← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قيل: أكثره ما روي في القهقهة ضعيف ومرسل. وأما أبو العالية فهو ضعيف من وجوه. أحدها: أنه قيل فيه: أبو العالية الرياحي عندي حديثه كالرياح. وأيضا فإن علي بن المديني ناظر عبد الرحمن بن مهدي فيه

стр. 527

وراجعه فيه، فلم يثبت بينهما فيه سند صحيح - وهما إمامان في عصرهما -. وأيضا فإننا روينا حديث مس الذكر فذكرتم أن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قالا: أربعة أحاديث لا تصح، منها مس الذكر والقهقهة. فكيف يجوز أن توردوا هذه الحكاية في القهقهة وقد

стр. 528

ألزمتموناها في مس الذكر؟. فإن تأولتم أن في حديث مس الذكر يجوز أن يكون أمذى، كما تأوله ابن البلخي جاز لنا أن نتأول حديث القهقهة على أنه يجوز أن يكون كان معها ريح لها صوت، فسمع النبي ﵇ فأمر بالوضوء. على أننا روينا ما يعارضه في حديث جابر أن النبي ﵇ قال: (يعيد صلاته ولا يعيد الوضوء) وخبرنا زائد؛ لأن

стр. 529

فيه (ولا يعيد الوضوء). ويجوز أن تكون هذه الزيادة ذهبت على ألئك؛ لأنه يجوز أن ينسوها، وراوينا لم ينسها. وعلى أننا نحمل خبرهم في الوضوء على الاستحباب، وخبرنا على نفي الإيجاب وجواتز تركه. وعلى أنه لم يطعن على حديث أبي العالية في الضرير لما صح متنه؛ لأن الله - تعالى وصف الصحابة ﵃ بالرأفة والرحمة فقال: ﴿رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا﴾ فإذا كانوا بهذه الصفة لم يجز أن يضحكوا في مثل هذا؛ لأنه موضع بكاء لا موضع ضحك، وقد جوزنا حمله على الاستحباب. على أن مذهبكم أن من قهقه في صلاته خرج فتوضأ وبنى. وفي هذا الحديث أنه ﵇ أمرهم بإعادة الصلاة، فعلم أن للحديث وجها غير ما ذهبتم إليه. ويجوز أيضا أن يكون ذلك خصوصا لأولئك الذين ضحكوا خلف النبي ﵇ من أعمى تردى في بئر؛ لأن لحضور النبي ﵇ ما ليس لغيرها. وقد روي هذا التأويل عن جابر بن عبد الله، وأنه قال: ليس على من ضحك في الصلاة وضوء، وإنما كان ذلك لأنهم ضحكوا خلف

стр. 530

رسول الله ﷺ ، ومن مذهبنا الرجوع إلى تفسير الراوي، وجابر روى حديث الضرير. ومع ذلك فهذا التأويل غير منكر في الأصول. ألا ترى أن طائفة ذهبت إلى من زنى بحضرة النبي ﵇ فهو كافر؛ لأنه مستخف بالشرع والدين، ولو زنى بحضرة غيره لم يكن كافرا. فإن قيل: فينبغي أن يكفر الذين ضحكوا بحضرة النبي ﵇. قيل: إن ذلك يترتب، فإذا فعلوا كبيرة بحضرته متعمدين وجب لهم حكم الكفر، ولو فعلوها بحضرة غيره لوجب تعنيفهم، فإذا فعلوا صغيرة بحضرته ﵇ انخفضت العقوبة، ولو فعلوها بخضرة غيره لم يجب عليهم شيء.

стр. 531

فإن قيل قولكم: إنهم رحماء كما ذكر الله - تعالى - فيجوز أن يكونوا فعلوا ذلك بغير علم، ثم شرع النبي ﵇ لهم يعملون عليه. ألا ترى إلى قول الله - تعالى -: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾، فليس هذا بمستحيل، وقد كان أيضا بحضرته ﵇ منافقون وأعراب لا علم لهم، مثل الذي بال في المسجد. قيل: أما التجارة واللهو الذي انفضوا إليه فإن التجارة مما يجوز أن يفعلها الإنسان، وإنما يقبح فعلها مع ترك الصلاة من حيث الشرع، وقد كان جائزا فعل ذلك، ثم ورد النهي عنه، وكذلك اللهو إنما كان بالأصوات والفرح الذي يتابشرون عند ورود تجارتهم من المواضع. وذا شيء تدعو إليه النفس. ثم حظر عليهم، وليس كذلك الضحك من مثل هذا؛ لأنه أمر لا تستحسنه إسلامي ولا جاهلي، ويقبح قبل

стр. 532

المشرع، وكذلك فعل الأعرابي في المسجد إنما قبح بالشرع. وقولكم: قد كان خلف النبي ﷺ منافقون، فإننا نقول: الظاهر في الصلاة غير ذلك، ولو كان كذلك لم يجز أن يقول الراوي: إن طوائف من أصحاب النبي ﵇ ضحكوا؛ لأن هؤلاء ليسوا من الصحابة والراوي قطع أنهم من الصحابة. وأيضا فإن من مذهبهم أن أخبار الآحاد إذا وردت عرضت على الأصول، فإن دفعتها لم يقولوا بها. من ذلك ما قالوا في مس الذكر، وفي اليمين مع الشاهد، وخبر القرعة في حديث عمران بن حصين، وحديث أي هريرة في المصراة، وهذا الحديث إذا عرضوه على الأصول دفعته، فلزمهم أن

стр. 533

يردوه ويحملوه على وجه الندب، فأحسن أحوالهم أن نسلم لهم ظاهر الحديث ونحمله على الاستحباب، أو على أنه سمع من بعضهم صوت ريح إن لم يدفعه ما رويناه من الأحاديث فنخصه بالقياس الذي ذكرناه. فإن قيل: إن كان فعل يحدث باختياره تارة، وتارة بغير اختياره فهو حدث، كالبول والريح وغير ذلك. قيل: هذا باطل بأكثر الأشياء وبالحركة؛ لأن الإنسان يتحرك تارة باختياره، وكل هذا ليس بحدث، وينتقض بها في غير الصلاة فإنها ليست بحدث إجماعا. وعلى أن المعنى في البول وغيره هو أنه لما أبطل الوضوء في غير الصلاة، ولما لم تبطل الوضوء القهقهة في غير الصلاة لم تبطله في الصلاة. وعلى أنهم أرادوا أن البول يخرج بغير اختياره، ويعنون إذا سلس

стр. 534

بوله فإنه - عندنا - لا ينقض الوضوء قبل الصلاة ولا فيها، فسقط ما ذكروه. ونقول لهم أيضا: قد زعمتم أن لو جلس قدر التشهد في آخر صلاته، ثم قهقه، كانت صلاته ماضية وبطلت طهارته، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في صلاة فيجب - عندكم أن تبطل صلاته وطهارته جميعا، وإن لم يكن في صلاة فلا يجب أن تبطل طهارته؛ لأن من قهقه في غير صلاة لم تبطل طهارته، وهذا من مذهبكم متناقض. فإن قيل: القياس يوجب أن لا ينقض الوضوء في الصلاة، ولكن لا نعترض بالقياس على الأخبار، كما قلتم في مس الذكر وفي المصراة، كذلك نحن أيضا قلنا هذا الخبر. قيل: عن هذا أجوبة. أحدهما: أن القياس - عندنا - مقدم على خبر الواحد إذا نافاه. وجواب آخر: وهو أننا نحن قد دللنا على القياس يوجب مبانية

стр. 535

الذكر لسائر الأعضاء في أحكام منها: إيجاب الحد بإيلاجه، وتكملة المهر، والحصانة، والغسل، وإفساد الصوم والحج، وغير ذلك، ومعنا أيضا في المصراة قياس نذكره في موضعه، وبينا أن الأصول تدفع حديث القهقهة. وجواب آخر: وهو أننا قد روينا من الأخبار ما يعارض خبركم وذاد عليه، ثم استعملناه على وجه الاستحباب، والقياس يوجب نفي وجوب الوضوء حتى لا يتلاقى القياس والخبر. فإن قيل: فإنه قهقه في صلاة فرض فانتقض وضوؤه، دليله إذا قهقه وأحدث. قيل: معناه وجود الحدث؛ بدليل أنه لو قهقه وأحدث في غير صلاة كان كذلك.

стр. 536

[٢٧) مَسْأَلَة وما مسته النار مثل الخبز وغيره فإنه لا وضوء بأكله، وهو مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود،

стр. 537

والفقهاء بأجمعهم ﵃. وذهب جماعة من الصحابة إلى وجوب الوضوء بأكله. وذهب إليه فيما حكي ابن عمر، وأبو طلحة - عم أنس -، وأبو موسى الأشعري، وزيد ابن ثابت وأبو هريرة.

стр. 538

والدليل لقولنا: كونه على جملة الطهارة، فمن زعم أنها تنتقض بأكل ذلك فعليه الدليل. وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح). وقوله: (فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) وأيضا قوله ﵇: (من مس ذكره فليتوضأ) فدليله أن من لم يمسه فلا وضوء عليه، وهذا لم يمس ذكره. وأيضا ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ أكل كتف شاه ثم صلى ولم يتوضأ. وكذلك روى أمية الضمري أن رسول الله ﷺ أكل لحما

стр. 539

فصلى ولم يتوضأ. وعن ابن عباس أن النبي ﵇ أكل لحما فصلى ولم يتوضأ. وعن ابن عباس أن النبي ﵇ توضأ، فقالت له بعض نسائه: قد نضجت القدر، فناولته كتفا، فأكل ثم مسح يديه، ثم صلى ولم يتوضأ. وعن جابر أكلت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان خبزا

стр. 540

ولحما، فصلوا ولم يتوضؤوا. ومحمد بن المنكدب عن جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار. وهذا الحديث هو العمدة في هذه المسألة؛ لأنه حكى أنه آخر الأمرين من فعله فنسخ كل ما مضى؛ لأن ترك الوضوء يكون بعد ما مضى.

стр. 541

وروي عن ابن عباس مثله. فإما أن يكون مضى كان واجبا أو مستحبا فقد تركه ﵇ آخر أمره. وأيضا فلا نعلم خلافا أن الوضوء لا يجب من شرب الماء الساخن، وهو مما مسته النار. وأيضا فقد حصل الاتفاق على أنه لو أكل حشيشا، أو شيئا من الفكهة لم يجب عليه الوضوء، والمعنى فيه أنه أكل لشيء حلال، فكل من أكل شيئا حلالا فلا وضوء عليه. فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: (توضؤوا مما غيرت النار).

стр. 542

وروى عن أم سلمة قالت: في بيتي كان هذا، أن النبي ﷺ أكل كتفا من لحم ولم يتوضأ، ثم أتي بشيء من أقط فأكل وتوضأ، قلت يا رسول الله، إنك لم تتوضأ في المرة الأولى، فقال: توضؤوا مما مست النار. قيل: هذا عندنا على أحد وجوه. إما أن يكون منسوخا؛ بدليل ما روى عن جابر محمد بن

стр. 543

مسلمة أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ أنه أكل لحما وصلى ولم يتوضأ، وعن ابن عباس وجابر أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسته النار. أو نحمله على الوضوء اللغوي الذي هو غسل الفم واليد، وقد ذكرناه عن معاذ أنه قال: ليس الوضوء في هذا واجبا، فقيل له: إن أناسا يقولون: إن رسول الله ﷺ قال: (توضؤوا مما مست النار) فقال معاذ: إن قوما سمعوا ولم يعو، كنا نسمي غسل الفم واليدين وضوءا وليس بواجب، وإنما أمر رسول الله ﷺ المؤمنين أن يغسلوا أيديهم

стр. 544

وأفواههم مما مست النار، وليس بواجب. ويجوز أن نحمل ذلك على الاستحباب لما رويناه. وقد قيل: إن حديث أم سلمة رواه عمر عن حميد عنها، وفي حفظ عمر هذا شيء. وقد روي عن جابر قال: قرب للنبي ﷺ خبز ولحم، فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى الظهر، ثم دعا فضل طعامه فأكل، ثم قام إلى صلاة العصر ولم يتوضأ. والمعمول على الحديث الذي فيه كان آخر الأمرين منه ﵇ ترك الوضوء مما مست النار.

стр. 545

فصل فأما إذا أكل لحم الإبل فلا وضوء عليه، وكذلك عند أبي حنيفة والشافعي. وقال أحمد: عليه الوضوء، نيا كان أو مطبوخا. واستدل له بما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ سئل عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال

стр. 546

"توضؤوا منها" وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: (لا تتوضؤوا منها) وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: (لا تصولا فيها؛ فإن فيها شياطين) وسئل عن الصلاة في مبارك الغنم فقال: (صلوا فيها؛ فإن فيها بركة)، فأمر بالوضوء من لحم الجزور أمرا ظاهره الوجوب، وأسقط ذلك عن أكل لحوم الغنم. والدليل لقولنا: الظواهر التي ذكرناها قبل هذا الفصل. وأيضا فإن الذي ينقض الوضوء هو ما خرج من الجوف على صفة، فأما ما يصل إلى الجوف فلا ينقص؛ لأنه لو حقن ووصلت

стр. 547

الحقنة إلى جوفه لم ينتقض الوضوء، ولو خرج مثلها من جوفه لا ينتقض الوضوء. فأما خبرهم فيحمل على الاستحباب، أو على غسل اليد إنما فرق ﵇ بين لحم الإبل والغنم؛ لأن لحم الإبل له سهوكة ليست للحم الغنم، فاستحب ذلك في لحوم الإبل لقطع السهوكة. أو نقول أيضا: هو مأكول فلا يؤثر أكله في نقض الطهارة ولا إيجابها، أصله سائر المأكولات. وأيضا فإن تناول الأشياء النجسة، مثل الخمر والميتة والدم لا يوجب الوضوء، فلأن لا توجبه الأشياء الطاهرة أولى. وأيضا فإنه لا يخلو أن يحكم لذلك، ولما مسته النار بحكم الأشياء الطاهرة فقياس على نظائرها، أو بحكم الأشياء النجسة فقياس على ما هو من جنسها، والجميع مما لا يوجب الوضوء، وبالله التوفيق.

стр. 548

[٢٨) مَسْأَلَة من يتقين الطهارة وشك في الحدث بعد ذلك فعليه الوضوء، هذا ظاهر قول مالك ﵀. وروى عنه ابن وهب أنه قال: أحب إلي أن يتوضأ. واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو مستحب. قال بعضهم: هو واجب. وإلى هذا كان شيخنا أبو بكر ﵀ يذهب. وأنا أختاره. وقال الحسن: إن شك في الحدث وهو في الصلاة بنى على يقينه ولم يقطع الصلاة، وإن كان في غير الصلاة أخذ بالشك. وقد روي هذا عن مالك.

стр. 549

وروي أيضا أنه قطع الصلاة أيضا ويتوضأ. وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: يبني على يقينه، وهو على وضوئه بيقين. والدليل لقولنا: هو أن الطهارة لا تراد لنفسها وإنما تراد الصلاة، والصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلا بيقين. وأيضا فإنه أخذ عليه أن يدخل في الصلاة بيقين طهارة، وقد قدح الشك في يقين طهارته لا محالة، فصار بمنزلة من تيقنالحدث وشك هل تطهر أو لا؟. فإنه يجدب عليه أن يتطهر حتى يدخل في الصلاة بيين طهارة. فإن قيل: هذا دليل، لأنه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة رجع إلى يقينه في الحدث فيجب أن يتطهر، فكذلك إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث ينبغي أن يرجع إلى يقينه في الطهارة فلا يزيلها الشك.

стр. 550

قيل: إننا لم نأمره بالطهارة إذا شك فيها وقد تيقن الحدث من أجل تيقن الحد، وإنما أوجبنا عليه الطهارة حتى يدخل في الصلاة بيقين طهارة، فكذلك إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث نوجب عليه الطهارة حتى يدخل في الصلاة بيقين طهارة؛ إذ الطهارة لا تراد لنفسها، وإما تراد للصلاة. وأيضا فإن الطهارة قد تتقدم، ثم تطرأ عليها الشك فيبطلها، مثل المتطهر إذا نام مضطجعا، فإن الطهارة عليه واجبة، وليس النوم في نفسه حدثا وإنما هو من أسباب الحدث، الذي ربما كان وربما لم يكن. فإن قيل: إن النبي ﵇ شبه النائم بالزق المشدود، إذا حل وكاؤه خرج ما فيه، ولا يجوز أن يقع الخبر بخلاف مخبره. قيل: استطلاق الوكاء صحيح، ولم يقل ﵇: إنه إذا استطلق الوكاء يخرج ما في الزق لا محالة، وقد يخرج بالاستطلاق وقد لا يخرج؛ لأنه قد يكون في الزق شيء جامد فلا يخرج حين الاستطلاق، ولعله أن يخرج بعد وقت. وعل كل حال ليس نفس الإطلاق هو الحدث، وإنما الحدث ما يخرج منه، وما في جوف ابن آدم قد يخرج عند الاستطلاق وقد لا يخرد؛ لأننا نجد خلقا لعلهم في بعض الأوقات يجتهدون أن يخرج منهم ريح أو غيرها، وهم يقدون ذلك ويتعمدونه مع الاستطلاق فلا

стр. 551

يكون منهم شيء من ذلك، وإنما أراد النبي ﵇ أن الأغلب أن يكون ذلك من النائم، وهذا كله شك لا محالة، وقد وجبت الطهارة حتى يدخل في الصلاة بيقين طهارة، وقد يخرج أيضا من المستيقظ الريح فينسى ذلك وإن كان يتقين قبله طهارة. ومما يدل على أن نفس استطلاق الوكاء ليس بحدث، وقد يجوز أن يخرج الريح معه ويجوز أن لا يخرج: قول النبي ﵇ لما نام ونفخ (إنه تنام عيني، ولا ينام قلبي) فيعلم ما يخرج منه. ولنا من الظواهر قول الله - تعالى - ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ فالظاهر منه أمر لكل قائم إلى كل صلاة على أي وجه قام إلا أن يقوم دليل. وأيضا قول النبي ﵇: (لا صلاة إلا بطهور)، ولا نسلم أن هذا متطهر في حال دخوله وكونه في الصلاة. وأيضا فإن إطلاق طهور يفيد طهورا بلا شك، ولم يقل: إلا بطهور مشكوك فيه. فإن قيل: فقد روي عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال: شكي

стр. 552

إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه الشيء وهو في الصلاة. فقال: (لا ينفتل من صلاته حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا). وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحا بين أليتيه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا). وروي أن النبي ﵇ قال: (إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ بين أليتيه فيقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا).

стр. 553

قيل: على هذه الأحاديث جوابان: أحدهما: أنها وردت فيمن هو في الصلاة، فنحن نقول بموجبها على أظهر الروايتين عن مالك؛ لأن الصلاة تراد لنفسها، والوضوء لها يراد، فإذا دخل في الصلاة بيقين طهارة فقد حصل المقصود الذي أريدت له الطهارة، وتناهي دخوله فيها فلم يبطل ما دخل فيه، ولو أبطلنا الصلاة أبطلنا بالشك عملين، أحدهما: الصلاة، والآخر: الطهارة التي أريدت للصلاة وقد دخل بها فيها، وإذا كان قبل الصلاة فإنا يبطل عمل واحد وهو الطهارة التي تراد للصلاة لا لنفسها. الجواب الآخر: على الوجه الذي يبطل الوضوء في الصلاة وقبلها فإننا نقول: نفخ الشيطان بين أليتيه، وما يخيله إليه يشككه هل هذا حدث ينقض الطهارة أو لا؟، ومسألتنا فيه إذا شك هل أحدث الذي يتيقنه عند خروجه ولا يشك فيه أنه حدث؟ مثل الصوت والريح، وهل خرج منه ذلك حتى سمعه أو شمه ثم نسيه أو لا؟. على أن هذا يجوز أن يخص فيكون تقديره: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا إلا أن تقوم دلالة على شيء آخر، كما لو بال

стр. 554

فلم يسمع صوتا ولا وجد ريحا أو أمذى، وقد ذكرنا أدلة تخص هذا الظاهر. ولنا أن نقيسه عليه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة؛ بعلة أنه لا يمكنه أن يدخل في اصلاة بيقين طهارة في الحال. فإن قيل: فإنه شك طرأ على يقين فوجب أن لا يزال ذلك اليقين به. وأصله إذا كان محدثا فشك هل تطهر أو لا؟ فيصير الأصل الذي قستم عليه أصلا لنا. قيل: هذا فاسد بأشياء على مذهب الشافعي وأبي حنيفة. فأحدهما: إذا كان له عبد فهرب منه وفقد خبره، ولا يعلم موضعه فأعتقه عن كفارة ظهاره لم يجزئه، والأصل يقين حياته، ولم تسقط الكفارة عن ذمته، فقد دفعتم يقين حياته بالشك في وفاته، لأن سبيل الكفارة أن تسقط عن ذمته بيين العتق. فهذا نقض وهو شاهد لنا؛ لأن الصلاة في ذمته بيقين فلا تسقط بيقين طهارة قد عارضها شك. فإن قيل: على هذا أنه قد تقابل في الكفارة يقينان: بقاء حياة العبد، وبقاء فرض الكفارة في ذمته، والظاهر يشهد لبقاء الفرض في ذمته، وهو فقد خبر العبد، وعدم العلم بموضعه، وليس كذلك في هذه المسألة. قيل: الأمران سواء لا فرق بينهما، وذلك أنه قد تقابل في مسألتنا يقينان: أحدهما: يقين الطهارة، والآخر: يقين الصلاة في ذمته،

стр. 555

والظاهر فقد يقين الطهارة بالشك فيها؛ لأن الحدث ينافيها، ولا يتحقق دخوله في الصلاة بها، ولا يتقين سقوط الصلاة عن ذمته. والوجه الثاني: الذي يفسد ما ذكروه: هو أن المقيم - عندهم - يمسح على خفه يوما وليله، ثم لو شك هل مسح يوما وليله أو دون اليوم والليلة لم يجز له أن يمسح، وعليه أن يجدد الوضوء. والأصل بقاء وقت المسح، وأن اليوم والليلة لم يمضيا فأزالوا اليقين بالشك. والوجه الآخر: قالوا: إذا بالت الظبية في ماء هو أكثر من قلتين ووجد الماء متغيرا لم يجز له الوضوء منه. ويجوز أن يكون هذا التغير حصل من بول الظبي فيمنع من الوضوء به، ويجوز أن يكون التغير حصل بنفسه من غير البول فلا يمنع من الوضوء به. فأزالوا طهارة الماء الكثير بالشك. فإن قيل: لم نزل اليقين ههنا بالشك، وإنا رفعنا اليقين بيقين يشهد له ظاهر؛ وذلك أن طهارة الماء يقين وحصول النجاسة فيه يقين والتغير مشكوك فيه هل حصل من النجاسة أم لا؟، والظاهر أن التغير حصل من النجاسة فرجحنا به يقين النجاسة ورفعنا به طهارة الماء. وفي مسألتنا بخلاف هذا؛ لأنه لا ظاهر يشهد ويرجح به بقاء فرض الصلاة في ذمته فاستصحبنا يقين طهارته. قيل: الشك في الموضعين حصل لا محالة. شك في نجيس الماء وشك في الحدث، وغن افترق وجها الشك فيهما، فإذا رفع يقين الماء بالشك رفع يقين الطهارة بالشك؛ حتى يسقط فرض الصلاة عن ذمته.

стр. 556

بيقين. على أن ظاهر وجود القلتين وأكثر أقوى من ظاهر وزن درهمين من بول غزال فيهما، فإذا تغير الماء فالظاهر أنه لم يتغير من ذلك، فينبغي ألا يرفع حكم طهارته بهذا الشك. وعلى أننا قد ذكرنا القياس عليه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة، وقياسنا أولى؛ لأنه يؤدي إلى الاحتياط لصلاة فيسقطها بيقين، وهو ناقل عن براءة الذمة، وعن الحال المتقدمة، وموجب. فإن قيل: فإن الأصول مبنية على اليقين. فمن ذلك ما روي أن النبي ﵇ قال: (إذا شك احكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا فليبين على يقينه) وكذلك لو شك هل طلق أولا؟ لم يلزمه الطلاق؛ لأنه على يقين نكاحه، وهذا لو شك هل أصاب بدنه أو ثوبه نجس أو لا؟ فإنه يبني على يقين طهارته. قيل: عن هذا واجبان: أحدهما: أننا قد أريناكم في الأصول العمل على الشك، مثل عتق العبد الآبق في الكفارة وغير ذلك. والجواب الآخر: هو أن الذي ذكرتموه في الصلاة عروضه أن يشك في الطهارة هل غسل الأربعة الأعضاء أو الثلاثة منها؟. فإنه يبني على اليقين، وهذا حجة لنا؛ لأنه يرجه فيغسل عضوا لعله قد غسله، ويصلي ركعة لعله قد صلاها؛ احتياطا للصلاة حتى تسقط بيقين، فلا ننكر أن يعيد طهارة قد تطهرها؛ احتياطا للصلاة حتى تسقط عنه بيقين.

стр. 557

وأما من شك هل طلق أو لا؟ فقد روي عن مالك أنها تطلق. ولكن الأظهر أنها لا تطلق، بل يستجب له أن يطلق. والفرق بين الموضعين هو: أن المقصود في النكاح الاستمتاع والوطء نفسه. فلم يعمل الشك في يقينه. وأيضا فلو أعملنا الشك في يقينه للحقت فيه المشقة العظمى: لأن الشكوك تكثر من الناس، وليس في إعادة الطهارة من المشقة ما في ابتداء التزويج. وقد فرقت الأصول بين ما تكثر فيه المشقة وما تقل فيه. فمن ذلك: الحائض لم تكلف قضاء الصلاة؛ لتكررها في كل يوم خمس مرات، وكلفت قضاء الصيام؛ لأنه في السنة مرة واحدة. وأما إذا شك هل في ثوبه نجس أو لا؟. كان على ما هو عليه، لو صلى به ناسيا لم تبطل صلاته؛ لأن إزالة الأنجاس - عندنا - ليس بفرض، وليس كذلك الوضوء؛ لأنه فرض لأجل الصلاة.

стр. 558

وأيضا فإن مضيه على صلاته مع شكه في طهارته يوجب إسقاط الفرض عن ذمته بالشك. فإن قيل: هذا يلزم فيه إذا شك في طهارته وهو في صلاته. قيل: هو كذلك في القياس، وإليه أذهب وبالله التوفيق.

стр. 559

[٢٩) مَسْأَلَة إذا جامع الرجل المرأة والتقى ختانهما فقد وجب عليهما الغسل وإن لم ينزلا، وهو مذهب جميع الفقهاء غير داود. ووجوب الغسل مذهب أكثر الصحابة. وقد ذهب بعضهم إلى أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال، منهم أبي ابن كعب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد الخدري وغيرهم.

стр. 560

والدليل لقولنا: قول الله - تعالى -: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، وقوله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، والمجانبة في اللغة هي المفارقة، وهي كناية عن الوطء، فهو إذا كان مجامعا ثم فارق فقد حصلت المفارقة، سواء أنزل أو لم ينزل، فهو عام في كل مجامع فارق إلا أن يقوم دليل. وهذا قول النبي ﵇: (الكذب مجانب الإيمان)، أي مفارقه. فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿فاطهروا﴾ و ﴿حتى تغتسلوا﴾ يفيد طهارة ما، وغسلا ما، لا يدل على غسل جميع البدن، ونحن نوجب عليه غسلا ما وهو الوضوء. قيل: هذا غلط؛ لأن الله - تعالى - فرق بين الوضوء وبين الغسل والتطهير، فقال في آية الوضوء: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾، حتى ذكر الأعضاء، ثم لما ذكر الجنابة غير اللفظ، فقال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، وقال: ﴿حتى تغتسلوا﴾، فعلمنا أن الثاني غير الأول.

стр. 561

ومن جهة اللغة أيضا لا يعقل من قول القائل: قد اغتسل، غسل بعضه، وإنما يعقل منه غسل جميع بدنه. وكذلك حكت عائشة - رضي اله عنها - أن النبي ﵇ كان إذا كان جنبا يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل أصول شعره بالماء، ثم يفيض على سائد جسده، فعبرت عن فعله بلفظ الجنابة التي هي المفارقة ثم وصفت فعله وأن فيه غسل جميع البدن. ولنا أيضا: ما رواه سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري ﵁ سأل عائشة ﵂ عن التقاء الختانين، فقالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا التقى الختانين فقد وجب الغسل).

стр. 562

وأيضا: ما رواه الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قعد أحدكم بين شعبها الأربع وألصق جناحيه بجناحيها فقد وجب الغسل، وأنزل أو لم ينزل)، وهذا نص قد ذكره أبو داود. وقد روي مثل هذا عن عائشة أنها قالت: إذا قعد بين شعبها الأربع، ومس ختانه ختانها فقد وجب الغسل.

стр. 563

فإن قيل: فإنه لم يذكر في هذه الأخبار غسل جميع البدن، وإنا فيها ذكر الغسل، فإذا توضأ تناوله اسم الغسل. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الألف واللام في الغسل للجنس. فقوله (وجب الغسل) يوجب جميع الغسل، قليله وكثيره إلا أن يقوم دليل. والجواب الآخر: هو أن إطلاق الغسل يقتضي غسل جميع البدن لا غسل أعضائه مخصوصة، وقد فرق بين اسم الوضوء واسم الغسل. وأيضا ما روي عن عائشة قالت: قال النبي ﵇: (إذا التقى الختانان وجب الغسل)، ثم زادت بيانا فقالت: فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا. وعائشة رائية ومباشرة بذلمك، فقد أخبرت بحقيقة الباطن فيه. فإن قيل: إن هذا الحديث موقوف عليها. وأيضا فإن إضافة الفعل إليها لا يلزم لو صح، فنحن نحمله على الوضوء أو على الاستحباب؛ بدليل ما روي عن عثمان ﵁ أنه سئل عن الذي يجامع أهله فلا ينزل، قال: ليس عليه إلا الوضوء، هكذا سمعت رسول الله ﷺ .

стр. 564

قيل: أما قولكم: إن الحديث موقوف على عائشة فقد أسندته، وأبو هريرة معها. وأما إضافة الفعل إليها فإنه لم يتجرد حتى أضافته إلى رسول الله ﷺ ، والصحابي إذا حكى أن النبي ﷺ فعل هذا ففعل من أجله كذا، فهو كأن النبي ﷺ قال: فعلت كذا ففعلت لأجله كذا، وهو مثل قول الراوي: سها النبي فسجد، وزنا ماعز فرجمه. وأما حديث عثمان ﵁ فيمن جامع، فلفظ المجامعة يفيد المباشرة، مأخوذ من الاجتماع، فهو اجتماع البشرة مع البشرة، وليس فيه ذكر الجنابة، ولا ذكر الإيلاج، ونحن نقول بموجبه، والحديث الذي فيه التقاء الختانين بين صريح في موضع الخلاف، فأحسن أحوال حديث عثمان أن يكون عموما في كل مجامع، وخبر الختان أخص من هـ فيقتضي عليه.

стр. 565

فإن قيل: فقد روي أبو سعيد الخدري أن انبي ﵇ قال: الماء من الماء يعني الاغتسال من الإنزال، فجعل جنس الماء إنما هو من الإنزال، فصار كأنه قال: لا ماء إلا من الماء. وروي أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: (إذا جامع أحدكم ولم يمن فلا غسل عليه) وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﵇ قال: (إذا أكسل أحدكم ولم يقحط فلا غسل عليه) لا، فقوله: (أكسل) أي انقطع جماعه، وقوله: (ولم يقحط) أي لم ينزل.
следующие страницы →