Полный текст (1 330 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
فنقول: قال الله - تعالى - ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾، فهو عام في كل شيء لا يكون ميتة، ولم يقل: إلا يكون في ميتة، وإنما حرم الميتة نفسها دون ما وقعت فيه، وهذا المائع ليس ميتة ولا دما ولا لحم خنزير فهو غير محرم.
وأيضا ما رواه سعيد بن المسيب عن سلمان أن النبي ﷺ قال: (كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو الحلال أكله وشربه ووضوؤه).
стр. 877
وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم)، وفي حديث: (في طعام أحدكم فامقلوه؛ فإن في أحد جناحيه داء. وفي الآخر دواء، وأنه يقدم الداء)، وقد يقع الذباب حيا فيموت بالمقل فيه، وقد يقع أيضا فيه ميتا كما يقع فيه حيا، فلو كان ينجس بموته، أو ينجس ذلك الشيء لم يأمر بمقله فيه.
стр. 878
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾، وهذا ميتة، والذم يقتضي وجوب الاجتناب منه والامتناع. وما تلوتموه من القرآن في طهارة الماء فهو عموم لم يخص بتحريمه الميتة، وقوله: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غيره) محمول على الكثير منه.
قيل: ظاهر قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ يتناول عين الميتة ولا يتناول ما وقعت فيه، وما يكون ميتة محرمة بإجماع تقع في الماء الكثير فلا تغيره هي ميتة محرمة بإجماع، والماء غير محرم فصارت الآية متوجهة إلى نفس الميتة لا إلى ما وقعت فيه.
ثم لو ثبت العموم لكان حديث سلمان عن النبي ﵇ يقضي عليه، وكذلك حديث الذباب ومقله في الطعام.
فإن قيل: مقل الذباب فيه ليس بقتله فلهذا أباح مقله فيه.
على أنه ليس يمتنع أن يبيح ذلك وإن كان يخاف موته، وتنجس الطعام لغرض صحيح، وهو زوال الداء، كما أباح الكي في الحيوان، وقد يخاف منه الموت، وإتلاف المال، ولكن ما تعلق به غرض صحيح جازت إباحته.
стр. 879
قيل: إن قولكم: إن مقل الذباب ليس بقتله محال، فهو وإن سلم في شيء فليس يسلم في كل شيء مثل الشيء الحار والعسل والدهن وما أشبهه، والنبي ﵇ لم يخص شيئا مما وقع فيه.
وقولكم: ليس يمتنع أن يبيح مقله فيه ويتنجس ذلك لغرض صحيح فإننا نقول: غرض فاسد؛ لأنه إذا كان في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء كان الدواء بإزاء الداء فلم يربح من هذا أكثر من فساد المائع حتى لا يصلح لشيء، ففيه إضاعة المال، وقد نهينا عنه، وإنما أعلمنا ﵇ أن أكل ذلك الشيء لا يضرنا، ولا شربه؛ لأن الداء الذي في أحد جناحيه قد أزاله الذي الجناح الآخر، فلا يفسد علينا شيء مما وقع فيه.
وأما كي الحيوان فلنا فيه غرض صحيح لا يفسد علينا به شيء، فنظيره أن لا ينجس الماء، ولا يفسد علنيا ما وقع فيه الذباب.
ويؤيد ما قلناه: ما عليه المسلمون خلفهم عن سلفهم من لدن رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا، فإنهم يستعملون ما وقع فيه البق والذباب والزنبور، ولا يجتنبونه ولا يكرهونه، ولا ينكر بعضهم على بعض ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم فيه خلاف، وهذا يدل على أنه موضع إجماع، ولو وقع بينهم فيه خلاف أو حكي عن واحد منهم أنه
стр. 880
حرمه أو أنكره لم يخل من ينقله، ومن المحال أن يتنجس شيء من ذلك فلا يذكر حكمه عن أحد منهم مع عموم البلوي به.
ثم من المحال أن يموت دود الخل فيه فلا يتنجس، فيؤخذ ذلك الدود فيجعل في خل مثله أو غير الخل فيتنجس؛ لأنه لو تنجس ما ينقل إليه لكان ما هو فيه أولى أن يتنجس؛ لطول مكثه فيه، ونحن نعلم أن الباقلاء المطبوخ بالماء يكون في الباقلاء الدود والذباب الميت، فيتهوى في ماء الباقلاء بالطبخ، ولم يقل أحد من المسلمين: إن ماء الباقلاء نجس، وربما أكل الدود والذباب الذي فيه، خاصة العميان، ومن يفطر بالليل، ولم نسمع عن أحد إنكار ذلك.
ثم كيف يكون ذلك الماء طاهرا فيخرج منه الذباب - وقد تهوى بالطبخ فيه - فيجعل في ماء مثله فينجس ذلك الماء. وإن كان هذا نجسا فالماء الذي كان فيه أولى بالتنجس، فلا يصح لهم الفرق ههنا إلا بأن يقولوا: إذا طبخ الباقلاء فإن ماءه ورد على نجاسة الدود والذباب الذي في الباقلاء، وإذا ورد الماء على النجاسة طهرها وإن كان دود القلتين، وليس كذلك إذا أخرج الدود في الباقلاء وطرح في ماء قليل؛ لأن هذه نجاسة وردت على الماء، وهذا قد تكلمنا عليه.
стр. 881
ثم نقول: هذا فاسد بالخل والمائعات غير الماء، فإن ورود النجاسة على المائع غير الماء كورود المائع على النجاسة، وهذا الخل الذي فيه الدود طاهر فينبغي إذا أخذ الدود منه وطرح في خل آخر ألا ينجس. (وأن يتنجس بالخل الذي تولد فيه الدود أولى أن يتنجس).
وإذا أنصف الإنسان نفسه، واتقى ربه علم صحة هذا، ولم يخرج عن الإجماع فيه، ونحن نعلم أن الشافعي ﵀ لم يقل في القول الآخر: إنه لا ينجس شيئا وقع فيه إلا وقد بان له الحق فيه، فينبغي أن يعمل على هذا القول، ونطرح القول الآخر، ولا نتعرض له.
ونقول أيضا: إنه نفس له سائلة فلا ينجس بموته، ولا ما وقع فيه كالجراد.
ويجوز أن نقول: إنه لا يمكن الاحتراز منه، وأن يقع الذباب والبرغوث والبق وما أشبهه في الماء والطعام فوجب أن يكون معفو عنه، كدود الخل والماء والجبن.
стр. 882
فإن قيل: فإنه ميتة لا يؤكل لا لحرمته فوجب أن يكون نجسا، أصله البهائم.
قيل: إن أردتم أنه لا يؤكل؛ لأنه محرم فليس هو محرما - عندنا -، ويجوز أكله، وإنما تعافه النفس، كالضب الذي لم يأكله النبي ﵇.
فإن قيل: فإن الحيوان على ضربين: ماله نفس سائله، وما لا نفس له سائلة، ثم ماله نفس سائلة منه ما ينجس الماء بموته، ومنه مالا ينجسه، مثل السمك والجراد، كذلك ما لا نفس له سائلة يجب أن يتنوع نوعين: نوع منه ينجس الماء بموته، ونوع لا ينجسه مثل دود الماء.
قيل: هذه دعوى بلا برهان، فلم يجب أن يكون إذا تنوع ماله نفس سائلة أن يتنوع مالا نفس له. وأي شيء المعنى الجامع بينهما؟.
على أن الفرق بين السمك وما ذكرتم واضح؛ لأن السمك لما لم ينجس الماء الذي تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه، فينبغي أن يكون دود
стр. 883
الخل إذا ل ينجس ما تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه، فلما فرقتم بينهما كفانا هذا الفرق.
ثم إن السمك الذي مات في الماء الذي تولد فيه طاهر فلم ينجس الماء. وأنتم تقولون: إن الدود الذي تولد في الماء نجس فينبغي أن ينجس الماء، وإن لم ينجس الماء الذي تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه كالسمك.
وكل قياس توردونه فقياسنا أولى منه؛ لأن رد مالا نفس له سائلة إلى مثله من الجراد أولى، ولأنه يستند إلى استعمال المسلمين ذلك على ما بيناه.
فإن قيل: لا يمكن الاحتراز من البق والذباب، وخاصة في عمل الدبس، ووقوعه على التمر مع الزنبور، ولم يتحفظ أحد من ذلك فسقط هذا، وبالله التوفيق.
стр. 884
[٤٦] مَسْأَلَة
وليس يعتبر مالك ﵀ في سائر الأنجاس قدر الدرهم، وقليلها وكثيرها سواء في حكم الإزالة إذا كان على وجه الصحة سوى الدم فإن قليله معفو عنه في دم الحيض وسائر الدماء.
وروى ابن وهب عنه أنه فرق بين دم الحيض وبين غيره من الدماء، فجعل دم الحيض قليله ككثيره، كما يقول في المني والمذي وسائر الأنجاس.
واعتبر أبو حنيفة في سائر الأنجاس قدر الدرهم البلخي فمتى كان دونه عفا عنه، وما كان مثله فكذلك، وما زاد على الدرهم لم يعف عنه.
وعند الشافعي أن سائر الأنجاس يستوي قليلها وكثيرها كقولنا، وخالف في الدم فقال: قليله غير معفو عنه ككثيره إلا في الموضع
стр. 885
الذي لا يمكن التحرز منه مثل دم البراغيث.
والدليل لقولنا: ما روي أن النبي ﵇ خلع نعله في الصلاة، وقال: (أخبرني جبريل أن فيه قذارا)، ولم يبين هل كان قدر الدرهم أو أكثر، ولو كان يختلف لبينه.
وأيضا ما روي أنه ﵇ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول)، وهذا عام في قليل البول وكثيره، ولو كان الحكم فيه يختلف لبينه، ونحن وإن كنا نقول: إن إزالة النجاسة ليست بفرض فإن المسنون في القليل والكثير واحد.
فإن قيل: هذا توعد منه ﵇ وإخبار عن تعذيب، وأنتم لا توجبونه.
قيل: قد بينا حكمه فثبت منه حكم القليل والكثير، وأنه ممنوع
стр. 886
منه، ثم قامت دلالة على سقوط حكم التوعد وثبت أنه تغليظ، وصار كقوله: (من قتل عبده قتلناه)، فإنه تغليظ لمنع القتل.
ولنا أيضا ما روي أنه ﵇ سئل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء)، ولم يفرق بين قليله وكثيره، ولا سألها عن مقداره، وهذا دليل للوجه الذي يقوله في دم الحيض، وأن قليله ككثيره.
وأيضا ما روي عنه ﵇ انه صلى في ملحفة ثم رأى فيها لمعة من
стр. 887
دم فأنفذها إلى عائشة ﵂ لتغسلها، واللمعة من الدم أقل من قدر الدرهم بكثير.
وأيضا ما رواه المقداد في قصة علي حين سأله عن المذي فقال: (اغسل ذكرك)، وموضع المذي من الذكر أقل من درهم.
وأيضا فقد اتفقنا وأبو حنيفة على الاستنجاء مسنون، إما بالماء أو بالأحجار، ونفس المخرج أقل من قدر الدرهم، فكذلك كل موضع من البدن والثوب إذا أصاب النجس منه هذا القدر.
فإن قيل: إنما وجب في هذا الموضع؛ لأن إزالته منه سنة، وسائر المواضع إزالته - عندنا - فرض.
قيل: الجميع - عندنا - سنة.
على أن هذا أولى أن يعفى عن قليله في الاستنجاء؛ لأن الموضع الذي عفي عنه إزالته سنة، والموضع الذي لم يعف عنه إزالته فرض، والعفو عن المسنون أولى، فلما لم يعف في الاستنجاء عن القليل كان في الفرض أولى أن لا يعفى عنه.
стр. 888
وأيضا: فإنه لما وجب غسل ما زاد على قدر الدرهم وما دونه في حكمه، لأنه من جنسه في الموضع الذي لا تتعلق بها ضرورة وليس غرضنا في هذه المسألة أن إزالة النجاسة فرض، ولا التفرقة بينها وبين إزالة النجو، وأن ذلك يزال بجامد والباقي مائع، وإنما الغرض الجمع بين القليل والكثير، فهو في النجو وغيره سواء في حكم الإزالة إما فرضا أو سنة فكذلك في سائر البدن إذا لم يتعلق بموضع ضرورة.
ولأن ما يخرج على طريق المرض فقليله وكثيره ربما اتفق وربما اختلف، وفي سائر الدماء سوى دم الحيض فقليله يخالف كثيره لموضع الضرورة، وهو أن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة أو دمل أو ذباب أو برغوث فعفى عن القليل منه، ولأجل هذا حرم الله - تعالى - المسفوح منه فقال: (﴿أو دما مسفوحا﴾، فدل على أن غير المسفوح ليس بمحرم، وأحل - تعالى - من جنسه الكبد والطحال.
стр. 889
قالت عائشة ﵂) لو حرم قليل الدم لتتبع الناس ما في العروق، ولقد كنا نطبخ اللحم - البرمة تعلوها الصفرة -.
وليس الغالب من أمر الناس كون الغائط والبول وغير ذلك في ثيابهم وأبدانهم، لأن التحرز يمكن منه.
стр. 890
فإن قيل: قد يكون المخرج وما لا ينفك منه أكثر من قدر الدرهم، ثم قد جوزتم إزالته بالجامد في السنة، وعفوتم عن يسيره في سائر البدن حتى لا تجب إزالته بالنسبة لا بمائع ولا جامد.
فإن قيل: فقد روى يزيد ابن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة أن خولة أتت النبي ﵇ فقالت: ليس لي إلا ثوب
стр. 891
واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟. فقال ﵇: (إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه)، فقالت: فإن لم يخرج الدم؟. قال: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره)، فلما أباحها الصلاة مع وجود أثر الدم دل على أنه جعله في حيز المعفو عنه لقتله، قالوا: وهذا يخص ظواهركم التي ذكرتموها، فتحمل ظواهركم على الكثير منه بهذه الدلالة.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدهما: أننا نوافقكم على العفو عن قليل الدماء، ومنها دم
стр. 892
الحيض على أظهر الروايتين عن مالك، فنقول بموجب هذا الخبر في الدم، وليس في هذا دليل على ما عدا الدم من سائر الأنجاس.
وجواب آخر: وهو أن الخبر حجة لنا على الرواية التي تحرم قليل دم الحيض وكثيره؛ لأنه قال لها: (اغسليه)، ولم يفرق لها بين قليله وكثيره، فأما إذا لم يخرج وبقي أثره فلا شيء عليها فيه؛ لأن سائر الأنجاس إذا غسلت وكان فيها ما يبقى أثره فلا ينقطع، وقد انقلعت عينه وريحه فقد مضى حكمه، ولو كان أثره بمنزلة عينه لم يأمرها بغسله؛ لأنه معفو - عندكم - عن عينه، كما هو معفو عن أثره، فلما أمرها بغسله ولم يفرق بين قليله وكثيره دل على ما قلناه، وليس في هذا ما يخص الظواهر التي ذكرناها، بل هو يؤكدها.
وجواب آخر: وهو أنهم لا يخلون معنا من أحد أمرين: إما أن يجعلوا هذا الخبر حجة علينا في سائر الدماء، ويحملوه على العفو عن قليله، فنوافقهم على إحدى الروايتين. أو يجعلوه حجة علينا في دم الحيض على الرواية الأخرى، فقد قلنا: إنه ﵇ قد أمرها بغسله أمرا ظاهره الوجوب، ولم يفرق لها بين قليله وكثيره، ولا يضر أن ينقلع أثره على ما بيناه. ولو كان يختلف لقال لها: اغسليه إن كان كثيرا؛ حتى يعلم الفرق بين قليله وكثيره.
ثم لا ينفك من قدر القليل بدرهم بلخي ممن قدره بدرهم غير البلخي إما أصغر منه وإما أكبر؛ لأنه يقدره اجتهادا لا ينص، وإنما القليل ما يغلب على ظن الإنسان كالعمل القليل في الصلاة.
فإن قيل: فقد ثبت أن الدم نجس فإذا جاز العفو عن قليله جاز في سائر الأنجاس؛ لكونه نجسا قليلا.
стр. 893
قيل: قد ذكرنا الفصل بين الدم وسائر الأنجاس، وأن الله - تعالى - حرم المسفوح منه فدل أن غير المسفوح بخلافه، وإنما لم يحرم غير السفوح؛ لئلا يلحق فيه المشقة؛ لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من أن يصيبه الذباب والبق والبراغيث والبثور وما أشبه ذلك، ومن أكله في اللحم والعروق، وليس كذلك الغائط والبول، فصار يسير البول في التحفظ منه مثل كثير الدم في التحفظ منه إذا لم تكن ضرورة، وكذلك دم الحيض على الرواية التي تحرم قليله؛ لأنه ليس الغالب منه إصابة الثياب، ومع هذا فيختص به النساء، وليس كذلك سائر الدماء، ولان قليله ينقض الطهر ويوجب الغسل، كالمني فلهذا فرق مالك بينه وبين سائر الدماء.
ويجوز أن يحتج بقوله - تعالى - ﴿وثيابك فطهر﴾، وهذا المراد به تطهير من نجس، ولم يفرق بين القليل والكثير فهو عموم إلا أن يخصه دليل.
стр. 894
[٤٧] مَسْأَلَة
ويغسل بول الصبي والصبية عند مالك وهما سواء في الحكم، وسواء أكلا الطعام أو لا.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يرش على بول الصبي، ويغسل بول الصبية.
واحتج لهما بما روي من حديث أم قيس بنت محصن، وأن النبي ﵇ أمرها أن ترش على بول الصبي.
стр. 895
قال مالك: وهذا الحديث ليس بالمتواطأ عليه - عندنا -، ويعني على العمل به.
وهذا على أصل أبي حنيفة لا يستقيم ولا ينبغي أن يعمل عليه؛ لأنه مما يعم البلوى به، فكان سبيله أن ينقل نقلا مستفيضا منتشرا حتى يصير في معنى نقل الصلوات والزكوات وغير ذلك مما تقع البلوى به عامة، ولعل عموم هذا في النساء أكثر منه في الرعاف والقيء في الصلاة، وقد قيل في الجميع الحديث، ولم ينتشر نقله ولا استفاض.
ولا يستقيم أيضا على أصول الشافعي؛ لأنه لا يعدل عن قياس الأصول بقضية في عين تحمل وجودها من التأويل وهذا الخبر يخرج حكم هذا الجنس عن الأصول فيه؛ لأنه كسائر الأبوال النجسة التي لا فرق فيها في الكبار بين الذكر والأنثى.
стр. 896
وأيضا فإن كان ثفلهما جميعا نجسا فبولهما نجس، فينبغي أن يستويا في الغسل كالثفل، وإن كان بول الصبي وثفله ليسا بنجسين فكذلك في الصبية؛ لأن الأصول تشهد له، فالخبر محتمل إن صح لأمور منها:
أنه أمر بالرش عليه، والرش يكون في معنى الغسل، لأنه إذا كثر حتى تضاعف الماء عليه غلب عليه وأزاله، فيكون رشا هذه صفته، ولم يخصص النبي ﵇ رشا من رش.
ويحتمل أيضا أن تكون هذه المرأة قد كثر عليها بول الصبي، ولا ثوب عليها غير ذلك الثوب، ويكون الزمان شديد البرد فلو كلفها غسله في كل نقطة تصيبه لحقتها المشقة التي لا تخفى، ونحن نجوز لها هذا وتصير منزلته منزلة العفو عن دم البراغيث، ومنزلة النجو الذي خفف إزالته بالأحجار.
ويحتمل أيضا أن يكون ﵇ أراد أن يعلمنا أن إزالة النجاسة ليست بفرض حتى يسقط مذهب من يخالفنا في ذلك، وأمر بغسل بول الصبية على الأصل.
стр. 897
فإن قيل: فإن النبي ﷺ فرق بين بول الصبي والصبية فقال: (يرش على بول الصبي) فأفادنا بهذا الفرق بينهما.
قيل: إذا خرج هذا على سؤال سائل احتمل أن يكون ﵇ عرف حال المرأة مع الصبي على ما ذكرناه، ولم تكن البلوى وقعت ببول الصبية على مثل ما وقعت ببول الصبي. ولو أنه ﵇ ابتدأ هذا على غير سؤال سائل احتمل أن يكون ﵇ أراد أن ينبهنا على أن الرش يكون بمعنى الغسل؛ لأننا نعلم أن نقطة بول تصيب ثوب إنسان؛ ويشاهد موضعها، فيصرها في يده ويأخذ ماء فيرشه عليها فإننا نعلم أن هذا رش يغلب على حكم النقطة من البول، فيفهم بذكر الغسل في بول الصبية أن الرش على بول الصبي هذه صفته، ولم يرد ﵇ الفرق بينهما في الحكم وإنما أتى بالمعنى بلفظين مختلفين، فلو قال فيهما جميعا: يرش عليهما، لاحتمل رشا كثيرا ورشا قليلا، فلما قرن الرش مع الغسل نبه على رش في معنى الغسل؛ لأننا نجد رشا هذه صفته، إذ لو أراد الفرق في الحكم لبين لأي معنى فرق بينهما؛ حتى يزول ما نعلمه من الجميع بينهما؛ لأن بوليهما نجسان كثفلهما، ولا يجوز أن يفترقا، فإما أن يكونا نجسين أو طاهرين، فإذا كان هذا مقدرا لم نزل عنه بخير محتمل.
وقد روى في الخبر أنه ﵇ أمر بالنضح على بول الصبي،
стр. 898
والنضج وهو في معنى الغسل، كقوله ﵇ للمقداد في قصة علي: (انضح فرجك)، وكما قال في دم الحيض: (انضحه)، فجعل النضح عبارة عن الغسل، ولا يمتنع أن يورد ﵇ لفظين بمعنى واحد، فتستفيد الأشهر منه لمعنى واحد، ولا ينصرف عن قياس الأصول بمثل هذا؛ لأنه إن كان بول الصبي نجسا فبول الصبية مثله، فما وجب في بولها وجب في بوله مثله، كالذكر والأنثى الكبيرين، وكذلك في ثفلهما فيجب تساويهما في الحكم؛ لاجتماعهما في المعنى الذي نم أجله وجب غسل بول الصبية.
стр. 899
ويجوز أن تقول: هو بول آدمي فأشبه بول الصبية، ويستمر هذا في جميع بني آدم.
وأيضا فإنه مائع خارج من فرج آدمي على وجه الصحة فأشبه بول الصبية والكبير، وقد ذكرنا أن الفرض في هذه المسألة تساويهما في حكم الإزالة إما فرضا أو إما سنة، والله أعلم.
ويجوز أن يحتج بقوله - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾، وهذا تطهير نجس لم يفرق فيه بين أن يكون من صبي أو صبية، والتطهير واحد فيهما جميعا فينبغي أن تستوي صفة التطهير فيهما.
стр. 900
[٤٨] مَسْأَلَة
إذا نوى بوضوئه أن يصلي صلاة بعينها فرضا أو نافلة أو قراءة في مصحف أو صلاة على جنازة فإن حدثه يرتفع، ويجوز أن يصلي به سائر الصلوات، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وإن كان أبو حنيفة ليس من شرط صحة الطهارة عنده النية.
وحكي عن داود به استباحة صلاة بعينها دون غيرها من الصلوات فإنه على ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي.
وأجودها: أن حدثه يرتفع، ويستبيح به سائر الصلوات؛ لأنه نوى
стр. 901
استباحة صلاة، إذا ارتفع لصلاة ارتفع لجميع الصلوات.
والوجه الثاني: أنه لا يرتفع حدثه بهذا الوضوء فلا يصلي به أصلا؛ لأنه نفى أن يستبح به غير هذه الصلاة، والحدث إذا لم يرتفع لصلاة لم يرتفع لجميع الصلوات.
والوجه الآخر: منهم من قال: يجوز له أن يصلي به الصلاة التي نواها، ولا يصلي به غيرها؛ لأنه لو لم ينو رفع الحدث لم يجز له أن يصلي، ولو نوى رفع الحدث مطلقا جاز له أن يصلي، فيجب إذا نوى به استباحة صلاة دون غيرها أن يستبيح به ما نوى استباحته، ولا يستبيح غيرها. وهذا أضعف الوجوه عندهم.
وهذا عندي يتخرج على الروايتين عن مالك فيمن اعتقد رفع النية في الطهارة بعد أن تطهر، فإذا قلنا: لا ترفع الطهارة فإنه يصلي الصلاة التي نوى لها الوضوء، ويصلي الصلاة الثانية؛ لأنه اعتقد رفع النية في الوضوء لها فلا ترتفع. وإذا قلنا: إن طهارته تبطل صلى بالوضوء الصلاة التي نواها وبطلت بعد ذلك. فلا يصلي بها هي صلاة أخرى؛ لأنه يصليها وقد رفع من طهارتها النية.
والدليل لنا على داود: قول الله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، والألف واللام في الصلاة للجنس، وهذا قد غسل وجهه للقيام إلى جميع الصلوات.
стр. 902
فإن قيل: هذا لم يغسل وجهه لجميع الصلوات، وإنما غسل وجهه لصلاة واحدة.
قيل: ظاهر الأمر يقتضي غسل وجهه، ولا يتميز نيته، فنحن على ذلك الأمر إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: الظاهر يقتضي غسل وجهه لكل صلاة.
قيل: الظاهر يقتضي أن يغسل وجهه إذا أراد القيام إلى جميع الصلوات، وهذا قد غسله فلا يجب عليه التكرار إلا بدليل؛ لأن الظاهر يقتضي غسل مرة واحدة، وقد غسل.
وأيضا قول النبي ﵇: (لا صلاة إلا بطهور)، وهذا نفي في ذكره يعم كل الصلوات إلا بطهور، وقد تطهر.
فإن قيل: لا نسميه عند الصلاة الثانية متطهرا.
قيل: هو على طهارته التي تطهر بها، وقد سمي متطهرا فيستصحب الاسم حتى يمنع منه مانع.
وأيضا قوله ﵇: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه)، وقد أسبغ هذا الوضوء لصلاته التي هي للجنس لا تختص بصلاة دون أخرى، فهو على عمومه في كل صلاة
стр. 903
حتى يمنع منه مانع.
وأيضا تعلميه ﵇ الأعرابي بقوله: (توضأ كما أمرك الله فاغسل)، وهذا قد غسل، ولم يخص له صلاة من صلاة.
فإن قيل: فقد قال ﵇: (وإنما لامرئ ما نوى)، وهذا نوى بوضوئه صلاة بعينها، فدليله أن ما لم ينوه لا يكون له، فلا تكون له الصلاة الثانية.
قيل: هذا حجة لنا؛ لأنه إذا صلى الثانية بالوضوء الأول، ونوى أن تكون له صلاة فقد نواها صلاة له فله ما نواه.
قيل: ولا رفع النية لها، وإنما نوى ذلك فارتفع حدثه، وإذا ارتفع حدثه جاز أن يصلي سائر الصلوات كما لو أطلق النية.
فإن قيل: قد قلتم: إنه لو تيمم لنافلة لم يجز أن يصلي به فريضة فكذلك هذا.
قيل: التيمم لا يرفع الحدث، ولا يفعل إلا بعد دخول الوقت، ولا يجمع به بين صلاتي فرض، فلهذا لم يعمل إلا في الصلاة التي
стр. 904
قصد به استباحتها؛ لأنه عليه طلب الماء للصلاة الثانية كالأولى.
فإن قيل: فقد جوزتم إذا تيمم لمكتوبة فصلاها أن يتبعها بنافلة بذلك التيمم.
قيل: تصير تبعا للفريضة.
стр. 905
[٤٩] مَسْأَلَة
لا يدخل الجنب المسجد ولا عابر سبيل، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: يجوز أن يمر فيه عابر سبيل.
والدليل لقولنا: ما روي أن أفضل البقاع المساجد، وأنها بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر بها اسمه، وأنها بنيت للصلاة والتسبيح، فوجب تعظيم حرمتها بكل وجه، ومن تعظيم حرمتها ألا يدخلها الجنب إلا أن يقوم دليل.
стр. 906
وأيضا ما روته جسرة بنت دجاجة عن عائشة ﵂ أنها قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد)، ثم دخل النبي ﵇ ولم يصنع القوم شيئا؛ رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج عليهم بعد فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، فهذا يقتضي ألا
стр. 907
يحله (إلا) على كل وجهه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فلو جاز دخوله المسجد لجاز أن يستديم الجلوس فيه، كالمتوضئ والمحدث بغير الجنابة والحيض، فلما لم يجز للجنب ذلك صار كالحائض التي لما لم يجز لها استدامة الكون فيه لم يجز لها دخوله.
وتحرر من هذا قياسنا على الحائض فنقول: كل من منع من الاستدامة في المسجد منع من دخوله، أصله الحائض، وكذلك الجنب لما منع من استدامة كونه فيه منع من دخوله.
وأيضا فإن للمسجد حرمتين: إحداهما: للصلاة فيه، والأخرى: تلاوة القرآن فيه، فلما منع الجنب من الصلاة وقراءة القرآن فيه منع من دخوله؛ لأنه ظرف لهما، ولا يلزم على هذا المحدث بغير جنابة؛ لأنه غير ممنوع من القراءة فيه.
والمشرك - عندنا - بمنزلة الجنب والحائض لا يدخل المسجد؛ لأنه ممنوع من استدامة كونه فيه.
стр. 908
فإن استدلوا بقوله - تعالى - ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وأن المراد منه مكان الصلاة؛ لأنه هو الذي يقرب لا نفس الصلاة، فتقديره: لا تقربوا مكان الصلاة جنبا إلا عابري سبيل، والعابر هو المجتاز.
قيل: إذا أمكن أن يحمل الظاهر على حقيقته لم يصرف المجاز، والظاهر المذكور هو نفس الصلاة، فقوله - تعالى - ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ أي لا تصلوا، كما قال: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ معناه: لا تزنوا، فتقدير الآية: لا تصلوا وأنتم على حال سكر (وجنابة) حتى تعلموا ما تقولون في الصلاة، ولا جنبا إلا عابري سبيل، وهو إذا كنتم متيممين عند عندم الماء أو تعذر استعماله في السفر، وعلى هذا تأوله علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن عابر سبيل هو الغريب المسافر، كما قيل فيه: ابن سبيل، فقد حملنا الظاهر على حقيقته في الصلاة، ولم نحمله على المكان الذي لم يجر له ذكر، وإنما يدعون أنه مضمر، فإذا تنازعنا الظاهر، وصرفناه إلى حقيقته لم يصح لهم دلالة في جواز
стр. 909
دخوله المسجد، والخلاف واقع فيه فصحت أدلتنا في أن الجنب لا يدخل المسجد.
فإن قيل: فإن المسجد قد سمي باسم الصلاة في قوله: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد﴾، فإذا احتمل الأمرين جميعا - ما تقولون وما نقول - جاز أن نحملها على العموم فنقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا مكان الصلاة على هذا الحال إلا عابري سبيل.
قيل: إن الحقيقة في الظاهر هو الصلاة على ما ذكرناه، وليس تتناول حقيقته المكان، بل هو مجاز، لا يجوز ادعاء العموم في حقيقته المجاز بلفظة واحدة.
على أننا نحن نحمله أيضا على عمومه من هذا الطريق فنقول: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذا الحال إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك وصلوا، ونكون بهذا أسعد منكم؛ لأن فيه تعظيما لحرمة المسجد، وبمثل ذلك تأوله علي - وهو إمام هدى -.
وفيه أيضا أن عابر سبيل إذا أطلق للمسافر حقيقة لا للحاضر، بل إذا أطلق قوله: عابر احتمل ما يقولون، وإذا أضيف إلى سبيل فهو المسافر أخص، وإن احتمل الحاضر أيضا فنحن نقول: إن الحاضر إذا عدم الماء أو تعذر عليه استعماله وخاف فوت الوقت تيمم ودخل المسجد وصلى، فيكون قوله - تعالى -: ﴿عابري سبيل﴾ مصروفا إلى الحاضر على هذا الوجه، وإلى المسافر على هذا الوجه، فيحتمل
стр. 910
الظاهر على حقيقته مع تعظيم حرمة المسجد.
فإن قيل: قوله: ﴿عابري سبيل﴾ مضافا إلى منكر، فأي سبيل كان جاز، مسافرا أو غير مسافر.
قيل: لا فرق بين أن يضاف إلى منكر أو معروف، وهذا بمنزلة قولنا: ابن سبيل منكرا لا يعقل منه إلا المسافر، كقوله: ابن السبيل، فصار تقدير قوله: ﴿عابري سبيل﴾ أي ابن سفر ما، وابن السبيل ابن السفر.
على أننا قد ذكرنا أننا نستعمله على الحاضر وأيضا إذا عدم الماء وتيمم جاز له دخول المسجد وهو جنب؛ لأن التيمم لا يرفع الجنابة.
وأشد ما في الباب أنه إذا احتمل ما تقولون وما نقول قضينا عليه بالخاص الذي لا يحتمل، وهو قوله ﵇: (فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، ومعناه: لا أحل فيه فعل حائض ولا جنب على كل حال من دخول واجتياز واستدامة وصلاة وقراءة قرآن وغير ذلك؛ لأنه لم يرد أن عين المسجد ونفسه محرمة؛ ى لأن ذلك لا يقع عليه تحليل ولا تحريم، وإنما الحلال والحرام فعلنا فيه، بمنزلة قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، و ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، وإنما المحرم فعلنا فيهن الذي هو تزوجهن، والمحرم أكل الميتة، والتصرف فيها لا أن نفس الأعيان محرمة، فإذا كان هذا هكذا قضينا بهذا النص في ذكر المسجد على
стр. 911
المحتمل في الآية، لأنه أخص منه.
فإن قيل: ففي خبركم أيضا عموم في المجتاز وغير المجتاز، وفي الآية خصوص، وهو ذكر المجتاز، فقضينا بهذا الخصوص على عموم خبركم.
قيل: قوله: ﴿عابري سبيل﴾ حقيقة للمسافر، ونحن نقول في المسافر كذلك، ثم قد استعملناه على ما ذكرتم نم الحاضر إذا عدم الماء وتيمم، وبقي معناه ذكر المسجد نصا، وليس بإزالة مثله.
стр. 912
[٥٠] مَسْأَلَة
وبول ما يؤكل لحمه طاهر - عندنا - وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة والشافعي: هو نجس.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلا محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾، فإذا لم يكن محرما لم يكن نجسا.
стр. 913
وأيضا قوله: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾، وهذا يقتضي جملة البهيمة، ومن جملتها بولها كلبنها وغيره إلا أن يقوم دليل.
ولنا أن نبني المسألة على أصل: وهو أن الأشياء في الأصل على الإباحة حتى يقوم دليل الحظر.
وأيضا ما رواه البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: (ما أطكل لحمه فلا بأس ببوله)، والبأس: الشدة والضيق عندنا فيه، وحصلت هذه اللفظة في الشريعة عبارة عن الإباحة، فكل موضع يسأل فيه عن إباحة شيء قيل فيه: لا بأس.
وقد روي أن النبي ﵇ قال: (فلا بأس بسحله).
стр. 914
وعن ابن الزبير مثله.
وأيضا ما روي عن أنس أن النبي ﵇ قال: (ليس بشرب بول كل ذي كرش بأس).
وأيضا ما روي في حديث العرنيين أن النبي ﷺ أباحهم شرب ألبان الإبل وأبوالها، فجعل ذلك بمنزلة اللبن، فلو كانت نجسة ما أباحهم ذلك، فظاهر الإباحة لا يصرف عن ظاهره إلى ضرورة أو مرض إلا أن يذكر في الخبر ما يوجب ذلك.
فإن قيل: إنما أباحهم شرب البول للمرض؛ لأنهم لما اجتووا المدنية استوخموها فاصفرت وجوههم وانتفخت بطونهم فأباحهم ذلك.
стр. 915
قيل: إن صح هذا وكان اللبن لا يخلو أن ينتفع به كمنفعة البول أو يضاده، فإن كان يضاده فلا ينبغي أن ينتفعوا بالشيء وضده، أو تكون المنفعة فيهما واحدة فينبغي أن يستغنوا اللبن الذي هو حلال عن البول النجس الحرام، فلما أباحهم ذلك علمنا أنه لم يبحهم ذلك للمرض.
وأيضا فإن المرض لا يجوز أن ينتفع فيه بشيء نجس؛ لقول النبي ﵇: (ما جعل شفاؤكم فيما حرم عليكم).
وأيضا فلو حملناه على الضرورة لكان تأكيدا للآية التي فيها ذكر المضطر إلىالميتة وغيرها مما أبيح للمضطر، هذا لو كانت ضرورة الجوع، وإذا أمكن أن يستعمل الخبر على فائدة مجددة كان أولى من تكرار آية أو تأكيدها.
وكذلك إن قالوا: استعمل قول النبي ﵇: (ما أكل لحمه لا بأس
следующие страницы →