Полный текст (1 330 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
فإن قيل: فإنها عبادة تؤدى تارة بيقين، وتارة بالظاهر فجاز دخول التحير عليها عند الاشتباه، أصله القبلة، اليقين فيها أن يكون بمكة في المسجد معاينا للكعبة، أو بالمدينة فتصلي في محراب النبي ﵇ فهذا يقين، وأما الظاهر فهو أن تكون في بعض البلدان أو القرى فتشاهد مسجدا فيه قبلة فيجوز أن تصلي إليها على الظاهر، مع جواز أن تكون القبلة غير تلك الجهة.
وأداء الطهارة بيقين مثل أن تتوضأ من دجلة فتتيقن أن الماء طاهر، وأما الظاهر دون اليقين فمثل أن يجد ماء في إناء على الشط فيجوز له أن يتطهر منه، وهذا الماء في الظاهر طاهر لا بيقين؛ لجواز أن يكون قد حلت فيه نجاسة من ولوغ كلب قد أكل نجاسة هي على فمه أو غير ذلك من بول خنزير أو ترشيش فيه من بول آدمي فيجوز التحري في الإناءين، كالقبلة يصلي إلى جهة تغلب على ظنه، وليس عليه أن يصلي إلى الجهات كلها.
قيل: الفرق بينهما هو أن القبلة قد جوز تركها والصلاة إليها مع القدرة في الصلاة التطوع في السفر، وللمسايف في وجه العدو وغير ذلك، وأما الماء النجس فلا يجوز الوضوء به على وجه، فلهذا
стр. 947
طلب اليقين فيه كما قلنا فيمن نسي صلاة من خمس صلوات أنه يصلي الصلوات كلها حتى يأتي على اليقين؛ لأن الصلاة لا يجوز تركها مع القدرة ولا مع العذر.
والدليل على أبي حنيفة: هو أن هذا الإنسان معه ماء طاهر بيقين يمكنه الوصول إليه وأداء الصلاة به من الماء النجس فوجب أن يجوز له التحري فيه، أصله الثلاث الأواني.
وأيضا: فإن التحري في الإناءين أمكن منه في الثلاث لوجهين:
أحدهما: أنه بالتحري يطلب الطاهر، ولا يتوصل إلى معرفة الطاهر إلا بمعرفة النجس؛ لأه يطلب العلامة والأثر، والعلامة والأثر قد يكون على الماء النجس من أثر الرجل أو قلة الماء وكثرته وما يشبه ذلك، فصار كأنه لا يطلب إلا النجس، فإذا كان كذلك فتمييز الشيء بين شيئين أمكن وأقرب منه نم الثلاث وأكثر، كما أن تمييز عبد أشكل أمره من بين عبدين أمكن منه وأسهل من بين مائة عبد.
والوجه الثاني: هو أن التحري أن ينظر في كل إناء على الانفراد، ويضبط صفاته ويحفظها حتى إذا وجد اختلاف الصفة حكم حينئذ إما بنجاسة أو طهارة، فإذا ضبط (ذلك فهو إذا ضبط) صفة الإناء ثم نظر في الآخر كان أقر عهدا بالأول منه أن ينظر في ثالث.
فإن قيل: فأنتم لا تتحرون بل تأمرون باستعمال الجميع.
стр. 948
قيل: نحن نقول يتحرى أولا فيتوضأ بما يغلب على ظنه أنه طاهر ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر ويصلي احتياطا؛ لأنه قد يجوز أن يخطئ اجتهاده في الأول فإذا احتاط بالثاني أصاب لا محالة.
فإن قيل: يلزمكم هذا في أكثر من إناءين حتى لو كانت أواني كثيرة وجب أن يستعملها كلها، وهذا يشق.
قيل: إذا خرج إلى المشقة تركنا ذلك وتحرى الواحد. ألا ترى أنه لو اختلط على إنسان أو أشكل أمر امرأتين وثلاث في أن إحداهن أخته من الرضاعة منعناه أن يتزوج إحداهن، وقلنا له: احتط واترك الجميع، ولو اختلطت عليه بأهل بلد جاز أن يتزوج إحداهن؛ لأن منعه من ذلك يشق، وكذلك لو اختلطت عليه شاة ميتة باثنتين وثلاث من المذكاة وجب أن يمتنع من الجميع، ولو اختلطت بشيء كثير جاز له أن يأكل.
فإن قال عراقي: إن هذا يشهد لنا؛ لأننا لا نتحرى في إناءين ونتحرى في أكثر، كما قلتم في المرأتين إحداهما أخته من الرضاعة، وشاتين إحداهما ميتة.
قيل: قد فرقتم أنتم بين الموضعين؛ لأنكم لا تجيزون له أن يتزوج إحدى عشرة فيهن أخته من الرضاعة، كما لا يتزوج واحدة من اثنتين، ولا تعملون في الأواني كذلك؛ لأنكم لا تجيزون التحري في
стр. 949
إناءين، وتجيزونه في ثلاث.
فإن قال الشافعي: فقولنا أولى؛ لأنه يستمر في إناءين وثوبين، وفي اجتهاد الحاكم والقبلة في أنه ليس عليه أن يحكم بالاجتهادين، ولا الصلاة إلى جهات القبلة كلها.
قيل: أما الحاكم فإنه ينظر لقطع الخصومات، فإذا غلب على ظنه الحكم لأحدهما حكم، فلو قلنا له: احكم للآخر أدى ذلك إلى إحكام الخصومة بينهما، ولعل خصومتهما قبل هذا الحكم تكون أسهل، فلا يجوز أن يفعل ذلك، والصلاة حق محضة لله فنعمل بما ذكرناه، وقد ذكرنا الفرق بين الإناءين وبين القبلة بما فيه كفاية.
ويجوز أن نستدل على أبي حنيفة في تركه الإناءين وعدوله إلى التيمم بقوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وبقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ما ليطهركم به﴾، وظاهر هذا طهارته، وبقول النبي ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه)، وهذا ماء لم يغيره شيء من ذلك، وقد قال - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، ولم يخص ماء من ماء، وهذا واجد للماء فلا يجوز العدول عنه إلى التيمم إلا بدليل.
стр. 950
[٥٥] مَسْأَلَة من التيمم
الصعيد عند مالك ﵀ هو الأرض، فيجوز التيمم على كل أرض طاهرة، سواء كانت حجرا لا تراب عليها أو عليها تراب، أو رمل أو زرنيخ أو غير ذلك.
وبه قال أبو حنيفة محمد وأبو يوسف إلا على صخر لا تراب عليه فإن أبا يوسف قال: لا يجزئه.
وقال الشافعي: لا يجوز التيمم بغير التراب أصلا، إذا تيمم فلا بد أن يعلق بيده منه شيء يمسح به وجهة وذراعيه، ولا بد عنده من التيمم على التراب ومن الممسوح به.
стр. 951
والدليل على لقولنا: قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، والصعيد اسم للأرض. قال - الله تعالى - ﴿فتصبح صعيدا زلقا﴾، قيل: إنها أرض زلقة.
وروي أن النبي ﷺ قال: «يجمع الخلائق يوم القيامة على صعيد واحد» أي أرض واحدة، فالاسم الأخص من الصعيد يتناول الأرض نفسها، ولم يخص - تعالى - صعيدا من صعيد. فأي أرض كانت فهي صعيد. وأراد بقوله: ﴿طيبا﴾ أي طاهرا.
وقد قيل: إن الصعيد لما تصاعد من الأرض، فليس يختص بموضع منها دون موضع، والصخر متصاعد من الأرض، وكذلك الرمل وغيره، فهو عموم في كل ما تصاعد منها إلا أن يقوم دليل.
وقد ذكر ابن الأعرابي أن الصعيد اسم للأرض، واسم للتراب،
стр. 952
واسم للطريق، واسم للقبر. فإذا كان يتناول كل واحد من هذه حقيقة فإما أن نجعله للعموم فيتناول جميعها، أو يكون من الأسماد المشتركة، كقولهم: عين ولسان لون. فقوله تعالى: ﴿فيتمموا صعيدا طيبا﴾ اسم نكرة في إثبات لا يكون عموما، بل يكون شائعا في الجنس لا يتناول صعيدا بعينه، بل يتناول كل ما يقع عليه اسم صعيد على طريق البلد، والأرض والتراب والطريق والقبر من جنس أحد، فأي صعيد قصد جاز التيمم عليه إلا أن يقوم دليل، بمنزلة قولك: اضرب رجلا، فإنه لا يختص برجل دون رجل فأي رجل ضربه قد امتثل المأمور به، وإن كان الجنس مختلفا فلاسم مشترك لا يمكن ادعاء العموم فيه، لا صرفه إلى وجه دون وجه لا بدليل، فدل على أنها من المراد، وأن المراد جميعها.
وقد قام الدليل على أن الأرض مقصودة، وما تصاعد منها مقصود، وذلك أن النبي ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجدا طهرا، فأينما أدركتني الصلاة فتيممت وصليت»، فذكر الأرض ولم يخص
стр. 953
موضعا منها، وجمع بين الصلاة والتيمم عليها، ثم آكد ذلك بقوله: «فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت». وقد تدركه في موضع من الأرض لا تراب عليه، وفي موضع فيه رمل أو جص أو غير ذلك كما تدركه في أرض عليها تراب.
ولنا أيضا ما رواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بست» فذكر أشياء، إلى أن قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، فأخبر أن
стр. 954
الطهور من الأرض هـ ما كان مسجدا، وقد ثبت أن الصلاة جائزة على كل موضع من الأرض، فكذلك التيمم، ولا يختص بموضع عليه تراب من غيره.
وأيضا: ما روي عن عبد الله بن عمر أنه مضى إلى ابن عباس ﵄ فكان في حديثه أن قال: بال رسول الله ﷺ قائما، فأتاه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى قام وضرب بيده على الحائط ومسح بها وجهه، ثم ضرب أخرى ومسح بها كفيه، ومعلوم
стр. 955
أن الحائط لا تراب عليه، فدل على أن التيمم لا يفتقر إلى مسموح به.
وأيضا ما رواه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن عمار أنه قال: أجنبت فتمعكت فأخبرت رسول الله ﷺ فقال: «إنما كان يكفيك هكذا، وضرب بيده على الأرض، ثم أدناها منه ونفخ فهيا، ثم مسح بها وجهه»، فحكى أن النبي ﷺ نفخ في يديه ومسح بهما وجهه، وهذا نص على أن التراب ليس من شرطه؛ إذ لو كان من شرطه لما نفخهما.
стр. 956
ولنا أيضا ما رواه عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن قوم جاءوا إلى رسل الله ﷺ فقالوا: إنا نكون في الرمال فلا نقدر على الماء ثلاثة أشهر وأربعة أشهر، وفينا النفساء والحائض والجنب. فقال: «عليكم بالأرض»، وهذا يدل على جواز
стр. 957
التيمم بالرمال؛ لأنها أرضهم، ويتناوله اسم الأرض، ولو كان اسم الأرض لا يقع إلا على التراب لقال لهم: انتظروا وصولكم إلى الأرض، فلما قال لهم: «عليكم بالأرض» أي أرضكم التي أنتم بها دل على ما قلناه.
وأيضا فإن أحدا لا يمتنع أن يقول: جلسنا على الأرض، ونزلنا بأرض مصر والبصرة والحجاز وبني فلان، وإن كان موضع الجبال والحجر.
وأيضا فإن التيمم ثبت على وجه الترفيه والرخصة فيما كان مضيقا على من تقدم من الأمم فوجب أن لا يختص بموضع التراب كالصلاة، وهذا الذي دل عليه قوله ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا».
وأيضا فإن ما جاز أن يكون قرارا لماء جاز أن يتيمم به. أصله موضع التراب، وهذا موجود في موضع الرمل.
وأيضا فإن موضع يجوز السجود عليه فأشبه موضع التراب.
فإن قيل: قوله تعالى -: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فأمر بالمسح من الصعيد، فشرط الممسوح به؛ لأنه لا يقال: مسح منه إلا بأخذه جزءا منه. واقتضى هذا أيضا أن يكون الصعيد ما يمكن الأخذ منه، وهو اللين الناعم، وهذه صفة التراب،
стр. 958
وأنتم تجعلون الجبل صعيدا، وهو لا يمكن الأخذ منه.
وأيضا فإن قوله: ﴿منه﴾ يدل على التبغيض؛ لأن من للتبعيض والهاء في ﴿منه﴾ كناية عن مذكر فهي ضمير التراب لأنه يذكر.
أحدها: أنه يجوز أن يكون ﴿منه﴾ صلة في الكلام، كقوله: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة﴾، والقرآن شفاء.
جواب آخر: وهو أننا لو سلمنا أنه أراد غير الصلة فإنما أراد به ﴿منه﴾ الموضع الطاهر من الصعيد، والهاء كناية عن الصعيد - وهو مذكر - فتقديره من بعض الصعيد، وهو المكان الطاهر الذي يجوز السجود عليه، وقد يذكر بعض أسماء المواضع ويؤنث، مثل بدر وحنين
стр. 959
وواسط ودابق، وهذه مواضع من الأرض.
وأيضا فإن كل ما ليس له فرج فإنه يجوز أن يذكر ويؤنث، فيقال: أطفئ نارك، وأطفئت نارك، وهدم دارك، وقد قال تعالى: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾، ﴿وأخذت الذين ظلموا الصيحة﴾.
وأيضا فلو أراد - تعالى - بالصعيد الطيب التراب لقال: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم به، ولم يقل: منه، فلما قال: دل على أنه أراد من الأرض أو مما تصاعد من الأرض، فلا يخص بعض ما تصاعد منها من بعض، وقد يتصاعد منها الرجل والجص وغير ذلك.
وأيضا فقد ورد القرآن في هذه الآية بقوله: ﴿منه﴾، ووردت
стр. 960
آية أخرى قيل أخرى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾، وإن تيمم بتراب جاز بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾.
فإن قيل: يبنى المطلق على المقيد، فالمطلق قوله: ﴿فامسحا بوجوهكم وأيديكم﴾، والمقيد: ﴿منه﴾.
قيل: لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل.
يحتمل أيضا أن يكن قوله - تعالى -: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. أي من المقصود، ولأن معناه: اقصدوا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم من المقصود الذي هو الصعيد، وقد ذكرنا أن اسم الصعيد حقيقة إما أن يكون لنفس الأرض على ما ذكرناه، أو لما تصاعد منها فهو المقصود، ولا يخص التراب منه دون غيره، وإن كان الصعيد اسما للأرض ولما تصاعد منها فذلك مقصود لا يختص موضع تراب من موضع غيره.
فإن قيل: فقد روى أبو عوانة عن أبي مالك
стр. 961
الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ فقال: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا».
стр. 962
وروى عن سعيد بن مسلمة بهذا الإسناد عن حذيفة أنه ﵇ قال: «جعل ترابها طهورا»، وهذا نص؛ لأنه ﵇ خص التراب بالطهور وما عداه فليس بتراب، فدليله أن غير التراب ليس بطهور.
قالوا: وهذه زيادة في الخبر على قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، فكان الزائد أولى.
قالوا: وأيضا فإن قوله ﵇: «جعلت الأرض مسجدا وطهورا» مطلق، وقوله «وترابها طهورا»، مقيد، فيبنى المطلق على المقيد، كما علمناه وأنتم في الشهادة في قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ بنيناه على قوله - تعالى -: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، وكذلك أطلق - تعالى - قوله في موضع في الكفارة فقال: ﴿فتحرير رقبة﴾،
стр. 963
وقيدها في موضع بالإيمان، فلا يجوز من الرقاب في الكفارات إلا مؤمنة.
قيل: أما قولكم: إن النبي ﷺ نص على التراب فإننا نقول بموجبه. ويجوز التيمم على التراب.
فأما دليله فلا يلزم: لأن الأرض هي غير التراب، والتراب غيرها فلا يخص دليل الخطاب ما ليس من جنسه. ألا ترى أنه لما قال ﵇ «في سائمة الغنم الزكاة» كان دليله ألا زكاة في عاملة الغنم، ولا في عاملة البقر، فكذلك دليل قوله: «ترابها طهورا» أن غير ترابها مما يضاف إليه ليس بطهور، وكما لو قال: رملها طهور. لكان دليله أن ترابها ليس بطهور، وكذلك لو قال: صوف الغنم طاهر. دل على أن لحمها وجلدها وقرنها ليس بطاهر. فأما أن يكون نفسها ليس بطاهر فلا.
وإن جاز أن يكون في دليل الخطاب ما يعم الجنس وغير الجنس فهو ضعيف، وقضى عليه القياس الذي ذكرناه فيحلق المسكوت عنه بالمنطوق به.
وقولكم: إن في خبركم زيادة هي ذكر التراب فإننا نقول بالزائد وبالمزيد عليه، فنجوز الأمرين جميعا، وهذا زيادة في الحكم لا محالة فهو أولى من الاقتصار على الزائد حسب.
стр. 964
وقولكم: إنما يبنى المطلق على المقيد في هذا فهو غلط من وجهين:
أحدهما: أنه يحتاج إلى دليل.
والوجه الآخر: هو أن الأرض المطلقة ليست هي تراب، والتراب ليس هو الأرض: لأن التراب من الأرض بمنزلة الصوف من الغنم، والصوف ليس هو الغنم، فكذلك التراب ليس هو نفس الأرض.
وأما الشاهد المطلق فهو المقيد بالعدالة، وكذلك الرقبة نفسها مقيدة بالإيمان.
فإن قيل: ما روي عن عمار، وأن النبي ﵇ ضرب بيديه الأرض ثم نفخهما يجوز أن يكون نفخ حتى ذهب الغبارة وأثره، فيجوز أن يكن نفخ حتى جف الغبار ولم يذهب الأثر، وهذه فعلة واحدة تحتمل، فإذا لم يعلم على أي وجه وقت لم يصح الاحتجاج بها، ولا يدعي في ذلك العموم.
قيل: هذا خرج مخرج التعليم فلا يجوز أن يغفل بيانه، ولو كان الحكم فيه يختلف لبين لعمار الحكم فيه، كان عمرا وغيره ممن حضر ينقلون تفصيل ذلك، هل النفخ يزول معه الأثر أولا؟، وقد روي أنه قال لعمار: «أنفخ يديك»، ولم يفصل له صفة
стр. 965
النفخ، وروي أنه ﵇ نفض يديه.
فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال لأبي ذر: «التراب كافيك ".
قيل: قد روي: «التيمم كافيك»، وليس في قوله: «التراب كافيك وأن لم تجد الماء عشر حجج» أكثر من أنه أعلمه أن التيمم يكفيه، هذا هو الغرض، ويجوز أن يسمي له الأرض باسم التراب؛ لأن الغالب أنه يكون عليها.
وعلى أننا نقول بموجب الخبر، فيجوز التيمم بالتراب.
فإن قيل: دليله أن غير التراب لا يكفي.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن الحكم علي باسم له لم ين ما عداه بخلافه - عندكم -، وإنما ذلك في الشروط في الأوصاف، والتراب اسم، ثم قد بينا أن الأرض غير التراب، دليل التراب هو الرمل وغيره، فإن اقتضى دليله أن التيمم على الرمل لا يجوز سلمت لنا الأرض التي لا تراب عليها، وإذا جاز التيمم على الأرض التي لا تراب عليها سلمت المسألة.
стр. 966
وعلى أنه لو سلم الدليل لكان القياس الذي ذكرناه يخصه، فيصير تقديره، أن غير التراب من الذهب والفضة والنحاس والحيوان وغير ذلك لا يجوز إلا في الأرض الحجر وغير ذلك ما عدا الأنواع التي ذكرناها. وقد روي: «الصعيد كافيك»، وإذا أمكن استعمال الجميع كان أكثر الفوائد.
فإن قيل: فإنه ممسوح في الطهارة فوجب أن يكون من شرطه ممسوح به. أصله مسح أو الرأس في الطهارة.
وأيضا فإنه معدن في الأرض فوجب أو فلا يجوز التيمم له - يعنون الجص وغيره - أصله سحالة الحديد والذهب والفضة.
وأيضا فإن ذلك يتمول على وجه العادة فوجب أن لا يجوز التطهر
стр. 967
به. أصله المائعات كلها من الخل وغيره.
وأيضا فإن الطهارة تتعلق بجامد ومائع، ثم لما تعلقت الجامد وجب أن تتعلق بأعمها وجودا.
قالوا: وإن شئنا جوزنا فقلنا: هو أحد جنسي ما يقع به التطهر فوجب أن يتعلق بأعمها وجودا. أصلها الماء.
قيل: أما القياس على مسح الرأس في الطهارة فلا نسلم قولكم: ممسوح في طهارة؛ لأن التيمم ليس بطهارة على الإطلاق.
وعلى أن المعنى في الطهارة بالماء أن الحديث يرتفع، لا يتعرف في التيمم.
ألا ترى أن كل عضو من الأعضاء مثل الوجه واليدين لا بد أن يلاقيه الماء في جميع أجزائه، وليس من شرط التيمم ملاقاة التراب لكل جزء من الوجه واليدين.
وأيضا فإذا سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم أصلا كان سقوط الممسوح به في الوجه واليدين أخف.
وقولكم: إنه معدن في الأرض فلا يجوز التيمم به كالحديد والذهب والفضة فإننا نقول: إن الصعيد - عندنا - هو الأرض نفسها، فالتيمم يقع عليها، سواء كانت جصية أو رملية، فأما على الكحل مفردا عن الأرض، وكذلك الجص وبالزرنيخ فلا يجوز التيمم عليه، فلا يلزم ما ذكرتموه.
стр. 968
وقولكم: إنه يتمول في العادة، فإنه في حال ما يتمول لا يجوز التيمم به فإما مع كونه مع الأرض فالمقصد الأرض لا هو.
وعلى أن الذهب والفضة كالمودعين في الأرض فليسا من جنسها.
وأما المائعات غير الماء فلا مدخل لها في شيء من الطهارات. ألا ترى أن الاستنجاء بها لا يجوز، ويجوز بما (من جنس الأرض.
وأما قولكم: إن لطهارة هو لما تعلقت بالمائعات تعلقت بأعمها وجودا، وهو الماء، فإننا نقول: إن الأرض في التيمم أعم وجودا، فهي في أن أحدا لا ينفك منها كانت أعم وجودا من الماد، كما إنها عامة في الصلاة عليها، وشرط التيمم - عندنا - أن يكون على الأرض دون ما ينفصل منها إلا في موضع ضرورة. مثل أن يكون في مركب لا يقدر على الماء ولا على الأرض ومعه فإنه يتيمم به؛ لأجل كون التراب مختصا من بين سائر ما ينفصل من الأرض فجوزناه للضرورة.
وعلى أننا إذا سبرنا قول المخالف في كون التراب شرطا كالماء وجدناه فاسدا: لأن المأخوذ علينا في الطهارة بالماء أن يلاقي كل جزء من الأعضاء جزء من الماء، وهذا غير مأخوذ علينا في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من التراب شيء، وكذلك إذا مسح يده اليمنى بيده اليسرى فإلى أن يبلغ المرفق ويديرها على باطن ذراعه لا يبقى منه شيء أيضا. وإذا كان هذا هكذا جاز في الجزء الأول ما يجوز في الأخير، أو لا يجوز في الجزء الأخير إلا ما يجوز في الأجزاء الأول، فلما لم توجبوا وجود التراب في الجزء الأخير وجب أن يكون
стр. 969
الأول مثله، هذا مع قوله - تعالى -: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فعم الوجه واليدين في المسح منه، ولم يقل: ببعض وجوهكم وبعض أيديكم.
ومعنى آخر: وهو أن التيمم أخف أمرا من التطهر بالماء، لأن الماء يرفع الحدث، والتيمم لا يرفعه. ألا ترى أن غسل جميع البدن في الجنابة يجب بالماء، ثم مع التيمم يسقط جميع حكم البدن إلا في الوجه واليدين، فإذا سقط ذلك في باقي البدن وهو الممسوح والممسوح به جاز أن يثبت المسح في الوجه واليدين وسقط الممسوح به وهو التراب.
ويجوز إذا كنا مسئولين أن نبني المسألة على جواز ضربة واحدة في التيمم للوجه واليدين.
فإن سلموا ل صحت المسألة: لأن كل عاقل يعلم أن الضربة الواحدة إذا مسح بها الوجه خلت اليدان من التراب، ومع هذا فيجوز
стр. 970
أن يمسح بهما الذرعين، فلو كان التراب شرطا في كل جزء منه لما جاز ذلك.
وإن لم يجوزوا ذلك ولا سلموه لنا نقل الكلام إليه.
والدليل عليه: قوله - تعالى -: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾.
وأيضا قول النبي ﵇ لعمار: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفضهما ثم تمسح بهما كفيك ووجهك»، هذا موضع تعليم وبيان لا يجوز أن يهمله.
وكذلك روي أن عمارا حكى أن النبي ﷺ ضرب بيديه على الأرض، ثم نفشهما، وقيل: نفخهما مسح بهما كفيه ووجهه.
فقد تضمن هذه الخبر أدلة على المخالفين.
منها: أنه ﵇ قال لعمار: «اضرب بيديك على الأرض» ولم يذكر له التراب، فأكد الأمر فيه: ليعلمنا أن التراب ليس شرطا؛ لقوله: ثم ينفضهما.
стр. 971
ومنها: أنه جمع الوجه والكفين في ضربة واحدة.
ومنها: جواز ترك الترتيب؛ لأنه قال: «تمسح كفيك ووجهك»، وفي حديث «ثم وجهك».
ومنها: جواز الاقتصار في المسح على الكفين دون الذراعين، وجميع ذلك مذهبنا.
وقد روى عن عمار أن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين».
стр. 972
وأيضا فقد ذكرنا أنه إذا ضرب بيده على الأرض فبدأ بمسح وجهه فإلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده شيء من التراب، فإذا جاز في بعض الوجه ذلك، ولم يحج أن يعيد ضرب يديه على الأرض لم يحتج أن يضر بيديه ليديه؛ لأنه ليس كالماء الذي من شطره أن يماس كل جز من الأعضاء جزء من الماء.
وأيضا فلما أن التيمم لا يرفع الحدث وقد شرع فيه بإسقاط مسح الرأس والرجلين في الحدث الأدنى، وأكثر البدن في الحدث الأعلى جاز أن يقتصر فيه على ضربة واحدة للوجه والكفين.
فإن قيل في أصل المسألة: إن التيمم شرط يه المسح من أجل الحدث فيجب أن يكن واقعا بشيء من أجل الحدث؛ قياسا على الخفين والجبائر.
قيل: هذا لا يجب؛ لأن المسح على الخفين جعل بدلا من غسل الرجلين مع القدرة على غسلهما، فهو تابع لأعضاء قد غسلت فارتفع معها الحدث، وكذلك مسح الجبائر هو تابع لما يرتفع معه الحدث، والتيمم لا يرفع الحدث.
ألا ترى أنه يسقط حكم أكثر البدن في الجنابة في غير مسح في التيمم، فلا ننكر أن يجز المسح بغعي شيء أصلا بعد أن يضرب يديه على الأرض.
على أننا قد ذكرنا قياسا يجوز ما قلناه.
فإن قيل: فإن التراب خص بالذكر من بين سائر أنواع ما يخرج من الأرض، فصار بارعا مشارا إليه دون غيره من الأنواع في باب الطهارة، كما خص الماء في الطهارة من بين سائر المائعات، فلا ينبغي
стр. 973
أن يقوم مقام ما خص بالذكر غيره مما لم يذكر.
قيل: هذا لا يلزم: لأن الأرض نفسها قد خصت بالذكر، كما خص التراب، ولم يخص في الذكر في الطهارة بغير الماء من المائعات.
على أن الماء قصد في نفسه؛ لأنه يرفع الحدث ويدفع الأنجاس عن نفسه وعن غيره، التراب لم يقصد لذلك؛ لأنه في حكم غيره من سائر الجامدات، كما أن الحجر خص في الاستجمار بالذكر، وقام غيره من الجامدات التي تنشف مقامه.
وقد روي أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم - لما نزلت آية التيمم ضربا بأكفهم على الأرض، ولم يقبضوا شيئا من التراب، ثم مسحوا أيديهم، فلو كان التراب شرطا لما ذهب لما عليهم مع مشاهدتهم التنزيل، وكون النبي ﵇ بينهم مبينا لهم أحكام ما ينزل عليهم، فيما ذكرناه من المسألة كفاية وبلاغ، وبالله التوفيق.
وقد جوز الشافعي التيمم على السباخ اليابسة، وهذه لا غبار عليها ولا تراب يعلق باليد، فكذلك ينبغي أن يجوز في غيرها مما لا تراب عليها: لأنه جنس من الأرض تجوز الصلاة عليه، والله أعلم.
стр. 974
[٥٦] مَسْأَلَة
ومن كان جنبا وبه حدث أصغر فتيمم معتقدا بتيممه أنه عن الحدث الأدنى لم يجزئه، سواء نسي الجنابة أو كان ذكرا لها.
ذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه صلى بهذا التيمم أعاد الصلاة في الوقت، هذا يدل على عن الإعادة مستحبة وأن التيمم مجزئ.
وقد روى ابن وهب والمدنيون عن مالك أن التيمم مجزئ ولا يعيد الصلاة، به قال محمد بن مسلمة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي.
стр. 975
وأظنهما يقولان: إنه يجزئ إذا نسى الجنابة، وأما مع العمد فلا يجزئه.
والدليل لقول مالك إنه لا يجزئه: قول النبي عليه الصلام: «إنما لامرئ ما نوى». فدل أن ما لم ينوه لا يكون له، وها لم ينو بتيممه للجنابة.
فإن قيل: قد نوى الصلاة فينبغي أن يكن له ما نواه.
قيل: الصلاة لا تصح إلا بطهارة، إما الماء أو التيمم من أجل أنه محدث، وهذا لم يتيمم من أجل حدث الجنابة، ولا نوى استباحة الصلاة مطلقا؛ لأنه لو نوى بتيممه استباحة الصلاة ولم يصرفها إلى الحدث الأدنى أجزأه.
وأيضا فد ثبت أنه لو قدر على الماء فتوضأ ونوى به الطهارة الصغرى لم يجزئه عن الجنابة، والوضوء يرفع الحدث، ففي التيمم الذي هو أضعف لا يرفع الحدث أولى ألا ينوب عن الجنابة.
стр. 976
وأيضا فقد ثبت أن للنية تأثيرا في التيمم، وذلك أنه لو نوى بتيممه استباحة صلاة نافلة لم يجز أن يصلي به فريضة، وإن كان يستبيح الصلاة بتيممه، لم تجعل نيته ها هنا ملغاة حتى يحصل مستبيحا للصلاة فيصلي به أي صلاة شاء، عن كانت صورة التيمم واحدة، فإذا صرفه إلى النافلة لم يجزئه عن الفريضة، فيجب إذا صرفه نيته بالتيمم إلى الحدث الأدنى أولى أن لا يجزئه عن الحدث الأعلى.
وأيضا فإن الجنب يخالف المحدث؛ لأن المحدث يتعلق فرضه بأربعة أعضاء، والجنب فرضه بسائر بدنه متعلق، فإذا كان أحدهما مخالفا للآخر فأخطأ في اعتقاده، ونسي الجنابة واعتقد بتيممه الحدث الأدنى لم يجزئه، كما لو نسي ظهر أمسه، فصلى وعنده أن عليه عصر أمسه لم يجزئه؛ لأن العصر وإن كانت صورتها صورة الظهر فإنها مخالفة لها في النية، فإذا أخطأ في اعتقاده منع من صحته، وكذلك إذا كان عليه كفارة من ظهار، فأعتق رقبة وعنده أن عليه كفارة قتل لم يجزئه الرقبة عن الظهار.
فإن قيل: فقد روي أن الني عليه قال لأبي ذر: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإن وجد الماء فليمسسه بشرته»، فجعل ﵇ الصعيد وضوء المسلم، فهو على عمومه في الأحوال كلها، أخطأ في الاعتقاد أو لم يخطئ.
قيل: عنه جوابان:
стр. 977
أحدهما: أنه نبه بقوله: «وضوء المسلم» على أنه نائب عن الوضوء، والوضوء يرفع الحدث الأصغر، وغسل الجنابة غير الوضوء من جهة الاسم الأخص.
والجواب الثاني: أنه عموم يخصه ما ذكرناه، ألا ترى أن الوضوء بالماء وينوب تطوعه عن فرضه، حتى لو توضأ لصلاة نافلة جاز أن يصلي به فريضة، ولو نوى بتيممه صلاة نافلة لم يجز أن يصلي به فريضة، فالتيمم للحدث الأدنى أولى أن لا ينوب عن الحدث الأعلى.
فإن قيل: فإنهما طهارتان نيتهما واحدة فوجب أن يمنع الخطأ في تعيينهما من صحتهما، أصله إذا كان عليها غسل من حيض فاعتقدت أن عليها غسلا من جنابة فاغتسلت للجنابة، أو كان عليها غسل من جنابة فاغتسلت معتقدة أن عليها غسلا من حيض، لا خلاف أنه يجزئها، فكذلك إذا تيممت وأخطأت في الاعتقاد، فأعتقدت عن غسل الجنابة ونسيت الحيض، أو اعتقدت بالتيمم عن الحيض ونسيت الجنابة فإنه يجزئها.
وقولنا: نيتهما واحدة معناه إنها تنوي في التيمم من الجنابة والتيمم من الحدث استباحة الصلاة في الحدث الأصغر والأعلى كما هو في الحيض والجنابة.
قيل: إذا كان عليها غسل من حيض وغسل من جنابة فإن حكمهما واحد في غسل جميع البدن، فهما كالحدثين الأصغرين حكمهما واحد، فصرف النية إلى أحدهما [في الغسل والحكم] في الغسل والوضوء مجزئ، وكذلك في تيمم الحيض والجنابة يجوز صرف النية
стр. 978
إلى أحدهما فينوب عن الآخر، وكذلك في الحدثين الأصغرين، وأما الوضوء من الحدث الأدنى والغسل من الحدث الأعلى فهما مختلفان، فلا تنوب نية الأصغر عن الأعلى في الماء ولا في التيمم. ألا ترى أنه لو توضأ فغسل الأربعة الأعضاء ونوى ها الجنابة لم يجزئه، وكذلك لو اغتسل وهو جنب ونوى بغسله رفع الحدث الأدنى لم يجزئه، فكذلك في التيمم.
وقولكم: إنه ينوي في الأمرين بالتيمم استباحة الصلاة فإننا نقول: إن نوى بتيممه استباحة الصلاة ولم يصرفاه ويعينا عن الحدث الأصغر فإنه يجزئه، وإنما الكلام إذا عين النية وقال: أستبيها من أجل الحدث الأصغر، فهو كما ينوي بتيممه استباحة صلاة نفل، ولا يجزئ أن يصلي به الفرض، فلو أطلق النية فقال: أتيمم لأستبيح الصلاة الفرض جاز أن يصلي به الفرض أو النفل، وكذلك إذا نوى بتيممه استباحة الصلاة من أجل الجنابة التي به، وهو محدث أيضا بالحدث الأصغر سحنون تيممه، ودخل الأدنى في الأعلى، كما لو اغتسل لجنابة وبه حدث آخر، ونوى بغسله الجنابة أجزأه.
فإن قيل: فإن التيمم للحدث كالتيمم للجنابة فعلا ونية مع الذكر والنسيان لا يختلف بوجه؛ لأن المحدث يتيمم فيمسح وجهه ويديه، وينوي استباحة الصلاة، والجنب يتيمم فيسمح وجهه ويديه، وينوي استباحة الصلاة، فإذا كان التيمم عن الحدث كهو عن الجنابة فعلا ونية مع الذكر والنسيان صح وإن أخطأ في الاعتقاد ونفي؛ لأنه لو كان ذاكرا لم يفعل أكثر من هذا، فلم يترك من الفرض شيئا؛ لأنه لو … ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم.
стр. 979
ويفارق هذا الظهر الفائتة والعصر الفائتة؛ لأنه إذا فاتته ظهر أمس فعليه أن ينوي ويعين نية الظهر. فإذا ظهر نوى عصر أمسه فلم يأت بالنية التي أخذت عليه، وفي التيمم لو كان ذاكرا للجنابة فإنه يأتي بالنية التي يأتي بها إذا كان ناسيا لها وهو استباحة الصلاة، وكذلك الكفارة إذا كان عليه كفارة من ظهار فعليه أن يعين أن ذلك عن ظهار، وإذا نوى بها عن القتل فقد ترك النية التي أخذ عليه إتيانها فلم يجزئ.
وفرق آخر بين الظهار والصلاة والكفارة، وهو أن الطهارة أوسع في باب التداخل. ألا ترى أن الطهارات إذا ترادفت تداخلت فعلا، والصلوات الكفارات إذا ترادفت لم تتداخل فعلا، فلا يجوز أيضا أن تتداخل في النية.
قيل: أما قولكم: إن التيمم للحدث كالتيمم للجنابة فعلا ونية فهو غلط، وفيه اختلفنا، وإنما يصح ذلك لو نوى بتيممه استباحة الصلاة حسب، ولم يصرف نيته إلى الحدث الأصغر، فأما إذا صرفها إلى الحدث الأصغر فإنه لا يجزئ، وقد بينا أن للنية تأثيرا في التيمم؛ بدليل أنه لو صرف نيته في التيمم إلى صلاة نافلة أو نذر لم يصح أن يصلي به فريضة، ولو صرفها إلى صلاة فريضة جاز أن يصلي به نافلة، فإذا كانت صورة التيمم في النفل والفرض واحدة - وقد اختلفتا في النية - فكذلك صورة التيمم للحدث الأصغر والأعلى واحدة
стр. 980
ويختلفان في النية. وهذا كما قلناه في صلاة الظهر الفائتة صورتها صورة صلاة العصر، وهو لو صرف النية إلى إحداهما لم تنب عن الأخرى المنسية، وهو لو أطلق النية فقال: هذه قضاء عن الصلاة التي نسيت صح، فإذا صرفها إلى غيرها لم يجزئه.
وقولكم: إن الطهارات أوسع في باب التداخل فإننا نقول: إنما يتداخل … إذا كان الجنس واحدا، فأما اختلفت لم يتداخل فعلا ولا نية. ألا ترى أنه لو كان محدثا جنبا فتوضأ للحدث ولم ينو الجنابة لم يجزئه، ولو اغتسل ونوى بغسله رفع الحدث الأدنى لم يرتفع حكم الجنابة، فبان بهذا سقوط ما ذكرتموه، وكذ … لك في كفارة الظهار، ولو أعتق وقال: هذه عن الكفارة التي على أجزأه، ولو نسي فأعتقها عن قتل لم يجزئه عن الظهار، وليس عليه تعيين النية للكفارة أيضا؛ لأنه لو كانت عليه كفارات من ظهار وقتل وكفارة صيام فأعتق رقبة وقال: هذه على إحدى الكفارات التي على أجزأه، ولم يكن عليه أن يعين، حتى لو أعتق ثلاث رقاب وقال: هذه عن الكفارات التي علي، لم يكن عليه أن يعين رقبة دون رقبة عن كفارة دون كفارة، ولكنه إذا كانت عليه كفارة قتل فأعتق رقبة، وقال: هذه عن الكفارة التي على أجزأه، سوءا ذكر وجه تلك الكفارة أو نسيها، ومثله إذا تيمم وقال: أستبيح الصلاة فإنه يجزئه، فإذا عينه عن الحدث الأصغر لم يجزئه وإن نشي الجنابة، كما لو نسي كفارة الظهار فأعتق عن القتل لم يجزئه، والله أعلم
стр. 981
[٥٧] مَسْأَلَة
اختلف الرواية عن مالك في مسح اليدين في التيمم.
فروى ابن وهب عنه أنهما تمسحان مع المرافق.
وروى عنه ابن عبد الحكم مثل ذلك، ثم قال: إلا أنه إن تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة في الوقت.
وهذا يدل على أن الإعادة على وجه الاستحباب، وأن المسح إلى المرافق مستحب.
ووافقنا الشافعي في قوله القديم، وأنه يجزئ إلى الكوعين، وهو قول الشافعي في الجديد.
стр. 982
وبقولنا في الآخر إلى الكوعين قال سعيد بن المسيب، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير الطبري.
وقال الزهري: يمسحان إلى الآباط.
стр. 983
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه إلى الكوعين.
وعن ابن عمر وجابر إلى المرفقين.
стр. 984
والدليل لقولنا إنه يجزئه إلى الكوعين: قوله - تعالى -: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فذكر اليد مطلقة فإذا مسح يده إلى الكوعين، قيل: قدي مسح يده.
وأيضا فإن إطلاق اسم اليد يختص بالكفين إلى الكوعين؛ بدليل قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، ثم قطع النبي ﵇ والمسلمون بعده من الكوع مع إطلاق اليد في الآية، فثبت بهذا أخص أسماء اليد هو إلى الكوع.
وأيضا فإن قلنا: إن اليد إلى الكوع يتناولها اسم يد حقيقية، ويتناول ما بقي بعد الكوع اسم يد حقيقة جاز، والحكم إذا علق بما هذه صفته تعلق بأول اسميه أو بأخصهما، كالشفق الذي يقع على الحمرة، ويقع على البياض، ومن مذهبنا أن الحكم يتعلق بأول اسميه وأدناهما، وكذلك الأب يقع على الأب الأدنى ويتناول الحد أيضا، فإذا قال لأبوية كذا، ثبت الحكم لأولهما - وهو الأب الأدنى - حتى يقوم دليل.
وأيضا فإن الله - تعالى - ذكر غسل اليدين في الوضوء إلى
стр. 985
المرفقين، وكرره في موضع آخر كذلك، وقد اتفقنا على سقوط ما جاوز المرفقين، فلم يكن التقييد في الوضوء في الموضعين والإطلاق في التيمم في موضعين إلا لفرق بينهما، فإذا سقط مسح ما جاوز المرفقين لم يبق من الفرق بينهما إلا ما نقوله من المسح في التيمم إلى الكوعين؛ إذ لو أراد أن يكون كالغسل لحده في الموضعين أو في أحدهما.
وأيضا ما روه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن عمار أن رسول الله ﷺ قال: «التيمم ضربة للوجه والكفين»، وهذا يتناولهما إلى الكوعين.
وبهذا الإسناد عن عمار قال: أجنبت فتمعكت، وأخبرت رسول الله ﷺ فقال: «إنما كان يكفيك هكذا»، وضرب عمار بيديه على الأرض ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وظاهر كفيه.
ونقول أيضا: إن كل حكم علق باليد مطلقا بغير تحديد فإنه يتعلق بهما إلى الكوعين. أصله القطع في السرق.
ونقول أيضا: إن مسح إلى الكوعين فقد حصل ما سحا لما يسمى يدا على الإطلاق.
وإن شئت أن نقول: قد مسح مفصلا من اليد تجب بإصابته الدية كاملة - أعني إذا كان إلى المرفقين -، فالاقتصار على المفصل الذي
следующие страницы →