Полный текст (1 330 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أو يكون أراد بالأعمال المقرب بها من المجزئة بالنية.
فهذا هو المراد، وظاهر قوله: «الأعمال بالنيات»؛ أي: عمادها بذلك، كما يقال: الطير بجناحيه، والأمير بجيشه؛ أي: عماد ذلك بهذا.
والدلالة الثانية؛ قوله: «وإنما لامرئ ما نوى»، فدل على أن ما لم يَنْوِهِ لا يكون له.
فإن قيل: فليس في هذا الخبر دلالة: لأنه خرج على سبب وهو قصد المهاجرة، ألا تراه قال: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، فوجب أن نقصره على الهجرة.
قيل: النبي ﷺ أخرج هذا خرج العموم، ثم ذكر بعض ما شمله العموم، ولو أراد الهجرة وحدها لقال: إنما الهجرة التي هي عمل واحد، فلما عدل عن ذلك وقال: «الأعمال بالنيات»، لم يجز أن نصرفه إلى عمل واحد.
وعلى أنه ﵇ نبه على المعنى وهو المقاصد، ولا فرق بين الهجرة وغيرها.
دليل: وهو قوله -تعالى -: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فمن سعى في اللعب بالماء لم تحصل له عبادة.
стр. 37
دلائل القياس
اتفقنا أن التيمم لا يصح بغير نية، والمعنى فيه أنها طهارة تجب عن حدث، أو تنقض بالحدث، أو تستباح بها الصلاة لا لنجاسة، فكذلك الوضوء.
فإن قيل: أن التيمم مفارق للوضوء بالماء من وجوه:
أحدها: أن الله -تعالى - قال في الماء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ولم يذكر نية، وقال في التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، والتيمم: القصد، قال الله -تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
وأيضاً فإن الوضوء يرفع الحدث وليس التيمم كذلك.
وأيضاً فإن التيمم لا يصلى به إلا صلاة واحدة -عندكم -، مفروضة، والوضوء بخلاف ذلك.
стр. 38
وأيضاً فلا يجوز التيمم قبل الوقت، وليس الوضوء كذلك.
وأيضاً فإن النية تدخل لتميز الأفعال المتفقة، فلما كان الوضوء من جميع الأحداث على صفة واحدة لا يختلف لم يحتج إلى نية، فشابه النجاسات، وليس التيمم كذلك؛ فإنَّه يقع عن حديث الجنابة تارة وله حكم، وعن الغائط وله حكم، وعن البول الذي له حكم آخر، فاحتيج إلى النية فيه.
وأيضاً فإن الماء طهور في نفسه، يُقوي حكمه فلم يحتج إلى النية، ولما كان التراب بدلاً عنه للضرورة، وليس بطهور في نفسه احتيج إلى النية.
فجواب ذلك: أما قولهم: إن الله -تعالى - فرَّق بين التيمم والغسل، فقال في التيمم: اقصدوا، فنقول في هذا: إنا لو سلمنا لكم أن الله -تعالى - نص على النية في التيمم، وأمسك عنها في الوضوء -لجاز لنا القياس، فنقيس المسكوت عنه على المنصوص عليه.
وأيضاً فإن الأمر بخلاف ما ظننتم، ليس في الآية أكثر من القصد إلى التراب، ثم إذا قصدناه هل ننوي المسح منه أو لا؟ ليس في الآية، وقد نقصد إلى الصعيد، ثم يصح أن ننوي به تعليم إنان فلا تكون النية فيه.
فإن قيل: فقد أجمعوا على أن المضي إلى التراب لا يحتاج إلى
стр. 39
نية، فعلم أنه أراد أن ينوي عند المسح.
قيل: ليس هذا في الظاهر، وقد قلنا: إنَّه يجوز أن ينوي به تعليم إنسان.
فإن قيل: فقد فرق الله -تعالى - بينهما في اللفظ، فقال في الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، ولم يقل: فاقصدوا الماء واغسلوا، وقال في التيمم، اقصدوا التراب وامسحوا.
قيل: لا يتأتى الغسل إلا بقصد الماء، ولا يتأتى التيمم إلا بقصد التراب، ولكن لما كان الغسل هو المشهور لم يذكر فيه القصد، فإذا عدم الماء قيل: فاعدلوا إلى الصعيد الذي تستعملونه، وجملة الأمر أنا قد قسناه عليه، ولا يلزم الفرق بالظواهر.
والجواب عما ذكروه من رفع الحدث في الوضوء وان التيمم لا يرفعه، فهذا تأكيد لما ذكرناه؛ لأنَّ الماء لما كان يرفع الحدث ويعمل ما لا يعمله الصعيد احتيج فيه إلى نية، ولما كان الصعيد أضعف منه خفف فلم يحتج فيه على نية، فلما دخلته النية مع ضعفه كان في الماء أولى أن تدخله النية.
والجواب عما ذكروه من أن التيمم لا يُصلى به إلا صلاة واحدة فإنَّه ينقلب عليهم؛ لأنهم يصلون به صلوات كثيرة.
على أن هذا يدل على صحة قولنا: لأن الوضوء لما كان يعمل أعمالاً كثيرة احتيج فيه من النية إلى أكثر مما يحتاج إليه في التيمم.
وعلى أن افتراقهما من هذه الوجوه لا يمنع من اجتماعهما في
стр. 40
الموضع الذي جمعتهما العلة فيه.
والجواب عن قولهم: إن التيمم لا يجوز -عندنا - قبل الوقت، فكذلك هو على أصولنا، ولكنه يؤكد أمر الوضوء؛ لأنه لما جاز أن يفعل قبل وجوبه كان إلى النية أحوج من التيمم الذي لا يجوز عمله إلا عند وجوبه.
والجواب عن قولهم: إن النية تدخل لتميز بين الأعمال المتفقة، فهذا سؤال ذكره أبو بكر الرازي، وهو عمدة لنا؛ لأن الوضوء لما كان يقع لتبرد وتنظف وتجديد طهارة، ويقع لرفع حدث احتاج إلى النية: لأن الصورة واحدة في جميع ذلك والأحكام مختلفة، ولما كان التيمم يدخل لاستباحة الصلاة صار كالشيء الواحد المستحق فلم يحتج إلى نية.
ثم دعواه إن التيمم يختلف لأجل الجنابة فليس كذلك؛ لأن صفته للجنابة كصفته للحدث، وإنما يختلف ذلك في الماء، فيكون الوضوء من الحدث، والغسل من الجنابة، وإن اراد أن الذي يوجب هذا غير ما يوجب هذا فقد يوجب الحيض عند انقطاعه الغسل وتوجبه الجنابة، وليس هذا هذا، وصفة الغسل فيهما واحدة؛ لأن الحيض له أحكام ليست للجنابة، فينبغي ألا يجزئ إلا بنية تميز بين الغسل الذي أوجبه الحيض والغسل الذي أوجبته الجنابة.
والجواب عن قولهم: إن الماء طهور والتراب ليس بطهور في نفسه -وهذا أيضاً ذكر الرازي - فنقول: كلاهما طهور في نفسه، قال
стр. 41
الله -تعالى - في الماء: ﴿طَهُورًا﴾.
وقال الرسول ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا»:
على أن هذا يوجب العكس؛ لأن الماء لما كان طهورا يستعمل في أشياء مختلفة احتاج إلى النية، ولما كان الصعيد لا ينتقل إليه إلا عند عدم الماء، فحاله حال واحدة، فشابه -عندكم - رمضان بمستحق العين، وشابه الوديعة التي ضعف أمرها في باب النية.
دليل من القياس: اتفقنا في الرقبة في الكفارة أنها لا تصح إلا بنية، والمعنى في ذلك أنها عبادة لا يصح بذلها عند عدمها إلا بنية
стр. 42
فلم يصح مبدلها إلا بنية، وهذا المعنى موجود في الطهارة؛ لأن التيمم بدل منها ولا يصح إلا بنية، فكذلك مبدله وهو الوضوء.
فإن قيل
: هذا ينتقض بالنكاح، قد جعل النبي ﷺ بدله الصيام، فقال: «ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء»، ثم الصوم لا يصح إلا بنية، ولم يدل على أن النكاح يحتاج إلى نية.
قيل: إن الصوم ليس ببدل من النكاح، لأن النكاح لمعنى، والصوم لمعنى.
وعلى أننا قيَّدنا الاعتلال فقلنا: كل بدل لعدم، والصوم يعمل مع عدم النكاح ومع وجوده، ومع هذا فلا يصح - عندنا - النكاح إلا بقصد، ولو كان يصح بغير قصد لصح من المجنون والصبي والمبرسم، ولو علمنا أنه وقت العقد كان ساهياً لم يصح عقده.
قياس آخر: اتفقنا على أن الصلاة لا تصح بغير نية، والمعنى في
стр. 43
ذلك: أنها عبادة على البدن يفسد أولها بفساد آخرها، وكذلك الطهارة.
وإن شئت قلت: إنها عبادة يسقط شطرها للعذر، وهو يوجد في الطهارة، لأن شطرها يسقط في التيمم عند عدم الماء، كما أن الصلة يسقط شطرها في السفرِ.
قياس آخر: وهو أننا قد اتفقنا في الصيام أنه لا يجوز بغير نية، لنه عبادة على البدن يفسد أوله بفساد آخره.
استدلال: وجدنا إزالة الأنجاس تزول بشيئين: أحدهما: الماء، والآخر: الأحجاز، ثم قد استوى حكم الأمرين في سقوط النية، وهي طهارة، فوجب أن تكون الطهارة الأخرى يستوي حكم الأمرين فيهما، فلما اتفقنا على أن الطهارة بالتراب من شرطها النية، وجب أن تكون الطهارة بالماء كذلك يستوي الأمران فيها، وهذا وإن كان قياس الضد
стр. 44
فربما استدل به شيوخنا، ورجحوا به القياس، وهم أيضاً يقولون به.
دليل: وهو أنهم يقولون: إن الرجل إذا تطهر بغير نية حصل طاهراً ولم يصر الماء مستعملاً، وإذا تطهر ونوى حصل طاهراً وحصل الماء مستعملاً، فدل هذا من مذهبهم على أنه إذا لم يكن ينوي فإن
стр. 45
الطهارة لم تحصل له، إذ لو حصلت لصار الماء مستعملاً.
فإن استدلوا بالظاهر من قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ولم يذكر النية، فقد جعلنا ذلك دليلاً، لأنه لو لم يغسل للصلاة.
وجواب آخر: وهو أننا نقول: إن ظاهر الآية يوجب غسل الأربعة الأعضاء، ولا نختلف في إيجابها، وإنما كلامنا في أمر آخر وهو النية.
جواب ثالث: لو سلمنا أن في الآية تعلقاً لهم لخصصناه بما تقدم ذكره.
فإن قيل: فإن الزيادة -عندنا - نسخ، ولا يجوز بأخبار الآحاد،
стр. 46
ولا بالقياس والاستدلال، فلا نزيد حكم النية في الآية بهذه الدلالة.
قيل: ليس الأمر -عندنا - كذلك.
وعلى أن الآية تدل على القصد على ما بيناه بالظاهر فليست ههنا زيادة.
وأيضاً: فإن الزيادة لو كانت نسخاً لكان ذلك حتى استقر الحكم، فأمَّا ونحن نقول: إن إيجاب النية ورد مقترناً مع القول أو مقروناً بوقت الحاجة فلا يكون نسخاً.
وأيضاً فليس هذا -عندنا - زيادة، وإنما هو بيان. ألا ترى أنه قال -تعالى - ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ولم يذكر نية، ثم بيَّن النبي ﷺ أنَّ من شرط النية ولم يكن ذلك نسخاً.
стр. 47
فإن قيل: فإن عليًّا وعثمان وغيرهما حكوا وضوء رسول الله ﷺ ولم يذكروا نية.
стр. 48
قيل: هؤلاء حكوا ما ظهر من الفعل، وهو الذي قصد النبي ﷺ أن يريهم إياه، فأمَّا النية فلم يقصد تعريفها إياهم في ذلك الوقت.
وجواب آخر: وهو أن مذهبنا ضم الأخبار بعضها إلى بعض فنقول: كان رسول الله ﷺ قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به إذا كانت معه نية، كما لم نمنع نحن وأنتم في قوله: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، أن يضاف إليها رابع وأكثر بدلالة.
وجواب آخر: وهو أنه أشار إلى الوضوء وهو في الحقيقة الغل، ولم يتعد من النية؛ لأنها ليست وضوءاً، ومنزلة هذا منزلة قوله: هذه القراءة التي لا يقبل الله الصلاة إلا بها، ثم لا يدل على أن الصلاة كلها هي القراءة.
وجواب آخر: وهو أن قوله: «هذا وضوء»، ولا يحصل عندنا الوضوء في الشرع إلا بنية، فمتى حصلوا لنا وضوءاً من جهة الشرع فهو يجزئ.
стр. 49
وجواب آخر: وهو أن ظاهر قوله: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، هو ذلك الوضوء الذي وقع منه هو بعينه دون غيره، وهذا غير مراد، فبان أن المراد من الخبر غير ظاهر، فصار محتملاً.
فإن قيل: فقد قال الله -تعالى - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، ومعنى هذا، أمه مطهر، فاقتضى أن يكون مطهراً مع عدم النية، ولو لم نجعله مطهراً إلا بانضمام النية إليه، كنا قد سلبنا الحكم الذي قد جعله الله له، ووصفه به.
стр. 50
قيل: إن الله -تعالى - أخبر أنه يطهرنا بهذا الماء، وأنه طهور على أي صفة تستعمل، وهلي فعل هو الطهارة بنفسه أو باستعمالنا له؟
مأخوذ من دلالة أخرى.
وجواب آخر: وهو أن الآية من هذه الجهة جملة، لأنه لما قال: ﴿طَهُورًا﴾ ولم يذكر أفعالنا فيه، فظاهره أن نفس الماء يفعل ذلك، وقد علمنا أن المراد شيء آخر، فنقول: إنَّه طهور إذا استعملناه ونوينا.
وجواب آخر: وهو أن النبي ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، ثم يدل هذا -عندكم - على سقوط النية في التيمم، كذلك قوله ﴿طَهُورًا﴾ لا يدل على سقوط النية من الوضوء، وهكذا ما روي من قوله ﵇: «التراب طهور المسلم»، ولم يدل على سقوط
стр. 51
النية، وكذا قوله -تعالى - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، لم يدل على أن الزكاة لا تحتاج إلى نية.
فإن قيل: فإن النبي ﷺ قال في الطهر من الجنابة: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنا قد طهرت»، ولم
стр. 52
يذكر النية، وهكذا قال لأم سلمة: «إنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، فإذ أنت قد طهرت»، وكما قال لأبي ذر: «إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك»، ولم يضف إلى ذلك نية.
قيل: هذه الظواهر كلها لو تجردت من ذكر النية لم يمتنع أن يلحق بها حكم النية بالأدلة التي تقدمت.
стр. 53
فإن قيل: فقد علَّم النبي ﷺ الأعرابي كيف يتوضأ، ولم يذكر له النية، وهذا موضع تعليم لا يجوز أن يغفل فيه شيء من الواجب عليه.
قيل: إنَّما علمه النبي ﷺ الظاهر، ألا ترى أنه لم يذكر له الماء، ولا الماء المستعمل -عندكم.
وأيضاً فقوله: «توضأ كما امرك الله»، فيه دلالة على النية، لأنها مما أمر الله -تعالى - بها في الآية، على ما بيناه.
وجواب آخر: وهو أن هذا قضية في عين، فيجوز أن يكون علم منه أنه يعلم النية فلم يشتغل بها، وليس يجي أن يعلمه كل شيء في حالة واحدة.
وعلى أنه قد علمه الصلاة، ولم يذكر له نية، ولم يدل ذلك على سقوط النية في الصلاة.
وإن قاسوا ذلك على غسل النجاسة؛ بعلة أنَّها طهارة فلم تحتج إلى نية.
قيل: هذا أصل، وقد رددنا نحن ذلك إلى أصل آخر، وهو التيمم بالعلة التي ذكرنا فليس برد ذلك إلى أحد الأصلين بأولى من رده إلى الآخر، فإذا تعارضا كان رد الطهارة التي هي محض العبادة إلى الطهارة التي هي محض العبادة إلى الطهارة التي هي محض التعبد أولى.
стр. 54
وأيضاً فرد طهارة تتعلق بأعضاء مخصوصة حسب إلى طهارة تتعلق بأعضاء مخصوصة أولى.
، أيضاً فرد ما وجب لأجل الحدث إلى ما وجب لأجل الحدث أولى.
وترجيح آخر: وهو أن رد طهارة وجبت لأمر يكون منه في نفسه إلى مثلها أولى من ردها إلى طهارة وجبت لأمر يكون من غيره؛ مثل البهائم وغيرها؛ لأنه قد يقع عليه دم من بهيمة أو من إنسان غيره.
وأيضاً فإنا رددنا ما التفرقة فيه تفسده -عندنا - إلى مثله، وأنتم رددتم ما التفرقة فيه تفسده إلى ما لا تفسده التفرقة فيه؛ لأن النجاسة لو غسل بعضها صلاة الغداة، وأخَّر الباقي إلى زوال الشمس لجاز، وليس كذلك الطهارة والتيمم.
وأيضاً فرد ما لا يصح أني قع من المجنون إلى مثله أولى من رده إلى ما يصح أن يقع من المجنون؛ لأن المجنون لو غسل النجاسة لصح، وليس كذلك الوضوء والتيمم.
وأيضاً فإن النجاسة تزال عن النائم فيصح، ولو وُضئ أو يُمم وهو نائم لم يصح، فرد الوضوء إلى التيمم أولى.
وأيضاً فإن شواهد الأصول تدل على ما ذكرناه، وذلك أن الصلاة والزكاة والصيام، والحج عبادات على البدن تخصه، وكلها مفتقرة إلى النية، فكان ردنا الطهارة إلى هذه الأصول أولى.
стр. 55
وقياسنا أيضاً يؤدي إلى الاحتياط فهو أولى.
ثم تفرق بين الوضوء وبين النجاسات فنقول: الفرق بينهما هو أن النجاسة قد انخفض أمرها؛ لأنَّه قد عفي عن الشيء اليسير منها يكون على الثوب والبدن، مثل الدم، وسمح بموقع الاستنجاء، وليس كذلك الطهارة؛ لأنَّه لم يسمح فيها بترك شيء من الأعضاء المأخوذ غسلها أو مسحها مع القدرة على ذلك.
قال القاضي: وفي نفسي من هذا شيء.
وأيضاً فقد فرقوا -على أصولهم - فجوَّزوا أن تزال الأنجاس بالمائعات، ولم يجوزوا ذلك في الطهارة.
وفرق آخر: وهو أنهم زعموا أنه قد استوى حكم إزالة النجاسة بالمائع أو بالجامد في أنه لا يحتاج إلى نية، وقالوا: الطهارة بخلاف ذلك؛ لأنها في موضع تحتاج على نية، وهو التيمم.
وفرق آخر: وهو أنهم زعموا أن غسل النجاسة استوى حكم الماء المغسول به، نوى أو لم ينو، ثم كان في الطهارة، إن نو الطهارة حصل الماء مستعملاً، وإن لم ينو حصل هو طاهراً، ولم يصر الماء مستعملاً.
وفرق آخر: وهو أن الطهارة تجب عن أي حدث كان في موضع واحد، وهو الأربعة الأعضاء، فسواء كان الحدث بولاً أو غائطاً، أو غير
стр. 56
ذلك، وليس كذلك النجاسة، لأنه لو أصاب فخذه نجاسة لم يجب غسل يده ورجله، ولو أصابت يده لم يجب غسل رجله.
وأيضاً: فإن إزالة النجاسة طريقها الترك، والطهارة طريقها الفعل؛ لأنه قيل له: صل وأنت تارك للنجاسة، وصل وأنت متطهر، والأفعال تف تقر إلى النية، والترك لا يفتقر إليها؛ لأن الكلام في الصلاة مأمور بتركه، فلم يفتقر إلى نية، والركوع والسجود مأمور بفعلهما فاحتاجا إلى نية تعم جميع أفعال الصلاة.
فإن قيل: لو توضأ لنافلة لجاز أن يصلي به فريضة، فلو كانت النية واجبة لم تجزئه ذلك؛ الا ترى أنه لما كانت النية واجبة في الصلاة فلو نوى أن يصلي نافلة لم يجزئ ذلك عن الفرض، وهكذا لو نوى التيمم صلاة نافلة لم يجز أن يصلي به الفرض، فبطل أن تكون النية واجبة في الطهارة.
قيل: مرادنا بالطهارة رفع الحدث، فلما كانت النافلة إلا تصح إلا برفع الحدث لم يكن فرقٌ لبين أن ينوي برفعه نافلة أو فريضة.
ثم هذا غير منكر في الأصول، ألا ترى أنه لو طاف ينوي تطوعاً وعليه فرض من الطواف فإنَّه ينوب عنه، ولم يدل على أن الطواف في الحج لا يحتاج إلى نية، والتيمم إ نما لم يصح أن ينوي به صلاة نافلة ويصلي به فريضة؛ لأنه لا يرفع الحدث ولا يصلي به إلا صلاة واحدة فريضة، وليس كذلك الوضوء.
стр. 57
وفرق آخر: وهو أنه لو توضأ ثم رأى الماء لم ينتقض وضوؤه، ولو تيمم، ثم رأى الماء لا ينتقض تيممه.
فإن قيل: وجدنا العبادة فرضت على الرجل في نفسه، فلمَّا اتفقنا على أنه لا يجب عليه أن يتولى ذلك بنفسه، بل يجوز أن يوضئه، ويغسله غيره، كذلك لا يلزمه أن يقصد بقلبه كما لم يقصده بنفسه.
قيل: هذه دعوى، وأيضاً فإن النية إذا حصلت من جهته وطابقت عمل غيره فيه فكأنَّه هو الذي عمل، وليس كذلك النية؛ لأن النية لا تقع فيها نيابة إلا في مواضع مخصوصة، وهي إذا منع الزكاة فأخذها الإمام أو خرجت عن الصغير أو المجنون.
فإن قاسوا ذلك عليه، إذا توضأ ونوى؛ بعلة أنه غسل الأعضاء بماء طاهر.
قيل: هذا ينتقض إذا كان مجنوناً، على أن العلة في ذلك أنه نوى مع الغسل.
على أننا قد ذكرنا أصولاً آخر، وقسنا عليها، وذكرنا من الترجيحات ما ينبغي أن يرجح به قياسنا، وبالله التوفيق.
وقد روي أن علي بن أبي طالب ﵁ سئل عن رجل اغتسل لجنابة ولم ينو. فقال: يعيد الغسل، ولا يعرف له مخالف فصار كالإجماع.
стр. 58
شفإن قاسوا ذلك على ستر العورة.
قيل: ستر العورة ليس مما تختص به الصلاة؛ لأنَّه مأخوذ عليه في غيرها، كالإيمان، وليس عليه أن ينوي الإيمان مع دخوله في الصلاة كستر العورة، والله أعلم.
стр. 59
[٤] مَسْأَلَة في المضمضة والاستنشاق
للناس في ذلك أقاويل:
فعند مالك ﵀ أنهما سنتان في الوضوء والجنابة جميعاً، وهو قول الحسن بن أبي الحسن البصري، والزهري، وربيعة، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي.
стр. 60
وذهب إسحاق، وابن أبي ليلى إلى أنهما واجبان في الطهارتين جميعاً، الوضوء وغسل الجنابة.
وذهب أحمد بن حنبل، وأبو ثور، غلة أن الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة غير واجبة فيهما.
стр. 61
وذهب سفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنهما واجبان في غسل الجنابة، وغير واجبين في الوضوء من الحدث.
فهذه أربعة مذاهب.
والدليل لقولنا إنهما سنتان في الوضوء والجنابة: استصحاب الحال، وأن الوجوب يحتاج إلى شرع.
وأيضاً قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية، وحقيقة الوجه ما واجه الناظر، وداخل الفم والأنف لا يواجه به.
فإن قيل: يقع عليه اسم وجه؛ بدلالة أنَّه لو حصل الماء في فمه لما أفطر به، ولو كان فيه نجاسة لوجب غسله كالوجه.
قيل: كلامنا في اسم وقد سلم.
على أن هذا لو كان صحيحاً لوجب غسل داخل العينين؛ لأنَّه لو حصل فيهما نجاسة لوجب غسلهما، ولا يفطر بحصول ما يقع فيهما من الماء.
فإن قيل: فإنَّا لا نوجب غسل العينين من النجاسة، لأنهما جسم صقيل لاي قبل النجاسة، وعلى أن من اعتبر قدر الدرهم من أصحاب
стр. 62
أبي حنيفة لا يلزمه هذا؛ لأن العين تكون مقدار الدرهم واقل.
قيل: أما قولكم: إنَّها لا تقبل النجاسة، فهذا خلاف المشاهدة فلو جاز أن يقال: إنَّها جسم صقيل لا ينجس. جاز أن يقال: إن الزجاج والصقر، والعاج، وما أشبهه من الأواني لا ينجس، وكذلك السيف؛ لأنه صقيل.
فإن قيل: فإن الدموع تغسله.
قيل: لا تصح إزالة ذلك إلا بالماء المطلق، على أننا نقول أليس قد نجست وغسلتها الدموع ولم يدل على أنها تغسل مع الوجه، وهذا أيضاً يوجب سقوط سؤالهم، لأن الفم يجري فيه الريق أكثر من الدموع.
وما يقوله أصحاب أبي حنيفة من ا، العين مقدار الدرهم، فقد يكون من العيون ما هو اكبر من الدرهم، وعلى أنه لو أصاب خده شيء من النجاسة واتصل بعينه حتى يصير بنجاسة عينه أكثر من الدرهم لوجب غسله، وجعلنا لنجاسة الغير حكماً، ومع ذلك فلم يدل
стр. 63
على أنها في حكم المغسول.
دليل: قول النبي ﷺ : «وإنما لأمرئ ما نوى»، وهذا الذي توضأ ولم يتمضمض ويستنشق قد نوى الطهارة فله ما نواه.
دليل: قوله ﷺ للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك»، لم يذكر له مضمضة وهو موضع تعليم، وكذلك في الحديث الآخر، وهو قوله: «لن تجزئ عبداً صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه».
فإن قيل: فنحن نقول: إن الذي أمره الله به بمضمضة واستنشاق، وقوله: «واغسل وجهك»، قد دخلت فيه المضمضة.
قيل: قد مضى الكلام في الوجه إذا أطلق، وقوله: «كما أمرك الله»، والإشارة وقعت إلى الآية، وفيها غسل الأربعة الأعضاء.
دليل: قوله ﷺ لأبي ذر: «التراب كافيك، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك».
فإن قيل: هذا لنا؛ لأن داخل الفم جلدٌ.
قيل: هذا غلط؛ لأن الجلد اسم لما ظهر، فأما داخل الفم فيسمى
стр. 64
أدمة، ولثة، ولهاة، والعين شحمة.
دليل: القياس على العين؛ لأنها لا يجب غسلها، العلة أنه عضو مستتر استتاراً دائماً من نفس الخلقة المعتادة، فلم يجب غسله في الوضوء.
دليل: رأينا العين بادية ظاهرة، وقلّ ما يطبقها الإنسان، فهي أدخل فيما يواجه به، والفم والأنف ليسا كذلك في غالب أحوالهما، فإذا لم يجب غسل العين فداخل الفم والأنف أولى.
فإن قيل: إن العين لها على أخرى، وهي المشقة؛ لأنَّها عضو لطيف لو أُدمن إدخالُ الماء فيها أتلفها، وليس كذلك الفم؛ لأن سلو الماء فيه معتاد.
قيل له: فداخل الأنف ليس كذلك، فينبغي أن لا توجب الاستنشاق.
على أن هذا المقدار في وقت الطهارة لا يخشى منه على العين، ولعل كثيراً من الناس يلتذون بدخول الماء فيها ويستنشقون به.
стр. 65
دليل: وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «عشر من الفطرة خمس في الرأس، وخمس في البدن»، فذكر المضمضة والاستنشاق في الرأس، وجعلهما سنة؛ لأن الفطرة هي السنة، ولا سيما وقد جمع بينهما وبين السنن.
دللي: اتفقنا أنهما غير واجبتين في المرة الثانية والثالثة؛ بعلة أنَّهما مضمضة من غير نجاسة.
стр. 66
فإن قيل: فإن النبي ﷺ تمضمض واستنشق، وأفعاه على الوجوب إلا أن تقوم دلالة.
قيل: قد عارضه قوله: «وإنما لأمرئ ما نوى»، فينقل وجوبُه إلى الاستحباب بهذه الدلالة.
فإن قيل: فإنه ﵇ توضأ مرة واحدة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به».
قيل: هذا حديث رواه ابن عمر ﵀ ولم يذكر فيه مضمضة ولا استنشاقاً، وإنما قال: توضأ مرة مرة.
وعلى إن إطلاق مرة مرة يتوجه على ما يقولن إلى غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وإلى التيمن، وقد اتفقنا أن ذلك غير واجب، وقد سبق كلامنا على هذا الخبر في المسألة التي قبل هذه.
ويحتمل أن يكون ذلك منسوباً بالدلائل التي تقدمت، وأن النبي ﷺ علَّم الأعرابي الوجوب، وقال في الحديث الآخر: «لن تجزئ عبداً صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه».
стр. 67
وعلى أننا نقول: قُصد به الأخبار عن العدد، ألا ترى أنه توضأ بعد ذلك مرتين وثلاثاً، كان يفعل هذا ويذكر عند فراغه منه حكم العدد.
وعلى الخبر الذي قيل فيه: «لن تجزئ عبداً صلاته»، أولى: لأنَّه بيَّنَ فيه حكم الإجزاء.
فإن قيل: إنما أرياهم الوضوء الكامل، ألا ترى أنهما ذكرا ثلاثا ثلاثاً، وحكمُ الوجوب، والإجزاء بالقياس أيضاً.
على أنه مخصوص بالقياس أيضاً.
فإن قيل: فقد قال ﵇: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البشرة».
стр. 68
قيل: إنما قصد بذلك ظاهرة البشرة التي يباشر بها، وليس داخل الأنف والفم بشرة.
قال القاضي: وأنا أتقصى الكلام مع أبي حنيفة.
فإن قاسوا ذلك على الخد؛ لعلة أنه عضو من جملة الوضوء، لا يشق إيصال الماء إليه، قالوا: ولا ينتقض هذا بداخل العين، ولا بما تحت الحية الكثيفة، لأن ذلك يشق.
قيل: ليس ذلك مما يشق فهو منتقض.
على أننا قد ذكرنا قياساً آخر، فتقابلا -أعني قياسنا على العين.
ثم نرجح قياسنا فنقول: إذا كانت العينان أظهر من الفم كان بأن يسقط عن الفم أولى، ولما وجدنا ما يجب غسله له حالتان: حالة ظهور وحالة انتسار، وسقط غسله في حال الانتسار كان الفم والأنف اللذان حالهما حالة واحدة في الانتسار أولى بسقوط هذا الفرض منهما.
стр. 69
فإن قيل: فقد قال ﷺ لِلَقيط بن صَبِرة في الستنشاق: «بلغ إلا أن تكون صائما»، وهذا أمر ظاهره الوجوب.
стр. 70
قيل:
هذا دليل لنا؛ لأنَّه لما امره بالترك عند الصوم علمنا امه مسنون.
وعلى أن الظاهر لو كان معهم لجاز أن نخصه ببعض ما ذكرناه، على أنه قد أمره بالمبالغة، واتفقنا أنها ليست بواجبة.
وعلى أنه قد روي: «من توضأ فليستنثر، من فعل فقد أحس ومن لا فلا حرج».
فأما اصحاب أبي حنيفة فالدليل لنا عليهم: استصحاب الحال، وذلك أننا لا نوجب شيئاً إلا بدلالة.
، أيضاً قوله -تعالى - ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فما وقع عليه اسم طهارة فإنَّه يجزئه.
فإن قيل: هذه إشارة إلى الجملة.
قيل: لو غسل من نفسه أعضاء لقيل: فلان قد تطهر.
وأيضاً قوله ﷺ : «وإنما لأمرئ ما نوى»، وهذا قد نوى
стр. 71
غسل الجنابة فله ما نواه.
وأيضاً قوله ﷺ «لا صلاة إلا بطهور»، فظاهره يقتضي أنَّه متى حصل منه طهور ما فقد تطهر.
وأيضاً ما رواه جبير بن مطعم أنهم تذاكروا عند رسول الله ﷺ الغسل من الجنابة. فقال ﷺ «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً»، وأشار بيديه كلتيهما، فدل على أن هذا القدر يجزئ.
فإن قيل: فقد روي المضمضة والاستنشاق في حديث آخر.
قيل: نقول بهما، فيجوز هذا هذا.
وأيضاً قوله ﷺ لأبي ذر: «التراب كافيك، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك»، وداخل الفم لا يسمى جلداً، بل يسمى لثات وأدمة.
стр. 72
وأيضاً قوله تعالى: ﴿ولا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فمن غسل يديه ولم يمضمض، قالت العرب: قد اغتسل.
وأيضاً القياس على داخل العينين: بعلة أنه عضو في الوجه دونه عضو ساتر من نفس الخلقة المعتادة.
فإن قيل: ينتقض بما تحت الآباط.
قيل: ليس ينطبق إلا بتكلف، على أننا قد قيدناه بالوجه.
وأيضاً قد اتفقنا أنَّهما غير واجبين في الوضوء بعلة أنه طهور وجب لأجل الحدث، أو لأنها طهارة تنتقض بالحدث.
وأيضاً وجدنا العينين أشد ظهوراً من داخل الفم، ثم اتفقنا أنه لا يجب غسلهما، فداخل الفم أولى.
فإن قيل: ههنا المشقة الغليظة في العين.
قيل: الجنابة لا تتكرر كثيراً فلا تشق في الزمان الطويل.
وأيضاً اتفقنا في المرة الثانية والثالثة أنها لا تجب؛ بعلة أنَّها مضمضة مسنونة في الوضوء فلم تجب في الجنابة.
فإن اسندوا باستصحاب الحال، وأنه على جملة الجنابة إلا أن تقوم دلالة على إسقاط حكمها عنه.
قيل: نحن نختلف فيما وجب عليه، فاستصحاب الحال لنا.
فإن قيل: فقد قال ﵇: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر
стр. 73
وأنقوا البشر».
قيل: هذا حديث رواه الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
وقد طعن أبو داود على الحارث بن وجيه، وتكلم أصحاب الحديث فيه.
وجواب آخر: وهو أنه ينقلب عليهم في شعر العين؛ لأنَّه قد ينبت
стр. 74
فيها، ثم لا يجب إيصال الماء إليه.
فإن قيل: النبي ﷺ تكلم على الغالب.
قيل: قد رضينا بهذا، فالغالب من الشعر غير شعر الأنف».
وجواب آخر: وهو أنَّ النبي ﷺ تكلم على الشعر الذي على البشرة، ألا تراه قال: «وأنقوا البشرة»، فتقديره: البشرة التي تحت الشعر، وما تحت شعر الأنف لا يقال له بشرة، وهذا إذا قلنا على رواية ابن وهب: إنَّه يجب تخليل اللحية.
وإن قلنا: لا يجب. قلنا: أراد الشعر المتفرق الذي على ظاهر البدن متفرقاً.
وجواب آخر: وهو أن الظاهر لو أعطاهم ماا يريدون لكان عموماً يجوز أن يخص بالقياس الذي تقدم.
فإن استدلوا بحديث عائشة -رحمها الله - وأن النبي ﷺ كان
стр. 75
يتوضأ للصلاة، وأنه كان يتمضمض في وضوئه.
قيل: قد ثبت -عندنا وعندكم - أن الوضوء ليست المضمضة فيه واجبة، فإن المضمضة شرعت في الوضوء، فلما سقط فرض الوضوء في الجنابة سقطت توابعه.
وإن استدلوا بحديث ميمونة قالت: وضعتُ للنبي ﷺ غسلاً يغتسل به من الجنابة، إلى أن قالت: ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم صب على رأسه وجسده، فقد تمضمض النبي ﷺ ؛ فإما أن نقول: أفعاله على الوجوب. أو نقول: خرج مخرج البيان، وهذا ذكره أبو داود.
قيل: يحتمل أن يكون أراد النبي ﵇ الكمال؛ بدليل ما ذكرناه من قوله «أما أنا فأحثي على رأسي حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت».
فإن قيل: فمن مذهبكم قبول الزيادة.
قيل: إذا كان في خبر واحد، فأما إذا كان في خبرين وأمكن
следующие страницы →