Полный текст (1 330 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
قيل: نقل الثوري عنه لا يدل على كونه ثقة، كما روى الشعبي عن حارث الأعور، قال: كان والله كذابا.
وأما جواز شربه - عندكم - فإن بيعه من الخاساسات والأكساب الدنيئة، وقد ترد شهادة من يسقط المروءة، وكذلك نقول فيمن يتعاطى شرب المسكر جهارا ويسقط مروئته، ولعل أكثر من يعتقد هذا المذهب لا يستحسن لنفسه الإدمان عليه، فضلا عن بيعه والمجاهرة بشربه، وبيعه على السفهاء الذين لا خلاق لهم يخونون به.
ثم قد وقع الاضطراب في الحديث أيضا فقيل: أبو زيد، وقيل؛ زيد، وقيل: أبو زياد، وأبو زيد.
وأيضا فلو كان الخبر صحيحا لنقله الثقات الإثبات من أصحاب
стр. 702
عبد الله بن مسعود مثل علقمة، والأسود؛ لأنه من مفاخر عبد الله انفراده مع النبي ﵇ ليلة الجن بحث لم يحضراه أحد من الصحابة غيره، فلما لم ينقل هؤلاء الخبر علم أنه لا أصل له.
وأيضا فإن ابن مسعود سئل عنه فأنكره؛ لأنه روى إبراهيم النخعي عن علقمة قال: قلت لعبد الله: هل كنت مع النبي ﵇ ليلة الجن؟. فقالا: لا، وددت أني كنت معه. قال: فقلت: إن الناس يقولون إنك كنت معه. فقال: فقدنا رسول الله ﷺ ليلة، فقلنا: اغتيل أو استطيل - أي
стр. 703
قتل -، فبتنا بشر ليلة بات بها أهلها، فلما أصبح أقبل من ناحية حراء وذكر أن داعي الجن أتاه، فقرأ لهم القرآن. فكما رووا عنه أنه قال: كنت معه، فقد روي عنه أنه قال: ما كنت معه، فتعارضنا.
فإن قيل: خبرنا مثبت فهو أولى. ثم يجوز أن يكون نسى فقال: ما كنت.
وعلى أنه قد كان للجن غير ليلة، فلعل هذه الليلة التي قال فيها: ما كمنت، هي ليلة منها.
قيل: إن قولكم: إن خبرنا مثبت، فإنا كلانا نثبت؛ لأنه من روى أنه كان مع النبي ﵇ أثبت كونه معه، ومن روى أنه لم يمكن معه أُبت كونه مع الصحابة فهما سواء.
وعلى أن هذا ليس من حيث المثبت والنفي؛ لأن الذي أثبت ههنا هو ابن مسعود، وهو الذي ينفي، ويقول: ما كنت. وليس هو قول الراوي عنه: إنه كان، ويقول آخر: إنه لم يكن.
وقولكم: يجوز أن يكون ابن مسعود نسى، فهذا يبعد؛ لأن ليلة الجن مشهورة معروفة،
стр. 704
ولا يظن بمثل ابن مسعود حضورها فينسى، كما يبعد أن ينسى رجل امرأة ولدت له أولادا وماتت فورثها.
وقولكم: قد كانت للجن ليال فلعل ابن مسعود لم يحضر ليلة منها فسئل عنها فقال: ما كنت. فإنا نقول: إن قال نقلة الأخبار والتواريخ إنها كانت ليالي نظرنا فيه.
على أن هذا لا يقع فيه نزاع بين أصحاب عبد اله حتى يسألوه.
فإن قيل: فإننا نستعمل الرواتين فنقول: من روى عنه أنه كان معه، أي في أول الليل، ثم رجع في آخره، ومن روى عنه أنه لم يكن، يعني في آخر الليل ووقت الصبح.
قيل: هذا غلط؛ لأن من روى أنه كان معه أثبت كونه معه في آخر الليل وقت الصبح.
فروى أبو فزارة عن أبي زيد - مولي عمرو بن حريث.
стр. 705
وقد روى أيضا من طريق آخر عن سعيد عن عمروا بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن ابن مسعود أنه كان مع النبي ﵇ ليلة الجن.
стр. 706
وعن ابن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله أن النبي ﵇ ناداه ليلة الجن.
стр. 707
وعن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق
стр. 708
عن أبي عبيدة عن أبيه قال: كنت مع النبي ﵇ ليلة الجن فقال لي: (التمس ثلاثة أحجار)، فوجدت حجرين وروثة.
وعن معمر عن أي إسحاق عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود أن النبي ﵇ ذهب لحاجته فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار. فجاء بحجرين وروثة.
стр. 709
فأما حديث ابن عباس فرواه ابن مصفى عن أبي عمرو بن سعيد عن ابن لهيعة عن قيس بن
стр. 710
الحجاج عن حنش عن ابن عباس عن ابن مسعود الحديث، وقال فيه: فتوضأ رسول الله ﷺ وقال: (هذا شراب وطهور).
стр. 711
وأما حديث أبي رافع فرواه أبو الحسين بن أحمد بن أبي بشر السراج، ومحمد بن عبدوس قالا: حدثنا محمد بن عباد المكي عن أبي سعيد - مولى
стр. 712
بني هاشم - عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود أن النبي ﵇ قال ليلة الجن (أمعك ماء؟). قال: لا. قال: (معك نبيذ؟). قال: نعم. فتوضأ به.
стр. 713
وأما حديث أبي وائل فرواه أبو العباس الفضل بن صالح الهاشمي عن الحسين بن عبد الله
стр. 714
العجلي عن أبي معاوية محمد بن حازم عن الأعمش عن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي ﵇ ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن. قال لي رسول الله ﷺ : (أمعك ماء يا بن أم عبد؟) قلت: لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ. فقال: (تمرة طيبة وماء طهور). فتوضأ به رسول الله ﷺ .
وحديث أبي زيد بإسناده معروف.
стр. 715
وقد روي هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي العالية، ولا نعلم أحدا من الصحابة روى عنه خلاف هذا.
والحديث عن علي أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ.
وعن الحسن مثل ذلك.
стр. 716
والجواب:
أن الناس قد طعنوا على هذه الأحاديث المروية عن أبي زيد، وأنا أذكر ما قيل في كل واحد منها.
فأما حديث أبي رافع، فأبو رافع مجهول، وعلي بن زيد الذي روى عنه ضعيف.
وأما حديث أبي وائل فروايه الحسين بن عبد الله العجلي قيل: إنه يضع الحديث.
стр. 717
وأما حديث ابن عباس فرواه عنه حنش الصنعاني، وهو ضعيف ورواه عن حنش قيس بن الحجاج، وهو مجهول.
وأما حديث أبي عبيدة عن عبد الله فقد قيل: إنه لا يصح له سماع من أبيه.
والذي ذكروا من أن ابن مسعود قال: أتيت النبي ﷺ بحجرين وروثة، فإن هذا كان ليلة الجن، فقيل له: إن هذا حديث آخر عن وكيع عن إسرائل عن أبي إسحاق عن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ في طلب ثلاثة أحجار وذكر الحديث، فكيف يجوز أن يخلط هذا بليلة الجن؟؛ لأن هذا حديث معروف ليس فيه ذكر ليلة الجن.
стр. 718
والجواب عما ذكروه من الرواية عن علي وابن عباس وغيرهما، فإنه لا يعرف خلاف هذا، فأول ما يقال فيه: إن حديث علي رواه الحارث الأعور، فلا يلزم القول به، والمحفوظ عن علي ﵁ خلاف هذا، وهو قوله بحضر الصحابة لا ينكره أحد: لا لا أوتى بشارب خمر أو مسكر إلا حددته، ولم ينقل عن أحد من الصحابة جوازه.
وقال: جماعة من علماء الحديث: إن الحديث المروي عنه في ذلك لم يثبت.
على أنه لو ثبت لم يخل إما أن يستدلوا به إجماعا أو توقيفا.
فإن استدلوا به إجماعا لم يصح؛ لأننا قد نقلنا عن عمر وابنه
стр. 719
عبد الله أنهما قالا: النبيذ نجس لا يجوز شربه، وإذا كان عندهما نجسا لم يجز عندهما التوضؤ به.
وإن استدلوا به من حيث التوفيق أنهم ما قالوا ذلك إلا توقيفا قلنا: يجوز أن يكونوا قالوه نم الظاهر؛ لأنه - تعالى - قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فقالوا: في النبيذ ماء فجاز التوضؤ به. أو يكونوا قالوا بجوازه لحديث عبد الله بن مسعود، وقد بينا فساد الدلالة منه بما بيناه من تركهم ماء البحر بالنبيذ، وأبو حنيفة لا يتركه به.
قيل: لم يرو هذا، وقد روي عن أبي العالية كراهية ذلك، فروي عنه أنه سئل عن رجل أجنب ولي عنده ماء أيغتسل بالنبيذ؟ فكرهه.
стр. 720
فقيل له: أرأيت ليلة الجن؟. فقال: أنبذتكم هذه؟. إنما كان ذلك زبيبا وماء.
وقد ثبت عن جمهور الصحابة تحريم النبيذ، فأي خلاف يكون أكثر من هذا؟. ولعل النقل في منع التوضؤ بالنبيذ مما يقل لشهرة المنع منه، كما قل النقل في التوضؤ بالخمر والمياه النجسة.
على أننا نقول: لو صح كون عبد الله مع النبي ﵇ ليلة الجن لكان الجواب عن الخبر من وجوه:
أحدهما: أنه لا دلالة في ظاهره؛ لأن قوله ﵇: (تمرة طيبة وماء طهور) يقتضي أن يكون في الحال تمرا وماء، ولا يكون نبيذا، وعلى ما يقولون قوله: (تمرة طيبة وماء طهور) على المجاز، أي: كان تمرا طيبا وماء طهورا.
فإن قيل: قال عبد الله بن مسعود: معي نبيذ.
قيل: له تأويلان:
أحدهما: أن قوله: معي نبيذ. أي: ماء منبوذ.
والثاني: أي يؤول إلى نبيذ، كقوله - تعالى -: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾، وكقوله: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد
стр. 721
رأيتموه﴾، رأوا أمارته، وكقوله: ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾.
فإن قيل: فنحن نقول: تمرة طيبة وماء طهور، أي كان لا في الحال؛ بدليل قول عبد اله: معي نبيذ.
قيل: إذا لم يكن بد من تحقيق أحد الكلامين، فتحقيق قول النبي ﵇، وتأويل قول عبد الله أولى، فنحمل قول عبد الله على المجاز بالتأويل بقول النبي ﵇، وقوله: (تمرة طيبة وماء طهور).
فإن قيل: فقد نفى عبد الله أن يكون معه ماء. ألا ترى لما سأله ﵇: (هل معك ماء؟)، قال: لا. فعلم أنه كان نبيذا لا ماء منبوذا، أو نبذ فيه تمر.
قيل: الجواب عنه تأويلين:
أحدهما: وقد ذكرناه أنه قال: لا. يعني الماء للتوضؤ؛ لأن الماء الذي كان معه للشرب؛ لأن مياههم كان فيها ملوحة، فكانوا يستعذبونها بالتمر للشرب، ويتوضؤون بها غير مستعذبة، فلهذا قال: ليس معي ماء لم ينبذ فيه تمر.
والثاني: أن الخبر منسوخ؛ لأن ليلة الجن كانت بمكة في صدر
стр. 722
الإسلام، وقوله : ﴿فلم تجدوا ماء﴾ متأخر؛ لأنها نزلت في غزوة المريسيع حيث فقدت عائشة ﵂ عقدها، فاشتغلوا به حتى فتتهم الصلاة، فأنزل الله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، والمتأخر - عند أبي حنيفة - ينسخ المتقدم، سواء كان المتأخر عاما أو خاصا.
على أننا نقول: لو لم يكن منسوخا لم يسع الحجاج به؛ لأن النبي ﵇ توضأ بنبيذ التمر التي منه لا المطبوخ؛ لأن العرب لم تكن تطبخ الأنبذة - وعند أبي حنيفة - لا يجوز التوضؤ بالني، وإنما يجوز بالمطبوخ المسكر.
فإن قيل: يجوز - عندنا - أن سنسخ الأصل ويبقى الفرع.
قيل: لا يجوز - عندنا - أن يثبت الفرع ويرتفع الأصل. ألا ترى
стр. 723
أن القياس في الأرز على البر صحيح، ولا يجوز لأحد الربا في الأرز الذي هو فرع للحنطة ويسقط حكم البر.
فإن قيل: النسخ لا يكون بالاحتمال، سيما إذا أمكن الاستعمال.
وعلى أن هذا يكون نسخا للسنة بالقرآن، وهذا لا يجوز.
قيل: لم ينسخ بالاحتمال، فإذا ثبت لنا التاريخ لم يبق هناك احتمال. ألا ترى إلى قول الراوي: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من فعل النبي ﵇.
стр. 724
وقولهم: إن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز فإنه يجوز - عندنا -، ولو قلنا: إنه لا يجوز لقلنا: إن إباحة النبيذ بالقرآن في سورة النحل، ثم نسخ بما ذكرناه.
وقولهم: إن الاستعمال ممكن فليس كذلك؛ لأن النبيذ منعوا شربه منعوا التوضؤ به.
وجواب آخر: وهو أن هذه قضية واحدة في عين، فيحتمل أن يكون قول ابن مسعود: توضأ به، أي غسل شيئا كان عليه أراد أن يزيله به لا لصلاة، وهذا يسمى وضوءا.
فإن قيل: روى أنه توضأ وصلى.
قيل: غسل الذي قلناه، وصلى بوضوء متقدم. وإذا احتمل ما قلناه، واحتمل ما قلتموه لم يعترض به على عموم الآية والأخبار.
وأيضا: فليس عند أبي حنيفة أن أفعال النبي ﷺ على الوجوب.
وأيضا: فهم أبعد الناس نم هذا؛ لأنهم يزعمون أن الزيادة في النص نسخ، والله - تعالى - نص على الصعيد عند عدم الماء، فإذا قالوا: معناه فلم تجدوا ماء ولا نبيذا فقد زادوا في النص بخبر واحد، وهذا نسخ.
стр. 725
وهو مع هذا خبر ضعيف على ما بيناه، وقد ألزمونا هذا في الشاهد واليمين.
فإذا قالوا: فإذا فعلتم هذا في اليمين مع الشاهد، وفي التغريب مع الجلد فلم تمتنعون منه ههنا؟.
قيل: إنا أنكرنا عليكم انتم؛ لأنكم لا تجوزونه، ونحن نجوزه. فأما امتناعنا نحن منه ههنا فليس لأنه زيادة في النص، ولكن لما سمعتموه من الدلال.
مع أننا وإن زدنا التغريب مع الجلد فلم نسقط شيئا ورد به القرآن، وأنتم إذا استعملتم النبيذ أسقطتم التيمم مع وجوده لا محالة. وهذا إسقاط لشيء من القرآن في غير موضعه.
فإن قيل: قولكم إن النبيذ كان نيا فقد خالفتم الخبر لا يلزمنا؛ لأن النبي ﵇ لم يستفسر ابن مسعود عنه، هل هو ني أو مطبوخ؟. فصار كالعموم، ثم قامت الدلالة على تخصيصه، فلم يجز الني وبقي المطبوخ. وقد يجوز أيضا أن يكون نيا كما زعمتم فكان يجوز هو والمطبوخ، ثم لما خص النبي ﵇ التي بالمنع بقي الباقي على الجواز على ما دل عليه الخبر؛ لأن النبي ﵇ لم يبين في وقت قيل له: معي نبيذ.
стр. 726
قيل: لا يجوز التخصيص بمثل معنى المخصوص منه، ونحن نعلم أن الطبخ لم يغير من حكمنه شيئا؛ لأن الغلبة من التمر للماء والشدة المخصوصة فيه على ما هي عليه في الني، فإذا لم يجز التوضؤ بالأصل الذي نص عليه وارتفع حكمه كان فيما لم يرد النص فيه وعلة الني فيه موجودة أولى أن لا يجوز.
ثم مع هذا فإن النبي ﵇ كان ينهى عن النبيذ المشتد، وينهى عن الانتباذ في أوعية مخصوصة؛ لئلا يسرع إليها النش والشدة، ويعلم
стр. 727
أن ابن مسعود لا يكون معه نبيذ مشتد وهو ني طاهر بإجماع. فإذا ثبت عنه المنع بالتوضؤ بمثل هذا كان محالا أن يجوزه فيما قد اشتد وقد نهى عن شربه، وصار مختلفا في نجاسته، ويمنع من جوازه في الحلال بإجماع.
فإن قيل: إنكاركم علينا نسخ الأصل وبقاء الفرع قد قلتم بمثله في القرعة، فزعمتم أن الأصل فيها قصة مريم، وقوله - تعالى - ﴿إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾، وقوله في قصة يونس: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾، ثم قلتم إن القرعة لا تصح في الإلقاء في البحر، ولا في الكفالة، فأبطلتموها فيما وردت فيه، وأخذتم بالقرعة منها في القسمة وغيرها.
стр. 728
قيل: اعترفوا بأنكم قد فعلتم ذلك، وأنه منكر، ثم ننظر فيما عملناه نحن.
على أننا لم نفعل في القرعة ما ذكرتموه، وإنما الأصل - عندنا الأحاديث المروية عن النبي ﵇، وأنه استعمل القرعة في شرعه في قسمة الأرض، والقسم
стр. 729
بين نسائه، وبين العبيد الذين أتقهم الأنصاري عند موته، ولو جعلنا الأصل قصة يونس لكتن كما ذكرتم.
فإن قيل: إن خبر ابن مسعود كان قبل تحريم الخمر.
قيل: فقد جاء من هذا ما يريد، وأن الوضوء بالنبيذ منسوخ، لأن فيه معنى الخمر.
ثم نقول لهم: أنتم أبعد الناس من الاستدلال بمثل هذا؛ لأنكم تزعمون أن الحديث إذا كان خبر واحد وجاء بما لا يطابق الأصول لم يعمل به، وألزمتمونا ذلك في مس الذكر وغيره، ثم وجدنا خبر النبيذ من أشد شيء منافاة للأصول؛ لأننا نجد الخل أخف حالا، وكذلك ماء الزعفران وماء الورد والباقلاء من النبيذ، ومع هذا فلم يجز الوضوء بذلك، فالنبيذ أولى.
فإن قيل: إن هذا الخبر لم يعترض على الأصول نفسها، وإنما اعترض على قياس الأصول.
قيل: كل شيء رددتموه من أخبار الآحاد فإنما رددتموه؛ لأنه يزاحم الأصول فأما نفس الأصول فلا يبطلها إلا نفس النطق، مثل أن
стр. 730
تكون الأصول مبنية على أن القاتل يقتل، فيرد خبر واحد فيه لا يقتل قاتل.
فإن قيل: قد قلتم أنتم بخبر القرعة، وهو ينافي موجبات الأصول؛ لأن العتق إذا توجه إلى جماعة فقد حصل في كل عبد جزء من الحرية، فإن قلتم في ذلك بالقرعة فهو منافاة للأصول بخبر واحد.
قيل: إنما ألزمناكم هذا؛ لأنكم أنتم استدللتم به، وأنتم تنكرونه، فلا يلزمنا نحن.
فأما قصة العتق فلا نقول: إن العتق وقع على كل واحد منهم، وإنما هو مراعى إلى أن تقع القرعة، كما نقول في الذي لا يملك إلا عبدا واحدا فأعتقه في مرضه إنه موقوف.
وأيضا فإنهم يقولون: إن الخبرين إذا وردا وكان أحدهما متفقا على استعماله، والآخر مختلفا في استعماله فالمتفق على استعماله أولى. قالوا ذلك: (فيما سقت السماء العشر)، وليس فيما دون خمسة أو سق صدقة)، وما أشبه ذلك. فقد روينا أخبارا ههنا متفقا
стр. 731
عليها في الاستعمال في الماء إما من حيث النطق، أو من حيث الدليل، ورووا خبر ابن مسعود في النبيذ، وهو مختلف في استعماله. فوجب أن لا يقولوا به.
فإن قيل: فقد روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: (النبيذ وضوء من لم يجد الماء) لا، ولا يمكن حمل هذا الخبر على شيء إلا بإسقاطه.
قيل: الخبر ضعيف.
على أنه يمكن استعماله وتأويله فيحتمل أن يكون أراد الماء الذي يسمى نبيذا، وهو الذي طرح فيه التمر ولم يمنع فيه، وإنما سمي بذلك لما يؤول إليه كقوله: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾.
ويحتمل أيضا أن يكون منسوخا.
ويحتمل أيضا أن يريد الوضوء الذي يغسل به الشيء فإنه يسمى وضوءا.
стр. 732
ويحتمل أن يكون أراد غسل اليدين الغمر، فإن النبيذ الحلو يقلع ذلك، ويسمى ذلك وضوءا. كما قال معاذ: كنا نسمي ذلك وضوءا، بالدلائل التي ذكرناها.
فإن تعسف منهم متعسف بقياس يذكره فيقول: يجوز الوضوء بالماء الذي فيه تمر قليل، طبخ طبخا لم يتغير فكذلك إذا تغير؛ بعلة أنه ماء طبخ فيه تمر فلم يمنع من استعماله عند عدم الماء.
أو نقول: هو مائع يسمى طهورا في الشريعة، يدل عليه: قوله ﵇ في حديث ابن مسعود: (هو شراب طهور)، وإذا سمي طهورا في الشريعة أشبه الماء.
قيل: أول ما في هذا: أن صاحب هذه المقالة يعترف بأنه مخالف للقياس في هذه المسألة، وإنما يحتج بالخبر، وقد قال بعض شيوخهم في شرحه مختصر الطحاوي: إن القياس يمنع - عند أبي حنيفة - من جواز التوضؤ بالنبيذ؛ لاتفاق فقهاء الأمصار على الامتناع من جوازه بالخل والمرق.
стр. 733
وأيضا فهو منتقض به إذا لم يذهب ثلثاه.
وقولهم: هو مائع يسمى طهورا فإننا لا نسلم له ذلك، وقد قلنا إن قول النبي ﵇ إن صح ذلك عنه - ينصرف إلى الماء الذي فيه تم لم يمنع فيه ولا غيره، وإلا فطهور - عندنا - لا يسمى به غير الماء المطلق.
ثم قولهم: فأشبه الماء غلط؛ لأنه لا يجوز مع وجود الماء.
ولنا إذا سئلنا ابتداء عن هذه المسألة أن نقول: القياس عليه، فيصير الكلام في هذا الأصل، فإن سلم طرح الخبر إن صح ولم يكن التأويل فيه، وإن قلنا: إن الخبر مقدم فقد ذكرنا ما فيه كفاية، وبالله التوفيق.
стр. 734
[٣٨] مَسْأَلَة
لا تجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن وغيرهما إلا بما يجوز التوضؤ به من الماء دون سائر المائعات. وبه قال الشافعي؛ ومحمد ابن الحسن وزفر.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تزول بكل مائع طاهر.
فأما الدهن والمرق فعنه رواية أنه لا تجوز إزالتها به. إلا أن أصحابه يقولون: إذا زالت النجاسة به جاز. وكذلك - عنده - للنار والشمس في إزالتها مدخل، حتى إن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر من غير دباغ. وكذلك يقول: إذا كان على الأرض نجاسة فجفت في الشمس فإنه يطهر ذلك الموضع بحيث تجوز الصلاة عليه، ولكن لا يجوز التيمم بذلك التراب، وكذلك يقول في النار: إنها تزيل النجاسة.
стр. 735
والدليل لقولنا استصحاب الحال، وكون ذلك الشيء نجسا، فمن زعم أنه يطهر بالمائع سوى الماء فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، ففي هذا دليلان.
أحدهما: أن الله - تعالى - أخرج هذا مخرج الامتنان والفضيلة للماء، فلو كان غير الماء في إزالة النجاسة في حكم الماء لبطلت فائدة الامتنان بالماء.
والثاني: هو أنه لو نص على الماء لينبه على ما عداه من المائعات لوجب أن ينص على أدون المائعات في الإزالة؛ ليكون فيه تنبيه على أعلاها مثل الماء، فلما نص على الماء نم بين سائر المائعات، وخصه بالذكر - وهو أعلاها - علم أنه خصه بالذكر لتخصيصه بالحكم، ثم إنه - تعالى - أكد ذلك بقوله: ﴿ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾، قيل: إنه النجاسة، وإذا كان النص ورد بالماء دل على أنه ما عاداه بخلافه.
стр. 736
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، فدل على أن غير الماء لا يكون طهورا.
وأيضا ما روي أن أسماء بنت أبي بكر سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال ﵇: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء) لا، فأمر ﵇ بغسله بالماء، والأمر إذا توجه معينا بشيء لم يسقط إلا بالإتيان بذلك المعين، فوجب إذا غسل بغير الماء أن يكون حكم الأمر باقيا على المأمور، وإلا فهو بمنزلة من لم يغسله أصلا؛ لأنه خالف الأمر. ودليله ألا يغسل بغير الماء، فقد حصل من هذا الخبر ثلاثة أدلة:
أحدها: أن قوله ﵇: (اغسليه بالماء)، لفظه لفظ أمر فهو على الوجوب، ومن عدل عن الماء ترك الواجب.
والثاني: أنه موضع تعليم وبيان، فلو كان غير الماء
стр. 737
يزيل ذلك لم يغفله وبينه لها.
والثالث: لما نص دل على أن غيره بخلافه.
فإن قيل: الأمر توجه إلى الندم؛ لأن الهاء في قوله: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه) هي ضمير الدم؛ وإذا غسل الدم بالخل متى ذهبت حمرته لم يبق هناك دم يجب غسله، فوجب أن يسقط عنه.
قيل عنه جوابان:
أحدهما: أن كلامنا في أن الذي تزال به النجاسة متعين أو لا. وأنتم تقولون: هو مخير بين أن يزيلها بالخل أو الماء، ولا تعينون شيئا. ونحن نقول: إنه متعين إزالته بالماء؛ لأن الخبر يقتضي تعيين الماء، فإذا صح تعيينه بالنص عليه بقوله: (ثم اغسليه بالماء) سقط التخيير.
والجواب الثاني: أن الهاء فيه راجعة إلى المحل لا إلى الدم، والمحل موجود، فالأمر عليه باق، وإن زال عين الدم بالخل.
فإن قيل: فقد قال ﵇: (حتيه ثم اقرصيه)، وليس كل ذلك واجبا.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن دلكه واجب، وهو قرصه حتى يزول بالماء.
стр. 738
والثاني: أن الظاهر يقتضي عموم ذلك، فما خص منه خرج بالدليل، وبقي الباقي من غسله بالماء على ما يقتضيه الخبر.
على أن سقوط الحت والقرص من الوجوب لا يدل على أن الغسل بالماء ليس بواجب، كما لم يدل على أن نفس الغسل ليس بواجب.
فإن قيل: فإن الأمر بغسله - عندكم - ليس بواجب؛ لأن إزالة الأنجاس ليس بفرض - عندكم -.
قيل: في رواية عن مالك أنه واجب.
وإن قلنا: إنه ليس بفرض وإنما هو مسنون لم يخرج أن تكون صفة غسله المسنون بالماء دون غيره؛ لأن النص والتعيين وقع فيه على الماء دون غيره.
ولنا أيضا ما روي أن أعرابيا بال في المسجد فقال النبي ﵇: (صبوا عليه ذنوبا أو ذنوبين من ماء)، والاستدلال منه كهو من الخبر الأول.
فإن قيل: إن خبر أسماء قد تناول اليسير من الدم؛ لامتناع حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز في حالة واحدة.
قيل: لو كان الحكم يختلف في غسل القليل من الدم والكثير بالماء
стр. 739
لبينه ﵇؛ حتى يعلم الفرق بين ذلك، فلما لم يفرق علم أن المسنون والمفروض والمستحب كله بالماء.
ولنا من جهة القياس أن نقول: هو مانع من الصلاة، أمر في رفعه بضرب من المائع، فوجب أن يكون ذلك المائع ماء، دليله رفع الحدث.
أو نقول: غسله عبادة تعلقت بالصلاة فلم يجزئ بغير الماء المطلق، دليله ماء فع الحدث.
فإن قل: الفصل بنهما أن من شرط رفع الحدث - عندكم - النية.
قيل: فأنتم لا توجبونها في الجميع.
على أن هذه علة لا تتعدى فلا تصح - عندكم - أيضا، وتصح - عندنا -، ولكن المتعدية أولى منها عند اجتماعها.
ونقول أيضا: هي طهارة لا تلحق المشقة في اعتبار الماء فيها غالبا فوجب أن لا تجوز بغير الماء. أصله طهارة الحدث.
ونقول أيضا: إن المائع إذا لاقى النجس على الثوب والبدن تنجس؛
стр. 740
لأن المائع الكثير إذا حلت فيه نجاسة يسيرة، غيرته أو لم تغيره فإنه نجس كله.
فعلى هذا لا يطهر الثوب؛ لأنه كلما غسله بالخل تنجس الخل، فيلاقي النجس النجس، والماء بخلاف ذلك؛ لأن إذا كثر رفع النجس عن نفسه، كما أنه يرفع الحدث.
ونقول أيضا: هي طهارة شرعية فوجب ألا تصح بالخل، وماء الباقلاء، ولا الماء كرفع الحدث.
أو نقول: هو غسل واجب أن لا يصح بغير الماء، أصله الغسل من الجنابة وغسل الميت.
وهذا التعليل إنما يلزمهم في النجاسة إذا كانت على البدن، ولا يلزمهم ذلك في الثوب؛ لأنهم يقولون غسله ليس بواجب.
следующие страницы →