Полный текст (1 330 стр.). Показаны 1296–1330 · переход к 1301.
стр. 1296
فإن قيل: فهذا كقوله ﷺ : «للفرس سهمان، وللفارس سهم».
قيل: هذا أيضا حجتنا؛ لأنه خرج كلامه على الفرسان الذين كانوا معه في المغنم، وهم أصحابه الذين يعرفهم، ولم يرد تعريف الجنس في كل فارس في الأرض أو البلد.
وأيضا فلا يمتنع أن تقوم الدلالة في الموضع أن ذلك للجنس، فلا ينبغي أن يحمل كل موضع فيه الألف واللام عليها.
وأما خبر ابن عمر عنه ﷺ : «تنتظر النفساء أربعين ليلة فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، فإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغتسل وتصلي»، فإنه خبر لا يعرف، فإن صح فيحتمل أن يكن في امرأة جرت عادتها بذلك على السنين، وكثيرة الولادة، فحكم لها بعادتها، كما إذا زادت على عادتها في أيام الحيض - عندهم -.
ويحتمل أن يكون قوله ﷺ : «فإذا جاوزت الأربعين، وبعدها
стр. 1297
عشرين؛ لأنها أيضا متجاوزة، ولم يقل: أو ما تجاوز بالدلائل التي قدمناها.
وأما حديث عثمان بن أبي العاص فقد قيل: إنه موقوف عليه.
ويحتمل أن يكون قوله ﵇: «أكثر النفاس أربعين يوما، لمن لم يزل عادتها كذلك.
ويحتمل أن يكون وما زاد على عشرين يوما أخر؛ لأننا قد أقمنا الدلائل على الستين، فلو قال: أكثر النفاس أربعين وبعدها عشرون لما استحال إذا خلت الدلالة على الستين، ولم يقل: وأول الزيادة استحاضة، وإنما قال: وما زاد، فيحتمل أن يريد وما زاد فأفرط حتى تجاوز الأربعين بأكثر من عشرين الدلائل التي أقمناها.
وأما قول أم سلمة: كان النساء يقعدن على عهد النبي ﷺ أربعين، فهذا يدل على أنهن بعده - وقد تغيرت أحوالهن - فقالت هذا القول، فيحتمل أن يكون أولئك الناس كان طباعهن وعاداتهن في ذلك الوقت جارية الأربعين، ثم تغير الزمان، وقد بينا أنه يتغير بغير الأزمنة، وإنما خبرت عن حال كان النساء عليها في ذلك الوقت، ولم تقل لمن حضر: فاقعدن أنتن كذلك، وإنما أعلمتهن أن عادات أولئك كانت على خلاف عاداتكن.
وقولهم: إن هذا لا يتعلق بأهل زمان واحد غلط؛ لأننا قد بينا أنه يختلف عليهن باختلاف الأزمان.
стр. 1298
وقولهم: إن هذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا يكون إلا عن أمر النبي ﵇ فقد بينا الاحتمال في صريح قول النبي ﷺ ، وليس ما ذكروه اتفاقا وإنما هي روايات مختلفة، وألفاظ مختلفة محتملة.
فإن قيل: فقد روي عن عمر وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وعامر بن عمير أن أكثر النفاس أربعين يوما، وما زاد فهو استحاضة.
стр. 1299
قالوا: والاستدلال بهذا من وجهين:
أحدهما: أن تقدير الأربعين في مدة النفاس لا يتوصل إليه إلا من طريق التوقيف، فصار هذا كروايتهم عن النبي ﵇.
والثاني: أن هذا القول نقل عنهم من غير خلاف من نظرائهم فتصير مَسْأَلَة إجماع.
ولأن المقادير التي تتعلق بها حقوق الله - تعالى - على غير وجه الفصل بين القليل والكثير لا يتوصل إلى إثباته إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق على الأربعين، وما فرق ذلك مختلف فيه فلا يصلح إثباته إلا بتوقيف أو اتفاق.
قيل: هذا [هو] الذي ذكرتموه عن هذه الجماعة ليس بأولى من صريح قول النبي ﷺ ، وقد تأولناه، فهذا بالتأويل أولى.
وأما الوجه الآخر: فإنه لا يجري مجرى الإجماع إلا أن تكون فتيا ظاهرة تنتشر منهم في الصحابة فلا يخالفون، فأما حكايات عنهم تتأول فلا يجيء منها ما ذكرتم.
على أنكم أنتم لا تحكمون بفتوى الصحابي إذا انتشرت، حتى إن بعضكم لا يجعله حجة فكيف يجري مجرى الإجماع.
стр. 1300
وأما أن المقادير لا توجد إلا عن توقيف فأنتم تعلمون خلافنا لكم في الكفارات وغير ذلك من المقدرات.
ثم مع هذا كله فإننا استدللنا بالوجود الذي هو الأصل الذي ردنا صاحب الشريعة إليه بما بيناه فيما تقدم، وهو أقوى مما أوردتموه؛ لأنه أصل ثابت لا يعترض عليه بهذه الأشياء المحتملة.
وقد استدل بعض من وافقنا في المسألة باستلالات وقياسات أنا أذكر بعضها، وهو أن قال: لما اتفقنا على كون الأربعين نفاسا جاز أن يضاف إليها مثل نصفها، دليله العشرون.
ولأنه دم لأقله غاية فجاز أن يجاوز الأقل والعادة، دليله الحيض.
ولأن دم النفاس هو الحيض أي اجتمع في الرحم من أجل الحائل الذي هو الولد، ومتى عددنا لك شهر ستا أو سبعا حصل قريبا من ستين يوما فوجب أن يكون ذلك مدة نفاسها.
واعترض على ذلك باعتراضات كرهنا التطويل يذكرها، وفيما ذكرناه كفاية، وبالله التوفيق.
стр. 1301
[٨٣] مَسْأَلَة
عند مالك ﵀ أنها إذا ميزت بين الدمين علمت على إقبال الدم وإدباره، فتركت الصلاة عند إقبال الحيضة، وتغتسل وتصلي، وبذلك قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: تعمل على عدد الأيام.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾، فأعلمنا أنه يزيد وينقص، وذلك يعرف بعلامة، وقد بينا أنه يتغير في الأزمان والأحوال والإنسان، وينتقل من وقت إلى وقت فيجب أن يدار معه حيث دار إلا أن تقوم الدلالة.
стр. 1302
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾، فردهن إلى التمييز، وهو الدم الذي يكون معه أذى.
وقال النبي ﵇: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف»، رواه أبو هريرة، فأعلمناه أن الحكم يتبع هذه الصفة حيث وجدت إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عند الدم وصلي»، فردها إلى التمييز عند اشتباه الدم وتجاوزه مدة حيضها، ولا يقول لمن هذه صفتها: إذا أقبلت الحياضة إلا وهي عارفة بالحيضة، هذا الأشبه والأظهر.
وأيضا فإن الأيام لا حكم لها بمجردها، ولها حكم مع الدم فثبت أن الحكم للدم لا غيره.
وأيضا فإن الخارج متى اختلف أحكامه عند اختلاف أنواعه الحكم للدلالة لا غيره.
وأيضا فإن الخارج متى اختلف أحكامه عند اختلاف أنواعه وألوانه كان التمييز فيه، دليل ذلك المني والمذي.
وأيضا فإن الوصف إذا أمكن أخذه من ذات الشيء لم يجز تعديه إلى غيره كما إذا أمكن من ذات الحيض ثم تصر فيه إلى عادة النساء.
стр. 1303
فإن قيل: فقد روي أنه ﷺ قال لأم سلمة: «لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر»، فردها إلى أيامها.
قيل: إنما كان هذا في امرأة لم يكن لها تمييز، وكان دمها مشتبها، ولها أيام تعريفها قد زاد على أيامها.
ويحتمل أيضا أن تكون المرأة ظنت أنه مع التمييز إذا انقطع عنها دم الحيض بعد أيامها وتغير أن حكمها واحد في ترك الصلاة، فأعلمها أنه إذا تغير بعد تقضي أيامها التي كانت تحيضها اغتسلت صلت، وأنها تترك الصلاة في تلك الأيام لرؤية الدم الذي تعرفه، تحمل على هذا بدليل ما ذكرناه.
فإن قيل: فقد روي في حديث حمنة بنت جحش أنه قال لها: «تحيضي في علم الله ستا وسبعا فذلك ميقات حيض النساء وطهرهن».
قيل: إنما هذا وارد في امرأة مبتدأة ولم يكن هلا بعد أيام ولا تمييز، فردها إلى هذا القدر الذي هو الغالب في أسنانها.
стр. 1304
فإن قيل: فإنه قد روي أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، فردها إلى الأيام.
قيل: هذا الذي يدل على أنها كانت مميزة، فأحالها على أيام أقرائها التي تعرفها مع وجود الدم الذي تعرفه؛ لأنه لم يقل: أيامك.
وإنما قال: أيام حيضك، فلا بد أن تكون قد عرفت الحيض بلونه أو غير ذلك، وإلا كان مشكلا؛ لأنها سألت عن الزائد على دمها هل هو حيض أو غيره؟. فلا يجوز أن يقول لها: اقعدي أيام حيضك؛ لأنها تقول: هذا حيضي أيضا، ولو أراد أيام حيضك فيما مضى لكان أيضا مشكلا إن لم تكن تعرف دم الحيض وتميزه، فإنما أحالها على حيض تعرفه.
فإن قيل: فإن الدم إذا جاوز خمسة عشر يما لم ين حيضا، وإن نقص كان حيضا فعلمنا أن الاعتبار بالأيام لا بالدم.
وأيضا فإنه لما لم يختلف حكم السواد وغيره في الأيام في أنه حيض لم يختلف حكمها في غير الأيام، وعلم أن المعتبر بالأيام لا بالدم.
قيل: قولكم: إن الدم إذا جاوز خمسة عشر يما لم يكن حيضا مع ما ذكرتموه لا يلزم؛ لأننا قد ذكرنا أن بعض أيام العشر لو خلت من الدم لم يعتبر، وإنما يحكم لها بحكم الحض مع وجود الدم فهو المعتبر والمتبع.
стр. 1305
والفصل الآخر فلا يلزم أيضا؛ لأن الأيام لها حكم - عندهم - قبل العشرة ولا حكم لها بعد العشرة، فكذلك نقول التمييز نفرق بين حكمه بعد أكثر الحيض وبين حكمه قبل ذلك.
وعلى أنه قياس ساذج لم يذكرا معنى يجمع بينهما.
على أننا نقلب ذلك عليهم فنقول: لما لم يكن في غير أيام الحيض للأيام حكم فكذلك مع وجود الدم المشتبه ليس لها حكم.
على أنهم لو صح لهم معنى يعارض ما ذكرناه لكان قولنا أولى؛ لأننا نستعمل الأخبار على كثرة الفوائد؛ لاختلاف أحوال النساء في ذلك فتكون أخباركم لا تنافي ما نقوله: والله أعلم. تحمل الأخبار على التكرار والإعادة، فنحمل قوله: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» على امرأة لها تمييز، وكذلك قوله: «دم الحيض أسود ثخين يعرف»، ويحمل قوله: «لتنظر عدد الأيام والليالي» على امرأة لها أيام ولا تمييز معها، أو على التمييز على الوجه الذي ذكرناه، وكذلك قوله:
стр. 1306
«اقعدي أيام أقرائك»، ويحمل قوله: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا»، على امرأة ليس لها تمييز ولا أيام تقدمت، ويحتمل قوله ﷺ : «حيض نساء أمتي ما بين الست والسبع» إما على المبتدأة في الأغلب، أو على أن العادة في الغالب أمرهن، هذا مع وجود الدم الذي صفه لم ينقص لونه فهذا أولى من حمل الأخبار على الإعادة والتكرار.
ويكون قولنا أيضا أولى؛ لما ذكرناه من الاعتبار والاستدلال، وقياس الشيء على نفسه.
فإن قيل: لما كان دم النفاس مشاركا لدم الحيض في وجوب ترك الصلاة معه والصوم ومنع الوطء وجوب الغسل عند زواله ثم لم يعتبر لونه فكذلك لا يعتبر لون دم الحيض.
قيل: دم النفاس لم يعتبر لونه؛ لأنه لا يتكرر دم الحيض الذي يعرف بلونه؛ لأنه دم النفاس احتبس مع الحمل لغذيته لما يتغذى منه
стр. 1307
فإذا وضعت الحمل ثجت الرحم ما يبقى من ذلك الذي قد اجتمع في طول الحمل فلم يعتبر لونه لذلك، فإذا بلغ أقصى مدته زال حكمه، ثم لم يكن لما بعده حكم أصلا حتى طهر بعده طهرا كاملا، ثم يظهر فيكون لظهوره حكم الحيض.
ثم إننا نقول: الفراش دليل النسب، ثم إنه إنما يدل إذا أمكن، فأما إذا لم يمكن فلا يدل. ألا ترى أن ما عقد للصبي الذي لا يطأ لو أتت بولد لستة أشهر من يوم العقد لم يحلق به، ولو كان هناك إمكان وطء الحق النسب، فكذلك التمييز يدل على الممكن ولا يستدل به فيما لا يمكن.
والأصول تشهد لنا: وذلك أننا وجدنا أحكام الحيض تعتبر تارة بالدم وتارة بالأيام فيجب أن لا تعتبر الأيام ما دام لنا طريق إلى وصول الاعتبار بالدم. الدليل على ذلك: أننا نعتبر العدة مرة بالأيام ومرة بالدم، ثم لما كان الدم مقدما على الأيام فكذلك ها هنا ما دام التمييز موجودا، فلا ينبغي أن نعتبر بالأيام كما كان فيما ذكرنا.
وأيضا فإن الأيام ظرف للدم، والدم هو المقصود، فاعتبار الحكم بالمقصود أولى من الحكم بظرفه. ألا ترى أنها اشتبهت عليها الأيام والتمييز وكانت لها أيام متقدمة معهودة كان المصير إلى ما الأيام - عندكم - أولى من ردها إلى غيرها من النساء، ثم لو تكن لها أيام متقدمة معروفة وكانت مبتدأة لكان الاعتبار بنساء أهلها وبلدها أولى
стр. 1308
من الاعتبار بمن يتعذر عليها؛ لأن الحكم بما قرب من المقصود أولى من الحكم مما بعد عنه، فإذا كان ذلك كذلك والدم هو المقصود وجب أن يكون الاعتبار به دون غيره.
وأيضا فإن الخارج من الفرج نوعان: أحدهما يوجب الوضوء، والآخر يوجب الغسل، وهما متباينان في غالب الزمان مع السلامة والاستقامة، ثم قد تعرض علة فتصور المني تصور المذي، ثم لا يمنع من أن يكونا معتبرين في أنفسهما، فكذلك حكم الحيض والاستحاضة ينبغي أن يكون الاعتبار بهما في أنفسهما وإن جاز أن تعترض ذلك شبهة علينا، ويشكل علينا شأنهما وبالله التوفيق.
стр. 1309
فصل
عند الشافعي أن المستحاضة إذا فاتها التمييز عملت على الأيام وعندنا لا اعتبار بالأيام لما ذكرناه مع أبي حنيفة من أن الحيض ينتقل من زمان إلى زمان، ويقل ويكثر ويختلف، فإذا لم يوجد علامته لم تترك الصلاة التي عليها بيقين بدم مشكوك فيه حتى يتيقن أنه دم حيض.
ولنا أن نستدل باستصحاب الحال، وهو أن الصلاة عليها واجبة بيقين مع وجود الاستحاضة، فمن زعم إنها تسقط عنها فعليه الدليل.
وأيضا عن النبي ﷺ قال لفاطمة: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة»، فإنما يعرف إقبالها بالعلامة، فدليله أنها إذا لم تقبل لا تدع الصلاة، ولم يقل لها: إذا أقبلت مثل الأيام التي كانت تحيضها، وإنما قال: «إذا أقبلت الحيضة» التي هي الدم.
стр. 1310
وقد قال: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة» فأعلمنا أن الحكم يتعلق بما هذه صفته، فما لم تره لا يتعلق الحك إلا أن تقوم الدلالة.
وقد قال: «لدم الحيض أمارات وعلامات، فإذا أدبر فاغتسلي وصلي».
كذلك قالت أم عطية: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئا، فدل على أن الاعتبار بالدم لا بالأيام.
وقد قلنا: إن ذلك دلالةل قائمة في نفس الدم فهو بالاعتبار أولى، كما أن حكمها في نفسها أولى من حكم غيرها.
ولأن الأيام لا حكم لها إذا لم يكن دم، لها حكم مع الدم، فعلم أن الحكم للدم.
فإن قيل: نورد الحكم الأخبار التي ذكرها أصحاب أبي حنيفة في ذكر الأيام، نستعملها على ما يوجب مذهبنا من كثرة الفوائد.
قيل: استعملنا نحن الأخبار بفوائدها، ولم نستعمل استعمالا يؤدي إلى إسقاط الصلاة التي هي بيقين بدم مشكك فيه، مع جاز أن
стр. 1311
ينتقل الحيض من تلك الأيام: لأننا نجده في غير المستحاضة ينتقل من شهر إلى شهر، من وقت إلى غيره، ويقل في وقت ويكثر في غيره ينبغي أن يجرى فيه على طريقة واحدة، إلا بوجود الدم المحكوم له بحكم الحيض احتياطا للصلاة.
فإن قيل: فإن اعتبار الأصول يدل على ما قلناه، وذلك أننا وجدنا أن الأمور إذا اشتبهت على مجتهديها. وأشكلت على مميزيها، وفاتهم أقرب الوجوه إلى الإصابة فيها وجب الرجوع إلى ما يقاربها ويدانيها لا المقام على العمى الجهل فيها، وهذه الجملة تجدونها كالمشاهدة في كل أمر مجتهد فيه، مختلف فيه اثنان، فاعتبروه في الاجتهاد والنوازل، وطلب الحكم في المسائل، وفيم المتلفات وتقويم النفقات، وطلب المثل في جزاء الصيد، والاجتهاد في القبلة وغير ذلك، فكذلك ما قلناه.
والجواب: أن الذي لا ذكروه لا يشبه ما نحن فيه؛ لأننا لم نقم على العمى والجهل؛ لأن الحكم تعلق في الشريعة بشرط، وهو أن تجد علامة الحيض، فلما لم تجدها لم يتعلق علينا حكم فلسنا على عمى، بل على يقين حتى تحضر العلامة. ألا ترى أن اليائسة عن الحيض قد كان لها زمان وأيام تحيض فيه، فذا لم ترم الدم فليست على عمى، وكذلك التي تحيض لو انقطع عنها الدم أصلا فلم تحيض مدة من الزمان فإنها تصلى حتى يجيئها الدم الذي ذكره صاحب الشرعية أنه حيض، ولو كان طهرها في عادتها خمسة عشر يوما، ثم لم يحضرها الدم حتى مضى لها شهران فإنها تصلي وليس على عمى، لا يجوز أن نقلو لها: إذا جاءك الدم بعد هذا أنك كنت على عمى، فكيف هذا إذا حكمنا لها حكم الاستحاضة؟. فهي على يقين، كمن لم تر دما أصلا، فهي تصلي بيقين، ولا تنقل حتى يجيئها ما ينقلها عن ذلك،
стр. 1312
وإنما كان هذا في الحيض والاستحاضة؛ لما ذكرناه من أن دم الحيض ليست له حال يستقر عليها؛ لأنه قد ينتقل من وقت إلى وقت، ويزيد في زمان وينقص في آخر، فه بالحمل أشبه لأنه قد يكون في غالب الحال تسعة، ثم قد يكن في ستة، وفي أكثر من تسعة، وإلى سنتين - عندكم -، وأكثر - عندنا -، ثم لم يجز أن يرجع فيه إلى الغالب ويقال: إننا فيما زاد على تسعة أشهر في عمى.
وأما ما ذكروه من قيم المتلفات فهو عليهم لا لهم؛ لأن المقوم يقومه في زمانه بقيمته، التي ربما زادت على زمان متقدم أو نقضت؛ لأن القيم تختلف ولا تثبت على أصل واحد، وهم لا يعتبرون في قيمة المتلف ما كان يساوي، لا يجعلون ذلك أصلا يرجعون إليه، بل يرجعون إلى القيمة في وقت الإتلاف لأن القيم لا تستقر على حال واحدة، فكذلك يحكم لدم الاستحاضة بحكمه في وقته ولا نرده إلى حال متقدمة لو لم تكن له، وكذلك تقدير النفقات لما كانت تختلف باختلاف الأسعار، واختلاف الشتاء والصيف، لم يرجع فيها إلى المتقدمة، وإنما يحكم لها في وقتها؛ لأنها لا تستقر على حال واحدة.
стр. 1313
وعروض ما نحن فيه إذا وجد دم الحيض فإننا نحكم بوجوده ومتى يوجد، لا يعتبر به ما تقدم.
وأما طلب المثل في جزاء الصيد فهو أصل ثابت، كالأشياء التي تتلف ولها مثل من الموزونات والمكيلات لا يعمل فيها على اليم التي تختلف. ألا ترى أنه لو حكم عليه الطعام لكانت القيمة في الوقت، وعلى سعر الطعام أيضا في الوقت، ولم نرجع فيه إلى قيمة متقدمة.
وأما الاجتهاد في القبلة فهو لنا احتياط في الصلاة، فهو يجتهد فيخطئ القبلة فيصلي والشك موجود، فكذلك تصلي مع الاستحاضة وإن كان قد يجوز أن يكون حيضا، فلم يكن فيما ذكروه طائل، وبالله التوفيق.
стр. 1314
[٨٤] مَسْأَلَة
عند مالك ﵀ أن المبتدأة إذا رأت الدم قعدت مقدار أسنانها من النساء، فإن زاد عليها الدم استظهرت بثلاثة أيام، كذلك من كانت لها أيام معروفة فزاد عليها الدم استظهرت بثلاثة أيام تغتسل وتصلي، وهذا إذا لم يزد مع الاستظهار على خمسة عشر يوما - التي هي عنده أكثر الحيض -.
وقد روي عنه أنهما تقعدان إلى خمسة عشرة يوما - وهو القياس.
وإنما استحسن الأول احتياطا للصلاة؛ لأنها تصلي قبل الخمسة عشرة يوما؛ الجواز أن يكون ذلك دم استحاضة؛ لأن صلاتها مع جواز
стр. 1315
أن لا يكون عليها صلاة أحوط من ترك صلاتها مع جواز أن يكون عليها صلاة، وهو علة مالك في الاحتياط؛ لأنه قد روي أنها تقعد عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن، وهو لا يقطع على الإصابة في مسائل الاجتهاد، فرأى أن يحتاط للصلاة؛ لجواز أن يكون الحق في قول مخالفه.
فإن قيل: فينبغي أن يحتاط للصلاة بأن لا يستظهر؛ لجواز أن تكون أيام الاستظهار أيام استحاضة.
قيل: إنما قال بذلك لحديث رواه أهل المدينة عن حرام بن عثمان بن عبد الرحمن ومحمد ابني جابر عن أبيهما جابر بن
стр. 1316
عبد الله قال: جاءت أسماء بنت مرشدة الحارثية إلى رسول الله ﷺ فقالت له - وأنا جالس عنده - يا رسول الله، قد حدثت لي حيضة أنكرها، أمكث بعد الطهر ثلاثة أو أربعة ثم تراجعني أفتحرم على الصلاة؟. فقال: «إذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثة ثم تطهري اليوم الرابع».
وروي أنها كانت تستحاض فسألته ﷺ عن ذلك، فقال لها: «اقعدي أيامك التي كانت تقعدين واستظهري بثلاثة أيام ثم اغتسلي وصلي».
فإن قيل: فإن هذا حديث ضعيف.
قيل: بل هذا حديث صحيح، وهو أصح وأقوى من حديث القلتين، وحديث إبراهيم بن أبي يحيى، ومن الثقة
стр. 1317
عنده ومن قوله: حدثنا ابن جريج بإسناد لا يحضره ذكره، واحتجاج الشافعي بما لا يثبته أصحاب الحديث، وأسانيد أهل العراق في النبيذ والقهقهة وما أشبه ذلك.
فإن قيل: فإن الاستظهار خلاف ظاهر قوله ﷺ : «لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر فتترك الصلاة ثم تغتسل وتصلي».
قيل: لو تركنا وظاهر هذا الحديث، وصح من غير تأويل لم نزد عليه شيئا آخر إلا أننا أوجبنا الاستظهار بثلاثة أيام بالحديث الآخر الذي ذكرناه، فوجب الجمع بين الحديثين والعمل بالزائد.
فإن قيل: فكيف اقتصرتم على ثلاثة أيام دن غيرها مما هو أقل منها أو كثير.
قيل: للحديث الذي ذكرناه، وللنظر أيضا هو أنها تميز بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة بالثلاثة؛ لأنه شيء خارج من البدن معتاد
стр. 1318
ونادر أشكل أمره، كما أن في اللبن معتادا ونادرا، فلما أشكل أمره في المصراة جعل النبي ﷺ فيها الزمان الذي يتوصل به إلى الفصل بين اللبنين ثلاثة أيام، وجب أن يكون هذا القدر فاصلا بين الدمين.
وهذا القول إنما هو اختيار واستحسان.
والحديث الصحيح المتفق عليه الذي يعمل عليه والذي يذهب إليه غير هذين الحديثين، وهو ما رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر أفادع الصلاة؟. فقال النبي ﷺ : «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي»، على هذا يعتمد أنها إذا ميزت عملت على إقبال الدم وإدباره، سواء كان ذلك قل تقضي مدة أكثر الحيض أو بعد ذلك، فإن لم تميز فهي قبل تقضي أكثره تقعده إلى أكثره، وبعد ذلك تصلي أبدا حتى ترى دما لا تشك فيه فتعمل على إقباله وإدباره.
والله الموفق.
стр. 1319
[٨٥] مَسْأَلَة
قد بينا حكم المبتدأة، ومن لها أيام معروفة وزاد عليها الدم، وبينا وجه الاستظهار، ونحن نذكر وجه قعودها إلى خمسة عشر يوما، ويكون جميع ذلك حيضا، وإن زاد على خمسة عشر يما فإنهما تغتسلان بعد ذلك وتصليان.
وعند أبي حنيفة أن المبتدأة إذا تطايق بها الدم حتى زاد على أكثر الحيض - الذي هو عنده عشرة أيام - فإن العشرة حيض، كما هو - عندنا - في الخمسة عشر.
وعند الشافعي أن المبتدأة إذا تطاول دمها فهي تترك الصلاة، فإن زاد على خمسة عشر يما أعادت صلاة ما زاد على يوم وليلة في أحد قوليه، وفي القول الآخر: تعيد ما زاد على ست أو سبع؛ لأن الزائد استحاضة.
стр. 1320
والدليل لقولنا - أن الخمسة عشر كلها حيض -: قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾، فأعلمنا أن الدم الخارج ممن يجوز منها الحيض هو الذي يتأذى به، فهو أبدا كذلك حتى يقوم دليل الاستحاضة.
وأيضا فإنها حائض محكوم لها به في اليوم الليلة، فهي على ذلك حتى يقوم دليل.
وأيضا فقد حكم عليها بترك الصلاة بإجماع، فمن زعم أن عليها الإعادة فعليه الدليل؛ لأن الإعادة فرض ثان.
وأيضا قوله ﵇: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف» فما دامت هذه صفته فالحكم يتبعه حتى يقوم الدليل.
أيضا قوله: «تصلي المارة نصف دهرها»، فهو عم في المبتدأة وغيرها حتى يقوم الدليل.
وأيضا قوله ﵇: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما
стр. 1321
تحيض النساء في كل شهر»، فأخبر عن غالب أحوالهن، ولم يفرق بين المبتدأة وغيرها، ولم يقل: يوما وليلة، فهو عام. وهاذ الخبر يلزم على القول الذي يقول فيه: إن حكم الحي منه يوما وليلة لا على القول الآخر.
فإن قيل: فأنتم لا تقولون بهذا، وتقولون خمسة عشرة يوما.
قيل: مرادنا أن تزيدوا على اليوم والليلة، فإذا تجاوزتم ذلك فقد قام دليلنا على الزيادة على ذلك بشيء ينضم إليه.
فإن قيل: فهو حجتنا على الوجه الآخر.
قيل: هو كذلك، ولكنه حجة عليكم في هذا الوجه.
وأيضا فقد أجمعوا على أنها عند رؤية الدم ترك الصلاة وتمضي مع وجود الدم، ولم يجمعوا على ترك صلاة هي عليها بيقين بدم لا يحكم له بحكم الحيض، ويكون مشكوكا فيه، فلولا أنه دم حيض لم تترك الصلاة الذي هي عليها بيقين بدم لا يحكم له بحكم الحيض.
وأيضا فإن الدم ل لم يزد على مدة الغالب أو على أكثر لم يرد إلى أقل الحيض حلان الدم قد تمادى إلى أكثره، فكذلك إذا زاد.
فإن قيل: فهذا يلزمكم إذا كانت لها أيام معروفة وزاد عليها.
стр. 1322
قيل: لأمر - عندنا - واحد لا فرق بينهما.
فإن قيل: فإن الصلاة عليها في الأصل بيقين فلا تسقط إلا بدليل.
قيل: قد أجمعوا على سقوطها عنهما قبل الخمسة عشر في اليوم والليلة، فمن زعم أنها قد وجبت بعد ذلك فعليه الدليل، ونحن مختلفون في الإعادة.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾.
قيل: هذا يتناول حلا الطهر بإجماع، وقد اختلفنا في حكم المبتدأة فيما زاد على يوم وليلة هل هي طاهر أم حائض؟، فلم يتوجه إليها الخطاب.
وأيضا فالألف واللام لتعريف الجنس المقصود في أوقاته بأن لا تضيع وقته، وقد أجمعوا على أن المبتدأة تترك أوقات الصلوات مع وجود الدم، لا تجوز لها المحافظة لعيها، وإنما يقولون تقضي الفوائت قد أمرت بترك أوقاتها فكيف يتوجه الخطاب إليها؟. بل تلزمها في المستأنف إذا طهرت أن تحافظ على الصلوات في أوقاتها.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾.
قيل: لا يخلو أن يكن - تعالى - أراد أقم الصلاة عند ذكري بها، أو
стр. 1323
إذا ذكرتها، وكلاهما لا يتوجه إلى هذه؛ لأن الذي قال: أقم الصلاة عند ذكري، هو الذي قال لها: لا تصلي مع جود الدم، فكأنه قال لها: اتركي الصلاة ند ذكري؛ لأنها بأمره تركت.
والوجه الآخر يتوجه إلى من نسي وذكر، وليست هي كذلك.
وأيضا فإن لفظة: ﴿وأقم﴾ للمذكر الواحد، وهي لا تدخل فيه.
فإن قيل: فقد قال ﷺ لحمنة بنت جحش: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا، وذلك ميقات حيضهن وطهرهن».
قيل: وقد قلنا إنه لما قال: «ذلك ميقات حيضهن وطهرهن» عام لم يفرق بين المبتدأة وغيرها، فإن أردتم أنه حجة لقولكم الآخر الذي ترودنها فيه إلى ذلك فقد أقمنا الدلالة من حديث أسماء بنت مرشدة في الاستظهار عليها بثلاثة أيام، على الوجه الذي نقولك تستظهر، وعلى هذا الوجه نحمله على أنها كانت لها أيام معروفة يتميز معها الدم بدلالة قوله لفاطمة: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»، بما ذكرناه من الدلائل.
فإن قيل: فإن دمها إذا زاد على خمسة عشر دخل حيضها في
стр. 1324
الاستحاضة، فوجب أن يرد أمرها إلى العرف العادة، أصله من لها أيام معهودة فتجاوز حيضها.
ولأنه دم لم ينفصل عما تيقنا فساده ممن لم يصر لها أكثر الحيض عادة فلم يجز أن يحكم فيه بأكثر الحيض، دليله من أيام معروفة تجاوزها الدم ثم استمر بها.
قيل: هذا لا يلزمنا نحن لأنهما عندنا - سواء، وإنما يلزم أصحاب أبي حنيفة.
وأيضا فقد بينا أن الدم لا يستقر على عادة واحدة؛ لأنه يزيد ويقل وينقل ويختلف باختلاف الطباع والزمان فينبغي أن نردها إلى أكثر الحيض الذي وجده أكثر من وجود يوم وليلة، وعلامة الدم موجودة فيه بصفته، ويكون قولنا أولى بما ذكرناه من تركها الصلاة التي كانت عليها بيقين بوجود الدم الذي هذه صفته.
стр. 1325
[٨٦] مَسْأَلَة
وإذا حاضت المارة يوما أو يومين وطهرت يوما أو يومين، مبتدأة كانت أو كانت لها معروفة فزاد عليها لدم فإنها تلفق أيام الدم إلى الدم، وتصلي في أيام الطهر، فإذا اجتمع في يدها من أيام الدم - وهي مبتدأة - أقصى ما يجلس أسنانها من النساء استظهرت على ذلك بثلاثة أيام من أيام الدم تضيفها إلى أيام الدم الذي قد قعدته، ثم تغتسل وتصلي في أيام الدم وأيام الطهر؛ لأنها مستحاضة، وكذلك التي لها أيام معروفة تستظهر بثلاثة أيام كما ذكرنا.
وقد قال: - وهو القياس - إنهما تلفقان حتى يجتمع في أيديهما من الدم خمسة عشر يوما، ثم تكونان مستحاضتين على ما ذكرنا، تصليان أبدا حتى يأتي دم لا يشك فيه أنه دم حيض فتعملان على إقباله وإدباره على حديث فاطمة
стр. 1326
بنت أبي حبيش، وهذا قول محمد بن مسلمة، وقول أحمد بن المعذل.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إن دمها إذا كان موازيا لطهرها، مثل أن ترى الدم يوما والطهر يومين والدم مثل ذلك، فإنها تغتسل
стр. 1327
وتصلي في يوم الطهر وتترك الصلاة في يوم الحيض، تعمل هذا أبدا.
ووجه قول عبد الملك هذا: قول النبي ﷺ : «تصلي المرأة نصف دهرها، ونصف عمرها»، وإذا استوى الطهر والحيض في امرأة، ولم يتميز لها وعملت بهذا فقد دخلت تحت الظاهر.
وأيضا فإذا وجد هذا في امرأة ولم تدر ما تعمله من ذلك إلى خروجها عن أكثر الحيض ولا عن أقل الطهر، وهذا في أيامه حض على علاماته، وهذا طهر على صفته، فينبغي أن تعمل عليه، فإنه ليس يخرج عن الحد المجعول في الشريعة لأكثر الحيض وأقل الطهر، وهما أصلان في الشريعة، كما لو اتصل الدم خمسة عشر يما، والطهر بعده خمسة عشر يوما؛ لأنهما حدان لأكثر الحيض وأقل الطهر، وهو - عندي - أولى؛ لأن فيه احتياطا لحفظ هذا الأصل مع وجود الدم وعلاماته، وليس يضر أن تختلف الحال في أحكام الحيض، فيكون في امرأة حكم، وفي غيرها بخلافه؛ لوحده مختلفا عليهن وفيهن،، زيادة ونقصان، وكثرة وقلة، فإذا كانت هذه بفعلها ما ذكره عبد الملك لا يخرج عن ظاهر قول النبي ﷺ : «تصلي نصف دهرها»، ولم تخرج عن أن يكون حيضها موازيا لطهرها، فهو كما يوجد في أن تحيض خمسة عشر وتطهر خمسة عشر؛ لأن معنى هذا: أنها تصلي نصف
стр. 1328
دهرها، فلا فرق بين أن تصليه مجتمعا أو مفرقا، وكذلك لا فرق بين أن تحيضه مجتمعا أو مفرقا.
ومن الظاهر لقوله أيضا: قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، ولم يقل: تلفق، بل جعل الشرط مقرونا بوجود الدم الذي يتأذى به.
وقول النبي ﵇: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف»، فأعلمنا أن الحكم يتعلق عليه بوجود هذه الصفة، فحيث قارنها الحكم إلا أن تقوم دلالة.
فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا».
قيل: معناه إذا اتصل الدم، وكان أيضا يختلف لونه، وإنما خرج على سؤال من اتصل دمها، فأما من صورتها ما ذكرناه فلم تدخل تحت ذلك.
وأيضا فإنها قضية في عين لا يتعدى بها إلى غيرها حتى يعرف معناه.
فإن قيل: فإن الرواية الأخرى فيها احتياط للصلاة؛ لأنها لفقت صار الباقي استحاضة فتصلي أبدا.
قيل: إذا كانت علامة دم الحيض باقية على طريقة واحدة،
стр. 1329
وكذلك حكمنا له بأنه حيض في أيامه فينبغي أن لا يتغير حكمه، وليس الاحتياط بأن تصلي ما ليس عليها بأولى من ترك الصلاة لا تجب عليها؛ لأنها تحصل عاصية بصلاتها حائضا، وهي طائعة بترك ما لا يجب عليها، قد علمت على ما أوجبته الشريعة في الظاهر من اتباع حكم الدم الذي جعلت له علامة، ومن أنها تصلي بإزاء ما ترك.
فإن قيل: قد أجمع أصحابنا على أن أيامها إذا اختلفت فكانت يمين حيضا ويوما طاهرا أو يومين طهرا ويما حيضا فإنها تلفق، والمعنى في ذلك أن ما بين الدمين ليس بطهر كامل، فكذلك إذا اتفقت.
قيل: المعنى في المختلف عدم المساواة فيهما فلما لم يتفق لفقت، وإذا استوى لم تلفق.
فإن قيل: لو كان لهذا الدم حكم نفسه لوجب أن لا يكون عدتها إذا طلقت سنة كالمستحاضة، وهذا موضع لا تختلفون فيه.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأنه لم يحك عن عبد الملك نصا في هذه أنها تعتد سنة، ولعلها أن تجعل الشهر مقسما بين حيضة وطهر؛ لأن الله - تعالى - جعل في التي لا تحيض كل شهر بإزاء قرء، ولو قال: إن عدتها سنة لم يضر؛ لأنه استظهر فيها؛ لأن الحامل تحيض، فجعل
стр. 1330
عليها تسعة أشهر الغالب من مدة الحمل، وإن كان الدم موجودا، ثم بعدها ثلاثة كل شهر بإزاء قرء، لأنه قد جمع الحيض والطهر.
وأيضا فإن الدم الذي تترك له الصلاة بخلاف الذي تعتد به. ألا ترى أن مالكا قال: تترك الصلاة لدفعة من دم، ولا تعتد بذلك في العدة، فلم يلزم عبد الملك هذا السؤال، وبالله التوفيق.
كمل كتاب الطهارة وهي ست وثمانون مَسْأَلَة،
والحمد لله كثيرا.