← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قالوا: وأيضاً فإن مذهبنا أن ما كانت البلوى به عامة لا تقبل فيه أخبار الآحاد، والإنسان لا يخلو في كل يوم من مس ذكره مراراً، كما لا يخلو من الغائط والبول، فلو كان الوضوء من مس الذكر واجباً لكان نقله مستفيضاً، كما هو الغائط والبول. قالوا: ولو صح الحديث لكان معارضاً بحديث طلق بن علي أنه سأل رسول الله ﷺ عمن مس ذكره وهو في الصلاة، فقال: «لا بأس، هل هو إلاَّ كبعض جسده»، وموضع الدليل منه: أنه قال: «لا بأس».

стр. 387

والحدث في الصلاة لا يقال فيه: لا بأس، ولأنه علل فقال: لأنه كبعض جسده.

стр. 388

وقد روى قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي أنَّ رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: أنا أتوضأ فأمس ذكري؟ فقال النبي ﷺ : «هو منك»، قالوا: وفي بعض الأخبار: «لا وضوء عليك»، وإذا تعارضت الأخبار سقطت وكنا على ما نحن عليه حتى يقوم دليل. قالوا: ويجوز أن نحمله على الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليد، بدليل حدث طلق، ولأن القوم كانوا يستجمرون بالحجارة، فربما عرقت أيديهم فيمسون فروجهم، فأمروا بغسل أيديهم. قالوا: وقد روى أن مس ذكره وأنثييه توضأ، وقد اتفقنا على

стр. 389

أنه لا يجب في مس الانثيين وضوء، فعلم أن ذلك على طريق الاستحباب. قالوا: وقد اتفقنا أنه لو مسه لغير شهوة لم يجب عليه وضوء فكذلك لشهوة، بعلة أنه مس عضواً منه. قالوا: ولأنه مس فرجه بجزء من بدنه فوجب أن لا ينتقض طهره، دليله إذا مسه بغير شهوة. والجواب: أما ما ذكروه عن أحمد ويحيى في تضعيف الحديث فعنه جوابان: أحدهما: أن من أثبته أكثر عدداً من هذين وأثبت. والثاني: أننا لا نرجع في ذلك إلى مذهبهم في تضعيفه؛ لن مذهبهم أن الحديث إذا أرسله قوم ووصله آخرون أن القول قول من

стр. 390

أرسل، والقول - عندنا - قول من اسند؛ لأنه زائد. وعلى أننا نقول بل مرسل أيضاً، وقد أُسند هذا الحديث وأُرسل، وكذلك الأخبار التي رويناها، فيها مرسل ومسند. وعلى أنه ينقلب عليهم في حديث القهقهة؛ لأن أصحاب الحديث قالوا فيه: إنه لا يصح. وما ذكروه من أخبار الآحاد، وأنها لا تقبل فيما يعم البلوى فغلط، ونحن نخالفهم فيه؛ لأن الله - تعالى - أمر بقبول أخبار الآحاد، ولم يفرق بين ما تقع به البلوى العامة وبين غيرها، ولامتنع أن تكون البلوى عامة، فيعلم الحكم فيها العلماء من أخبار الآحاد، وترجع العامة في

стр. 391

حكمها على العلماء، وإنما ذلك على ما يراه صاحب الشريعة من المصلحة، فربما راى المصلحة في إلقاء الحكم على الخاصة فينقلونه على العامة فيعلم من جهتهم، وربما أعلمه الأكثر. وعلى أن النقل قد ورد في هذا مستيقضاً؛ لأنه قد رُوِيَ عن أربعة عشر من الصحابة من بين رجل وامرأة، ويجوز أن يكون أمسك الباقون عن رواية ذلك اكتفاء برواية بعضهم، ومثل هذا يلزمهم في الوتر، هو مما تعم البلوى؛ لأنه في كل ليلة، وقد قبلوا فيه خبر الواحد وجعلوه واجباً بذلك وأكثر من رواه الواحد والاثنان بأن النبي عليه الاسم قال: «إن الله زادكم صلاة، ألا وهي الوتر». وكذلك قالوا في تكبيرة الافتتاح: لو قال: الله أكبر، أجزأه، ولو قال: الله العظيم، والله الجليل، أجزأه، وما نقل

стр. 392

هذا أحد، وهو من البلوى العامة. وكذلك قبلوا أخباراً لآحادهم، ونحن في الأذان والتشهد وغير ذلك مما تعم البلوى به، وقبلوا في القهقهة، وقد قبل ابن عمر من رافع بن خديج خبر المخابرة. وقبل أبو بكر خبر محمد بن مسلمة والمغيرة، وهذا في المواريث، وفي غير ذلك، وهذا كله كمما يعم البلوى به.

стр. 393

وعلى أن هذا وإن كان من البلوى العامة فقد يجوز أن يذهب على قوم إلاَّ أن الله - تعالى - لا يتركهم حتى يعلمهم الواجب، إما بنقل كما يذكرون، أو بالرجوع إلى العلماء إذا احتاجوا إليه وسألوا عنه، وهكذا التقاء الختانين البلوى به عامة وقد ذهب على الأنصار ما استدركه غيرهم. ثم لو قلنا: إن مس الذكر ليس من البلوى العامة في غير أوقات الوضوء لجاز؛ لأنه من شأن الغالب من الناس مس ذلك في غير أوقات الوضوء والجماع، ولعله يجري أقل من القهقهة في الصاة، وقد قبلوا فيه وفي القيء والرعاف وأنه ينقض الوضوء خبر الواحد. وأما حديث طلق بن علي فعنه أجوبة: أحدها: أن له ثلاث طرق:

стр. 394

محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه قلت: يا رسول الله: إني أكون في الصلاة فأمس ذكري بيدي، فقال: «إنما هو بضعة منك». وقد رواه أيوب عن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه قال: جاء

стр. 395

رجل على رسول الله ﷺ فسأله عن مس الذكر، فقال: أيتوضأ أحدنا إلا مس ذكره؟ فقال: «هل هو إلاَّ بضعة منك». ورواه عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي ﷺ نحوه فمدار الحديث على هؤلاء الثلاثة محمد بن جابر وأيوب بن عتبة وعبد الله بن بدر، ولكل واحد منهم علة. سئل موسى بن هارون عن حديث طلق في مس الذكر فقال: إسناده ضعيف، محمد بن جابر ضعيف، وأيوب بن عتبة ضعيف، وعبد

стр. 396

الله بن بدر شيح لا يمكننا أن نحكم به. ومن قال أهل الصنعة فيه هذا لم يكن حجة. وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون الحديث منسوخاً؛ لأن حديث قيس عن طلق قال النبي ﵇ حين قدم المدينة وهو يبني المسجد، وحديث أبي هريرة متأخر؛ لأن أبا هريرة روى ما قلناه، وإنما صحب النبي ﷺ أربع سنين. ويشبه من طريق آخر أن يكون منسوخاً؛ لأنَّه لو كان قوله: «من مس ذكره فليتوضأ»، متقدماً لم يكن لقوله لطلق: هل هو إلا بضعة منك؟»، ثم قال بعد ذلك: عليك الوضوء، وهذا شابه. وعلى أن الكلام في الأخبار في فصلين: أحدهما: في تقديم أحدهما على الآخر.

стр. 397

والثاني: في الاستعمال. فأما الكلام في التقديم وترك الآخر فإذا لم يكن بُدّ من ترك أحدهما فإننا نقول: إن خبرهم يقتضي أنه لا يجب الوضوء منه، وخبرنا يقتضي وجوب الوضوء منه، فإسقاط خبرهم بخبرنا أولى من وجهين: أحدهما: أن خبرنا متأخر على ما ذكرناه عن أبي هريرة، وخبرهم متقدم، والمتأخر ينسخ المتقدم. والوجه الثاني: هو أنه إذا لم يكن بد من ترك أحد الخبرين فترك ما هو أقل رواة لما هو أكثر رواة أولى، وخبر طلق بن عليي لم يرد إلاَّ من جهته، وخبرنا رواه أربعة عشر نفساً من الرجال والنساء

стр. 398

مثل أبي هريرة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وغيرهما ومن النساء مثل عائشة وأم حبيبة و [أم] أروى وبسرة. وأما الكلام في الاستعمال فيحمل خبرهم على أنه مسه لغير شهوة، ألا تراه قال: «هل هو إلاَّ بضعة منك؟»، ولا يكون كسائر بضاعه إلاَّ على هذا الوجه، وإلا فهو يخالف سائر بضاعه، ألا تراه أنه واستمنى منه لأمنى، وله في الإيلاج حكم ليس لسائر البضاع. والاستعمال الثاني: هو أن قوله ﷺ : «لا بأس»؛ أي: ليس بنجس، لأن بعض الناس كان يذهب إلى أنه نجس لأنه مسلك النجاسة. الدليل على هذا: ما رُوِيَ أن رجلاً سأل سعد بن أبي وقاص فقال: إن كان منك شيء نجساً فقاطعه؛ أي: ليس منك شيء نجس.

стр. 399

فإن قالوا: نحن أيضاً نستعمل فنقول: قول ﵇: «فليتوضأ»، استحباب. قيل: أنتم لا تستحبونه. على أنا نحن نرجح فنقول: خبرنا يثبت الإيجاب، وخبركم ينفيه، والمثبت أولى من النافي، وعند أبي حنيفة أن النافي يسقط من المثبت. وأيضاً فإنه ناقل عن العادة؛ لأنهم ما كانوا في الأصل يتوضؤون منه، ولأنه يحتاط، ولأن رواته أكثر. ويشهد أيضاً لاستعمالنا: ما رواه قيس بن طلق عن أبيه عن النبي ﵇ أنه توضأ وقال: «مسست ذكري». وما ذكروه من أنه ﵇ قال: «من توضأ ومس ذكره وأنثيه توضأ». فإننا نقول: لولا قيام الدليل في الأنثيين لأوجبنا في مسهما الوضوء، وليس إذا خص بعض الخبر بدليل يجب أن يخص باقيه بغير دليل.

стр. 400

وأما القياس الذي ذكروه فعنه جوابان: أحدهما: أنه لم يجب الوضوء في الأصل لعدم الشهوة. والثاني: أن بإزائه قياساً هو أولى منه، فنقول: إن مس الذكر سبب يفضي إلى نقض الطهر بمسه، أصله التقاء الختانين، لأنه إذا مس ذكره لشهوة أمذى، وإذا أولجه على هذا الوجه أمذى وأمنى. وأيضاً فإنه مسلك للمني فجاز أن يتعلق بعض الطهر به كالنوم، لأن بمسه قد يخرج منه ما ينقض الطهر، وبالنوم يوجد ما ينقض الطهر. ونرجح قياسنا بأنه يؤدي إلى استعمال الأخبار كلها، ويستمر فيها على عمومها، فيكون الخبر الذي فيه الوضوء في كل موضع إذا كان لشهوة، وإذ لقي الفرج على كل حال، وفي استعمالنا هذا نقل من براءة الذمة إلى وجوب الوضوء، وفيه احتياط للصلاة، وإسقاط حكمها بيقين. فإن قيل: لو كان خبركم ثابتاً لم يجز أن يذهب على عمر

стр. 401

وعلي، وابن مسعود، وسعد، وحذيفة،

стр. 402

وعمار، وعمران بن حصين وابن عباس. قيل: قد ثبت ما قلناه ببضعة عشر من الصحابة عن النبي ﷺ وعن قطعة منهم أن الوضوء واجب، فأقل الأحوال أن يُستعمل ما رُوِيَ

стр. 403

عنهم كما استعملنا ما رُوِيَ عن النبي ﷺ فيكون قول من نفى الوضوء إذا كان لغيرة، ومن أثبت الوضوء إذا كان لشهوة. على أننا نروي عن ابن عباس وابن عمر قالا: إذا مس الرجل ذكره فليتوضأ. وعن حماد بن سلمة عن قتادة أن ابن عمر وابن عباس كانا

стр. 404

يتوضآن من مس الذكر. والذي رووه هم عن ابن عباس إنما هو عن إبراهيم المزني عن صالح - مولى التوأمة - عن ابن

стр. 405

عباس، وهذا مما لا ينبغي أن يعتمد عليه، فكيف وقد رويناه عن ابن عباس خلافه؟ وما حكوه عن سعد فقد رُوي عن سعد بإسناد أجود من إسنادهم خلافُه؛ لأن الذي رووه عن سعد رواه يحيى بن المهلب، عن ابن أبي خالد

стр. 406

عن قيس عن سعد. وقد رُوِيَ مالك عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن مصعب بن سعد قال: كنت أمسك المصحف على أبي - سعد بن أبي وقاص - فاحتككت فقال لي: لعلك مسست ذكرك؟ فقلت: نعم. فقال: قم فتوضأ. فقمت فتوضأت ورجعت.

стр. 407

فأما الأحاديث عن علي وابن مسعود فكلها ضعاف لا حجة فيها ولو صحت لكنا قد استعملناها على ما ذكرناه. وقولهم: يجوز أن يكون أراد بالوضوء غسل اليد فإننا نقول: إن الوضوء إذا أطلق في الشرع فهو محمول على الوضوء المعروف الذي هو غسل الأعضاء حتى يقوم دليل. واستعمالنا أيضاً له على الوضوء الشرعي أولى؛ لما ذكرناه من الترجيحات، فنحمله عليه إذا كان لشهوة، ونحمل غسل اليد إذا كان لغير شهوة. وعلى أنه قد روى عنه ﷺ : «فليتوضأ وضوءه للصلاة». وأيضاً فإن الناس في المسألة على قولين: فطائفة توجب الوضوء في الأعضاء كلها، وطائفة لا توجبه ولا توجب غسل اليد. وعلى إنهم أن أسلموا إيجاب غسل اليد سلمت المسألة، وبالله التوفيق.

стр. 408

فصل في الكلام على الشافعي إذا مس ذكره لغير شهوة نقض الوضوء. وعندنا لا ينقض. الدليل لقولنا: هو أن مذهبنا ومذهبه استعمال الأخبار إذا تعارضت وأمكن استعمالها، وقد وردت الأخبار على ما تقدم من وضوء في مسه عموماً، وورد الخبر في حديث طلق بن علي عن النبي ﷺ في نفي الوضوء من مسه عموماً، فنستعمل خبر الوضوء إذا مسه لشهوة، ونفي الوضوء إذا مسه لغير شهوة. فإن قيل: نحن نستعمل أيضاً فنجعل الوضوء فيه إذا مسه بباطن كفه من غير حائل، ونف بالوضوء إذا مسه بظاهر كفه أو من فوق حائل. قيل: بقي الترجيح لأحد الاستعمالين، فاستعمالنا أولى من وجوه: أحدهما: أنه يستمر، فنوجب الوضوء إذا كان لشهوة، بظاهر اليد وباطنها، ومن فوق الثوب وتحته، وفي ذوات المحارم، والكبار والصغار، وننفي الوضوء في جميع هذه المواضع إذا كان المس لغير شهوة، فرجع استعمالنا؛ لأنه يطابق ألفاظ الأخبار التي هي عموم في إثبات الوضوء ونفيه. وأيضاً فإن النبي ﷺ شبهه في حديث طلق بن علي بسائر

стр. 409

البضاع، ولا يكون كهي إلاَّ في عدم الشهوة، ولا فرق في عدم الشهوة بين باطن اليد وظاهرها، كما لا فرق بين ظاهر اليد وباطنها في مس سائر الأعضاء. وأيضاً فإننا رأينا هذا العضو يلتذ بمسه كما يُلتذ بمس النساء، ألا ترى أنه لو استمنى منه لأمنى كما يمني بمماسة النساء، وليس سائر الأعضاء كذلك، فعلمنا اختصاصه من بين سائر الأعضاء بهاذ المعنى، فينبغي أن تكون المراعاة في مسه للذة، وفي عدمها تكون كسائر الأعضاء؛ لنهم خصوا باللمس هذا العضو من بين سائر الأعضاء، فَعُلِمَ أن المُعوّل على اللذة. فإن قيل: إننا لا نسلم التعارض في الأخبار في الأخبار، بل نقول: حديثنا في الوضوء من مسه أصح من حديث طلق، ونجعلُ حديث طلق منسوخاً، فلا يجب علينا الاستعمال. قيل: ليس يسلم لكم حديث الوضوء من المعترضة؛ لأن أهل العراق يحتجون - علينا وعليكم - في صحة حديثهم وفي النسخ. بمثل ما نقول لهم، ولسنا نقطع بصحة ما نقول دون ما يقولون، وإنما هو استدلال وترجيحات، يسوغ فيها الاجتهاد، فلا بد أن نسلم ونستعمل، فإن امتنعنا من ذلك امتنعوا هم أيضاً، فأدى هذا إلى إسقاط الخربين إذا كان كل واحد منا يقطع على صحة مذهبه. فإن قيل: استعمالنا أولى؛ لأن الأصول تشهد لنا، وذلك أننا رأينا الناقض للطهارة الموجب علينا طهارةً مستأنفة فقد استوى فعله لشهوة وغير شهوة. ألا ترى أنه لو أولج ملتذاً أو غير ملتذ لانتقض وضوءه، ووجب عليه في الموضوعين جميعاً الغسل، فكذلك يجب أن

стр. 410

يستوي في مس الذكر حكم الشهوة وغير الشهوة، وكذلك سائر الأحداث من الغائط والبول والريح لم يفترق الحكم فيها بين الالتذاذ وغيره. قيل: هذا لا يلزم؛ لأنه ليس يَبْلُغُ أحدٌ في الغالب إلى الإيلاج إلاَّ وقد اخذ غاية من الالتذاذ، إلا رجل به آفة، وإلا فهو في غاية من الالتذاذ، بمنزلة من انزل سواء أنزل في الفرج أو في غيره، ألا ترى أنه يوجب الغسل كما يوجبه الإنزال. ثم مع هذا فقد تعلق عليه من الأحكام في الإيلاج ما لا يتعلق عليه في مس ذكره، من وجوب الغسل والحد وتحصل به الحصانة وتكملة المهر وغير ذلك من الأحكام، فقد حصل للفرج من الاختصاص في الإيلاج ما ليس لمس الذكر، فلما كان الإيلاج ينقض الطهارة، ويوجب الطهارة العليا لم يفترق الحكم فيه، ولما كان مس الذكر - عندكم - يوجب الطهر الدنيا افترق الحكم فيه بين اللذة وغيرها، وكان أولى من فرقكم بين باطن اليد وظاهرها مع وجود اللذة وعدمها. فأما الغائط والبول والريح فإن ذلك كلَّه أحداثٌ في نفسها، ومس الذكر سبب للحدث وفي حكمه، وما حكم الشيء وهو سبب له ليس هو نفس الشيء، ألا ترى أنكم قد فرقتم بين مسه بباطن اليد وبين مسه بظاهرها، ولم تفرقوا بين الأحداث أنفسها على أي وجه حصلت، فصار المس كالنوم الذي ليس بحدث في نفسه، ولكنه في

стр. 411

حكم الحدث، وقد افترق حكم النوم في مواضع، كما افترق حكم المس في موضع، فهو أشبه به. فإن قيل: إن ظاهر مذهبكم يدل على أنه إن مسه بظاهر كفه أو بذراعه أو فخذه أنه لا ينقض الوضوء، سواء كان ذلك لشهوة أو غيرها. قيل: قد اختلفت الرواية في مسه أصلاً، وقد ذكر ما قلتم، إلاَّ أن المعوّلَ على ما بيناه، وما حكي محمول على أن مالكاً تكلم على الغالب من أمر الناس، أنهم يقصدون إلى مسه بباطن أيديهم، فأما إذا فصدوا الالتذاذ أو حصل بمسه فلا فرق بين مسه بسائر الأعضاء وبين اليد، كما تَوَافَقْنَا في مس الرجل النساء بباطن يده وبظاهرها وبسائر أعضائه؛ لأن المراد أن تقع ممارسة تحصل معها اللذة، وقد يخرج الكلام على الغالب ويكون النادر في حكمه إذا حصل المعنى المقصود، كقول الله - تعالى -: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، خرج الكلام على الغالب من الربيبة تكون في حجر زوج أمها، وإذا لم تكن عنده، وفي حجره فهي كذلك، فإذا كان المعنى المقصود هو حصول اللذة بالممارسة، فبأي عضو حصلت المماسة مع الشهوة حصل الحكم، وهذا كالطلاق الذي يوجب التحريم، فبأي لفظ حصل وقصد به

стр. 412

التحريم حصل الحكم - عندنا -. فإن أوردوا القياس عليه إذا مسه لشهوة، أو أردنا القياس عليه إذا مسه بظاهر اليد أو على مسه عضواً غير الذكر، بعلة أنه مس عضواً من بدنه لم يلتذّ بمسه لذة الجماع. فإن تكلموا على حديث طلق وقالوا: قوله ﵇: «هل هو إلا بضعة منك؟»، أفادنا أنه ليس بنجس، وانه لا حرج في مسه، ولا يمنع ذلك من إيجاب الوضوء ومن مسه، كما لا يمنع من إيجاب الغسل في إيلاجه في الفرج، وهو بضعة منه. قيل: إنما سئل ﵇ عن الوضوء في مسه فقال: «لا وضوء»، وشَبَّهَهُ بسائر الأعضاء التي لا وضوء في مسها، ولم يُسْأَل هل عليه حرج في مسه أم لا؟ فلا ينبي أن يسقط ما سُئل عنه، وخرج الجواب عليه، ويُعْدل إلى ما لم يذكر في الخبر، ولا خرج الجواب عليه؛ لأنه لو جاز ذلك لجاز الآخران يقول: إنما سئل هل عليه في إيلاجه غسل أو وضوء؟ فقال: «هل عليه إلاَّ بضعة منك»؛ أي كما لو أولجت بضعة منك غير الذكر لما كان عليك وضوء ولا غسل فيجيء من هذا قول من قال: الماء من الماء، دون الإيلاج المفرد، وإذا كان جوابنا وجوابكم أن هذا لم يسأل عنه في الخبر ولا خرج الجواب عليه فكذلك نقول لكم: إن الذي أوَّلْتُموه وحملتموه عليه لم يسأل عنه في الخبر، ولا خرج الجواب عليه، فسقط هذا السؤال. ثم لو احتمل ما ذكرتموه لكان أقل الأحوال أن يكون الجواب خرج على الأمرين، حتى لا يسقط الصريح من السؤال، ويقتصر على

стр. 413

المحتمل دونه، فنحمله على صريح السؤال والمحتمل جميعاً. فإن قيل: فإننا قد روينا خبراً يدل على أن المس بباطن اليد من غير حائل يوجب الوضوء، وهو قوله ﵇: «إذا أفضى الرجل بيده إلى فرجه في الصاة وليس بينهما ستر فليتوضأ»، وفي هذا الخبر أدلة توجب مخالفة مذهبكم. منها: أن الإفضاء قصر على اليد دون غيرها من الأعضاء. ومنها: أن حقيقة الإفضاء باليد إنما هو بباطنها. ومنها: أنه قال: «ليس بينهما ستر». ومنها: أنه ذكر الفرج، وهو اسم للذكر والدبر جميعاً. فنصه على اليد وباطنها يدل على أن ظاهر اليد، وغي اليد من الأعضاء بخلاف ذلك؛ لأنكم توافقوننا على القول بدليل الخطاب. ونصه على الفرج يشتمل على الذكر والدبر. ونصه بقوله: «وليس بينهما ستر»، يدل على أنه إذا كان هناك ستر بخلافه. فالجواب أن نقول: إن صح الحديث فإن الإفضاء حقيقته مماسة البشرة البشرة بدليل قوله - تعالى -: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.

стр. 414

وأما تخصيصه اليد فإن الكلام خرج على الأغلب من أحوال الناس أنهم إذا عبثوا بالفرج فإنما يكون ذلك باليد، ولا يدل على أن النادر ليس في حكمه على ما بيناه قبل هذا الفصل. وأما الفرج فحقيقته تقع على المقدم؛ لن فرج المرأة هو مقدمها. وعلى أنه لو وقع على المقدم والمؤخر لكان إضافته بلفظ الواحد إلى الإنسان يدل على فرج واحد؛ لأنه لو أراد الفرجين لقال: إذا أفضى إلى فرجيه أو إلى فرجيه فلما قال: «إلى فرجه»، بلفظ الواحد، - وقد أجمعوا على أن القبل يراد به الفرج - دل على أنه هو المقصود دون غيره. فإن قيل: قولنا: فرج، نكرة يتناول هذا وهذا فلا يمتنع أن يراد به الاثنان. قيل: هذا غلط من وجهين: أحدهما: أن النكرة في الإثبات لا تكون على الجنس وإنما تكون في النفي، وليس في قوله: «إذا أفضى بيده على فرجه». نفي. والثاني: أن النكرة تشيع في الجنس ولا يقتصر بها على اثنين لا ثالث لهما، ألا ترى ما كان في ابن آدم من عضوين مثل اليدين والرجلين والعينين والأذنين لا تطلق على الاثنين بلفظ الواحد حقيقة، وإذا كثرت أعضاؤه وأجزاؤه قيل: عضوه، وجزؤه، فيشيع في سائر أعضائه وأجزائه لكثرتها، فلما لم يكن للإنسان إلاَّ فرجان لا ثالث

стр. 415

لهما لم يجز على طريق الحقيقة أن يقول: «إذا أفضى إلى فرجه». وهو يريد الفرجين، فثبت أنه أراد فرجاً واحداً، والقبل متفق عليه دون الدبر.

стр. 416

فصل قد ذكرت أن أحمد بن حنبل وعطاء والأوزاعي يوافقوننا في مسه لشهوة بظاهر اليد وباطنها غير أن أحمد يقول: لا يتعدى اليد إلى غيرها، والأوزاعي يقول: إن مسه بسائر أعضاء الطهارة نقض الوضوء، وأما غيرها من الأعضاء فلا. فإن صح ها عنهم قلنا: قال النبي ﷺ : «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ»، وقال: «الوضوء من مس الذكر»، والمس يقع بسائر الأعضاء، لا فرق بين اليد وغيرها، فلا فرق بين أعضاء الطهارى وغيرها. ومن طريق المعنى: فإن اللذة تحصل بسائر المماسة من الأعضاء كلها، كما تحصل باليد وبأعضاء الطهارة، فإن جاز لإنسان أن يتعدى باطن اليد على ظاهرها، ويتعدى اليد على غيرها من أعضاء الطهارة، جاز لنا أن نتعدى ذلك إلى سائر الأعضاء؛ بعلة أن حصل ما ذكرناه بعضو من بدنه ملتذًّا بذلك لذة الجماع أو لشهوة الجماع.

стр. 417

فصل عند داود إذا مس ذكر نفسه توضأ، ولا شيء عليه في مس ذكر غيره. والدليل لقولنا: قوله ﵁: «في مس الذكر الوضوء»، وهذا عام في كل ذكر. فإن قيل: قوله في الخبر الآخر: «من مس ذكره فليتوضأ».

стр. 418

دليله إذا مس ذكر غيره فبخلافه، وهذا الدليل يقضي على عموم خبركم في الذكر؛ لأنه أخص منه. قيل: الذي نعرف من مذهبكم: إن الخبرين إذا تعارضا لم تقضوا بالخاص على العام وإن أمكن استعمالها، بل يسقطان جميعاً. فإن أردتم القضاء بالدليل على العام، قلنا: القياس عليه إذا مس ذكر نفسه؛ بعلة أنه مس ذكر آدمي ملتذا به، أو بعلة أنه مس ذكراً لو والج في فرج لوجب فيه الغسل على وجه ملتذاً بمسه. وأيضاً فإنه إذا مس فرج غيره فقد هتك حرمة الغير، وإذا منس ذكر نفسه لم يهتك الحرمة، فلما نقض الوضوء إذا لم يهتك الحرمة كان بأن ينقض الحرمة أولى.

стр. 419

فصل - عندنا - ألا وضوء في مس الدبر، وكذلك عند داود. وقال الشافعي: فيه الوضوء كمس الذكر. والدليل لقولنا: الظواهر من براءة الذمة من وجوب شيء. وقوله - تعالى -: ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وهذا قد فعل المأمور به، فمن قال: إن مسه دبره ينقض ما فعله فعليه الدليل. وأيضاً فقد كان طاهراً قبل مسه، فمن قال: انتقضت طهارته فعليه الدليل. وأيضاً: إلا صَلَّى ونوى الصلاة فله ما نواه عليه الاسم: «فله ما نواه»،

стр. 420

وأيضاً قوله ﵇: «لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب»، وهذا إذا صَلَّى وقرأ بفاتحة الكتاب فقد حصلت له الصلاة بظاهر الخبر. فإن قيل: فق قال: «لا صلاة إلاَّ بطهور». قيل: قد تطهر فمن زعم أن طهارته انتقضت فعليه الدليل. فإن قيل: الآية حجة لنا؛ لأن ظاهرها يوجب على كل قائم إلى الصاة أن يغسل أعضاءه. قيل: ظاهر الآية يقتضي فعل مرة للصلوات كلها؛ لأن الألف واللام في الصلاة للجنس، فإذا غسل أعضاءه لصلوات كثيرة فَصَلَّى صلاة، ثم مس دبره فقد أجزأه الغسل الأول للصلوات الباقية. على أن المراد بالآية أحد أمرين: أمما إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو أنتم محدثون، وهذا لم يقم من النوم، ولا نسلم أنه محدث. وأيضاً قول النبي ﵇: «من مس ذكره فليتوضأ»، وفي خبر: «ومن مس الذكر الوضوء»، فدليله أن غير الذكر لا وضوء فيه؛ لقولنا بدليل الخطاب. فإن قيل: ليس للاسم دليل يحكم له بخلافه، وإنما يكون في الصفات. قيل: عن هذا جوابان:

стр. 421

أحدهما: أننا نقول بدليل الخطاب في الاسم كما نقوله في الصفة. والثاني: أن الحكم علق على صفة في الاسم وهو المس، فدليله بخلافه. فإن رُوِيَ فقد رُوِيَ: «من مس فرجه فليتوضأ»، وهذا عام في القبل والدبر؛ لأنه فرج. قيل: اسم الفرج إذا أطلق يتناول القبل كما إذا أطلق في المرأة تناول قبلها، فلو صح لهما جميعاً لكان لكل من الأسماء المشتركة، كقولنا: عين ولسان، وكالشفق والقرء، فلا يعقل من ظاهره المراد إلاَّ بدليل. وأيضاً فلو أرادهما لقال: من مس فرجيه أو مس فرجيه، فلما قال: من مس فرجه بلفظ الواحد، وقد اجمعنا على أن القبل مراد بهذا الخبر، وقفنا في الدبر حتى يقوم الدليل. فإن قيل: فقد رُوِيَ: «من مس الفرج»، بالألف واللام التي للجنس. قيل: الأمر الواحد، فإن كانتا للعهد فهو اسم مشترك كاللون والقرء والشفق فإذا أجمعنا أن الذكر مراد بهذا الخبر وقفنا فيما عداه.

стр. 422

على أن هذا لو كان من ألفاظ العموم لكان دليل الخطاب من قوله: «من مس ذكره فليتوضأ»، يقضي عليه؛ لأنه اخص منه، فيصير تقديره: من مس فرجه الذي هو قبله فليتوضأ؛ لن دليل الخطاب يقضي على الظاهر. فإن قيل: القياس يقضي على دليل الخطاب، وقد اتفقنا على مس الذكر على وجه؛ بعلة أنه مس فرجاً ذا حرمة، أو مس عضواً مخرجاً للحدث، أو أنه موضع خروج الخارج منه ينقض منه الطهر، فوجب أن يكون مسه ينقض الطهر. قيل: هو منتقض به إذا مسه بظاهر كفه، وينتقض بالمرأة تمس فرج المرأة، لأن المرأة لو مست ذكر الرجل انتقض وضوؤها، ولو مست فرج امرأة لم ينتقض. ثم لم سلم لكان معارضاً بقياس آخر، وهو إذا مس ظاهر أليتيه، أو مسه بظاهر كفه؛ بعلة أنه مس دبره أو مس عضواً من بدنه لغير شهوة.

стр. 423

ويستند قياسنا إلى تنبيه النبي ﷺ بقوله في الذكر: «هل هو إلا بضعة منك؟ ولا وضوء عليك»، وهذا تقدير منه ﵇ أنه لا وضوء في غير الذكر، ولا يكون التقدير في مثل هذا إلاَّ فيما عند المقدر والمقدر له أنهما بمنزلة واحدة، وهذا كقوله ﵇: «أينقض الرطب إذا يبس؟»، فقيل له: نعم. فقدرهم على ما يعلمه ويعلمونه من نقصانه إذا يبس، وهذا يصلح أن يكون دليلاً مبتدأ في أصل المسالة. وإذا قسناه أيضاً على مسه دبره بظاهر يده أو من فوق حائل كان أولى من قياسهم؛ لأن ردّ الدبر إلى الدبر أولى من رده إلى القبل. فإن قيل: لا نسلم أنه يكون ماسا بظاهر كفه، ولا من وراء حائل. قيل: هذا غلط، ليس المس بظاهر اليد بأدنى من مس الرجل،

стр. 424

وهو لمس المرأة برجله أو بساعده انتقض وضوؤه، فظاهر اليد أولى لأن يكون به ماسا. وأما من وراء الحائل الرقيق فلا يخرج لا أن يكون ماسا وإن لم يكن مباشراً وليس في مس دبره حال يتلذذ به؛ لأن المذي والمني لا يخرجان منه ولا بمسه أيضاً، ألا ترى أن كل جزء من المرأة لما كان يلتذ به إذا مس، ويخرج بمسه المذي، ويجوز أن يخرج به المني، كان مسها بجميع الأعضاء على طريقة واحدة، فلا يخرج ظاهر الكف إذا وقعا للمس به عن سائر الأعضاء، والله أعلم. ويكون الفرق بين مسه وبين مسه ذكره هو أن مسه ذكره يُلتذ به كما يلتذ بمسه النساء. ألا ترى أنه قد يستديم مسه للذة فيخرج منه المني، كما لو استدام مس المرأة للذة جاز أن يخرج منه المني، فينبغي أن تستوي الحالتان فيهما في نقض الوضوء، وفي المس بأي عضو كان من أعضائه، وبالله التوفيق.

стр. 425

[٢٣] مَسْأَلَة اختلف الناسُ في مس الرجل المرأة على خمسة مذاهب: فذهب مالك، والشعبي، والنخعي، وسفيان الثوري، إلى أنه إن قبّلها أو مسها لشهوة انتقض وضوؤه، وإن كان لغير شهوة لم ينتقض، وعندي أنه مذهب أحمد على ما يقوله في م الذكر. وذهب أبو حنيفة وانو يوسف: على أنه لا ينتقض الوضوء بالمس إلاَّ أن ينتشر عليه بالمس فينتقض الوضوء بالمس والانتشار جميعاً.
следующие страницы →