← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

أي انقطع دمهن؛ حتى يكونا جوابا لقوله: ﴿حتى يطهرن﴾؛ إذ لا يصح أن يجعل جوابه فإذا اغتسلن؛ لأنه خلاف اللغة، كقولهم: لا تعط زيدا حتى يدخل الدار فإنه دخل الدار فأعطه، فقوله: فإذا دخل يقتضي أن يكون الدخول هو الدخول المشرط لا صفة أخرى. قيل: عن هذا جوابان: احدهما: أن جواب الشرط يقتضي أن يكون ما تعلق به الشرط لا صفة أخرى ومعنى آخر كما ذكرتم، ولكنه لا يحتمل أن يكن قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ جواب له أصلا؛ لما ذكرناه من الوجهين، وذلك أنه - تعالى - أضاف الفعل إلى النساء، وأثنى على من فعل ذلك، وهذا لا يحتمل انقطاع الدم، فإذا لم يحتمل أن يكون هذا جوابا له؛ ولا بد للشرط من جواب، علم، جوابه مضمر فكأنه قال: ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، فلا تحل إلا بوجود شرطين. والجواب الثاني: هو أن الشرط في الآية الطهارة بالماء بالقراءة التي ذكرناها ﴿حتى يطهرن﴾، [فقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾، وهذا يسقط كلامهم أصلا. فإن قيل: قولكم ﴿فإذا تطهرن﴾، أضاف الفعل إليهن، ولا يجوز أن يعود إلى انقطاع الدم غلط، لأن ﴿يطهرن﴾ بمعنى يفعلن، كما يقال: ينكسر وإن لم يكن هو فعل ذلك فمعنى قوله: ﴿تطهرن﴾ أي طهرن.

стр. 1262

قيل: هذا غلط، لأن الفعل أضيف إلى الحائض لا إلى الدم. على أن الحقيقة معنا في ذلك فلا ننقله إلى المجاز. ويفيدنا أيضا منع الوطء إلا بيقين؛ لغلظ أمره. فإن عادوا أدلتهم من الآية، وأن التحريم تعلق بغاية هي انقطاع الدن، والحكم إذا علق بغاية دل على أن ما عداها بخلافها. قيل: هذا صحيح إذا كانت الغاية واحدة، فأما إذا علق على غايتين وشرطين فإنما يكون الحكم بخلافه بعد وجود الشرطين جميعا لا بعد أحدهما. فإن قيل: فإننا نستعمل القراءتين جميعا في قوله - تعالى -: ﴿حتى يطهرن﴾، و ﴿تطهرن﴾، فنحمل الخفيفة على انقطاع الدم الذي هو أكثر الحيض، ونحمل ﴿تطهرن﴾ على من انقطع دمها في دون العشر فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن القرائتين جميعا لم يتجردا عن قوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ أي تفعلن، فحصلت الإباحة في القرائتين بشرط ثان مصرحا ومستدلا عليه بقوله: ﴿حتى يطهرن﴾، لم يتجرد قوله - تعالى -: ﴿حتى يطهرن﴾ فخفف من القراءة الأخرى بالتثقيل، ومعناها غير معنى المخففة، وإنما المثقلة للاغتسال، فينبغي أن يجمعا؛ بين قوله: ﴿يطهرن﴾ و ﴿يطهرن﴾، فلا يجوز الوطء إلا بعدهما جميعا؛ لعلة قوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، وهذا

стр. 1263

كقوله - تعالى - ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾، يقتضي عقد النكاح، ثم أضيف إلى العقد الوطء بالدلالة من السنة فإضافة الغسل إلى انقطاع الدم أولى بالدليل المتصل به من القرآن، وهو قوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن﴾. فإن قيل: ما قلناه أولى؛ لأنه يفدي حكمين في حالين مختلفين. قيل: حكمهما على قلتم. . .، لأنه - تعالى - علق الشرطين في جميع ذوات الحيض إذا انقطع عنهن الجم في القراءتين جميعا، فاستعمال أحدهما فيهن جميعا ينفي الشرط الآخر فيهن. فإن قيل: تحمل القراءة الخفيفة فيهن جميعا على الجواز، والثقيلة على الاستحباب، وهو أن يكون الوطء بعد الغسل. قيل: إنما يجوز ذلك لو تجردت القراءتان من قوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾، فأما وقد جعل شرط الإباحة هو الاغتسال بقوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ فلا يجوز أن يحمل على غير الوجوب. ويجوز أن نقول: إن بقاء حكم حدث الحيض يمنه من وطئها حتى

стр. 1264

تغتسل، كما إذا انقطع دمها قبل العشر، لما تغتسل ولم يمر عليها وقت صلاة. فإن قيل: هو منتقض بها إذا انقطع دمها ولم تجد الماء فتيممت فإن حكم دم الحيض باق؛ لأن حدثها لا يرتفع وهو باق، ومع هذا فيجوز وطؤها قبل أن تغتسل. قيل: هذا غلط علينا، لا يجوز له وطؤها بالتيمم؛ لأنه حين يولج ينتقض حكم تيممها فتكون في حكم الحيض كما كانت قبل التيمم. ويجوز أن نقول: هي ممنوعة من الصلاة بحكم الحيض مع قدرتها على الغسل فلم جز وطؤها، أصله ما ذكرناه من انقطاع الدم قبل العشر وقبل مضى وقت صلاة.

стр. 1265

فإن قيل: العلة الأولى منتقضة بالكتابية تحت المسلم إذا انقطع دمها ثم اغتسلت فإن حدثها لا يرتفع؛ لأنه لا نية لها صحيحة في العبادة، ومع هذا فإن زوجها يطؤها. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن حدثها بالحيض قد ارتفع بغسلها، عن كانت ممنوعة من الصلاة؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الغسل لمعنيين: أحدهما: استباحة الزوج الوطء، والأخر: للصلاة، فيرتفع منع الزوج وبقى المنع من الصلاة. ألا ترى أن الزوج يطأ الجنب المحدثة بغير الحيض، وهي لا تصلي. فإن قيل: المعنى في المنع من وطئها قبل العشر إذا انقطع دمها هو: أنها لا تأمن معادة الدم الذي هو حيض فلهذا لا يجوز وطؤها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة. قيل: هذا باطل به إذا اغتسلت أو مر عليها وقت صلاة فإنها لا تأمن معاودة الدم، وقد جاز وطؤها فسقط هذا. ونقول أيضا: هذه مسلمة يجب الاغتسال عليها عن حيض سابق فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل، دليله إذا انقطع دون العشر. وإنما احترزت بقولي: مسلمة؛ لا اختلاف الراوية عن مالك ﵀ في الكتابية فإنه قال: لا تجبر الذمية على الغسل من الحيض ويطؤها زوجها.

стр. 1266

ونقول أيضا: كل معنى حرم الوطء وغيره فإن الوطء لا يحل مع بقاء شيء مما حرم معه، أصله الحج والصوم؛ لأن الإحرام بالحج يمنع الوطء القبلة واللباس المطيب والمباشرة، ثم لا يحل الوطء مع بقاء شيء من هذه المحرمات، وكذلك الصوم. وأيضا فإن كل موضع حرم الوطء وغيره ساوى ما حرم معه فيه في وجوب الكفارة وانفرد هو بالإفساد، وكذلك الصوم لما حرم معه فيه في وجوب الكفارة وانفرد هو بالإفساد، وكذلك الصوم لما رحم فيه الوطء وغيره من الأكل والشرب ساوى الوطء فيه سائر ما حرم عليه وانفرد الوطء بالكفارة عند بعض الفقهاء، وكذلك من طلق امرأته ثلاثا حرم عليه وطؤها وقبلتها والتلذذ بها، ثم ساوى الوطء ما حرم معه في الحكم، وانفرد الوطء بتحليلها للزوج الأول، فكذلك الحيض لما منع الوطء والصلاة والصوم فإن لم تكن للوطء مزية على غيره مما حرم معه فلا يحل إلا بعد أن تحل الصلاة مع رفع الحد أو يكون مثلها. فأما ما احتجوا به من الآية فقد جعلناها حجة لنا من الوجه التي ذكرناها. وأما قياسهم فدق عبروا عنه بعبارتين. إحداهما أن قالوا: يجوز لها أن تصوم فجاز أن توطأ، وهذا ينتقض بها إذا انقطع دمها في دون العشر وقبل الفجر فإنها تصوم إذا طلع الفجر الثاني ثم لا يحل وطؤها حتى تغتسل أو تطلع الشمس؛ لأن وقت الصلاة يمضى ويفوت إذا طلعت الشمس. والعبارة الأخرى: أنها أمنت معاودة الدم إذا انقطع بعد العشر فنقول: لا تأثير لهذه العلة؛ إذا اغتسلت فسواء أمنت من معادة الدم أو لم تأمن فإن وطأها يجوز. ألا ترى أن الدم إذا انقطع قبل العشر ثم

стр. 1267

اغتسلت فإنه يطؤها؛ وهي لا تأمن من معاودة الدم. على أن المعنى في الأصل إنها اغتسلت عند انقطاع دمها، يشهد لذلك غسلها قبل العشر. وقولهم: إن الحكم إذا وجب العلة زال بزوالها فإننا نقول: العلة قد تزول تخلفها علة أخرى، كما تقولون في النجس يزال بالبول، وكما نقول جميعا: إن الصائمة لا يجوز وطؤها لأجل الصوم، ثم لو حاضت في خلال الصوم زال حكم الصوم، وانتقل منع الوطء بالصوم فصار ممنوعا بالحيض، فكذلك أيضا يكن ممنوعا من وطء الحائض لأجل الحيض، ثم يزول الحيض، وصار المنع باقيا لأجل الغسل. وجواب آخر: وهو أجود من الأول - هو أن العلة المانعة - عندنا - هي بقاء حكم الحدث الحيض وهذا لا يزول إلا بالغسل له. وقولهم: إن استحقاق الغسل لا يمنع الوطء كالجنابة عنه جوابان: أحدهما: أن الذي يمنع الوطء هو بقاء حكم حدث الحيض. والجواب الآخر: هو أن الجنابة حجة لنا؛ لأن الوطء لا يمنع الوطء فكذلك أيضا حدثه لا منع الوطء، وحدثه هو الجنابة، ولما كان الحيض يمنع الوطء جاز أن يكون حدثه مانعا من الوطء، والله أعلم. وعلى أن اعتبارنا أولى؛ لأن رد الوطء إلى الوطء أولى، ولأنه يصح فيه الوجود والسلب، ويرجع إلى الاحتياط في باب الفروج، ويستند إلى ما قبله من استصحاب الحال في المنع من الوطء قبل انقطاع الدم،

стр. 1268

وإلى ظاهر القرآن. ثم نقول: إنهم لو اعتبروا الاعتبار الصحيح لكان ينبغي أن يجري الأمر على خلاف ما رتبوه؛ لأنه إذا انقطع دمها فيما دون العشر فلا يخلو أن يون الذي يحل وطأها هو انقطاعه الدم، أو مجيء وقت صلاة يبيح الوطء وإن لم تغتسل؛ لأن مجيء الوقت ليس إليها ولا يمكنها فعله، والله - تعالى - علق إباحة الوطء بشرط أن تفعله هي وهو التطهير بقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾، ولم يقل: فإذا جاء وقت صلاة، ولقد كان ينبغي أن يكون ممنوعا من وطئها إذا جاء وقت صلاة ولم تغتسل أشد من منعه قبل ذلك؛ لأنها قبل مجيء وقت الصلاة لا تكون عاصية بترك الغسل؛ لأن الصلاة لا تلزمها، وإذا حضر وقت صلاة ولم تغتسل كانت عاصية فكان ينبغي أن تكون بمنع الوطء أولى، فثبت بهذا أن الذي يبيح وطأها هو الغسل بعد انقطاع الدم، سواء انقطع قبل العشر أو بعده، حضر وقت صلاة أو لم يحضر. وقد قال مجاهد وعكرمة في تفسير قوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن﴾ قالا: يغتسلن بالماء. وكذلك ابن القاسم سلام ابن عبد الله، وعطاء، وسليمان بن بيسار،

стр. 1269

والقاسم والليث بن سعد، والزهري، وغيرهم: إنه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، وبالله التوفيق.

стр. 1270

[٨٠] مَسْأَلَة وأكثر الحيض عند مالك ﵀ خمسة عشر يوما، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: عشرة أيام. والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، ولم يفرق بين حك الدم في العشرة وبعدها، فهو عموم إلا أن يقم دليل. فإن قيل: بينوا أن ما بعد العشرة حيض حتى نسلم ما تقولون.

стр. 1271

قيل: قد تكلمنا على هذا، وبينا أن النبي ﵇ قال: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة»، وبينا أيضا أنه قال - تعالى -: ﴿هو أذى﴾ أي ما تتأذون به، فكل دم تتأذى به المرأة فهو حيض حتى يقوم الدليل. ولنا قوله - تعالى -: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾، فأطلق ولم يخص دما من دم. وأيضا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ميقات حيض النساء وطهرهن شهرا»، فظاهر هذا أنه نصفان نصف للحيض ونصف الطهر. وما روي أنه قال في المرأة: «إنها ناقصة العقل والدين»، وبين أن نقصن دينها أن تصلي نصف دهرها، وفي حديث: نصف عمرها، وشطر عمرها.

стр. 1272

وأيضا قوله ﵇ لفاطمة بين أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فعي الصلاة فإنه دم أسود يعرفن وإذا أدربت فا غسلي عنك الدم وصلي»، فأحالها على إقباله وإدباره، ولم يقل إذا مضت عشرة أيام، فهو عام. وقوله أيضا للأخرى: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن»، ولم يقل: إلا أن تزيد على عشرة أيام.

стр. 1273

وقوله ﵇: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة» فاعلم أن الحكم يتعلق بدم هذه صفته، لم يقيده بمدة عشرة أيام ولا غيرها فلا ينتقل عن حكمه إلا بدليل. أيضا فإن ل وقت من الشهر أبقى لأقل الطهر وقتا جاز أن يكون ذلك الوقت كله حيضا، دليله العشرة الأيام لما كانت تبقي من الشهر ما يجوز أن يكون وقتا لأقل الطهر فالعشرة كلها حيض، كذلك الخمسة عشر لما أبقت من الشهر وقتا لأقل الطهر جاز أن تكون كلها حيضا.

стр. 1274

وأيضا فإن كان شفع من العدد قد حكم له بحكم الحيض، فالاتفاق إذا أضيف إليه نصف صار به وترا جاز أو يكون بمجموعه حيضا، دليل ذلك: الستة الأيام لما أضيف إليها نصفها فصارت شفعا وهي وتر وتكون حيضا، كذلك العشر تكون حيضا باتفاق، فإذا أضيف إليها نصفها صارت به وترا جاز أن تكون كلها حيضا. وأيضا فإن العشرة الأيام موجودة في النساء في العرف والعادة، وجبلة وخلقة فيجوز أن يكون على تلك العادة زيادة في الحيض أصله الستة الأيام والسبعة والثمانية. فإن قيل: فإن الصلاة في الأصل قبل الحيض عليها بيقين فلا تسقط عنها إلا بيقين، قد تيقنا سقوطها عنها بالعشر، ولم يتيقن فيما بعد. قيل: بإزاء هذا مثله، وهو أننا تقينا سقوط الصلاة عنها في العشر فلا ينتقل عن هذا اليقين حتى نوجب عليها بعدا شيئا إلا بيقين، والصلاة وإن كانت عليها في الأصل بيقين فإنها تسقط بإقبال الحيض بيقين؛ لأننا لا نقطع على يقين ما تعلق عليها من حكم الحيض، لأنها قد تحيض وتطهر قبل العشر فلا يتحقق الوقت الذي ينقطع فيه فلا ينبغي أن ننتقل عن حكمه إذا أقبل إلا بيقين، ولسنا نتيقن على العشرة أنها أكثر لأن الخلاف قائم فيها. فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حافظوا على الصلوات﴾، فتجب عليها المحافظة في كل وقت إلا في الوقت الذي حصل بالاتفاق أنه.

стр. 1275

حيض، وقد اتفقنا في العشرة أنها حيض. قيل: إنما تجب المحافظة على من عليه الصلاة بيقين، وقد تيقنا سقوطها عنها بالحيض ولم نتيقن وجوبها عليها بعد العشرة. على أنه لو ثبت العموم لكان مخصوصا ببعض ذكرناه. فإن قيل: قد قال ﵇: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا».

стр. 1276

فلا يجوز الزيادة عليها إلا بدليل، قد قام دليل العشرة، فنحن عليه حتى يقوم دليل بالزيادة. قيل: هذا وارد في امرأة بعينها مبتدأة اتصل بها الدم، ولم يكن لها تمييز ولا أيام ترجع إليها، فردها إلى عادة النساء سواها. ألا تراه كيف قال لفاطمة بن أبي حبيش - وهي مميزة -: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي». وعلى أنه لما لم يدل على أنها لا تحيض عشرة أيام لما قامت من الأدلة - عندكم - فكذلك لا يدل على أنها لا تحيض خمسة عشر يما لما ذكرناه من الأدلة. فإن قيل: قد روي أنه قال: «اقعدي أيام أقرائك»، وقال «لتنظر عدد الأيام والليالي»، وهذه عبارة عما دون العشرة.

стр. 1277

قيل: هذا غلط؛ لأننا نقول: أيام أبي بكر، وأيام عمر، فتكون عبارة عما هو أكثر من عشرة بكثير. وقد قال - تعالى -: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، وقال: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ وقوله: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناسء، ولم يقل: إلا أن تزيد على عشرة، ولو أراد الأيام الأقل الذي هو ثلاثة لم يمنع أن تقوم الدلالة على الزيادة إلى خمسة عشر، كما قامت لكم الدلالة في الزيادة إلى عشرة أيام. وعلى أن الخبرين وردا على امرأة اشتهبت عليها حال حيضتها لا أنها عرفت أيامها. فإن قيل: قد روي عن النبي ﵇ أنه قال: «أكثر الحيض عشرة أيام». قيل: هذا لم يصح - عندنا -، ولو صح لكان محمولا على ما تأولناه أنه قضية في امرأة بعينها.

стр. 1278

ولنا أن نقول: إن ها دم ترخيه الرحم يسقط الصلاة والصوم فجاز أن يحكم له بحكم الحيض في الخمسة عشر يوما، دليله دم النفاس. وأيضا فكل حم استوفى فيه تسعة أيام ولم تبلغ به العشرين اقتصر على خمسة عشر، دليله: أقل الطهر ولم تبلغ بأقل العشرين اقتصر فيه على خمسة عشر يوما. ونقول أيضا: إنه حك معلق على الأيام يجوز أن يستوفي به عشرة أيام فيجوز أن يستوفي فيه خمسة عشر، كالطهارة. وأيضا فإنه زوج من العدد لا يزيد على العقد، نصفه يوتره فجاز أن يكون هو مضموما إليه نصف حيض، دليله الست. فقد ثبت صحة ما قلناه بالظواهر والاستدلالات والقياسات، ثم الحكم بشهادة الأصول، وذلك أن الله - تعالى - جعل الأشهر الثلاثة بإزاء الأقراء الثلاثة في التي لم تحض التي قد يئست من المحيض، فكان كل شهر بإزاء قرء، فدل على أن الشهر يجمع الحيض الطهر جمعيا، فإذا ثبت أن الشهر بإزاء القرء فلا يخلو من أحد أمور: إما أن يكون يجمع أقل الطهر وأقل الحيض، وإما أن يجمع أكثرهما، وإما أن يجمع أكثر الطهر وأقل الحيض، وإما أن يجمع أكثر الحيض وأقل الطهر، فلا يخلو من هذه الأقسام الأربعة. فتبطل منها الثلاثة الأول، فيبطل أن يجمع الأقلين؛ لأنهما ينقصان عن الشهر، وهو يزيد عليهما.

стр. 1279

ويبطل أيضا أن يجمع الأكثرين؛ لأنه ليس لأكثر الطهر حد، فهما يزيدان على الشهر. ويبطل أيضا أن يجمع أكثر الطهر وأقل الحيض؛ لما ذكرناه في أكثر الطهر. فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أنه يجمع أكثر الحيض وأقل الطهر، فإذا كان أقل الطهر خمسة عشري يوما ثبت أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما. وإن عبرنا عن هذا الترجيح بعبارة أخرى أخصر من ذلك قلنا: إن الشهر في الحكم يجمع طهرا وحيضا، فحصل ظرفا لهما، فوجب أن يحوي أقصى أحد النوعين وأدنى النوع الآخر، ثم قد حصل الاتفاق على أن أقل الطهر خمسة عشر يوما فوجب أن يكون أكثر الحيض خمسة عشر يوما؛ ليتم بها الشهر، كما أن الثلاثين شهرا حوت مدة

стр. 1280

الفصال والحمل، وجلت ظرفا لهما، ثم كان أقصى مدة الفصال حولين بالقرآن ثم كان مدة أدنى الحمل ستة أشهر لتستوفي الثلاثون شهرا المدتين جميعا، وبالله التوفيق.

стр. 1281

[٨١] مَسْأَلَة والحامل عند مالك تحيض، فإذا رأت الدم تركت الصلاة كالحائل سواء، وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا حكم لدمها في ذلك وتجعله استحاضة. والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾، قال ابن عباس ﵄ وهو ترجمان القرآن -: إنه حيض الحبالى، وكذلك قال عكرمة، ومجاهد.

стр. 1282

ومع هذا فهو عموم في كل رحم حاملا كانت أو غيره حامل. وأيضا قوله: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، فظاهره يوجب أن ما نفصل منه مما يتأذى به فهو حيض إلا أن تقوم دلالة، ولم يفرق بين حامل وحائل. وقول النبي ﵇ لفاطمة بين أبي حبيش وقد سألته إني أستحاض فلا أطهر: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة»، فلو كان الحكم يختلف لبين لها، وقال: إلا أن تكني حاملا. وأيضا ما روي أن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأسارير وجهه تبرق فقلت له: أنت أحق بما قال أبو كبير الهذلي: ومبرأ من كل غبر حيضة … وفساد مرضعة وداء معضل

стр. 1283

معنى مبرأ: أي أمك لم تحملك في حال حيضها، فلم يقل له: كيف تحمل المرأة في حال الحيض. وقوله ﵇: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف» فأخبر بعلامته فلو كان يختلف لقال: إذا كان على غير حمل ولم يغفل ذلك كما لم يغفل باقي علامته، فهو عام في الحائل والحامل إلا أن يقوم دليل. وأيضا فإن كل دم يحرم الوطء ويمنع الصلاة والطواف فإنه يجوز وجوده مع الحمل، أصله دم النفاس إذا كانت حاملا باثنين فوضعت واحدا وتأخر وضع الآخر وهي ترى الدم بينهما. ولو جعل هذا استدلالا مبتدأ لجاز، وذلك أن يقال: إن النفساء من واحد من اثنين إلى أن تضع الآخر يوجد الدم منها بينهما فحيكم له بحكم الحيض باتفاقنا، وهو حكم موجود مع حمل، فلم يناف الحمل الحيض،

стр. 1284

فكذلك قبل أن توضع شيئا لا فرق بينهما؛ لأن دم الحيض والنفاس واحد، ولأنه دم يجتمع في الرحم فربما أرخت الرخم بعضه على الحمل، وربما تأخر إلى أن تضع. وأيضا فإنه دم موجود منها بصورته في أيام عادتها فوجب أن يكون حيضا كالحائل. أو نقول: إنها رأت الدم المشبه للحيض في حال الإمكان فيجب أن يكون حيضا كما لورأته وهي حائل. وأيضا فإنه لا يخلو أن يكون الدم الظاهر من الحمل حيضا أو استحاضة، وقد بطل أن يكون استحاضة، لأن من شرط الاستحاضة أن يكون بعد الحيض، فثبت أنه دم حيض. وأيضا فإن الأصل في ذلك الوجود، وقد يوجد من الحامل كما يوجد من الحائل، فينبغي أن يجرع فيه إلى الوجود فيحكم به. وأيضا فإنه لو عقد عليها عقد نكاح، ثم لما تقرر حكم العقد وطئها، ثم حاضت عقيب الوطء فإنها تترك الصلاة ويحرم وطؤها، فلو أنت بعد ذلك بولد لستة أشهر من يوم العقد للحق نسبة بالاتفاق، فعلمنا بهذا أنها حاضت على الحمل. وكذلك لو عقد عليها حائضا ثم أتت بولد الستة أشهر من يوم العقد للحق به، فثبت أن الحمل طرأ على الحيض، فإذا كان الحيض لا ينافي الحمل كذلك الحمل لا ينافيه.

стр. 1285

فإن قيل: فإن الحمل يضاد الحيض؛ لإجماع الأمة أن المرأة إذا طلقت وهي من ذوات الأقراء فتكرر الحيض منها انقضضت عدتها به. وعلم فراع رحمها، فلو كان الحيض يوجد مع الحمل ما كان وجوده دليلا على البراءة؛ لجواز أن تكن حالما مع وجوده، يدل على ذلك: قوله: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض إنه، فجعل علامة براءة الرحم الحائل وجود الحيض، وبراءة رحم الحامل الوضع. قيل: هذا هو الدليل على جواز وجود الحيض مع الحمل؛ لأن براءة رحم الحائض بالأقراء إنما هو عام ظاهر، وغلبة ظن لا يقين وإحاطة علم، ولو أن يقينا لاقتصر على قرء واحد. ألا ترى أن وضع

стр. 1286

الحمل من حيث أفادنا اليقين لم يضم إليه سواه، ومن حيث اشترط العدد في الأقراء دل على أن ذلك كالعدد من الشهود التي تدل على البراءة من طريق غلبة الظن، ومنزلته منزلة الشهود على الشهود على الحقوق من حيث كان قولهم دلالة ظاهرة لا متيقنة افتقر فيه إلى العدد، ثم الشهود في الدلالة وإن كانوا كالأقراء فقد يجوز أن تنكشف الحقيقة بخلاف الظاهر فكذلك الأقراء. وأيضا فمعنى قوله ﵇: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض»، أي أن الحامل وإن حاضت فلا يبرئها الحيض حتى تضع، فلا توطأ وإن رأت الحيض وانقطع عنها حتى تضع فهو بخلاف الحائل، فهذا فائدته. وأيضا فإن الحامل باثنين إذا وضعت واحدا ورأت الدم ولم تضع الآخر فهي تترك الصلاة لرؤية ذلك الدم فلا تنقضي به العدة. وأيضا فإن الحيضة الواحدة من الحائل تترك لها الصلاة، ولا تنقضي به العدة وكذلك إذا مات فحاضت في الشهور فإنه حيض لا تنقضي به العدة. فإن قيل: لو كان محرما لحرم الطلاق فيه. قيل: الطلاق محرم فيه. فإن قيل: لما كان الحمل تنقضي بوضعه العدة كما تنقضي

стр. 1287

بالحيض، ثم لما لم يجز أن تحمل الحامل وجب أن لا تحيض؛ إذا الحيض بمنزلة الحمل في انقضاء العدة. قيل له: يجوز الحمل مع عدم الحيض، ويجوز الحيض مع عدم الحمل، ويجوز اجتماعهما على ما بيناه، وإنما لم يجز أن تحمل الحمل من أجل شغل الموضع بالحمل، كما لا يجوز كون الجسمين في محل واحد؛ لأن أحدهما قد يشغل المكان، فمنع غيره من الحيز الذي حصل فيه ولم ينتقل عنه، فسبيل الحمل الموجود هذا السبيل، وليس كذلك الحيض؛ لأنه ليس بمستحيل وجوده مع الحمل كما لا يستحيل وجوده من الحائل. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حن أن يتركن الصلاة، الصحابة إذ ذلك متوافرون

стр. 1288

ولم ينكر أحد منهم عليها، ولو خالفها أحد منهم لكان قولها أولى: لاختصاصها بعلم أحكام الحيض أنه مما يختص به النساء، ولقربها من رسول الله ﷺ مع ما يعتادها من الحيض، ولكثرة أسئلة النساء عن ذلك بحيث هي ولا يكون الرجال، فكيف ولم ينقل عن أحد منهم خلافها؟ فصار هذا الإجماع. ثم نقول أيضا: إن للون الدم من الدلالة على الحيض ما للحيض من دلالة على براءة الرحم، فلو بطل كون أحدهما دليلا لأنه قد يخلف في حال ما بطل الثاني لأنه قد يخلف في حال ما، والله أعلم. وفيه إجماع الصحابة؛ لأنه روي أن رجلين تنازعا ولدا فترافعا إلى عمر فعرضه على القافة، فألحقه القائف بهما، فعلاه عمر بالدرة وسأل نسوة من قريش وقال: أبصرن ما شأن هذا الولد. فقلن: إن الأول خلا بها وخلاها، فحاضت على الحمل فاستحشف الولد،

стр. 1289

فظنت أن عدتها انقضت، فدخل بها الثاني فانتعش المولود بماء الثاني. فقال عمر: الله أكبر، وألحقه بالأول، ولم

стр. 1290

يقول: إن الحامل لا تحيض. وأيضا فإنه دم صارع دم الحيض صفة قدرا في أيام العادة فجاز أن يكون حيضا، دليله الحامل.

стр. 1291

[٨٢] مَسْأَلَة وأكثر النفاس عند مالك ﵀ ستون يوما. وقد حكي عنه أن يرجع إلى أكثر الوجود في النساء في غالب أحوالهن. وعند الشافعي ستون يوما. وعند أبي حنيفة أربعون يوما، وما زاد على ذلك فهو استحاضة. والدليل لقولنا: أن أصل الحيض والنفاس مبني على الموجود في طباع النساء على حسب عادتهن فيه، وهن مختلفات في جوده على حسب اختلاف البلدان، واختلاف الأزمنة عليهن، واختلاف أسنانهن وطباعهن، فالمرأة الواحدة يختلف ذلك عليها بحسب احتداد الحرارة بها والبرودة، ويختلف عليها في الزمانين، وتختلف الحال في صغرها وكبرها، وكذلك يختلف في المرأتين على حسب طباعهما واختلاف

стр. 1292

أحوالهما وينتقل الحيض عليها من زمان إلى زمان، ويزيد زمان وينقص آخر، وبعضهن ترى الدم في النفاس أربعين يوما، وبعضهن تراه أقل من ذلك، وبعضه تراه أكثر، ولعل المرأة الواحدة يختلف حالها بين نفاسها في الولد الثاني وبين الأول، فإذا كان هذا هكذا صار حكم النفاس في ذلك كحكم الحمل، لأقله حد ولأكثره حد على حسب الوجود في عادتهن، فوجب الحكم بذلك في النادر والمعتاد كما كان في الحيض أيضا، فالرجوع إلى حكم الوجود أولى؛ لأنه قد وجد من نفاسها ستون يوما، ثم ترى بعد طهرا تاما، فيعلم أن ذلك نفاس إذا الوجود إليه انتهى. وأيضا فقد حكي عن الأوزاعي أن المرأة كانت ترى الدم عندهم شهرين. وأيضا فإن العلماء مجمعون على أن أقصى غاية النفاس عادة أربع حيض، فمن يقول: أكثر الحيض خمسة عشر، يقول: أقصى النفاس ستون، ومن يقول: أكثر الحيض عشرة، ويقول: أقصى النفاس أربعون، وقد دللنا على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، فيجب أن يكون أكثر النفاس ستون يوما. وأيضا فإن الأربعين يوما كانت عادة في النساء في النفاس وجب أن يكون أكثره زائدا على العادة، كدم الحيض الذي الست والسبع منه عادة فيهن زادت نهاية أكثره عليه. ولنا من الظواهر قوله - تعالى -: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق

стр. 1293

الله في أرحامهن﴾، فجعلهن مؤتمنات على ذلك ليقبل منهن، فإذا ذكرت ذلك تعلق الحكم عليه إلا أن يقوم دليل. وأيضا فإننا قد حكمنا لها بحكم النفاس والدم موجود فيما دون الأربعين وفي الأربعين فلا ينقل عنه إلا بدلالة؛ لأن العلم الموجب للحكم موجود. فإن قيل: فقد روى ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «للنفساء أربعون يوما، فإذا مضت اغتسلت وصلت». وروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «تنتظر النفساء أربعين ليلة، فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغسل وتصلي».

стр. 1294

وروى عثمان بن أبي العاص أن النبي ﷺ قال: «أكثر النفاس أربعون يوما، وما زاد فهو استحاضة». قالوا: وكذا روي أن أم سلمة قالت: كان النساء يقعدن على عهد النبي ﷺ في النفاس أربعين يوما».

стр. 1295

قالوا: ومعلوم أن وجود هذا القدر لا يتعلق بنساء الله زمان واحد، فثبت أن المراد كون مدتهن مقصورات على هذا القدر، وهذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا يكن إلا عن أمر من النبي ﵇. قيل: أما خبر عائشة عنه ﷺ فيحتمل وجوها منها: أنه خرج على سؤال قيل له: ما حكم النفساء ترى الدم أربعين يوما ثم ينقطع؟. فقال: النفساء التي هذه صفتها أربعين يوما، فإذا مضت، أي فإذا مضت الأربعين يوما بالدم اغتسلت وصلت. ويحتمل أن تكون الألف واللام للعهد، وهي امرأة يعرفها النبي ﵇ هذه صفتها فأفتى فيها بذلك، وهذا ظاهر؛ لأنه ليس في العرف أن يبتدأ إنسان على غير سؤال فيقول: للنفساء أربعين يوما، وقد اختلف الناس في الألف واللام إذا دخلت على النكرة هل تكون للعهد وتعريفا للنكرة، أو للنجس؟ والأليق في هذا المكان أن تكون للتعريف والعهد لما ذكرناه من حال الابتداء.

стр. 1296

فإن قيل: فهذا كقوله ﷺ : «للفرس سهمان، وللفارس سهم». قيل: هذا أيضا حجتنا؛ لأنه خرج كلامه على الفرسان الذين كانوا معه في المغنم، وهم أصحابه الذين يعرفهم، ولم يرد تعريف الجنس في كل فارس في الأرض أو البلد. وأيضا فلا يمتنع أن تقوم الدلالة في الموضع أن ذلك للجنس، فلا ينبغي أن يحمل كل موضع فيه الألف واللام عليها. وأما خبر ابن عمر عنه ﷺ : «تنتظر النفساء أربعين ليلة فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، فإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغتسل وتصلي»، فإنه خبر لا يعرف، فإن صح فيحتمل أن يكن في امرأة جرت عادتها بذلك على السنين، وكثيرة الولادة، فحكم لها بعادتها، كما إذا زادت على عادتها في أيام الحيض - عندهم -. ويحتمل أن يكون قوله ﷺ : «فإذا جاوزت الأربعين، وبعدها

стр. 1297

عشرين؛ لأنها أيضا متجاوزة، ولم يقل: أو ما تجاوز بالدلائل التي قدمناها. وأما حديث عثمان بن أبي العاص فقد قيل: إنه موقوف عليه. ويحتمل أن يكون قوله ﵇: «أكثر النفاس أربعين يوما، لمن لم يزل عادتها كذلك. ويحتمل أن يكون وما زاد على عشرين يوما أخر؛ لأننا قد أقمنا الدلائل على الستين، فلو قال: أكثر النفاس أربعين وبعدها عشرون لما استحال إذا خلت الدلالة على الستين، ولم يقل: وأول الزيادة استحاضة، وإنما قال: وما زاد، فيحتمل أن يريد وما زاد فأفرط حتى تجاوز الأربعين بأكثر من عشرين الدلائل التي أقمناها. وأما قول أم سلمة: كان النساء يقعدن على عهد النبي ﷺ أربعين، فهذا يدل على أنهن بعده - وقد تغيرت أحوالهن - فقالت هذا القول، فيحتمل أن يكون أولئك الناس كان طباعهن وعاداتهن في ذلك الوقت جارية الأربعين، ثم تغير الزمان، وقد بينا أنه يتغير بغير الأزمنة، وإنما خبرت عن حال كان النساء عليها في ذلك الوقت، ولم تقل لمن حضر: فاقعدن أنتن كذلك، وإنما أعلمتهن أن عادات أولئك كانت على خلاف عاداتكن. وقولهم: إن هذا لا يتعلق بأهل زمان واحد غلط؛ لأننا قد بينا أنه يختلف عليهن باختلاف الأزمان.

стр. 1298

وقولهم: إن هذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا يكون إلا عن أمر النبي ﵇ فقد بينا الاحتمال في صريح قول النبي ﷺ ، وليس ما ذكروه اتفاقا وإنما هي روايات مختلفة، وألفاظ مختلفة محتملة. فإن قيل: فقد روي عن عمر وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وعامر بن عمير أن أكثر النفاس أربعين يوما، وما زاد فهو استحاضة.

стр. 1299

قالوا: والاستدلال بهذا من وجهين: أحدهما: أن تقدير الأربعين في مدة النفاس لا يتوصل إليه إلا من طريق التوقيف، فصار هذا كروايتهم عن النبي ﵇. والثاني: أن هذا القول نقل عنهم من غير خلاف من نظرائهم فتصير مَسْأَلَة إجماع. ولأن المقادير التي تتعلق بها حقوق الله - تعالى - على غير وجه الفصل بين القليل والكثير لا يتوصل إلى إثباته إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق على الأربعين، وما فرق ذلك مختلف فيه فلا يصلح إثباته إلا بتوقيف أو اتفاق. قيل: هذا [هو] الذي ذكرتموه عن هذه الجماعة ليس بأولى من صريح قول النبي ﷺ ، وقد تأولناه، فهذا بالتأويل أولى. وأما الوجه الآخر: فإنه لا يجري مجرى الإجماع إلا أن تكون فتيا ظاهرة تنتشر منهم في الصحابة فلا يخالفون، فأما حكايات عنهم تتأول فلا يجيء منها ما ذكرتم. على أنكم أنتم لا تحكمون بفتوى الصحابي إذا انتشرت، حتى إن بعضكم لا يجعله حجة فكيف يجري مجرى الإجماع.

стр. 1300

وأما أن المقادير لا توجد إلا عن توقيف فأنتم تعلمون خلافنا لكم في الكفارات وغير ذلك من المقدرات. ثم مع هذا كله فإننا استدللنا بالوجود الذي هو الأصل الذي ردنا صاحب الشريعة إليه بما بيناه فيما تقدم، وهو أقوى مما أوردتموه؛ لأنه أصل ثابت لا يعترض عليه بهذه الأشياء المحتملة. وقد استدل بعض من وافقنا في المسألة باستلالات وقياسات أنا أذكر بعضها، وهو أن قال: لما اتفقنا على كون الأربعين نفاسا جاز أن يضاف إليها مثل نصفها، دليله العشرون. ولأنه دم لأقله غاية فجاز أن يجاوز الأقل والعادة، دليله الحيض. ولأن دم النفاس هو الحيض أي اجتمع في الرحم من أجل الحائل الذي هو الولد، ومتى عددنا لك شهر ستا أو سبعا حصل قريبا من ستين يوما فوجب أن يكون ذلك مدة نفاسها. واعترض على ذلك باعتراضات كرهنا التطويل يذكرها، وفيما ذكرناه كفاية، وبالله التوفيق.
следующие страницы →