارة، ولم يسألهم ﵇ هل لبسوها على طهارة؟ كما لم يسألهم عن العمائم. قيل: لو خلينا والظاهر لم يكن بين الأمرين فرق، ولكن قامت دلالة في الخف صرنا إليه، وبقي مسح العصائب. على أننا فرقنا بين الأمرين من طريق المعنى فلم يلزم ما ذكرتموه. يجوز أن نحتج بالظاهر من قوله - تعالى -: ﴿يريد الله بكم اليسر لا يريد بكم العسر﴾، من العسر تكليف وضعها على طهارة، أو إعادة الصلاة بعد الرخصة في المسح الذي هو يسير.

стр. 1219

وأيضا قوله - تعالى -: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾، فدليله أنه لا يريد التثقيل علينا، وفي موضع العصائب على طهارة تثقيل علينا، وكذلك الإعادة. وقوله أيضا: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، أي من ضيق. وهذه عمومات في كل موضع إلا ما خصه الدليل، والله أعلم. ويجوز أن نحتج بقوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد للماء فيجب استعماله على الوجه الذي يقدر عليه، ولا يقدر على استعماله إلا المسح على الجبيرة، ولم يفرق بين أن يكون وضعها على طهر أو محدثا، فهو عموم إلا أن يقوم دليل. ونقول.: هو خائف من نزعها للغسل، فجاز له المسح عليها عند وجوب الوضوء، أصله إذا وضعها على طهارة، فإذا ثبت المسح سقطت الإعادة؛ لأنه قد أدى الصلوات على ما أمر وكلف كما بيناه، وكما لو كان وضعها على طهارة. وأيضا فقد تدركه العلة وهو غير متوضئ، فيخاف أن يصيبه الماء غسلا أو مسحا فيحتاج إلى تغطية ذلك بالعصائب والخرق، ثم تدركه الطهارة، فكما يخاف من قلعها قد يخاف من الماء قبل شدها، فجاز له المسح وسقطت الإعادة.

стр. 1220

فإن قيل: هو حائل أحدثه بفعله للمسح عليه فوجب أن يمسح عليه إذا وضعه على غير طهر، كالخفين. قيل: قد ذكرنا الفرق بين ذلك وبين الخفين مما فيه كفاية. وفرق آخر: وهو أن مسح الخفين - عندكم - موقت، ومسح الجبائر غير موقت؛ لأنه قادر على نزع الخفين غير خائف، هذا [غير] خائف لا يقدر على نزع الجبائر، فبان الفرق بين الموضعين. وأيضا فإن العلة تأتيه بغير اختياره، يخاف استعمال الماء، فإذا أتته العلة بغير اختيار، فوضع الجبائر عليها ضرورة بغير اختياره، فجاز المسح عليها عن لم يكن وضعها على الوضوء. ألا ترى أن الله - تعالى - قد جوز المسح على شعر الرأس في الوضوء وإن كان حدث على غير وضوء؛ لأنه حدث بغير اختياره فكذلك يجوز المسح على الجبائر وإن كانت على غير وضوء؛ لأنها حدثت بغير اختياره، فإذا ثبت أن له أن يمسح فمسح وصلى فقد أدى ما كلف على ما كلف، والله الموفق.

стр. 1221

في غسل الجمعة [٧٦] مَسْأَلَة غسل الجمعة سنة، وبه قال جميع الفقهاء إنه ليس بفرض. إلا ما روي عن كعب الأحبار أنه قال: لو وجدت ماء بدينار لأشتريته وهذا يدل على أنه يذهب إلى وجوبه، به قال داود. واحتج بما رواه ابن عمر أن النبي ﵇ قال: «من أتى الجمعة

стр. 1222

فليغتسل»، وهذا يقتضي الوجوب. وروي عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «غسل الجمعة واجب يوم الجمعة على كل محتلم»، وهذا أشد خبر يحتجون به. وروت حفصة أنه ﵇ قال: «على كل مسلم أن يروح إلى الجمعة، فمن راح إلى الجمعة فليغتسل». والدليل لقولنا: ما رواه الثوري عن يزيد الرقاشي عن أنس بن

стр. 1223

مالك أن رسول الله ﷺ قال: «من توضأ فبها نعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، والدليل منه من وجهين:

стр. 1224

أحدهما: أنه جوز الاقتصار على الوضوء بقوله: «فبها ونعمت»، فلعم به أن الغسل ليس بفرض. والوجه الآخر: هو أنه أخرج الاغتسال مخرج الفضيلة. وأيضا: ما رواه صفوان بن عسال المرادي قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، لكن من غائط.

стр. 1225

ونوم وبول فأمر ﵇ باستدامة لبس الخف، ذكر نزعه عند الجنابة حسب، فمن زعم أن نزعه يجب لغسل الجمعة خالف ظاهر الخبر، وأوجب ما لم يذكر فيه. ولنا أيضا ما رواه ابن عباس ﵄ وعائشة - رحمة الله عليها - أن الناس كانا عمال أنفسهم، وكانوا يروحن إلى الجمعة - وعليهم الصوف والمسجد ضيق -، وروي: إن عليهم الجلود، فكانوا يعرقون، ويتأذى بعضهم بروائح بعض، فقال ﵇: «لو اغتسلتم»، أي اغتسلتم لتزول الرائح من العرق، فعلل ﵇ الغسل وبين أنه للتنظيف. وأيضا ففي المسألة إجماع الصحابة، وذلك ما رواه مالك عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر أن عثمان دخل في يوم الجمعة، وعمر ﵁ يخطب، فقال لعثمان: أية ساعة هذه؟. فقال: ما زدت على أن توضأت بعد أن انقلبت من السوق. فقال له: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالغسل، فترك

стр. 1226

عثمان الغسل، ولو كان واجبا ما تركه، ثم إن عمر أقره على ذلك بحضرة الصحابة لم ينكر أحد ذلك، فلو كان واجبا ما أقره على ذلك. وقول عمر: والوضوء أيضا. يعني أنك تأخرت إلى هذا الوقت ولم تغتسل. وقوله: إن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالغسل. إنما هو على طريق الاستحباب؛ بدليل ما قاله ﵇: «من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، وبهذا الإجماع. ما روي أنه قال: «غسل الجمعة واجب»، محمول على وجوب سنة، بما ذكرناه من الدلائل. ونقول أيضا: هو غسل لأمر مستقبل لم يتقدم سببه فوجب أن يكون غير واجب. أصله الغسل للحج، لأن الغسل الواجب هو ما تقدم سببه. ولنا أن نقول: إن هذا الغسل مأمور به لأجل الجمعة أو لصلاة جماعة لا لحدث، فأشبه الغسل لصلاة العيدين والاستسقاء وغير ذلك من الحج، فلما لم يكن الغسل لجميع ذلك فرض … أو لما ذكرناه فكذلك للجمعة.

стр. 1227

فإن قيل كفقد روي أنه ﵇ قال: «غسل الجمعة»، وروي أنه قال: «غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة» وهذا آكد ما يكون في كونه فرضا. والأخبار التي رويتموها فهي عن أنس وسمرة. وأما يزيد الرقاشي عن أنس فضعيف الحديث، وقد يرويه بعضهم عن الحسن عن سمرة، وليس بالوجه الواضح. وما رويتموه عن عثمان مع عمر ﵀ عليهما، فإنه لم يأمره بالخروج والغسل؛ لأن الوقت كان قد ضاق فيما ذكرتموه. قيل: أما الخبر الذي قال فيه: «غسل الجمعة فريضة» فالفرض: هو التقدير في الموضع، كقوله - تعالى -: ﴿سورة أنزلناها وفرضناها﴾، ومثله يقال: فرض القاضي النفقة، أي قدرها، ولم يرد الفرض الذي هو في الشريعة من تركه فقد عصى؛ بدليل ما روي

стр. 1228

عنه أنه قال: «غسل الجمعة سنة»، وبدليل الأخبار التي … ذكرناها. وقولكم: إن يزيد الرقاشي ضعيف فليس كذلك؛ لأن الأعلام الثقات قد رووا عنه. وأما حديث سمرة، أنه روى بعضهم عن السحن عن سمرة فلا يضر مثل هذا في الحديث إذا أرسل أو أسند. وأما حديث عثمان مع عمر ﵄، فإن كان لم يأمره بالخروج والغسل لضيق في الوقت فذلك أقوى دليل على أنه ليس بفرض؛ إذ لو كان فرضا لكان أولى من استماع الخطبة، ولا يسقط فرض في الجمعة لضيق الوقت، ولم يكن دخل في الصلاة بعد فيقال: تفوته الصلاة. مع أنه لو كان شرطا في صحة الجمعة لم يجز أن يدخل فيها بغير شرطها، والغسل كالخطبة التي يختص بأدائها الإمام وحده؛ لأن الغسل على ما يزعمون مفترض على كل إنسان في نفسه، فلما لم يخرج عثمان، وقد ترك الغسل عامدا، ولم يأمره عمر ﵁ بالخروج والغسل، ولم ينكر أحد من الصحابة، دل ذلك على سقوط فرضه، وعلم أن نكير عمر على عثمان ﵄ بالخروج إنما هو لتركه سنة مؤكدة، ولكن السنن إذا ضاق الوقت وحصل استماع الخطبة الذي هو واجب. خاصة مع استماع الحاضر خطبة الإمام صارت السنن ما قد فات وقتها، فيتشاغل عنها بالأهم.

стр. 1229

وقوله ﵇: «غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة»، فإنه ﵇ أراد وجوب سنة، وهو في صفته كغسل الجنابة بالدلائل التي تقدمت، وبالله التوفيق.

стр. 1230

فصل وينبغي أن يكون الجمعة متصلا بالرواح، وهذا هو المستحب والمسنون، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال قوم: إنه إن اغتسل قبل الفجر أجزأه. قالوا: إنه لا خلاف أنه لو اغتسل للعيد قبل الفجر أجزأه واعتد به، فكذلك الجمعة؛ لأنه غسل عيد. والدليل لقولنا: ما رواه ابن عمر أن النبي ﷺ قال كمم من جاء إلى الجمعة فليغتسل»، وفي خبر: «من راح إلى الجمعة»، «من أتى إلى الجمعة»، فقرن الغسل بالمجيء والرواح، المجيء والرواح قرنا بالغسل أيضا.
следующие страницы →