← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فإن قيل: ألا جعلتم ها بمنزلة المتيمم الذي يجد الماء قبل الصلاة فيجب عليه استعماله، ولو وجده في الصالة مضى على صلاته. قيل: إن روية الماء ليس حدثاً، وإنما قلنا: إن الأحداث التي تنقض الطهارة لا فرق بين طُرُوِّها قبل الدخول في الصلاة وبعد الدخول فيها، والمتيمم - عندنا - حدثُه لم يرتفع قبل الصلاة ولا بعدها، وإنما قلنا يرجع قبل الصلاة إلى الماء حتى يرفع حدثه؛ لأن الطلب لا يسقط حتى يدخل في الصلاة، فيسقط عنه، فيمضي بالتيمم الذي يستبيح به الصلاة، فالعلة ههنا هي الطلب، فإذا لم يسقط الطلب رجع إلى الماء، وإذا سقط الطلب مضى، وإن كان حدثه لم يرتفع، والعلة في دم الاستحاضة خروجه عن الصحة، فأي موضع وجد لم يجب استئناف الطهارة، وإذا عدم وجبت الطهارة. ولنا أيضاً الاعتبار الصحيح بدم الحيض ودم الاستحاضة؛ وذلك أن هذا الدم إذا خرج في زمانه على وجه العادة تعلقت به أحكام منها: ترك الصلاة والصيام وامتناع الوطء والغسل عند انقطاعه، فإذا خرج عن هذا الوجه، وصار دم فساد على ما قاله صاحب الشريعة ﵇ سقطت عنه هذا الأحكام، ولم يكون هذا إلاَّ لخروجه عن وجهه في العادة، فوجب أن تكون سائر الأحداث التي تتعلق عليها أحكام الطهارة

стр. 352

إذا خرجت عن وجهها في الصحة والعادة أن تكون كذلك في سقوط الأحكام المتعلقة بها. فإن قيل: فقد استويا في كونهما نجسين يجب غسلهما عن الثوب والبدن. قيل: لا يجب غسلهما وقد سبق كلامنا عليه. وأيضاً فقد وافقونا على أن المستحاضة تجمع بين صلاتي نفل بوضوء واحد وفي الحديث المعتاد لا يجوز ذلك مع تخليل الحدث بين الصلاتين، فعلمنا بهذا أن الاستحاضة ليس بحدث، ولا تجب طهارة مستأنفة. فإن قيل: إنما جوزنا هذا لأجل أن النفل أخف، كما جوزنا وأنتم أن يجمع بينهما بتيمم واحد، ولم يجوز ذلك في صلاتي فرض. قيل: أمر النافلة وإن كان أسهل من الفريضة فقد اتفقنا على أنه لا يجوز أن يُصَلِّي صلاة نافلة بوضوء، ثم يطرأ عليه حدث معتاد قبل

стр. 353

دخوله في الثانية فيدخل فيها حتى يزيله، وقد جوزتم أن تدخل في الثانية وقد طرا عليها الدم قبل دخولها فيها، فعلمنا أنه ليس بحدث، وأما المتيمم فقد دخل فيها ببدل من الوضوء وهو التيمم، ولم تدخل المستحاضة بأصل ولا بدل. فإن قيل: فقد قال الله -تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأوجب على كل قائم إلى الصلاة غسل هذا الأعضاء، وهذا عموم في كل صلاة. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، يقتضى فعل مرة لكل الصلوات؛ الألف واللام في ﴿الصَّلَاةِ﴾، للنجس، فإذا تطهر عند

стр. 354

القيام إلى الصلاة فقد غسل اعضاءه لكل الصلوات، ولم يقل: اغسلوا لكل صلاة وأيضاً فإن المراد بالآية أحد أمرين: إما أن يكون أراد إذا قمتم من النوم على ما قيل في التفسير، أو أنتم محدثون على ما قيل فيه أيضاً، وهذا لم يقم من النوم، ولا هو - عندنا - محدث. وأيضاً فإنه - تعالى - قال في سياق الآية ما يدل على ما نقول: وذلك أنه - تعالى - قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فكنير بالغائط عما ينوب الناس في صحتهم من الحدث الذي اعتادوه، لا عن دم أو حصى أو دود، لأن هذه الأشياء تكون من البول تجب عن غلبة، وليس لها موضع يقصد فلا تدخل تحت الكناية بالغائط. فإن قيل: فقد روى في حديث صفون بن عسال المرادي

стр. 355

أنه ﵇ قال في نزع الخف: «لكن من غائط وبول ونوم»، ولم يفرق بين بول معتاد وبين سلس البول، وأمَرَ بالمسح على الخف من البول عموماً. قيل: هذا أيضاً إشارة إلى ما يعتاد الناس من الغائط والبول والنوم؛ لأنه قرن البول بغيره من المعتاد، والكلام أيضاً يخرج على الإطلاق، ومن جرت عادته بالبول إذا بال قيل فيه قد بال: وإذا سلس بوله قيل: قد سلس بوله، والنبي ﵇ لم يقل: لكن من سلس البول، ثم لو ثبت العموم لقضى عليه بعض ما ذكرناه. فإن قيل: فإنه خارج من مخرج معتاد للحدث فوجب أن ينقض الوضوء أصله الخارج المعتاد.

стр. 356

قيل: هو ينقض بالمستحاضة كلما طرأ عليها في الصلاة. فإن قيل: طهارتها تنتقض، ولكن عفي لها عن الطهارة في الصلاة. قيل: وكذلك نقول نحن فيها قبل الصلاة، للمعنى الذي تقدم على أن المعنى في الأصل كونه حدثاً معتاداً خرج من مخرج معتاد. فإن قيل: فإن حديث فاطمة بنت قيس إنما سألته لاعن حكم الاغتسال، فقال: «إنه دم عرق»، في أنه لا يوجب الغسل. قيل: ولا الوضوء أيضاً؛ لأنه قال لها: هو دم عرق فأحالها على دم العروق الذي يعلم أنه لا ينقض الوضوء، لولا هذا لكان يبين لها، ويقول: هو بخلاف دم العروق؛ لأنَّه يوجب الوضوء وإن لم يوجب الغسل، فلما شبهه لها بدم العرق الذي لا غسل فيه ولا وضوء علمنا أنه لم يرد الغسل والوضوء جميعاً. فإن قيل: فقد رُوِيَ أنه قال لها في بعض الأخبار: «وتوضئي لكل صلاة».

стр. 357

قيل: هذا ليس بصحيح، فإن صح حملناه على طريق الاستحباب بالدلائل التي ذكرناها أو نحمله على الوجوب إذا كان مثل المرة بعد المرة، إذا ندرت وبينها وبين الحيض زمان لا يحكم له بالحيض، فإن

стр. 358

هذا قد يكون عادة في النساء، ولا يكون مرضاً فتتوضأ واجباً، فأما إذا كان يجيئها مثلاً ساعة وينقطع ساعة فهو مرض لا يجب عليها فيه الوضوء بل يستحب. وهذا الذي خرجته يدل عليه قول مالك ﵀؛ لأن ابْن الْقَاسِمِ حكى عنه فقال: ومن اعتراه المذي المرة بعد المرة فليتوضأ إلاَّ أن يستنكحه ذلك فإن الوضوء فيه مستحب. وهذا يدل من قوله على ما ذكرناه، فإن لم يحمل على هذا فالمسألة وفاقٌ بيننا وبين الشافعي؛ لأنهم يقولون بوجوب الوضوء في المرة بعد المرة، وإن كان متصلاً متتابعاً لم يجب على ما حكيته فيما تقدم عن ابن المرزبان. فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ في قصة علي ﵁ لما قال

стр. 359

للمقداد: سله لي عن المذي، فقال ﵇: «كل فحل مذاء، فاغسل ذكرك وتوضأ»، ولم يفرق بين المذي لشهوة وعزبة، ولا بين غيرها فثبت بهذا وجوب الوضوء. قيل: إن النبي ﷺ أجاب عن الوجه الذي سئل عنه، وهو الذي يعتاد الإنسان، ألا ترى أنه قال: «كل فحل مذاء»، فخرج كلامه على عادة الفحول. أفترى أنه أراد أن كل فحل يسلس مذية، ويخرج على وجه المرض؟ ولعل هذا يكون في خلق عظيم، وهو قضية في عين يحتمل أيضاً هاذ الذي ذكرناه فيحمل عليه، ولو ثبت العموم فيه لجاز أن يحمل على وجه الاستحباب، أو على من اعتراه المرة بما تقدام من الاعتبار.

стр. 360

وأيضاً فإن هذه الأشياء لو كانت حدثاً لم يرتفع بالوضوء لها، لأنها تطرأ فيُنْقَضُ، فكلما توضأ نقضته، وكذلك في الصلاة فلا معنى لطهارة لا ترفع الحدث، وإن لم يكن حدثاً على ما نقول فلا معنى لتكرير الطهارة على من هو متطهر، وقد حصل الاتفاق على أن الطهارة بالماء إنما هي لرفع الحدث. ويجوز أن نقيس دم الاستحاضة على دم الحجامة والفصاد بعلة أنه دم خارج من البدن لا يجب فيه غسل البدن فلم يجب فيه الوضوء لخروجه عنه العادة. وهذا الكلام إنما يلزم أبا حنيفة في قوله: يتوضأ لوقت كل صلاة. فإن قيل: فقد اتفقنا على المذي المعتاد أنه ينقض الوضوء ويوجه، فكذلك هذا بعلة أنه خارج من السبيل غير متصل. قيل: علة الأصل أنه خارج على وجه الصحة والعادة، وليس كذلك الفرع. على أنه يسقط بما بيناه من مفارقة دم الحيض لدم الاستحاضة، وهو خارج من السبيل على والوجه الذي ذكرناه. وعلى أنه معارض بالقياس الذي ذكرناه.

стр. 361

فإن رجحوا قياسهم بأن رد ما خرج من السبيل إلى مثله أولى من رد ما خرج من السبيل إلى غيره. رجحنا قياسنا بان العلة فيه تطرد وتنعكس في أن كل ما خرج من السبيل على وجه الصحة على حكمه، وما خرج على وجه المرض يتغير حكمه، كدم الاستحاضة ويستوي الحكم فيه في الصالة وغير الصلاة.

стр. 362

[٢٢] مَسْأَلَة اختلفت الروايات عن مالك ﵀ في مس الذكر. فالعمل من الروايات على أنه إذا مسه لشهوة بباطن كفه أو ظاهره، من فوق ثوب أو من تحته، وبسائر أعضائه انتقضت طهارته ووجب عليه الوضوء.

стр. 363

قال القاضي أبو الحسن: قال لي الشيخ أبو بكر ﵀ على هذا كان يعمل شيوخنا كلهم. ووافقه أحمد بن الحنبل على مسه بيده لشهوة بظاهر يده وباطنها، وهو قول عطاء، والأوزاعي. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ينقض الوضوء على أي وجه كان وبه قال

стр. 364

داود، وبه سفيان الثوري. وقال الشافعي: إذا مسه بباطن يده من غير حائل انتقض وضوؤه على كل حال، سواء مسه لشهوة أو غير شهوة. وهو أحد الروايات عن مالك -، وليس عليه العمل -، وبه أن إسحاق، وأبو ثور، وهو مذهب الأوزاعي. وأنا ابتدئ الكلام على أبي حنيفة، والدليل لنا: كون الصالة في ذمته فلا تسقط إلاَّ بدليل، ولسنا نسلم أن هذا مع مس ذكره ملتذًّا

стр. 365

يكون مصليًّا بطهارته، وأيضاً قول الله -تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فعلى كل قائم إلى كل صلاة غسلُ هذه الأعضاء إلاَّ أن يقوم دليل. فإن قيل: المراد بالآية: إذا قمتم من النوم أو أنتم محدثون، وهذا لم يقم من النوم، ولا نسلم أنه محدث. قيل: الظاهر يقتضي أن على كل قائم إلى الصلاة غسل ذلك، سواء كان من نوم أو غير ذلك حتى يقوم دليل. فإن قيل: هذا قد غسل الأعضاء عند قيامه إلى الصلاة، وأنتم تقولون: إذا مس ذكره عند تكبيرة الإحرام أو في الصالة انتقض ما فعله من المأمور به، والظاهر يفيد أن يفعل ذلك، وقد فعله، فمن قال: إن فعله قد فسد فعليه الدلالي. قيل: المراد أن يدخل في الصالة بيقين طهارة، والصلاة متعلقة في ذمته بيقين، وهاذ لم يدخل الصاة بيقين طهارة، ولم يسقط عن ذمته بيقين. وأيضاً فما رواه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير أنه قال: كنت

стр. 366

عند مروان، فتذاكروا الأحداث، فحدثني مروان عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت رؤسول الله ﷺ يقول: «إلا مس أحدكم ذكره فليتوضأ». وقد روى هاذ الخبر عروة عن بسرة ولم يروه عن مروان، فروى هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة أنها سمعت رسول الله ﷺ تمام

стр. 367

الخبر، ووري أن قال: حدثني بهذا الحديث مروان فلم اثق به، فبعث بحرس يإليها فحدثني، بمثل ما حدثني به مروان، ثم لَقِيتَهُا فحدثتني بذلك.

стр. 368

فإن قيل: هذا حديث ضعيف؛ لأنه رُوِيَ عن رجل حرسي. قيل: قد ذكرنا أن عروة لقيها فسألها بعد الحرسي. على آن هذا الحرسي كان قاضياً ولكم يكن شرطيًّا. وعلى أن الشرطي في ذلك الوقت لم يكن يلي الشرطة إلاَّ وهو ممن يجوز أن يلي الأحكام، ويروي الحديث ويقبل منه، ولو لم يكن ثقة لم يرض به غيره ومروان. على أنه روى أن الواسطة كان حرسيا، وروي مطلقاً بلا واسطة، ولا سيما حديث مالك عن عبد الله بن آبي بكر عن

стр. 369

عروة عن مروان. وقد أثبت هذا الحديث يحيى القطان، وأيوب السختياني، وعبد الحميد بن جعر الأنصاري، وعلي بن المبارك،

стр. 370

وعبد العزيز بن أبي حازم، وانو علقمة الفِرْوي، وعبد العزيز الدراوردي، فقالوا كلهم: عن هشام عن عروة عن بسرة.

стр. 371

ورواه الزهري عن عروة عن بسرة، قاله عُقَيْل، والأوزاعي.

стр. 372

وابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن بسرة. فقد سقط الحرسي ومروان جميعاً. وقد رُوِيَ من غير حديث عروة عن بسرة. فروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتوضأ من مس

стр. 373

الذكر، ويقول: سمعت بسرة بنت صفوان تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوضوء من مس الذكر». وقد رُوِيَ من طرق كثيرة عن غير بسرة. فروى عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة - زوج النبي ﷺ .

стр. 374

قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ». فإن قيل: هذا حديث مرسل.

стр. 375

قال يحيى بن معين: مكحول لم ير عنبسة. قيل: فنحن وأنتم بالمراسيل. وقد رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ،

стр. 376

وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ». وأيضاً فقد رواه عبد الملك بن المغيرة بن نوفل عن أبيه عن سعيد بن أبي سعيد عن آبي هريرة عن النبي ﷺ أنه

стр. 377

قال: «إذا أفضى الرجل بيده إلى فرجه في الصلاة وليس بينهما ستر فليتوضأ»، وهذا عام.

стр. 378

وقد روى ابن أبي ذئب عن عقبة بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فضى

стр. 379

أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ». وزاد ابن نافع فقال: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر عن النبي ﷺ .

стр. 380

وقد روى مسلم بن خالد عن ابن جابر عن عبد الواحد بن قيس عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ».

стр. 381

وعن عائشة - رحمها الله - موقوف عليها: إذا مست المرأة فرجها توضأت. وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للذين يمسون فروجهم يوم القيامة ثم يصلون ولا يتوضؤون». قالت: فقلت: يا رسول الله هذا للرجال، أفرأيت النساء؟

стр. 382

قال: «إذا مست المرأة فرجها فلتتوضأ»، وقد روى ابن جريج

стр. 383

عن يحيى بن أبي كثير عن رجال من الأنصار أن النبي ﷺ قال: «إنا مس أحدكم ذكره فليتوضأ». وقد روى الوضوء من مس الذكر أربعة عشر نفساً من بين رجل وامرأة، فروته عائشة وأم حبيبة، و [أم] أروى،

стр. 384

وبسرة، ومن الرجال مثل: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي هريرة وابن عمر وجابر وغيرهم من الأنصار، وقد روى قيس بن طلق بن علي عن أبيه أن النبي ﷺ توضأ فقيل له: أحدثت؟ قال:

стр. 385

«لا، بل مسست ذكري»، فالدليل منه أنه ﵇ توضأ من مس الذكر، وفعله واجب. فإن قيل: فقد نفى ﵇ أن يكون حدثاً بقوله: «ما أحدثت»، فهذه حجة عليكم. قيل: إنما نفى الحدث المعتاد من الريح والبول وغير ذلك. وقد اعترضوا على جملة هذه الأخبار بأشياء: أحدها: أن قالوا: قد قال أحمد بن حنبل: الربعة أحاديث لا تصح عن النبي ﵇ منها: حديث مس الذكر والقهقهة. وقال يحيى بن معين: لا يصح في الوضوء من مس الذكر حديث.

стр. 386

قالوا: وأيضاً فإن مذهبنا أن ما كانت البلوى به عامة لا تقبل فيه أخبار الآحاد، والإنسان لا يخلو في كل يوم من مس ذكره مراراً، كما لا يخلو من الغائط والبول، فلو كان الوضوء من مس الذكر واجباً لكان نقله مستفيضاً، كما هو الغائط والبول. قالوا: ولو صح الحديث لكان معارضاً بحديث طلق بن علي أنه سأل رسول الله ﷺ عمن مس ذكره وهو في الصلاة، فقال: «لا بأس، هل هو إلاَّ كبعض جسده»، وموضع الدليل منه: أنه قال: «لا بأس».

стр. 387

والحدث في الصلاة لا يقال فيه: لا بأس، ولأنه علل فقال: لأنه كبعض جسده.

стр. 388

وقد روى قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي أنَّ رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: أنا أتوضأ فأمس ذكري؟ فقال النبي ﷺ : «هو منك»، قالوا: وفي بعض الأخبار: «لا وضوء عليك»، وإذا تعارضت الأخبار سقطت وكنا على ما نحن عليه حتى يقوم دليل. قالوا: ويجوز أن نحمله على الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليد، بدليل حدث طلق، ولأن القوم كانوا يستجمرون بالحجارة، فربما عرقت أيديهم فيمسون فروجهم، فأمروا بغسل أيديهم. قالوا: وقد روى أن مس ذكره وأنثييه توضأ، وقد اتفقنا على

стр. 389

أنه لا يجب في مس الانثيين وضوء، فعلم أن ذلك على طريق الاستحباب. قالوا: وقد اتفقنا أنه لو مسه لغير شهوة لم يجب عليه وضوء فكذلك لشهوة، بعلة أنه مس عضواً منه. قالوا: ولأنه مس فرجه بجزء من بدنه فوجب أن لا ينتقض طهره، دليله إذا مسه بغير شهوة. والجواب: أما ما ذكروه عن أحمد ويحيى في تضعيف الحديث فعنه جوابان: أحدهما: أن من أثبته أكثر عدداً من هذين وأثبت. والثاني: أننا لا نرجع في ذلك إلى مذهبهم في تضعيفه؛ لن مذهبهم أن الحديث إذا أرسله قوم ووصله آخرون أن القول قول من

стр. 390

أرسل، والقول - عندنا - قول من اسند؛ لأنه زائد. وعلى أننا نقول بل مرسل أيضاً، وقد أُسند هذا الحديث وأُرسل، وكذلك الأخبار التي رويناها، فيها مرسل ومسند. وعلى أنه ينقلب عليهم في حديث القهقهة؛ لأن أصحاب الحديث قالوا فيه: إنه لا يصح. وما ذكروه من أخبار الآحاد، وأنها لا تقبل فيما يعم البلوى فغلط، ونحن نخالفهم فيه؛ لأن الله - تعالى - أمر بقبول أخبار الآحاد، ولم يفرق بين ما تقع به البلوى العامة وبين غيرها، ولامتنع أن تكون البلوى عامة، فيعلم الحكم فيها العلماء من أخبار الآحاد، وترجع العامة في
следующие страницы →