← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

غسل نجاسة لا غسل تعبد، وأصله النجاسة إذا وقعت على ثوبه أو على بدنه. وأيضا فإن الكلب لم يماس الإناء ولا أصابه، وإنما أصاب الذي في الإناء، فلما وجب غسل الإناء على أنه وجب غسل الإناء لحدوث حادث فيه، فإننا نقول: ليس غسله فرضا، فلم تسلم علتكم وإنما غسله مسنون، وليس ما كان غسله مسنونا يكون لنجاسة، كالطيب من ثوب المحرم، فلم يسلم القياس على البول، وإنما كان بول ابن آدم نجسا؛ لأنه محرم أكله، وإن كان في حياته طاهرا. فأما الكلب فأكله مكروه فبوله مثله، وكذلك سائر السباع غير الخنزير محرم كابن آدم وبوله مثله. وعلى أن إزالة النجاسات - عندنا - ليست بفرض، فكيف ولوغ الكلب الذي هو - عندنا - طاهر؟. وقولهم: إنه مائع ورد الشرع بإراقته، فقد قلنا: إن النبي ﵇ قال: (إذا وجد أحدكم قذى في إنائه فليرقه ولا ينفخه)، فقد ورد الشرع بإراقته لا لنجاسة، وهذا ندب، وكذلك ولوغ الكلب إراقته ليست

стр. 667

بفرض، وأما الخمر فنجسة محرمة الثمن، كبول ما لا يؤكل لحمه. وقولهم: إنه غسل بالماء علق بموضع الإصابة فوجب أن يكون غسل نجاسة، فنقول: غسل داخل الإناء مندوب وليس بمفروض، وإنما هو تغليظ أو للنظافة؛ فإن النفس تعاف الشرب من الإناء بعد ولوغ الكلب فيه إن لم يغسل بالماء، فهو - عندنا - مندوب إلى غسل بول ما لا يؤكل لحمه من السباع وهي طاهرة، ومندوب إلى غسل ما يؤكل لحمه من الدواب أيضا وهي طاهرة، وهذا هو الجواب عن قولهم: إن الكلب لم يماس الإناء، وإنما مس ما فيه؛ لأنه إذا ولغ في الماء اختلط ولوغه فقذر الإناء لا لنجاسة، كما لو امتخط في الإناء قذره بلا نجاسة. على أن قياسنا الكلب في طهارته على سائر الحيوان أولى من هذا. ويجوز أن نستدل على طهارة الماء الذي ولغ فيه بقوله ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه). فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ أراد أن يدخل بين رجل فقيل له: إن فيه هرا. فقال: (الهر ليست بنجس)، فدليله أن الكلب نجس.

стр. 668

قيل: قد ذكر أن هذين خبران، قد دخل أحدهما في الآخر. على أننا نقول: إن كان هذا تعليلا في الكلب، وأنه لم يدخل البيت الذي هو فيه؛ لأنه نجس فينبغي أن تجري العلة في كل موضع فيه نجس، ولو كان كذلك لوجب أن لا يدخل بيتا فيه دم ولا بول، ولا غير ذلك من الأنجاس التي هي أغلظ من الكلب، فلما كان ﵇ يدخل البيوت التي فيها الأنجاس دل على أن هذا ليس بتعليل، وإنما معناه أن الكلب مبعد والهر ليست مبعدة؛ لأن النجس في اللغة وهو المبعد،

стр. 669

كقوله - تعالى - ﴿إنما المشركون نجس﴾، وهذا أولى من تعليل لا يصح، وقد كانت مبولة النبي ﵇ معه في البيت تحت سريره، ولم يمتنع من دخول البيت. وعلى أنه ﵇ لم ينص في الكلب على شيء، وإنما قال في الهر: (إنه ليست بنجس)، فاستدلوا بالتنبيه ودليل الخطاب على الكلب، ونحن ننازعهم في النص على الهر

стр. 670

وفي دليله، وهل أراد النجس اللغوي أو غيره؟. فإن قيل: اسم النجس والطاهر إذا أطلقنا في الشريعة عقل منه خلف اللغة، كالصلاة التي هي الدعاء في اللغة، ثم إذا أطلقت في الشرع عقل منها هذه الأفعال المخصوصة. قيل: إن الأحكام معلقة على الأسماء اللغوية حتى يقوم الدليل على نقلها، وليس إذا نقلت في موضع بدليل ينبغي أن تنقل في كل موضع ولم تقم - عندنا - دلالة في هذا الموضع أنه أريد به غير اللغوي. ثم لو ثبت الدليل على ما يذكرونه من دليل الخطاب لم يمتنع أن يلحق الكلب بالهر بدليل، وقد ذكرنا دلائل تقدمت تدل على طهارة الكلب، ودليل الخطاب يحض، ويسقط بالدلالة، فإسقاطه ههنا بالدلالة، ويصير تقديره كأنه قال: الهر ليست بنجس ولا الكلب، كما قال - تعالى - في خبر الصيد: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾، فالخاطئ بخلافه، ثم قامت دلالة ألحقت الخاطئ بالعامد، وصار تقديره:

стр. 671

متعمدا أو مخطئا. وإن كان ذلك تعليلا من النبي ﵇ جاز أيضا تخصيصه بدليل، فيحمل على النجس اللغوي بدليل. على أن التعليل إنما ورد في الهر، فكأنه ﵇ قال: دخلت لأن الهر طاهرة، والعلة لا يكون لها دليل فيما عداها، ولا إذا حصلت علة في أصل يقع منها تنبيه على علة أخرى تضادها في أصل آخر، وإنما يكون هذا فيما طريقه النطق في الأسماء والأوصاف، فكأنه ﵇ جعل العلة في دخوله البيت الذي في الكلب لشيء آخر، وهو تغليظ عليهم حتى لا يقتنوه إلا أباحهم منها، فيدخل عليهم في صيدهم وضرعهم وزرعهم، ومكان صيدهم وفيه الكلاب، فلو كان نجسا لم

стр. 672

يدخل ﵇ عليهم في هذه المواضع، فلما كان يدخل عليهم فيها علم أن الكلب ليس بنجس؛ إذ لو كان نجسا لامتنع من الدخول عليهم في كل موضع حتى تجري العلة في معلولاتها؛ لأنه لا يجوز أن يعلل فيقول: لا أدخل عليهم؛ لأن الكلب نجس، ثم يدخل عليهم وهو نجس، فلما أباحهم اقتناءها للصيد والزرع والضرع، ودخل عليهم علم أنه ليس بنجس؛ لأنه لو كان نجسا لكانت هذه مناقضة، والنبي ﵇ لا يناقض. فإن قيل: فإن العلة المنصوص عليها يجوز أن تخص. قيل: قد خصصناها لو نص عليها في الكلب بالأدلة، فنحملها على أنه أراد أنه مبعد، وهذا اسم لغوي. ويجوز أن نقول: قد جعل الله - تعالى - ورسوله ﵇ الكلب المعلم مذكيا للصيد، ومحال أن يبيحنا تذكية نجس العين؛ لأن كل حي حصلت منه التذكية طاهر العين مثل بني آدم، والخنزير - عند المخالف - نجس العين، فلو كان الكلب مثله لم يجز أكل ما قتله الكلب الصيد، كما لا يجوز أكل ما ذكاه الخنزير، وبالله التوفيق.

стр. 673

[٣٦] مَسْأَلَة ولا يجوز التوضؤ بماء الورد وماء الشجر، وعرق الدواب، وماء العصفر، وماء الكرش. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وكذلك نقول في ماء الزعفران. والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة إنما هو إذا خالط هذه الأشياء الطاهرة الماء، وكانت أجزاء الماء غالبة عليها إلا أن الماء متغير اللون والطعم والريح، فلا يجوز به الوضوء - عندنا وعند الشافعي -، ويجوز - عنده - الوضوء به، وأما إن كانت أجزاء هذه الأشياء غالبة على أجزاء الماء فإنه لا يجوز به الوضوء - عندنا وعنده وعند الشافعي -.

стр. 674

وقال الأصم: يجوز الوضوء بهذه المياه كلها على كل وجه. واحتج الأصم بان ماء الورد وماء الشجر، والماء الذي من الكرش إذا نحر الجزور فأخرج الماء من كرشه مائع طاهر فهو كالماء. والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وأنه على حكم الحدث حتى يقوم الدليل على سقوطه عنه. وأيضا فإن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط عنه إلا بدليل. وأيضا فإن الكلأ بيننا في إطلاق اسم الماء، والإطلاق يقتضي ماء القراح، فإن نوزعنا في هذا، قلنا: قد ثبت أن حالفا لو حلف لا

стр. 675

يشرب ماء فشرب ما ورد لم يحنث، ولو شرب ماء الشجر، وماء الخلوق، وحلف أنه لم يشرب ماء لكان صادقا. ولو أمر غلامه أن يشتري له ماء ورد، فاشترى له ماء القراح لعصى وحسن منه تعنيفه وتوبيخه، ولو أمره أن يشتري له ماء، فاشترى ما ورد لكان مخالفا، فلو كان يطلق عليه اسم الماء، كماء القراح لجاز استعماله مع وجود ماء القراح. ولا أظنهم يقولون هذا، فإن قالوه فما قدمنا فيه كفاية. ولنا أن نستدل بقوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، والطهور هو الطاهر في نفسه والمطهر لغيره، وقد دللنا عليه قبل هذا فيما مضى من المسائل، فلما خص الماء بهذه الصفة الزائدة وجب أن يكون مخصوصا بالحكم دون غيره. وأيضا قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فنقلنا من الماء المطلق إلى التيمم من غير واسطة. وأيضا فإن النبي ﵇ والصحابة ﵃ كانوا يسافرون ويتعذر عليهم الماء، ومعهم أنواع من المائعات، مثل ماء الورد والخل وغير ذلك، فلم ينقل عن أحد منهم أنه توضأ بها، فعلم أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنه لا يجوز.

стр. 676

وأيضا فإن النبي ﵇ توضأ بماء القراح، وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)، فلا يجوز الوضوء إلا بمثل ما توضأ به إلا أن يقوم بدليل. وأيضا فإن النبي ﵇ قال لابن مسعود: (هل معك ماء؟). فقال: لا، ولكن معي نبيذ، فلو كان ينطلق اسم الماء على النبيذ لم يقل: لا. ولكان النبي ﵇ ينكر ذلك عليه. فإن قيل: جميع ما ذكرتموه مخرج على العرف ولم يخرج عن أصله في الماء. قيل: فإذا كان العرف قد جرى بهذا على ما تقولون فما تريد أكثر منه؟، فما خاطبنا الله - تعالى - على هذا الحساب إلا بما جرى به عرفنا.

стр. 677

فإن قيل: فإن الله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، وقال النبي ﵇: (أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت)، ولم يخص ماء من ماء، ومن معه ماء ورد فهو واجد الماء، وليس إضافته إلى الورد بمخرج له عن الاسم، وهذا كما نقول: ماء دجلة وماء الفرات، وماء النهر، وماء الجب، وماء البئرة، وما أشبه ذلك، ومنزلة هذا: منزلة من حلف - عندكم - أن لا يأكل خبزا، فأكل خبزا وجبنا أو خبزا وملحا فإنه يحنث، ولا تكون إضافة الخبز إلى غيره بمخرج له عن اسم الخبر فكذلك هذا. وأيضا فإننا رأينا الله - تعالى - يجري الماء في أوعية، فتارة يجريه في عين، وتارة في بئر، وتارة ينزله من السماء، وتارة يجريه في الشجر وعروقها، فلا ينبغي أن يخرج عن إطلاقه، وقد قال - تعالى - ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض﴾، وقال - تعالى -: ﴿فسلكه ينابيع في الأرض﴾، فكذلك يسلكه في الشجر وغيرها، فلا يخرج ذلك عن إطلاقه. قيل: أما قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، وقوله ﵇: (أحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء)، فهو حجة لنا؛ لأن إطلاق اسم ماء لا يقع على ماء الورد، ولا يعقل منه ذلك لغة ولا شرعا، وأما إضافة الماء إلى قراره فلا معتبر به؛ لأن الإنسان إذا أخذه

стр. 678

في يده للوضوء تناوله اسم ماء مطلق، وإذا نقل من قراره إلى قرار آخر انتقلت الإضافة من القرار الأول إلى القرار الثاني، فالماء الذي كان في دجلة هو الماء الذي في الجب، ويقال ماء الجب بعد أن كان يقال فيه ماء دجلة، وهو مع هذا في الجب يقال: ماء دجلة، فإضافته إلى قراره لا تؤثر فيه، وليس كذلك ماء الورد؛ لأنه مضاف صفة لازمة له مؤثر فيه؛ لمخالطته ما هو من غير جنس قراره، وإنما هو لشيء حل فيه فغلب عليه، فحيثما نقلته وفي أي إناء تركته قيل: ماء ورد. وأما الذي حلف ألا يأكل خبزا فأكل خبزا وجبنا فإنما حنثناه بأكله الخبز؛ لأن الأيمان تخص بالعرف. وعلى أننا حنثناه بأكله الخبز، وأكله لشيء آخر معه لا يضر؛ لزن عين الخبز متميزة من الجبن، فاسم الخبز الخبز منطلق عليه، فعروضه لو حلف لا شرب ماء، فشرب ماء فيه ورق الورد لحنث؛ لأنه شرب ماء ووردا والماء مميز عن الورد، وليس كذلك إذا حلف ألا يشرب ماء، فشرب ماء ورد فرنه لا يحنث. وأما قولهم: إن الله - تعالى - يجري الماء في أوعية، فقد أجراه في الشجر وعيدانه، كما أجراه في الأرض، فإننا نقول: إن الله - تعالى - جعل الأرض قرارا للماء، وهو متميز عنها، فلم يكن للأرض فيه حكم أكثر من استقراره فيها، وهو مشاهد كما يشاهد في الجب

стр. 679

والجرة وغير ذلك؛ لأنه لا ينفك مع إطلاقه من قرار يحل فيه، فما دام الاسم ينطلق عليه من غير شيء يحل فيه من غير قراره فيؤث فيه فهو المأمور بالوضوء به؛ لأن الأمر ورد بماء هذه صفته وقد بينا أن ماء القراح حيث حل، قيل له: ماء القراح، وماء الورد وماء الشجر حيث حل، قيل: ورد وماء الشجر. وعلى أن الإضافة على ضربين: إضافة حقيقة - وهي المخالطة، وإضافة سمة وعلامة. فإضافة السمة والعلامة لا تغير الماء؛ لأنها لا تتغير عليه، كما ذكرنا وهو بحاله، فحيثما نقل أضيفت إلى ما نقل إليه سمة وعلامة، وهو بحاله، كما يقال ماء زيد، ثم ينتقل ملكه إلى عمرو فيقال: ماء عمرو، وليس كذلك ماء الورد وماء الشجر للتأثير في عينه، فهي إضافة حقيقة حيثما نقلته لم يتغير اسمه عن الإضافة المؤثرة وإن لحقته إضافة السمة، وهات ماء الورد الذي في القنينة. وقياسهم على الماء بعلة أنه مائع طاهر فإننا نقول المعنى في الماء أنه مخصوص بالصفة فكان مخصوصا بالحكم.

стр. 680

فصل قد مضى في جملة الكلام على الأصم ما يلزم أبا حنيفة في الماء إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه من الورد أو الزعفران وإن كانت أجزاء الماء غالبة لأجزاء تلك الطهارات وأنا أفرد الكلام عليه. فالدليل لقولنا: كون الإنسان على جملة الحدث، وكون الصلاة عليه بيقين فلا تقسط إلا بدليل. وأيضاً قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً﴾، وقوله: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، وقوله - تعالى - ﴿وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به﴾، فأطلق - تعالى - اسم الماء في هذه المواضع، وهذا فقد زال عنه إطلاق الماء حتى صار مقيداً بصفة مما حل فيه. يدل على ذلك: أنه لو أمر غلامه بشراء ذلك، فجاءه بماء القراح عصاه، وحسن تعنيفه له، ولو قال له: اشتر لي ماء، وأسقني ماء، فجاءه بهذا الماء المتغير حسن تعنيفه له، وكان الغلام عاصياً بذلك. وأيضاً قول النبي ﷺ لابن مسعود: "هل معك ماء؟ " فقال: لا، ولكن معي ماء نبذت فيه تمراً. فلو كان اسم الماء في الإطلاق يتناوله لم يقل: ليس معي ماء. لكان النبي ﷺ ينكر عليه، ويقول: هذا ماء، وهو

стр. 681

أحسن حالاً من ماء الزعفران الذي قد تغير طعمه ولونه وريحه. وأيضاً فقد اتفقنا على أن أجزءا الزعفران إذا غلبت على أجزاء الماء خرج الماء عن إطلاقه، ولم يجز الوضوء به، والعلة في ذلك: أنه ماء بان فيه لون الزعفران. وأيضاً فقد وافقونا على أن الماء الباقلاء المطبوخ لا يجوز التوضؤ به، وفيه من غلبة الماء مثل ما في الزعفران. ولنا القياس على نبيذ الزبيب؛ بعلة أنه ماء خالطه شيء يستغني عنه، وينفك منه غالباً، بان لونه أو طعمه فيه. وأيضاً فإن الدموع والعرق لا يجوز الوضوء به، العلة فيه أنه مائع لا يعد للعطش، فكذلك ماء الزعفران الذي اختلفنا فيه. فإن قيل: فإن إطلاق الاسم هو الأصل، والتقييد داخل عليه، كما أن الأصل هو التخفيف، والتثقيل داخل عليه، والأصل التذكير، والتأنيث داخل عليه، والأصل الحقيقة، والمجاز داخل عليه؛ لأن واضع اللغة لا يضع التقييد، وإنما يضع الاسم لجملة أشياء، يتقيد في بعضها بقلة الاستعمال، ويصير مطلقاً في بعضها لكثرة الاستعمال، فصار التقييد داخلاً في الوضع،

стр. 682

فمدعيه يحتاج إلى دلالة، كمدعي المجاز. قيل: إنما يرجع في هذا إلى وضع اللغة، فما كان مطلقاً منها فهو معروف، وما قيدوه خرج عن الإطلاق، وقد قيدوا في مسألتنا فقالوا: ماء الخلوق، وماء الزعفران، وماء الأشنان، وماء الباقلاء، فعرف من قولهم هذا خلاف ما يعقل من قولهم ماء غير مقيد، وكذلك يعقل من قولهم ماء نجس، وماء مستعمل، وماء مشمس، وماء مغلي ما يعقل من قولهم ماء مطلق، فليس يحتاج في هذا إلى دلالة أكثر من تقييدهم. ثم إن الشريعة بعد ذلك ميزت أحكام ما قيدوه، فما كان من المقيد بصفة لم ينفك منها، أو لم يؤثر في عينه شيء حل فيه أجرته مجرى المطلق. وما أثر فيه مما حل فيه وليس من قراره. فما كان طاهراً حصل الماء طاهراً غير مطهر، وما كان نجساً حصل الماء غير طاهر ولا مطهر. فإن قيل: فإن ما تغير لونه بالزعفران يقال: إنه ماء وقع فيه زعفران، فيوصف أنه محل له، وهذا لا يؤثر في إطلاق الاسم، مثل وقولهم: ماء وقع فيه ثوب. ولا يجوز أن يقال له: ماء الزعفران؛ لأن هذا الوصف لما اتخذ من الزعفران، كما يقال: ماء الفاكهة لما اتخذ منها، ولا يقال لما وقع فيه شيء من الفاكهة: إنه ماء الفاكهة، فكذلك إذا وقع ورد فاكتسب به رائحة لا يقال: إنه ماء الورد. وإذا كان إطلاق الاسم بحاله تناوله قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، وقوله:

стр. 683

" التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء"، وهذا واجد له. قيل: إذا وقع الزعفران في الماء فهو على وجهين: إن لم يؤثر في صفاته قيل: هذا ماء قد وقع فيه زعفران؛ ليعلم من لم يعلم بذلك، وإن أثر فيه علم من طريق المشاهدة أنه ماء الزعفران، وقيل: ماء الزعفران، وهذا كما يقع فيه نجس ولا يؤثر في طعمه ولا ريحه ولونه فيقال: هذا ماء وقعت فيه نجاسة؛ ليعلم ذلك من لم يعلمه، وإذا تغير بلون أو طعم أو ريح قيل: هذا ماء نجس وإن لم يكن مستخرجاً من النجاسة وإنما حلت فيه نجاسة أثرت فيه. فتأثير الزعفران في الماء كتأثير النجاسة في الماء، وإن كان هذا نجساً وذاك طاهراً. وكذلك الثوب إذا وقع في الماء، فإن طال مكثه فيه حتى غير طعمه ولونه وريحه كان مضافاً كماء الزعفران، وإن لم يطل مكثه فيه ولم يتغيره فهو كالزعفران إذا لم يؤثر فيه، وكذلك ماء الفاكهة، وهذا كما الباقلاء ليس هو شيئاً استخرج من الباقلاء، وإنما الباقلاء غيره لما حل فيه. فإن جوزوا الوضوء بماء الباقلاء فالكلام على الجميع واحد، وهم يجوزون الوضوء بماء الباقلاء الني إذا بيتوه فيه، ولا يجيزونه بماء الباقلاء المطبوخ، ولا يختلف أهل اللغة في تسمية ماء الباقلاء بهذا الاسم، وإن كان الباقلاء حل فيه، فكذلك ماء الزعفران إذا أثر فيه، وإذا كان هذا هكذا لم يتناوله قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماءً

стр. 684

فتيمموا﴾؛ لأن هذا ماء مطلق، وذاك ماء مقيد بالزعفران كما الباقلاء. فإن قيل: فإننا نفرض الكلام في الماء إذا خالطه الأشنان فغير طعمه ولونه، فنقول: هو ماء خالطه ما يحصل به الإنقاء فلا يكون تغيير لونه مانعاً من جواز التوضؤ به مثل الطين. قيل: هو فاسد بماء الصابون وماء الباقلاء: فإن الإنقاء يقع بالباقلاء المطحون ويقع بالصابون. فإن جوزوا هذين قلنا: المعنى في الطين أنه من قرار الماء الذي لا ينفك منه غالباً، وله مدخل في الطهارات عند التيمم، فكأنه من جنسه. على أن ما ذكروه ينتقض به إذا كانت أجزاء الزعفران غالبة على أجزاء الماء. فإن قيل: المانع ههنا هو غلبة الأجزاء لا التغيير. قيل: قوة الأجزاء هي المغيرة، وإنما يزيد في التغيير في الطعم واللون والريح، وأول جزء يصل به التغيير هو المؤثر ولا اعتبار بماء زاد عليه. ألا ترى أن النجاسة إذا غيرت طعم الماء ولونه وريحه كان الحكم لها ولم يؤثر فيه تزايد النجاسة وقوتها في التأثير، فكذلك في الزعفران. فإن قيل: إن كل تغيير حاصل في الماء يمنع جواز الوضوء به فإنه لا يختلف حكم المجاورة والمخالطة، يدلك عليه: اعتبار النجاسات، وفي

стр. 685

اتفاقهم على أن العود متى غير رائحة الماء لم يمنع من استعماله دلالة على أن مخالطته لا تمنع أيضا. وأيضا فلو تغير الماء بمكثه في بقعة لم يمنع ذلك جواز الوضوء به، فكذلك إذا حصل بحادث، دليله الماء العذب إذا تغير بالملح. أيضا قد يكون متغيرا في أصل خلقته فوجب أن يكون الحادث بمنزلته. أصله الملوحة. قيل: قولكم: إن كل تغيير يمنع جواز الوضوء لا يختلف حكم المجاورة والمخالفة كالعود يقع في الماء، فإننا نقول: العود إذا نقع في الماء حتى يتغير ريح الماس لم يجز الوضوء به، وإن لم يتغير جاز، وهذا كالنجاسة اليابسة إذا وقعت في الماء، وأخرجت ولم تغيره فهو طاهر مطهر، وإن أثرت في ريحه لم يجز الوضوء به. على أن صفة المجاورة ليست هي بشيء تحل فيه ولكن الماء لو كان في إناء، مجاورا لشيء طيب، أثر ريح ذلك في الماء لم يمنع الوضوء به؛ لأنه لم يحل فيه من جسم الطيب شيء، وكذلك لو كان الماء في

стр. 686

إناء، والإناء مجاور لشيء فيه نجس له ريح، فأثر ذلك في ريح الماء المفرد في الإناء المجاور له لم يمنع الوضوء به؛ لأنه لم يحل من جسم النجاسة فيه شيء. وقولكم: لو تغير الماء بمكثه لم يمنع جواز الوضوء به فكذلك إذا حصل بحادث منتقض بحلول النجاسة فيه إذا غيرته. وكذلك قولكم: إن الماء قد يكون متغيرا في أصل خلقته فوجب أن يكون الحادث بمنزلته كالملوحة، فإنه أيضا منتقض بحلول النجاسة فيه إذا غيرته. على أن الملوحة إن كانت من ملح طرح فيه حتى يغير طعمه فلو قلنا: لا يجوز الوضوء به لم تكن لكم حجة، ثم لو جوزناه لكان الملح من جنس الأرض؛ لأن التيمم يجوز عليه، فهو كالطين والرمل الذي هو من الأرض، لأن الملح من السباخ. ويجوز أن يحتج في أصل المسألة بقول النبي ﷺ : (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، والاستدلال به من وجهين. أحدهما: أن النجس في اللغة هو المبعد، فكأنه قال: الماء لا يبعده إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه، فينبغي أن يكون هذا الماء مبعدا لما غيره، وما يتوضأ به لا يكون مبعدا. والوجه الآخر: هو أنه ﵇ نبه على أن الشيء الذي يحل في الماء فيغيره له تأثير في منع الوضوء به؛ لاتفاقنا على أن أجزاء الطاهرات

стр. 687

إذا غلبت على أجزاء الماء كان كغلبة أجزاء النجاسة لأجزاء الماء فينبغي أن يكون الحكم فيها إذا غير الماء واحدا، والله أعلم. فإن قيل: فإنه طاهر غلب على الماء ولم يخرجه عنه طبعه فجاز الوضوء به. أصله الماء إذا تغير بالورق أو الطحلب أو بالطين أو الحمأة. قيل: المعنى فيه أنه ماء غلب عليه ما ليس بقرار له مما ينفك منه الماء غالبا، وليس كذلك ما حصل فيه طحلب وطين فقد تعارضت العلتان. ولنا أن نرده بهذه العلة إلى أصل آخر، وهو ماء الباقلاء المطبوخ. ولا يلزم على علتنا الماء الذي يغريه الطحلب والطين والحمأة وما تساقط فيه من ورق الشجر؛ لأن الماء لا ينفك بهذه الأشياء غالبا، ولا يمنكن التحرز منها، وإذا تعارض القياسان أولى؛ لشهادة الأصول فيه كل شيء يحل في الماء مما ينفك منه غالبا، فلا فرق بين أن يغيره بتزايد أجزائه على أجزاء الماء أو بتزايد الماء عليه ولا فرق بين ماء الباقلاء الني والمطبوخ، كالماء الذي تحل فيه النجاسة فتغيره فلا فرق بين تزايد أجزائها على أجزاء الماء، وبين تزايد أجزاء الماء على أجزائها، وبالله التوفيق.

стр. 688

[٣٧] مَسْأَلَة ولا يجوز الوضوء بالنبيذ، نيه ومطبوخه، مع عدم الماء ووجوده، تمريا كان أو غيره، فإن كان مع ذلك مشتدا فهو نجس، ولا يجوز شربه ولا الوضوء به، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف. واستدل على أن هذا مذهب عمر وابنه عبد الله لما روي عنهما أنهما قالا: النبيذ نجس لا يجوز شربه. فقد قالا: إن الوضوء لا يجوز به. وقال الأواعي: يجوز التوضؤ بسائر الأنبذة، وروي مثل هذا عن علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 689

وقال أبو حنيفة: لا يجوز التوضؤ به في حضر ولا سفر مع وجود الماء. فأما مع عدمه فيجوز بمطبوخ التمر إذا أسكر، فأما الني والنقيع يجوز التوضؤ به.

стр. 690

وذكر بعض أهل العراق أن ابن المبارك ونوح بن دارج رويا عن أبي حنيفة الرجوع عن ذلك. فعلى الرواية التي يجوزه في المطبوخ فقد اختلفوا في الطبخ. فقال بعضهم: حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. وحكيم عن الكرخي أنه شرط الطبخ ولم يوقت. وحكيم بعضهم أنه ليس عن أبي حنيفة فيه رواية، وإنما اختلفوا هم، فمنهم من يجوز - أعني في مطبوخ التمر الحلو - ومنهم من قال: لا يجوز حتى يسكر.

стр. 691

وقال محمد بن الحسن: يتوضأ به كما قال أبو حنيفة ويتيمم معه. ومعه غرضنا الكلام في تحريم النبيذ المسكر ههنا، وهو يجيء في كتاب الأشربة، وإنما القصد ههنا الكلام على من جوز التوضؤ به. والدليل لقولنا: كون المحدث على حدث، وأن الطهارة واجبة عليه، فمن زعم أن حدثه يرتفع بالوضوء بالنبيذ فعليه الدليل. وأيضا قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾. وأيضا فإن الله - تعالى - قال: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وقال: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، وقال النبي ﵇: (خلق الله الماء طهورا)، فجعل الماء المطلق هو الطهور دون غيره، فدل على أن غير الماء المطلق لا يكون طهورا.

стр. 692

فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، نقلنا من الماء إلى الصعيد، وفي النبيذ، ماء لا محالة، فهو واجد لماء؛ لأنه قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ منكر، فلم يخص ماء من ماء، فيجوز التوضؤ بالنبيذ؛ لأن فيه ماء. قيل: إنما قال - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، وهذا يقتضي الماء المطلق، ولم يقل: تجدوا ماء فيه ماء. والماء الذي في النبيذ ليس بماء مطلق؛ لأن إنسانا لو حلف ألا يشرب ماء فشرب نبيذا لم يحنث، ولو حلف أن يشرب ماء فشرب نبيذا لم يبر، وكذلك لو أمر غلامه أن يشتري له ماء فاشترى له نبيذا كان مخالفا يجوز تعنيفه، ثم لو انطلق عليه اسم ماء لجاز استعماله مع وجود الماء. فإن قيل، إن النبيذ وإن لم يقع عليه اسم الماء في اللغة فإنه يقع عليه في الشرع؛ لأن النبي ﵇ قال للنبيذ الذي كان مع ابن مسعود: (تمرة طيبة وماء طهور). قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة: أحدهما: أن النبيذ لا ينطلقق عليه اسم الماء لا في اللغة ولا في الشرع، فأما قوله ﵇: (تمرة طيبة وماء طهور)، إنما سمي الماء باسمه ولم يسم النبيذ ماء؛ لأنه لم يكن معه نبيذ وإنما كان معه ماء نبذ فيه تمرا ولم يختلط؛ لأن مياه العرب كانت فيها ملوحة، فكانوا

стр. 693

يستعذبونها بالتمر. ألا ترى أنه ﵇ أفرد ذكر الماء فقال: (تمرة طيبة) فأرد ذكرها، وقال: (ماء طهور)، فأفرد اسمه، وذكر أنه طهور، فلو كان مختلطا قد امناع في الماء لكان يقول: نبيذ طيب طهور، وليس يجوز أن يقال: إن النبيذ يقع عليه اسم التمر في الشرع، فكذلك لا يقع عليه اسم الماء. والجواب الثاني: هو أننا لو سلمنا أن اسم الماء يقع على النبيذ في الشرع لم يكن مرادا بالظاهر ولا تناوله اللفظ من وجهين. أحدهما: أن النبيذ يقع عليه اسم ماء في الشرع، والماء المطلق يسمى ماء باللغة واللفظة الواحدة لا يجوز أن يراد بها ما يسمى في الشرع وما يسمى في اللغة في حالة واحدة بلفظة واحدة، كان المراد باللفظ أحدهما، وقد أجمعوا على أن الماء المطلق مراد بالآية فوجب أن يكون النبيذ غير مارد بها. والجواب الثالث: هو أنه لو تناول الظاهر النبيذ كما تناول الماء المطلق لوجب أن يستوي مع الماء المطلق في جواز استعماله، فيكون مخيرا بين استعماله وبين استعمال الماء المطلق، كما يكون مخيرا بين ماءين؛ لأن اللفظ إذا تناول شيئين تناولا واحدا لم يفترقا في الحكم؛

стр. 694

لأن الجنس واحد، كألفاظ العموم. مثل قوله - تعالى - ﴿فاقتلوا المشركين﴾، ﴿والسارق والسارقة﴾، فلما قالوا: إن النبيذ لا يجوز التوضؤ به مع وجود الماء المطلق علم أنه لم يتناوله اللفظ أصلا، وهذا السؤال أجود أسئلتهم على الآية. وأيضا فإن رسول الله ﷺ روي عنه أنه قال لابن مسعود: (هل معك ماء؟). فقال: لا، ولكن معي نبيذ. فلو كان اسم الماء ينطلق على النبيذ لم يجز لابن مسعود أن يقول ليس معي ماء. وهو من وجوه أهل اللغة، عارف بأسماء الشرع أيضا، وكان النبي ﵇ أيضا ينكر عليه، ويقول هذا ماء في اللغة وفي شرعي. فإن قيل: ليس يخلو من الذي كان مع ابن مسعود من أحد أمرين: إما أن يكون نبيذا كما نقول. أو يكون ماء قد طرح فيه تمرا لم يمنع فيه. فإن كان نبيذا فقد أنكر عليه بقوله: لا، وقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، أو يكون ماء ولم ينمع فيه التمر، فقول ابن مسعود: ليس معي ماء محال. قيل: لم يكن معه نبيذ على ما تقولون، وإنما قال: ليس معي ماء مفرد ولا ماء أعد للتوضؤ، وإنما معي ماء استعددته للشرب، ولهذا أفرد النبي ﵇ ذكر الماء عن ذكر التمر، فقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، ولو جاز لإنسان أن يسمي النبيذ ماء مطلقا؛ لأن النبي ﵇ قال: (ماء طهور) جاز لآخر أن يسمي النبيذ تمرا؛ لأنه ﵇ قال:

стр. 695

"تمرة طيبة"، ولو جاز أن يسمى النبيز ماء؛ لأن فيه ماء جاز أن يسمى الخل ماء؛ لأن فيه ماء. وهذا أبو عبيد القاسم بن سلام - وهو إمام في اللغة - يقول: وقد ذكر النبيذ أنه لا يكون طهورا أبدا؛ لأن الله - تعالى - اشترط الطهور بشرطين لم يجعل لهما ثالثا، وهما: الماء والصعيد، وأن النبيذ ليس واحدا منهما. ثم نقول: لو أن الأمر على ما ذكرتم، وأنه يسمى ماء لما فيه من الماء فإن العرف جرى بأن لا يطلق عليه الاسم، فسبيلنا أن نرجع إلى عرف اللغة والشريعة؛ لأن الألفاظ إذا أطلقت ووقع التنازع فيها كان الأول فيها أن تحمل على عرف اللغة والشريعة، كما قيل في قوله - تعالى -: ﴿وجعل الشمس سراجا﴾، ﴿والجبال أوتادا﴾، ثم إذا أطلق اللفظ من هذا حمل على العرف، والغالب من السراج الذي هو المصباح، والوتد هو الذي يوتد في الحائط، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فضحكت فبشرناها بإسحاق﴾، وإنما أريد به الحيض، وفيما بيننا

стр. 696

لو قال قائل لزوجته: إذا ضحكت فأنت طالق. لم يتعلق الحكم إلا بالضحك المعقول في العرف. هذا مذاهب الفقهاء جملة وإن كانوا في مواضع من الإيمان ريما حملوه على كل ما تقتضيه اللغة غير أنهم لا يخرجون به عن اسم الحقيقة. ثم إننا نقول لهم: قد وجدنا اسم الماء قد ارتفع عن النبيذ بكل وجه حتى لا يسمى ماء مطلقا ولا مقيدا، وقد يسمى غيره من ماء الزعفران وماء الورد والباقلاء ماء بتقييد. ثم نقول أيضا: أليس قد زعمتم أن الاسم الحقيقي لا ينتفي عن المسمى بوجه؟ فمتى انتفى عنه علمنا أنه ليس بحقيقة له، ولو قيل له: هل معك ماء؟. فقال: لا، ولكن معي نبيذ لم يكن مخطئا، كما قال ابن مسعود للنبي ﵇. فعلمنا بهذا أن إطلاق الماء قد بطل عنه. ولنا أن نبني المسألة على أصلنا في أن النبيذ المشتد حرام نجس. فإن سلموا ذلك فلا قول إلا قولنا، وإن لم يسلموه دللنا على صحته بقول النبي ﵇: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، وبالأدلة المذكورة في مَسْأَلَة النبيذ. دلائل القياس: نقول: إن النبيذ مائع لا يجوز التوضؤ به مع وجد الماء فلا يجوز

стр. 697

التوضؤ به مع عدمه. أصله ماء الباقلاء وماء الورد وقولنا: مائع احتراز من الصعيد. ونقول: هو مائع لا يجوز التوضؤ به في الحضر فكذلك في السفر، أصله جميع الأنبذة. ونقول: هو مائع غلب عليه طعم التمر ولونه فلا يجوز الوضوء به، أصله النبيذ الني. أو نقول: هو اء غلب عليه لون التمر فأشبه الخل. أو نقول: هو شراب مسكر فلا يجوز التوضؤ به أصله الخمر. أو نقول هو مائع غلب عليه طعم ما يؤكل فأشبه الماء إذا بل فيه الخبز وإنماع فيه. ثم إن الاعتبار الصحيح معنا؛ وذلك أن الماء في الخل أكثر منه في النبيذ؛ لأنهم يكثرون الماء في طبخ التمر حتى يرق فتسرع إليه الحموضة، فالتمر الذي فيه أقل منه في النبيذ، وماؤه أكثر، فلما لم يجز التوضؤ بما فيه الماء أكثر مع قلة التمر كان في الموضع الذي يقل فيه الماء ويكثر التمر أولى أن لا يجوز. وأيضا فإننا رأينا الخل من جنس النبيذ؛ لأنه ماء مع تمر، فلما لم يجز التوضؤ بالخل مع الإجماع على طهارته وكونه من جنس النبيذ كان النبيذ أولى أن لا يجوز التوضؤ به. وأيضا فإننا وجدنا الأصول كلها تدل على أن ما جاز التوضؤ به استوى حكم مطبوخه وغير مطبوخه. ألا ترى أن الماء الطاهر يجوز الوضوء به طبخ أو لم يطبخ، والماء النجس لا يجوز الوضوء به طبخ أو لا.

стр. 698

فلو جاز الوضوء بالنبيذ لاستوى حكم مطبوخه وغير مطبوخه، فلما افترق حكم النبيذ - عندهم - في نيه ومطبوخه خرج عن الأصول. وأيضا فإن الأبدال في الأصول موضوعة على ما هو أسهل وجودا وأهون من المبدلات، كالتراب في الطهارات، والإطعام في الكفارات. والحكمة أيضا توجب ذلك، لأنه يبعد في الحكمة أن يؤمر من لا يقدر على أسهل الموجود وأهونه بالعدول إلى أصعبها مأخذا وأعزها مطلبا، ونحن نعلم أن النبيذ أشد تعذرا وأعز من الماء، فوجب أن يكون العدول إلى الصعيد عند عدم الماء هو البدل عنه؛ أسهل وأهون وجودا. وأيضا: فإنه لا تعدو حال النبيذ في جواز التوضؤ به أحد أمرين: إما أن يكون أصلا أو بدلا. فإن كان أصلا فيجب أن يترتب على العدم كالماء، أو يكون بدلا فيجب أن يكون أعم وجودا من الأصل، وأن يستوي فيه حكم الحدثين الأعلى والأدنى، وأن يختص باسم كالتيمم، فلما لم يوافق الأصل ولا البدل بطل أن كون له مدخل في التطهير. ألا ترى أن الصعيد لما كان بدلا عن الماء استوى حكمه في الطهارتين جميعا الأعلى والأدنى، وهو الاقتصار على العضوين المخصوصين، وهم قالوا: يتوضأ بالنبيذ إن كان محدثا، ويغتسل به إن كان جنبا، فعلم بهذا أنه ليس ببدل عن الماء. فإن قل: جميع الظواهر والاستدلالات والقياسات على ما قلتم، وإنما عدلنا إلى الخبر الصحيح المشهور الذي يترك لمثله قياس

стр. 699

الأصول، وهو ارواه أبو فزارة العبسي عن أبي زيد - مولى عمروا حريث عن ابن مسعود أنه قال: كنت مع النبي ﵇ ليلة الجن، فقال: (يا عبد الله أمعك ماء؟). فقلت: لا، معي نبيذ، فأخذه وقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، فتوضأ به، وهذا نص، وهذا استدل به أبو حنيفة وشيوخهم. والجواب: أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن أبا فزارة وأبا زيد مجهولان، ولم يعرفهما أحد من أصحاب الحديث.

стр. 700

وقال موسى بن هارون: هذا حديث باطل، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا أبا زيد هذا، وهو رجل مجهول، - وعندنا - أنه إذا لم يعلم إسلام الرجل وعدالته لم يجز قبول خبره. وقد قيل: إنا أبا فزراة راشد بن كيسان كان نباذا بالكوفة، فروي هذا لنفق سلعته. فإن قيل: فقد روى سفيان الثوري عن أبي فزارة، فدل على أنه ثقة معروف. وأما بيعة النبيذ فلا يرد به خبره؛ لأن شرب النبيذ حلال كالماء، وليس هذا إلا كبيعه الخل وغيره من المائعات.

стр. 701

قيل: نقل الثوري عنه لا يدل على كونه ثقة، كما روى الشعبي عن حارث الأعور، قال: كان والله كذابا. وأما جواز شربه - عندكم - فإن بيعه من الخاساسات والأكساب الدنيئة، وقد ترد شهادة من يسقط المروءة، وكذلك نقول فيمن يتعاطى شرب المسكر جهارا ويسقط مروئته، ولعل أكثر من يعتقد هذا المذهب لا يستحسن لنفسه الإدمان عليه، فضلا عن بيعه والمجاهرة بشربه، وبيعه على السفهاء الذين لا خلاق لهم يخونون به. ثم قد وقع الاضطراب في الحديث أيضا فقيل: أبو زيد، وقيل؛ زيد، وقيل: أبو زياد، وأبو زيد. وأيضا فلو كان الخبر صحيحا لنقله الثقات الإثبات من أصحاب

стр. 702

عبد الله بن مسعود مثل علقمة، والأسود؛ لأنه من مفاخر عبد الله انفراده مع النبي ﵇ ليلة الجن بحث لم يحضراه أحد من الصحابة غيره، فلما لم ينقل هؤلاء الخبر علم أنه لا أصل له. وأيضا فإن ابن مسعود سئل عنه فأنكره؛ لأنه روى إبراهيم النخعي عن علقمة قال: قلت لعبد الله: هل كنت مع النبي ﵇ ليلة الجن؟. فقالا: لا، وددت أني كنت معه. قال: فقلت: إن الناس يقولون إنك كنت معه. فقال: فقدنا رسول الله ﷺ ليلة، فقلنا: اغتيل أو استطيل - أي

стр. 703

قتل -، فبتنا بشر ليلة بات بها أهلها، فلما أصبح أقبل من ناحية حراء وذكر أن داعي الجن أتاه، فقرأ لهم القرآن. فكما رووا عنه أنه قال: كنت معه، فقد روي عنه أنه قال: ما كنت معه، فتعارضنا. فإن قيل: خبرنا مثبت فهو أولى. ثم يجوز أن يكون نسى فقال: ما كنت. وعلى أنه قد كان للجن غير ليلة، فلعل هذه الليلة التي قال فيها: ما كمنت، هي ليلة منها. قيل: إن قولكم: إن خبرنا مثبت، فإنا كلانا نثبت؛ لأنه من روى أنه كان مع النبي ﵇ أثبت كونه معه، ومن روى أنه لم يمكن معه أُبت كونه مع الصحابة فهما سواء. وعلى أن هذا ليس من حيث المثبت والنفي؛ لأن الذي أثبت ههنا هو ابن مسعود، وهو الذي ينفي، ويقول: ما كنت. وليس هو قول الراوي عنه: إنه كان، ويقول آخر: إنه لم يكن. وقولكم: يجوز أن يكون ابن مسعود نسى، فهذا يبعد؛ لأن ليلة الجن مشهورة معروفة،

стр. 704

ولا يظن بمثل ابن مسعود حضورها فينسى، كما يبعد أن ينسى رجل امرأة ولدت له أولادا وماتت فورثها. وقولكم: قد كانت للجن ليال فلعل ابن مسعود لم يحضر ليلة منها فسئل عنها فقال: ما كنت. فإنا نقول: إن قال نقلة الأخبار والتواريخ إنها كانت ليالي نظرنا فيه. على أن هذا لا يقع فيه نزاع بين أصحاب عبد اله حتى يسألوه. فإن قيل: فإننا نستعمل الرواتين فنقول: من روى عنه أنه كان معه، أي في أول الليل، ثم رجع في آخره، ومن روى عنه أنه لم يكن، يعني في آخر الليل ووقت الصبح. قيل: هذا غلط؛ لأن من روى أنه كان معه أثبت كونه معه في آخر الليل وقت الصبح. فروى أبو فزارة عن أبي زيد - مولي عمرو بن حريث.

стр. 705

وقد روى أيضا من طريق آخر عن سعيد عن عمروا بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن ابن مسعود أنه كان مع النبي ﵇ ليلة الجن.
следующие страницы →