Полный текст (1 330 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وضوء المرأة، وأن المرأة من فضل وضوء الرجل، وليغترفا معا.
وروى أنه ﵇ نهى أن يتوضأ الرجل من فضل وضوء المرأة.
والدليل لقولنا: ما رواه مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي
стр. 597
طلحة عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ وقد حانت صلاة العصر، فالتمس القوم الماء فلم يجدوا، فأتى النبي ﷺ بإناء فوضع يده فيه، وامر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم. فوضع الدليل منه أنهم توضؤوا كلهم من إناء واحد، ومعلوم أنه كان منهم نساء ورجال؛ لأن هذا كان في الحضر، ولم يفصل بين أن يتقدم النساء أولا أو الرجال، أو بعضهم على بعض، بل كلهم استعملوا، فمن متقدم ومن متأخر.
وأيضا ما رواه ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد، وعند أحمد أن مثل هذا يجوز،
стр. 598
وهو مما يسقط مذهبه؛ لأن الرجال والنساء إذا توضؤوا في إناء واحد، فإن الرجل يكون مستعملا لفضل المرأة لا محالة.
وقد روي عن معاذة العدوية عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد، فلما غتسل ﵇ معها من إناء واحد علم أنه لا محالة قد استعمل فضل مائها، فدل على جوازه.
وما روي أنه ﵇ أرد أن يغتسل من ماء في جفنه اغتسلت منه امرأة، فقالت له بعض نسائه: أغتسل: منه يا رسول الله وقد اغتسلت
стр. 599
منه من الجنابة؟. فقال: (المؤمن ليس بجنس)، وهذا نص في المسألة بفعله وتعليمه أن المؤمن ليس بنجس.
ولنا من الظواهر: قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، وهذا كيف ما كان فهو منزل من السماء.
وقوله ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير
стр. 600
لونه أو طعمه أو ريحه، وطهور اسم لما يتكرر منه التطهير فهو على عمومه.
ونقول: هو ماء فضل عن استعمال ما سقط به الفرض فجاز أن يسقط به الفرض، أصله فضل الرجل تتوضأ به المرأة. وفضل الرجل
стр. 601
يتوضأ به الرجل، وفضل المرأة تتوضأ به المرأة.
ونقول أيضا: هو ماء لم يخالطه شيء أثر فيه فجاز أن يتوضأ به، أصله لو لم يتوضأ به، أو ما ذكرناه من فضل الرجل، ولا يلزم على هذا الماء المستعمل؛ لأن التوضؤ يقع به - عندنا -.
فأما أخبارهم فمحمولة على الاستحباب.
وعلى أن أخبارهم النهي أن تتوضأ المرأة بفضل الرجل، وقد جاز - عندهم - بدليل فكذلك يجوز - عندنا - وضوء الرجل بفضل المرأة بدليل، وقد ذكرنا أدلته.
ويجوز أن نقول: إن الماء الذي يقي لم يستعمل في عضو يزول به الحدث، فأشبه حال الابتداء، وإذا فضل عن عضو من الأعضاء قبل كما طهارة المرأة.
وأيضا فإن ما يفضل بعد غسل النجاسة لا ينفي جواز الوضوء فكذلك ما فضل عن غسل الجنابة؛ لأن كل واحد منهما عبادة، فإذا جاز استعمال الفاضل عن أحدهما جاز في الآخر مثله.
وأيضا: فإن إدخال يدها فيه لا يؤثر في حكم الماء؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن تمنع منه المرأة أولا، وكل مستعمل؛ لأن منع المستعمل لا يخص بالمنع منه واحد دون الآخر، ولا يجوز اعتبار أداء الفرض به؛ لأنه يتنقض بفضل الرجل، وبما يبقى بعد إزالة النجاسة، والله أعلم.
стр. 602
[٣٣] مَسْأَلَة
عند مالك ﵀ أن المياه كلها طاهرة مطهرة، قليلها وكثيرها، من ماء بحر أجاج، أو عذب، لا يغيره عن طهارته وتطهيره شيء يخالطه من غير قراره إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه.
فإن خالطه شيء طاهر من غير قراره وغلب عليه فهو طاهر غير طاهر ولا مطهر، قليلا كان الماء أو كثيرا.
وأجمع فقهاء الأمصار أن مياه البحر عذبها وأجاجها بمنزلة واحدة في الطهارة والتطهير، إلا ما حكى عن قوم أنهم لا يجيزون التوضؤ بماء البحر.
والمروي عن أبي بكر وعمر ﵄ وابن عباس
стр. 603
وغيرهم ﵃ أنه لا فرق بين مياه البحار وغيرها.
وقد حكي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر ﵃ أنهم قالوا بالتيمم مع وجوده.
وقال عبد الله بن عمرو: والتيمم أحب إلي منه.
وقد حكي عن بعض الناس أنه أجاز التوضؤ به عند الضرورة.
стр. 604
والدليل لما عليه الجماعة: قول الله - تعالى - ﴿وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به﴾، وطهور اسم للطهارة يطهر غيره.
وأيضا قول النبي ﵇ في البحر: هو الطهور ماؤه والحل ميتته)، وقال هذا حين قيل له: إننا نحمل معنا القليل من الماء ونحن في البحر، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟. فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
стр. 605
وأيضا ما روي عنه عليه السلم أنه قال: (خلق اله الماء طهورا لا ينجسه شيء ما غير طعمه أو لونه أو ريحه) ى. وهذا عام في كل ماء.
وأيضا ما روي عنه ﵇ أنه قال: (من لم يطهره البحر فلا طهره الله).
وهذه الآيات والأخبار بعضها عام في جميع المياه لم يخص بها
стр. 606
ماء بحر من غيره، وبعض الأخبار خصوص في ماء البحر.
فإن قيل: كيف جعلتم طهورا بمعنى مطهر؟، وإنما الطهور هو الطاهر في نفسه، ولا يعقل منه أنه مطهر إلا بدلالة. والدليل أن الطهور بمعنى طاهر: قوله - تعالى -: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا ﴿. بمعنى طاهر؛ لأننا نعلم أنه ليس في الجنة عبادة حتى يكون الطهور مطهرا لغيره.
قيل: قد ذكرنا قوله - تعالى -: ﴿وينزل علكم من السماء ماء ليهركم به﴾، يبين أن قوله: ﴿طهورا﴾ بمعنى مطهر.
والحدث الذي ذكرناه في ماء البحر يدل على ذلك أيضا، لأنه ﵇ قال: (توضؤوا فهو الطهور ماؤه الحل ميتته).
وأيضا فإنه صحيح على ما قلناه؛ لأن طهورا عند أهل اللغة اسم لما يتطهر به، كقولهم: سحور اسم لما يتسحر به، وسعوط لما يستعط به، ولو كان بمعنى طاهر لقيل لكل شيء طاهر: فكان يقول للإنسان: طهور، ويستمر هذا في الثوب واللحم والخل وغير ذلك، لا يقوله أحد.
стр. 607
وأيضا فإنه لا يكون للماء خصيصة من غيره من المائعات لو قيل فيه: ماء طاهر، فخص هذا الاسم الذي هو طهور ليبين به سائر الأشياء، ومن المائعات التي هي طاهرة غير مطهرة، ثم يستفاد به فائدة أخرى تزيد على كونه مطهرا، وهي المبالغة في تطهيره حتى إنه يتكرر من التطهير لغيره، كما قيل: رجل شكور وصبور، وسيف قتول، وهذا اسم موضوع لمن يتكرر منه الفعل، فحصل في طهور فائدتان: إحداهما: كونه مطهرا لغيره، والأخرى: تكرار ذلك منه.
فإن قيل: فقد حصلت في هذه ثلالثة ألفاظ طاهر وطهور ومطهر، فإذا جاز لكم أن تحملوا طهورا ومطهرا على معنى واحد.
قيل: إنما نحمل طاهرا على العموم في الماء وسائر الأشياء، ونحمل طهورا ومطهرا على أنهما يفعلان الطهارة في الغير، وتكون كل لفظة منها وإن كانت مشاركة لصاحبتها مرجحة على الأخرى. ففي اسم طهور مبالغة فوجب تكرار الفعل، وأنتم إذا حملتم طاهرا وطهورا على معنى واحد أسقطتم فائدة تطهيرة لغيره، وفائدة التكرار، ولم تجعلوا للماء مزية على غيره من الأشياء الطاهرة، ونحن نعلم أن الله - تعالى - قد خص الماء من بين غيره بقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾.
وجواب آخر: وهو أننا قد اتفقنا على أنه يجوز أن نسمي المطهر طهورا، فإذا وقع النزاع في لفظة، فقلتم: المراد طاهر، وقلنا نحن: المراد مطهر. فإنهما لا يتنافيان، فهو طاهر مطهر، وكل مطهر طاهر،
стр. 608
وليس كل طاهر مطهرا. ثم مع هذا فإن جميع ما أطلق في هذا الباب في الشرع إنما يقتضي المطهر للغير، فمن ذلك: قول النبي ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)، فأرد أن الأرض لي مطهرة ولم يرد أنها لي طاهرة، ولو كان كذلك لم يكن موضع فضيلة.
ومن ذلك: قوله ﵇ في البحر، وقد سئل عن التوضؤ بمائه: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فخرج جوابه عما سئل عنه من الطهر به.
وأما ما ذكروه من قوله - تعالى -: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾، وأنه ليس في الجنة عبادة، فنقول: إن الآية توجب أن يكون الشراب طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، وليس إذا لم تكن على أهل الجنة عبادة ما يجب أن نسلب الماء صفته.
ثم إنه ينقلب عليهم في طاهر إن كان هذا معناه - عندهم -؛ لأنه إنما يقال: طاهر ونجس في موضع العبادة، فإذا لم تكن هناك عبادة وقد ذكر الطاهر جاز أن يخبر عن تطهيره لغيره وإن لم تكن هناك عبادة، وإنما أرد - تعالى - أن يخبرهم أن لهذا الشراب فضيلة تزيد على شراب الدنيا، وهو مما لو تعبدتكم بعبادة لجاز أن تتقربوا إلى باستعماله، كما أني في دار الدنيا جعلت للماء فضيلة على غيره، وهو أنه يطهركم، فكذلك لسائر أشربة الجنة فضيلة على سائر أشربة الدنيا.
стр. 609
وجواب آخر: وهو أنه - تعالى - أراد أن يصف لنا شراب الجنة بشيء مما نعرفه بيننا، ووجدنا أشرف الأشربة عندنا هو الماء الذي هو طاهر مطهر، فوصف شراب أهل الجنة بأشرف شيء نعرفه. ألا ترى أنه - تعالى - ذكر الأشياء التي نعرفها في الدنيا ونستلذها من الخمر والعسل واللبن، وقال: ﴿ولحم طير مما تشتهون﴾، وذكر الحور العين، وقال: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾، وليس في الجنة بكرة ولا عشي، فكذلك هذا.
فأما ما روي عن عبد الله بن عمروا، وقوله: التيمم أحب إلي من ماء البحر. فإنه يحتمل تأويلين: أحدهما أنه أراد أنني أركب البر فأعدم الماء فأتيمم أحب إلي من أن أركب البحر فأتوضأ منه؛ وهذا لهو البحر وخطره.
ألا ترى أنه لما قال له عمر ﵁: صف لي أمر البحر. قال: خلق شديد، يركبه خلق ضعيف، دود على عود، إن ضاعوا هلكوا، وإن سلموا فرقوا. فامتنع عمر ﵁ من أن يركبه أحد.
стр. 610
والتأويل الثاني: هو أن يكون قوله: التيمم أحب إلي منه لو كان ذلك يجوز، وقد يحب الإنسان شيئا غير ما يجب عليه إلا أن الشرع قد منع منه، وأوجب عليه غيره إذا كان ذلك الشيء الذي قد أحبه مما قد كان يجوز أن يتعبد به، فلا يمتنع أن يقول: قد كان هذا أحب إلي من هذا.
على أنه لو ثبت على ما يذكرونه لقضي عليه قول النبي ﷺ في البحر وقد سئل: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
فإن قيل: فقد روي عنه ﵇ أنه قل في البحر: (هو نار من نار) وقال - تعالى -: ﴿والبحر المسحور﴾.
стр. 611
قيل: ليس في هذا دليل يمنع من التوضؤ به؛ لأنه قوله: (هو نار من نار) يحتمل أحد معنيين.
إما أن يكون لهو له وغرره وشدته هو نار من نار، كما قال في الإبل: (إن جن من جن).
والمعنى الآخر: أي أنه يؤول إلى نار، فكأنه سماه للمقارنة. أي من ركب البحر وخاطر بنفسه وماله آل أمره إلى نار.
ويحتمل أن يكون أراد البحر يكون يوم القيامة نارا، ولهذا قال - تعالى -: ﴿والبحر المسحور﴾. وجملته أنه ليس في ظاهر ذلك ما يمنع التطهر منه، كما لا يمنع غسل النجاسة به.
ولنا أن نستدل بظواهر فنقول: إذا كان معه ماء البحر هل يستعمله أو يتيمم؟. قال الله - تعلى - ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد لما يقع عليه اسم ماء.
وأيضا فإنه ﵇ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه، فدليله أنه إذا لم يبل فيه جاز له أن يتوضأ منه، والبحر ماء دائم.
стр. 612
ولنا أيضا القياس على ماء البئر؛ بعلة أنه ما اكتسب الملوحة من قراره.
وأيضا فإنهم لا يخلون في الامتناع منه إما لأنه ماء بحر أو لأنه ملح أو لركوده، فيبطل ذلك لكونه بحرا؛ لأن ماء البحر العذب يجوز، ويبطل لكونه ملحا بماء الآبار المالحة، ويبطل لكونه راكدا بماء المصانع وغيرها، وقد قال - تعالى - ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض﴾، قيل: إنه
стр. 613
ماء البحار، وقال: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به).
стр. 614
[٣٤] مَسْأَلَة
والماء المستعمل مكروه عند مالك، مثل أن يجمع وضوءه من الحدث، أو اغسله من الجنابة في إناء فيتوضأ به دفعة أخرى، أو يغتسل به من جنابة.
وقال ابن القاسم في موضع: إنه لا يستعمل، وإن لم يكن غيره تيمم.
فكان الشيخ أبو بجر ﵀ يقول: معناه يتوضأ به ويتيمم ويصلي.
وبعض أصحابنا قال: هذه رواية أخرى في أنه لا يجوز أن يتوضأ به.
وحكى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن الماء نجس إذا كان قد استعمل سواء أزال به فرض الطهارة وغسل الجنابة، أو كان مجددا به ذلك.
стр. 615
وقال محمد بن الحسن: هو طاهر غير مطهر.
وقد كان أصحابنا يحكون هذا عن أبي حنيفة وأنا أبا يوصف قال: هو نجس.
والصحيح أن أبا يوسف وأبا حنيفة يقولان: هو نجس، ومحمد يقول: هو طاهر غير مطهر.
والظاهر من قول الشافعي أنه طاهر غير مطهر.
واختلف أصحابه، فقال بعضهم: إن له قولا آخر في أنه طاهر مطهر، كقولنا.
стр. 616
وقال بعضهم: ليس له إلا قول واحد وهو أنه طاهر غير مطهر.
وبمثل قولنا قال الحسن، والنخغي، والزهري، وداود.
والدليل لقولنا إنه طاهر مطهر: قوله - تعالى -: وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، فوصفه بهذه الصفة، وطهور اسم للطاهر الذي يتكرر منه التطهير، كقولهم: رجل شكور، وسيف قتول، ورجل روب، وما أشبه ذلك، فإذا ثبت هذا فيه في الأصل فمن زعم أنه انتقل عما هو عليه بالاستعمال فعليه الدليل.
فإن قيل: هذا الاستدلال لا يلزم من وجهين.
أحدهما: أن الله - تعالى - جعل جنس الماء طهورا، ونحن نقول: إن جنس الماء طهور يتكر منه التطهير، والرجل إذا توضأ فليس هذا القدر جنس الماء، وإما هو جزء من الجنس.
стр. 617
والوجه الآخر: هو أن الطاهر - عندنا - هو الطاهر المطهر، لا ما يتكرر منه الطهارة.
قيل: أما قولكم إن الله - تعالى - جعل جنس الماء طهورا، وأن هذا جزء من الجنس فإننا نقول: إنه إذا أراد الجنس فكل جزء منه له هذه الصفة، كقولنا: طعام مشبع، وماء مرو، وشراب مسكر، فإن كل جزء منه له هذه الصفة، فاللقمة تشبع الغير من الحيوان، وأكثر منها تشبع ما هو أكبر من ذلك الصغير، وإنما يختلف الشبع في الحيوان، فما يشبع الصغير منه لا يشبع الكبير، ولا يخرج الجنس كله وكل جزء منه على جنس ما يشبع.
وهذا هو جوابنا لأصحاب أبي حنيفة في أن النبي ﷺ حرم جنس المسكر، وهو قليله وكثيره، لأن قليله يسكر ما صغر من الحيوان كما يسكر كثيره ما كبر من الحيوان.
ومع هذا فقد عقل العلماء أن الله - تعالى - لم يرد أن مياه الدنيا كلها هي الطهارة المطهرة، وأن ماء دجلة لا تكون له هذه الصفة
стр. 618
دون انضمام ماء البحار إليه فسقط هذا الوجه.
وأما قولهم: إن الطهور هو الطاهر المطهر، لا ما تكرر منه الطهارة فإننا نقول: إنما سمي بهذا الاسم، ووصف بهذه الصفة للمبالغة فيما يتكرر منه، كما قيل: سيف قتول، ورجل شكور، فإذا وصف بهذه الصفة لهذا المعنى لم تزل صفته باستعماله أول مرة؛ لأن هذه صفة طاهر مطهر، لا صفة طهور.
وأيضا فإن الله - تعالى - قال: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، فهو على عمومه أينما وجد، وليس يخرج باستعماله عن كونه منزلا من السماء.
فإن قيل: إن هذا إخبار عن تطهيره حين ينزله من السماء، ونحن كذلك نقول.
قيل: تأخره بعد نزوله وبعد استعماله لا يخرجه أن يكون منزلا من السماء، فلا نخرجه عن صفته إلا بدليل، وهذا كقوله: ماء دجلة، لو استعملته لم يخرجه أن يكون ماء دجلة، وحيثما نقلته فهو كذلك.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد لما قد تناوله الاسم، فهو عموم حتى يقوم دليل. والنفي يتناول الجنس إذا كان نفيا في نكرة، فلما قال ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ دل على أنه إذا وجد ماء لم يتيمم.
стр. 619
وأيضا وقوله - تعالى - ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وهذا إذا كان جنبا اغتسل بالماء المستعمل قيل: قد اغتسل.
وأيضا قول النبي ﵇ لأبي ذر: (إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك)، وهذا واجد للماء.
وكذلك قوله ﵇: (أما انا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت) لا، ولم يخص ماء من ماء. ولنا عمومات كثيرة، مثل ما روي أنه ﵇ قال لأسماء في دم الحيض.
(حتيه ثم اقرصيه بالماء).
ومثل ما روي أنه ﵇ كاتن عند جنابته يغسل الأذى، ويغسل يديه، ثم يتوضأ ثم يخلل أصول شعره ثم يفيض الماء على جسده، ولم يخص ماء من ماء.
ومثل قوله للمرأة التي سألته فقالت: أنقض شرع رأسي؟ فقال: (إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي الماء على جسد).
ومثل قوله ﵇ (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير
стр. 620
طعمه أو لونه أو ريحه) فخبرنا أن الله - تعالى - خلق الماء على هذه الصفة التي هي كونه طاهرا مطهرا يتكرر ذلك منه فلا يغيره عن صفته إلا ما غير طعمه أو لونه إلا أن يقوم دليل، وإذا كان الله - تعالى - قد خلق الماء على هذه الصفة فكل جزء منه ينطلق عليه اسم الماء على ما بيناه قبل هذا الفصل.
فإن قيل: فإن هذه الظواهر كلها إنما هي فيما يقع عليه اسم ماء مطلق، وإذا صار مقيدا بصفة لازمة له تفارقه، وليست من قراره فلا يتناوله اسم ماء مطلق. فأما إذا قيل: مستعمل. فقد لزمته هذه الصفة فلا يدخل تحت الظواهر.
قيل: إن الصفات في الماء على ضروب.
فما كان منها مضافا إلى قرار، مثل ماء ددلة وماء الفرات، وماء الجب والجرة والماء الكدر لا معتبر به.
وما كان موصوفا بشيء يخالطه ويغلب عليه إما
стр. 621
طاهر أو نجس فهو معتبر.
وصفات لشيء عمل به أو كان غير أنه لم يؤثر فيه شيئا - أعني في عينه - مثل الماء المشمس والمسخن والمغلي فهذه أوصاف قد وصف بها الماء لازما حيثما نقلته، وفي أي إناء تركته هو موصوف بها، ولم يتغير حكمه فيها، فكذلك الماء المستعمل وإن كان صفته فيه لازمة فهي غير معتبرة، ولا مغيرة لحكمه، لأن الصفة لم تؤثر فيها شيئا.
والدليل: على أن الاستعمال لم يخرجه عن إطلاقه حتى يصثر في صفة ماء الورد والخل وماء الباقلاء: أنه لو شربه من حلف ألا يشرب ماء لحنث، ولو لم يشربه لبر، ولو شرب ماء ورد لم يحنث، فصار كالمسخن والمغلي والمشمس، فثبت أن هذه الصفة لما لم تؤثر فيه لم تخرجه عن إطلاقه.
ولنا أيضا ما روي عن ابن عباس ﵀ أن بعض أزواج رسول الله ﷺ اغتسلت في جفنة فجاء رسول الله ﷺ ليغتسل منها أو يتوضأ، فقالت: إني كنت جنبا، فقال: (إن الماء لا يجنب).
رواه أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن
стр. 622
ابن عباس، وهذا نص في جواز الماء المستعمل؛ لأنها اغتسلت في الجفنة، وقالت: إني كنت جنبا، فاغتسل النبي ﵇ فيها وقال: (إن الماء لا يجنب) أي هو على ما كان عليه.
فإن قيل: إنما هذا فيما فضل عن غسلها وليس هو فيما استعملته.
قيل: هذا غلط، لأنه قال: اغتسلت فيها، ولم يقل: منها، ولولا ذلك لم يقل: (إن الماء لا يجنب) أي إذا اغتسلت فيه لم تنتقل جنابتك إليه.
стр. 623
وأيضا فإننا إذا اعتبرنا الاستعمال علمنا أنه لم يؤثر في عينه فلا يؤثر في حكمه. ألا ترى أنه (لو) لم يؤثر في طهارته فلا يؤثر في تطهيره. ال ١ ي يكشف عن هذا: أن الأشياء التي تحدث في الماء فتؤثر في عينه مما ينفك الماء منه، إما من نجس - عندنا -، أو طاهر - عندنا وعندكم - إذا لم يؤثر في عين الماء لم يغيره عن حكمه في طهارته وتطهيره، فإن لم يكن الاستعمال أولى منه فينبغي أن يكون مثله؛ لأننا نعلم أن تلك الأشياء إذا كثرت غلبت على الماء فغيرت حكمه، والاستعمال لو تكرر أبدا لم يغير عينه، فينبغي أن يكون أولى بأن لا يغير حكمه عما كان عليه.
ونقول أيضا: هو ماء طاهر لاقى جسما طاهرا أو جرى على جسم طاهر فجاز أن يسقط به الفرض ثانيا، أصله الماء الذي غسل به ثوب طاهر وبدن طاهر.
ونقول: هو ماء مستعمل لم يؤثر الاستعمال في عينه، فجاز أن يزول به الفرض ثانيا. أصله ما ذكرناه إذا غسل به ثوب طاهر أو بدن طاهر.
وأيضا فإن الماء يستعمل في إسقاط فرض الوضوء كما يستعمل في إسقاط مسنون الوضوء، وهو التوضؤ في المرة الثانية والثالثة، ثم إن المستعمل في إسقاط المسنون لم يمنع إسقاط الفرض به؛ لأنه لو جمع ماء المرة الثانية والثالثة جاز أن يتوضأ به من حدث فكذلك المستعمل في إسقاط الفرض.
стр. 624
وأيضا: فإن كل ما أسقط به الفرض مرة جاز أن يتكرر في ذلك الشيء ويسقط فرضا آخر، كالسقوط في الحدود، وكالمد في الكفارة، لو عاد إليه جاز أن يكفر به ثانية، وكالبقعة يتيمم عليها ثم يتيمم ثانية وكالثوب يصلي به صلاة فرض ثم يصلي به صلاة فرضا آخر.
فإن قيل: قياسكم عليه إذا غسل به ثوبا طاهرا المعنى فيه: أنه لم يسقط به فرضا، وليس كذلك إذا وقع به الحدث؛ لأنه يصير كالعتق في الكفارة.
قيل: علتنا أولى؛ لأنها تتعدى وتجلب حكما زائدا، ويشهد لها غير الماء مما يزيل فرضا ثم يجوز أن يزال به فرض آخر كما ذكرنا في السوط، والطعام في الكفارة، والثوب يصلي فيه. وأما العتق في الكفارة فلو جاز أن يعود الرق جاز ذلك فيه، ولكنه يزيل الملك أصلا حتى لا يصح أن يتملك ثانية. ألا ترى أن الطعام والكسوة لما صح عود الملك فيه جاز أن يسقط به فرض آخر.
وعلى أن هذا قد يتأتى في العتق على وجه؛ وذلك أن أبا حنيفة يجوز للمكفر أن يعتق رقبة كافرة في غير القتل، ثم يجوز أن تنقض تلك الرقبة المعتقة العهد، وتلحق بدار الحرب، ثم تسبى وتسلم عند السابي أو لا تسلم، فإن أسلمت جاز - عندنا - أن تعتقد في الكفارة
стр. 625
بعد تقدم عتقها أولا في كفارة، وإن لم تسلم جاز عتقها عند أبي حنيفة في كفارة ثانية، سواء كان من صارت إليه بالسبي هو الذي كفر بها أو غيره فسقط هذا.
فإن قيل: فإن ما ذكرتموه في الماء الذي يسقط المسنون، في أصحابنا من قال: لا يجوز الوضوء به، وليس بشيء؛ لأن الشافعي يجوزه، ولكن المعنى فيه: أنه لم يسقط به فرض فلهذا جاز أن يسقط به الفرض.
قيل: قياسنا أولى؛ لأنه يفيد حكما زائدا وهو جواز الوضوء به ثانيا.
فإن قيل: ما ذكرتموه من السوط والتيمم من موضع ثم يتيمم منه هو وغيره فإن التراب - عندنا - شرط، فما حصل على وجه من التراب لا يجوز أن يتيمم به ثانية كالماء، وأما السوط والمد والثوب فليس بإتلاف ملك قصد به إسقاط فرض، فلهذا جاز أن يسقط به فرض آخر، وليس كذلك الماء؛ لأنه إتلاف ملك قصد به إسقاط فرض فهو كالعتق.
قيل: أما التراب فليس شرطا في التيمم - عندنا وعند أبي حنيفة - و - عند الشافعي - فنحن نعلم أن التراب الذي يحصل على يديه لا يتحصل في كل العضو، وإنما يصب بعض الوجه، فإلى أن يبلغ الذقن لا يبقى منه شيء وهذا لا يجيء في باب التيمم.
стр. 626
وقولهم: إن الماء إتلاف قصد به إزالة الفرض، وليس كذلك السوط والمد والثوب يصلي به غلط؛ لأن كلامنا في جميع الماء الذي توضأ به، ولا هو متلفا، ولا نسلم أن من شرط الوضوء إتلاف الماء؛ لأنه يجوز له أن يجمعه لشربه، وللوضوء به على ما شرحناه، فلم نسلم وصف علتهم.
ونقول أيضا: إن الإجماع حاصل على جواز استعمال الماء المستعمل، وذلك أن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملا ثم يمره على كل جزء بعده وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان التوضؤ بالماء المستعمل لا يجوز لم يجزئه إمراره على باقي العضو، ولوجب عليه أن يأخذ لكل جزء من العضو ماء جديدا.
فإن قيل: إن الماء المستعمل - عندنا - هو إذا سقط عن جميع العضو، فأما ما دام على العضو فليس بمستعمل.
ووجه آخر: وهو أنه وإن صار في أول جزء مستعمل فإن الماء ذو طبقات، فالطهارة لباقي العضو تقع بالطبقة التي لم تلاق الجزء الأول.
قيل: قولكم: إنه لا يكون مستعملا حتى يسقط عن العضو يلزمكم أن لا يكو مستعملا حتى يسقط عن الأعضاء كلها؛ لأن حكم الحدث
стр. 627
لا يزول، والطهارة لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها. ألا ترى أنه لا يصح أن يصلي، ولا يكون متوضئا بغسل بعض الأعضاء وترك البعض مع القدرة؛ لأن الأعضاء كلها كالعضو الواحد في حكم الوضوء.
وقولكم: إن الماء ذو طبقات، خطأ من جهة المشاهدة؛ لأن الطبقة الأولى يذهب منها جزء، وينحدر باقيها على باقي العضو. فإن كان طبقات الثاني غير الأول، فما يفضل عن العضو هو طبقة أخرى غير مستعملة على حسابكم.
فإن قيل: فإن الله - تعالى - قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ الآية، فأمر - تعالى - بغسل اليد بما أمر به في غسل الوجه، فلما كان غسل الوجه بماء غير مستعمل كذلك سائر الأعضاء.
هذا استدلال الشافعي.
قيل: المقصود من الآية غسل اليدين كما يغسل الوجه بالماء، ولم يخص ماء من ماء وليس شط الوجه في الابتداء أن يكون بماء غير مستعمل. فإن اتفق في أول وهلة أن يستعمل ماء من دجلة أو الفرات فالوجه يقع بماء مفرد، وباليدان بغير ذلك الماء، فالماء الثاني غير مستعمل كما الوجه. وإن جمع ذلك الماء عن الأعضاء كلها فهو المستعمل، إن غسل منه فهو كماء يغسل منه اليد.
стр. 628
فإن قيل: فإن النبي ﵇ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وفضل الوضوء حقيقته ما يفضل عن العضو، ويتساقط منه، فدل على أن الماء المستعمل لا يجوز التوضؤ به.
قيل: قوله ﵇: (لا يتوضأ الرجل بفضل المرأة) ظاهره ما فضل عنها لا ما تساقط منها، وأصحاب الحديث ذهبوا إلى هذا، وهو - عندنا - منسوخ بالحديث الذي رويناه وأنه ﵇ توضأ واغتسل في الجفنة التي اغتسلت منها زوجته، وقال: (إن الماء لا ينجب).
ويجوز أن يحمل خبر النهي على الندب إلى تركه وكراهية التوضؤ به، ويدل خبرنا هذا على جوازه، واستعمل الأخبار إذا تعارضت واجب مع الإمكان.
على أنه روى في خبر النهي أنه ﵇ قال: (وليغترفا معا) فدل على أنه نهى عن فضل مائها لا ما يتساقط منها.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ به، ولا يغتسلن فيه من جنابة)، فتقديره: لا
стр. 629
يبولن في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من جنابة ثم يتوضأ فيه، فمنع من أن يبول في الماء الدائم ويغتسل منه ثم يتوضأ، فعلم أن للاغتسال في تأثيرا في المنع من التوضؤ.
وروي أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﵇ نهى عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه، ووجه الدليل منه كما ذكرناه في الخبر الأول.
стр. 630
قيل: هذا كله - عندنا - محمول على الكراهية؛ لأنه يصير ماء مختلفا فيه، وليس هذا في الماء الكثير الراكد الذي هو كالغدير الكثير، وأكثر من القلتين فإن البول النجس إذا لم يؤثر فيه جاز استعماله، فالمستعمل أولى بجوازه، فإذا جاز هذا في الكثير مع عدم التأثير في عينه ففي القليل كذلك؛ لعدم التأثير في عينه، وهذا يطرد لنا نحن في قليل الماء وكثيره، كما نقول في النجس الذي لا يغير الماء: لا فرق بين قليله وكثيره، وعكسه أن يؤثر في قليله وكثيره فيتفق الحكم فيه.
فإن قيل: فإن إجماع الصحابة معنا؛ لأن النبي ﷺ سافر وسافر معه أصحابه، وسافروا بعده ﵇ وخرجوا إلى الغزوات، وعدموا الماء فيها، فلم ينقل أنهم أو بعضهم توضؤوا بالماء المستعمل، ولا جمعوا الماء بعد استعماله ليتوضؤوا به، فعلم ما ذكرناه، ولو جاز ذلك لوجب عليهم أن يجمعوه ولا يتيمموا؛ لأن الله - تعالى - أباح لهم التيمم عند عدم الماء، وهم - عندك - قادرون عليه بأن يجمعوه ليتوضؤوا به.
стр. 631
قيل: هذا لا يلزم؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون، وفي الغالب أن الأواني التي يجمع فيها الماء يتعذر وجودها في السفر، وإنما يكون معهم ما فيه فيتعذر فلم يؤخذ عليهم ذلك. ألا ترى أنهم لم يجمعوه للشرب الذي ضرورته أشد من ضرورة الوضوء؛ لأن للوضوء بدلا هو التيمم، ولا ينوب مناب الماء في شربه شيء، ومع هذا فإننا نقلب ذلك فنقول: لما لم ينقل عنهم أنهم جمعوه للشرب، وحاجتهم إليه أشد وجب أن لا يجوز شربه على قود قولكم، فلما جاز شربه بالإجماع مع أنه لم ينقل عنهم جمعه كان الاستعمال أولى.
وأيضا فقد يجوز أن يكون فيهم من جمعه وتوضأ به، كما يجوز أن يكون فيهم من جمعه ليشربه، ولم ينقل.
وعلى أن استعماله مكروه - عندنا - فعفي لهم عن جمعه واستعماله.
فإن قيل: إنما ل يجمعوه للشرب؛ لأن أنفسه تعاف شربه.
قيل: هم يشربون في السفر الماء الآجن، والماء الذي تحمله الميتة، والنفوس تعافه أشد من هذا، وأيضا فإن النفوس تعاف ما جددت به الطهارة ولم يؤثر فيعينه، سواء كان وضوؤه من حدث أو تجديدا
стр. 632
ومع هذا فالوضوء به جائز، وقد كان ابن عمر يجدد الطهارة عند كل صلاة، ولم ينقل عنه أنه جمعه للوضوء به.
فإن قيل: ما أدي به الفرض مرة فوجب أن لا يؤدي به الفرض مرة أخرى. أصله الماء المزال به النجاسة إذا كان متغيرا بالإجماع أنه لا يجوز إسقاط الفرض به.
стр. 633
قيل هذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن إزالة النجس - عندنا - ليس بفرض، فلا نسلم قولكم: إنه أزال فرضا.
والوجه الآخر: أنه إذا كان الماء متغيرا فلم يزل حكم النجاسة، فكيف يكون مزيلا للفرض وذلك الفرض باق؟ لأن النجاسة لا تزول والماء الذي أزيلت به متغير؛ لأنه ماء نجس. فالنجاسة لم تزل فسقط هذا، ولكنه لو أزال حكم النجس بان غلب الماء عليها فلم يتغير الماء لكان الماء الذي قد زالت به النجاسة طاهرا - عندنا - يجوز الوضوء به، كما يجوز بالماء المستعمل، بل المستعمل أولى بالجواز.
فإن قيل: إن العضو طاهر غير مطهر، والماء طاهر مطهر فلما صار العضو مطهرا بعد الاستعمال علم أنه سلب من الماء حكم التطهير.
قيل: هذا غلط، مع كونه دعوى؛ وذلك أننا حكمنا للمحدث بهذا الحكم لدلالة الشرع، ولم يدل على تغيير حكم الماء بعد تطهيره للمحدث؛ لأن الماء في الأصل يتكرر منه التطهير؛ لقوله - تعالى - ﴿ماء طهورا﴾.
стр. 634
على أن هذا فاسد ومنتقض فإن كان استدلالا فهو فاسد بالماء الذي تغسل به اليد إلى المرفقين بعد الحدث. كل جزء من اليد يصير مطهرا بما يلاقيه، ثم ينحدر الماء إلى الجزء الذي يليه فيصير مطهرا، وكذلك في الجزء الثالث إلى المرفق، فكان ينبغي أن لا يجوز إمرار الجزء الأول، وقد صار الجزء الذي لاقاه مطهرا؛ لان ما لاقاه وصار طاهرا قد سلبه حكم تطهيره، فلما كان انحدار الماء إلى آخر اليد قبل انفصاله عنها طاهرا مطهرا علمنا انه لم يسلب حكم تطهيره، فكذلك إذا انفصل عن آخر العضو.
وإن كان ذلك قياسا فهو منتقض بهذا.
فإن قيل: لا يصير شيء من العضو مطهرا إلا بسقوط الماء على آخره.
قيل: فينبغي أن لا يصير العضو كله مطهرا إلا بغسل آخر الأعضاء؛ لأن الطهارة لا تتم إلا بالفراغ من غسل سائر الأعضاء.
فإن قيل: فإنه ماء الذنوب؛ لأن النبي ﵇ قال: (إذا توضأ تحاتت الذنوب فيه).
قيل: عن هذا جوابان:
стр. 635
أحدهما: أنه ﵇، أراد ضرب المثل، أي كما ينغسل الدرن من الثوب فكذلك تنحات الذنوب بالغسل، لا أن الذنوب شيء يمناع في الماء ولا يؤثر في حكمه، وإنما يصير المتوضئ كمن لا ذنب له، فهذه الإضافة كما نقول ماء القرآن وماء الختمة.
ثم إننا نعلم أن الذنوب تنحات مع كل جزء منه عند غسل أول جزء مس الوجه أو اليد، ثم كل ما انحدر على جزء آخر هو كذلك، فينبغي أن لا تجزئه ما مر على الجزء الأول؛ لأنه ماء الذنوب.
والجواب الآخر: هو أن ابن عمر كان يجدد وضوءه لكل صلاة، ولولا زيادة الثواب وتحات الذنوب ما فعل ذلك، ومع هذا فإن الماء الذي جدد به وضوءه يجوز الوضوء به.
هذا يلزم أصحاب الشافعي؛ لأن أبا حنيفة وأبا يوسف يمنعون الوضوء بهذا الماء، والذي يلزمهما ما ذكرناه من ملاقاته كل جزء من العضو؛ لأنه - عندهم - نجس، ونحن نعلم أنه لو كان على أول جزء من يده نجاسة فمر عليها الماء ثم وصل إلى جزء آخر من العضو نجسه ذلك الماء، فكذلك ينبغي إذا مر الماء على الجزء الأول وصار نجسا ثم مر على جزء آخر أن ينجسه، فلما حكموا بطهارته ما لم ينفصل عن آخر العضو علم أنه لم ينجس، فكذلك لا يتنجس بانقطاعه عن العضو كله.
وأيضا فإن الأصول ترد هذا، وذلك أن الثوب فيه حكمان:
أحدهما: أنه طاهر، والآخر: كونه ساترا للعورة التي به نستبيح الصلاة مع القدرة، وفي المصلي حكما: أحدهما أنه طاهر، والآخر: أنه
следующие страницы →