Полный текст (1 330 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
[٥٧] مَسْأَلَة
اختلف الرواية عن مالك في مسح اليدين في التيمم.
فروى ابن وهب عنه أنهما تمسحان مع المرافق.
وروى عنه ابن عبد الحكم مثل ذلك، ثم قال: إلا أنه إن تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة في الوقت.
وهذا يدل على أن الإعادة على وجه الاستحباب، وأن المسح إلى المرافق مستحب.
ووافقنا الشافعي في قوله القديم، وأنه يجزئ إلى الكوعين، وهو قول الشافعي في الجديد.
стр. 982
وبقولنا في الآخر إلى الكوعين قال سعيد بن المسيب، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير الطبري.
وقال الزهري: يمسحان إلى الآباط.
стр. 983
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه إلى الكوعين.
وعن ابن عمر وجابر إلى المرفقين.
стр. 984
والدليل لقولنا إنه يجزئه إلى الكوعين: قوله - تعالى -: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فذكر اليد مطلقة فإذا مسح يده إلى الكوعين، قيل: قدي مسح يده.
وأيضا فإن إطلاق اسم اليد يختص بالكفين إلى الكوعين؛ بدليل قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، ثم قطع النبي ﵇ والمسلمون بعده من الكوع مع إطلاق اليد في الآية، فثبت بهذا أخص أسماء اليد هو إلى الكوع.
وأيضا فإن قلنا: إن اليد إلى الكوع يتناولها اسم يد حقيقية، ويتناول ما بقي بعد الكوع اسم يد حقيقة جاز، والحكم إذا علق بما هذه صفته تعلق بأول اسميه أو بأخصهما، كالشفق الذي يقع على الحمرة، ويقع على البياض، ومن مذهبنا أن الحكم يتعلق بأول اسميه وأدناهما، وكذلك الأب يقع على الأب الأدنى ويتناول الحد أيضا، فإذا قال لأبوية كذا، ثبت الحكم لأولهما - وهو الأب الأدنى - حتى يقوم دليل.
وأيضا فإن الله - تعالى - ذكر غسل اليدين في الوضوء إلى
стр. 985
المرفقين، وكرره في موضع آخر كذلك، وقد اتفقنا على سقوط ما جاوز المرفقين، فلم يكن التقييد في الوضوء في الموضعين والإطلاق في التيمم في موضعين إلا لفرق بينهما، فإذا سقط مسح ما جاوز المرفقين لم يبق من الفرق بينهما إلا ما نقوله من المسح في التيمم إلى الكوعين؛ إذ لو أراد أن يكون كالغسل لحده في الموضعين أو في أحدهما.
وأيضا ما روه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن عمار أن رسول الله ﷺ قال: «التيمم ضربة للوجه والكفين»، وهذا يتناولهما إلى الكوعين.
وبهذا الإسناد عن عمار قال: أجنبت فتمعكت، وأخبرت رسول الله ﷺ فقال: «إنما كان يكفيك هكذا»، وضرب عمار بيديه على الأرض ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وظاهر كفيه.
ونقول أيضا: إن كل حكم علق باليد مطلقا بغير تحديد فإنه يتعلق بهما إلى الكوعين. أصله القطع في السرق.
ونقول أيضا: إن مسح إلى الكوعين فقد حصل ما سحا لما يسمى يدا على الإطلاق.
وإن شئت أن نقول: قد مسح مفصلا من اليد تجب بإصابته الدية كاملة - أعني إذا كان إلى المرفقين -، فالاقتصار على المفصل الذي
стр. 986
دونه يجوز: لأن الدية تجب إصابته.
وإن شئت حررته على غير هذا اللفظ فقلت: قد اتفقنا أنه … إذا مسح إلى المرفقين أجزأه فكذلك إلى الكوعين، العلة فيه: أنه ماسح لمفصل من اليد تجب الدية كمالا بإصابته.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، وإطلاق اليد يقتضى إلى المناكب؛ بدليل حديث عمار، وقوله: فمسحنا أيدينا إلى المناكب والآباط، وهم كانوا أهل لسان ولغة، ففهموا من الآية الاستيعاب، وأن إطلاق اليد يتناولها إلى المنكب.
وأيضا ما رواه الأعرج عن ابن الصمة وهو أبو جهيم أن
стр. 987
رسول الله ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه.
وروى نافع قال: مررت مع عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن عباس ﵄ فكان من حديثه أن قال: بال رسول الله ﷺ ، فأتاه رجل فسلم عليه فام يرد حتى ضرب بيديه إلى الحائط.
стр. 988
ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما ثانية ومسح ذراعيه.
وروى ربيع بن بدر عن أبيه عن جدة عن أسلع قال: أصابتني جنابة فقال رسول الله ﷺ : «يا أسلع قم فارحل». فقلت: إني جنب، فكست ثم نزلت آية التيمم، فقال: «إنما يكفيك هذا، وضرب بيديه على الأرض ونفضهما ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما
стр. 989
الأرض ثانيا ومسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما»، قالوا: وهذا نص.
قيل: أما ظاهر الآية في قوله - تعالى -: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ فإننا نقول: اسم اليد الأخص هو إلى الكوعين ما بعد ذلك مجاز؛ بدليل قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، فعقل ﵇ إلى الكوع، وعقل المسلمون معه ذلك.
وأما حديث عمار وقوله: مسحنا إلى المناكب، فيحتمل أن يكونوا استظهروا فمسحوا ما تناوله الاسم حقيقة وزادوا عليه مسح
стр. 990
المجاز. ألا ترى أن عمارا روى أن النبي ﵇ قال: «يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، فتمسح بهما وجهك وكفيك»، عبارة عن الإجزاء، فإنه ﵇ بين له أن المراد هذا دون ما مسحتموه إلى المناكب. ويحتمل أيضا أن يكون اسم اليد حقيقة إلى الكوعين، وما بعده يتناوله السم يد حقيقة، فلما نزلت الآية حملوها على الحقيقة في جميع ذلك، فأعمله النبي ﵇ أنه يكفيه مسح أدنى الحقائق وهو إلى الكوعين، قد قلنا: إن الحكم - عندنا - إذا أطلق يتعلق بأول الاسمين، وأولهما هو إلى الكوعين كما قلنا في الشفق.
وأما ما روي عنه ﵇ أنه مسح الذراعين، فنحمله على طريق الاستحباب، ومسح اليدين إلى الكوعين هو الواجب؛ بدليل تعليمه ﵇ لعمار بدليل قوله: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة للكفين»، وروى: «ضربة للوجه والكفين»، وموضع التعليم يفيد افرض والواجب.
стр. 991
فإن قيل: فقد قال لأسلع: «إنما يكفيك هذا، وضرب بيديه على الأرض ونفضهما مسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما الأرض ومسح بذراعيه»، ويكفيك عبارة عن الإجزاء كما ذكرتم في حديث عمار.
قيل: قوله لأسلع: «يكفيك» في الواجب والمستحب، هذا حتى لا تجاوز إلى المناكب، وقوله لعمار: «يكفيك» في الواجب حسب.
فإن قيل: التيمم رخصة، والرخص لا يطلب فيها الاستحباب والكمال.
قيل: هذا غلط؛ لأن مسح الخفين رخصة، ونحن نستحب فيه الكمال نمسح أعلاه وأسفله، وصلاة التطوع القيام فيها أفضل من الجلوس ولو صلى جالسا أجزأه.
فإن قيل: فإنه بدل يقع في محل مبدله فوجب أن يكون في الاستيعاب كمبدله، أصله الوجه في التيمم.
قيل: الوجه يتناوله الاسم حقيقة على وجه واحد. ألا ترى - تعالى - ذكر غسل الوجه في الوضوء، وذكر مسحه في التيمم على وجه أحد، وليس كذلك اليد؛ لأن اسمها حقيقة يتناول إلى الكوعين. ألا ترى - تعالى - فرق بينهما في الذكر، فقيدهما في الوضوء بالمرفقين، وأطلقهما في التيمم، وكذلك علق النبي ﵇ وأصحابه معه من أن القطع من الكوعين، وقال ﵇ عمار في التيمم: «إنما تكفيك
стр. 992
ضربة للوجه الكفين» إن كان قد ذكر أيضا الذراعين، فقد فرق بينهما في الخبرين، ولم يفرق بين الوجه في الوضوء والتيمم بوجه.
على أننا قد ذكرنا قياسا بإزاء هذا فهو أولى: لاستناده إلى استعمال الأخبار. وإلى بيان الحقيقة في اليدين.
فإن قاسوا مسح اليدين في التيمم على غسلهما في الوضوء بعلة يذكرونها.
قيل: التيمم مبني على التخفيف. ألا ترى أنه يسقط عن الجنب مسح جميع بدنه ألا وجهه ويديه فالاقتصار في اليدين على الكوعين مع تناول الاسم له [اسم يدله] حقيقة أولى - وقياسنا يستند إلى التخفيف الذي قد حصل في أصل التيمم فهو أولى من قياسهم الذي يؤدي إلى التشديد.
فإن قيل: فإن الله - تعالى - قيد غسل اليدين في الوضوء بالمرفقين، وأطلق في التيمم اكتفاء بتقييده في الوضوء، كما أطلق الشاهدة في موضع اكتفاء بما قيده بالعدالة في موضع آخر، وكذلك قيد الرقبة بالإيمان في القتل، وأطلقها في موضع آخر اكتفاء بما قيده في القتل.
قيل: عنه جوابان "
стр. 993
أحدهما: أنه لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل، وإنما علمنا ذلك في الشهادة؛ لأن الغرض مناه التوثق الذي يقع الحكم به، لا يحكم بغير العدل فلذلك اعتبرت العدالة. وأما الرقبة المؤمنة في كفارة القتل شرطت في مواضع التكفير فوجب أن تكون كل كفارة كذلك، ألا ترى أن الإطعام في الكفارة لا يجوز وضعه إلا في مؤمن، وكذلك العتق لا يوقع إلا في مؤمن.
ومع هذا فإن المطلق يبني على المقيد في الأوصاف والشروط، فأما في زيادة أحكام فلا يجب إلا من حيث الدليل. ألا ترى أن الله - تعالى - ذكر غسل الأربعة الأعضاء في الوضوء، وأمسك عن ذكر عضوين منها في التيمم، ثم لم يجب أن يبني حكم التيمم على الغسل، فكذلك لا يبني حكم الذراعين في التيمم على تقييدهما بالمرفقين في الغسل؛ لأنه زيادة عضو، كما أن الرأس والرجلين زيادة عضوين في الوضوء، وكذلك لما اختلف العدد في باب الشهادات، فطلب في الزنا أربعة وفي غيره اثنان بني الشرط في العدالة على المطلق والمقيد، لم بين المطلق على المقيد في العدد؛ لأنه زيادة حكم مستأنف ولا في نقصانه، وإنما ينبغي أن يكون الشاهد عدلا، ولا يزاد على العدد، فعرض العدد الذارع الزائد على الكف، وكذلك شرط في كفارة القتل الإيمان وأطلقت في كفارة الظهار، فبني المطلق على المقيد من صفة الرقبة فأضيف إليها الإيمان، ولم تبن إحداهما على الأخرى في دخول
стр. 994
الإطعام المذكور في الظهار؛ لأنه زيادة حكم مستأنف.
فإن قيل: لما كان الوضوء طهارة تجب عن حدث أو تنتقض بالحدث وجب أن يكون التيمم كذلك، فيستوفي حكم اليد فيه كما استوفي في الوضوء.
قيل: لو وجب هذا لوجب أن يمسح الرأس والرجلان كما يغسلان في الوضوء، فلما سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم - وإن كان طهارة تنتقض بالحدث - كذلك في مسح الذراعين.
ويجوز أن نقول: إن غسل اليدين في الوضوء لما اقتصر فيه على المرفقين دون ما يطلق عليه من اسم اليد إلى المنكب تحقيقا؛ لأن الاسم يصلح له جاز أن يقتصر في التيمم على الكفين؛ لأنه أخف من الغسل، والاسم يصلح فيه.
فإن قيل: لما كانت اليدان كالوجه في أنهما لا يسقطان في العذر وغير العذر مع القدرة على الكل وجب أن يكونا كركعتي المسافر أنهما لا يسقطان مع العذر وعدمه مع القدرة على الكل، وأن يكنا على صفة واحدة، فكذلك ينبغي أن يستوفي حكم الوجه واليدين في التيمم كما يستوفيان في الغسل، كما وجب استيفاء حكم الركعتين في الحضر والسفر وعلى طريقة واحدة؛ لأنهما عبادتان سقطتا إلى شطرهما في حال العذر.
قيل: ليس العلة في ركعتي السفر ما ذكرتم، وإنما هي أن الركعة
стр. 995
لا تقع حقيقة على ما دونها، واسم اليد حقيقة على الكفين الذين هما دون المرفقين.
وأيضا فإن المسافر بالخيار بين القصر والإتمام، وليس كذلك في التيمم لوجهين:
أحدهما: أنه ليس مخيرا بين مسح الأربعة الأعضاء بين العضوين.
والوجه الآخر: وهو أن الصلاة في غير السفر إذا عجز عن القيام والركوع والسجود استوفى فيها العدد بالإيماء، والتيمم عند العجز عن استعمال الماء مع جوده لا يستوفي فيه حكم العدد في الأربعة الأعضاء كما استوفى العدد في الصلاة، فصار التيمم للحاضر والمسافر على طريقة واحدة، فدل على أنه مبني على التخفيف.
ونقول أيضا: إن الله - تعالى - ذكر اليد في موضعين هما المحارب والسارق، فكان القطع فيهما من الركوع، وذكر غسل اليد في موضعين مقيدا بالمرفقين، ذكر التيمم في موضعين مطلقا، وتنازعنا فيه، فكان رده إلى ما له من نظير مطلقا وهو القطع في الشرق والمحاربة أولى، والله الموفق للصواب.
стр. 996
[٥٨] مَسْأَلَة
ومن تيمم ثم دخل في الصلاة فطلع عليه الماء مضى في صلاته ولم يخرج منها، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور.
وقال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه محمد وأبو يوسف: إنه يلزمه الخروج من الصلاة واستعمال الماء ويبطل تيممه، وبه قال المزني.
غيرا أن أبا حنيفة نقض فقال: لا يلزمه ذلك في صلاة العيدين.
стр. 997
ولا في صلاة الجنازة ولا في سؤر الحمار، وذلك أنه قال في سؤر الحمار إذا وجده المتيمم قبل الدخول في الصلاة: لا يجوز له إلا أن يستعمل سؤر الحمار، وإن وجد السؤر وهو في الصلاة لم يلزمه قطعها ولا استعمال السؤر: لأن سؤر الحمار مشكوك فيه - عند أبي حنيفة - لا يدري أطاهر هو أو نجس؟.
وقال الأوزاعي: يخرج من الصلاة ويتطهر، ويضيف إلى الركعة التي صلاها ركعة أخرى إن أن صلى ركعة ويجعلها نافلة، ثم يستأنف الفرض.
والدليل لقولنا: استصحاب الحال؛ وذلك أنه قد وجب عليه الدخول في الصلاة وصح عقده لها، فمن زعم إنها تبطل أو يجب عليه الخروج منها فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿أوفوا بالعقود﴾، فهو عموم في كل عقد، وهذا عقد الصلاة، وخروجه منها بعد عقدها ضد الوفاء.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾، فأمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وهذا قد أطاعهما
стр. 998
بدخوله في الصلاة التي هي عمل، ثم نهى عن إبطالها بقوله: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ والخروج منها فيه إبطالها، وهذا عام في كل عمل إلا أن يقوم بدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم أيديكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، والمعلق بشرط يزول بزوال الشرط، والشرط هو القيام إلى الصلاة، وقد زال وتقديره: أيها القائمون إلى الصلاة بخلافه؛ لأنه قد زال عنه الشرط الذي هو القيام إلى الصلة.
فإن قيل: فإن الذي دخل في الصلاة مأمور بالقيام إلى باقيها، وهو صلاة، فحكمه حك الابتداء.
قيل: لم يقل: إذا قمتم إلى بضع الصلاة، وإنما قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ وهذا حال الابتداء. ثم قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ يدل على أنه طلب فلم يجد، وهذه حال الابتداء، وبالدخول في الصلاة قد سقط عنه الطلب.
ومن السنة قول النبي ﵇: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، فنفى إيجاب الوضوء إلا من هذين، وهذا لم يجد هذين ولا أحدهما.
وأيضا قوله ﵇: «من دخل في صلاة فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا»، وهذا غير واجد لهما ولا لأحدهما، فلا
стр. 999
ينصرفن إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فإنه إذا دخل في الصلاة بالتيمم صار مخاطبا بإتمامها المضي فيها؛ لسقوط طلب الماء منه، وسقوط استعماله، فكل من سقط عنه طلب الماء سقط عنه استعماله، وكل من وجب عليه الطلب وجب عليه الاستعمال إذا وجده؛ بدليل أن من لم يدخل عليه وقت صلاة فإنه غير مخاطب بطلب الماء، فلم يكن مخاطبا باستعماله، فإذا ثبت ذلك ثبت سقوط استعمال الماء لسقوط طلبه، وقد سقط عن هذا الطلب بدخوله في الصلاة فسقط عنه وجوب استعماله إذا وجده.
وأيضا فإنها صلاة لو وجد سؤر الحمار فيها جاز له المضي فيها، ولم يلزمه استعماله فوجب إذا وجد الماء المطلق أن يجوز له المضي فيها. دليله صلاة العيدين والجنازة.
فإن قيل: المعنى في صلاة العيدين والجنازة هو أنه لو خرج منها واشتغل بالماء لفاتته لا إلا بدل فلهذا جاز له المضي فيها مع وجوده، وليس كذلك سائر الصلوات؛ لأن لها بدلا، هو يقضيها فلم يجز له أن يمضي فيها مع وجود الماء.
قيل: هذا باطل بالحدث؛ لأنه إذا أحدث في صلاة العيدين والجنازة لزمه الخروج منها، ومع هذا فهي تفوته لا إلى بدل، وهو باطل أيضا بصلاة الجمعة فإنها تفوت ولا تقضين وليس صلاة الظهر بدلا منا، بل هي بدل من الظهر، ومن أصحابنا من قال: هي فرض مبتدأ.
стр. 1000
وقولهم: وسائر الصلوات لا تفوت إلى غير بدل فلهذا لزمه استعمال الماء باطل إذا وجد سؤر الحمار في الصلاة لا يلزمه استعماله وإن كانت لا تفوت.
وأيضا فإنه ماء لو وجده المتيمم في صلاة العيد ينجاز له المضي فيها ولم يبطل فوجب إذا وده في غيرها من الصلوات أن لا يبطل تيممه. دليله سؤر الحمار.
أو نقول: التيمم طهارة لاستباحه الصلاة، فرؤية الماء بعد الشروع فيها لا يوجب الرجوع إلى الماء. دليله … رأى سؤر الحمار لم يجب عليه الخروج من الصلاة إليه.
فإن قيل: سؤر الحمار - عندنا - مشكوك فيه، هل هو طاهر أو نجس؟.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه - عندنا - طاهر متيقن غير مشكوك فيه.
والثاني: أنه لما كان كالماء المطلق في أن المتيمم لا يجوز له أن يستفتح الصلاة إلا بعد استعماله، كذلك أيضا يجب أن يكن كالماء المطلق في خلال الصلاة.
وأيضا فإنه قد عقد تحريمته بصلاة شرعية فوجب أن لا يلزمه الخروج منها عند رؤية الماء وقدرته عليه. أصله كان متطهرا بالماء إلى رآه في خلال الصلاة.
ويجوز أن نقول: رؤية الماء في الصلاة أمر حادث لا يجوب فساد
стр. 1001
صلاة الجنازة إذا وجد هذا الحادث فيها، ولا الرجوع إلى استعمال الماء فلم تفسد سائر الصلوات، وكذلك سائر ما يوجد منها مما لا ينقض الصلاة والطهارة. دليله الضحك الخفيف لما لم يفسد سائر الصلوات.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فهو عام في كل واجد للماء، وهذا واجد؛ لأن دليله على أن كل واجد للماء فإنه لا يتمم؛ لأن الشرط في جواز تيممه هو عدم الماء. وهذا واجد له.
قيل: قد بينا أن المراد بالآية التيمم قبل الدخول في الصلاة لا بعد الدخول فيها؛ لأنه - تعالى - خاطب القائمين إلى الصلاة إذا لم يجدوا الماء تيمموا، ومن كان في الصلاة لا يقال له: قم إلى الصلاة، وهو قائم فيها.
ووجه آخر: وهو أنه - تعالى - أمر باستعمال الماء من إذا كان عادما له جاز له أن يتيمم، والمتيمم في الصلاة لعدم الماء لا يجوز له أن يتيمم في خلال الصلاة، فدل على إنها لم تتناول الداخل في الصلاة.
فإن قيل: فقد روي عن أبي ذر أن النبي ﵇ قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته»، ولم يمض من يجده قبل الصلاة أو في خلالها.
стр. 1002
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه لا حجة فيه في موضع الخلاف؛ لاه يقتضي أن الصعيد وضوء المسلم وأنه يقع به التطهير كما يقع بالماء، ونحن كذلك نقول.
ثم وجود الماء يلزمه استعماله في الموضع الذي يجوز له أن يبتدئ التيمم مع عدمه، وفي الصلاة لا يجوز له ابتداد التيمم، فإنما أراد - تعالى - وجده في الموضع الذي يمكن فيه استعماله، ولم يرد وجود الماء في العالم؛ لأنه لا يفقد في العالم، فإذ كان المراد وجوده الذي يقدر معه على استعماله فلا فرق بين عدم القدرة على استعماله من جهة بلية به، أو من جهة الشرع، وهو غير قادر عليه من جهة الشرع؛ لأن الصلاة المدخول فيها بحكم الشرع تمنعه منه.
والدليل من جهة الشرع: هو إجماع المسلمين على صحة دخوله في الصلاة، ولزوم المضي فيها.
وعلى أنه عام فيه قبل الصلاة وفي الصلاة، وخبرنا في قول النبي ﵇ في المصلي: «لا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» أخص منه؛ لأنه يتناول من هو في الصلاة.
فإن قيل: خبركم هو أورد فيمن يحلقه الشك وهو في الصلاة هل أحدث أو لا؟ لأنه قال: «إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة بين أليتيه، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا».
стр. 1003
قيل: التعلق بعموم قول النبي ﷺ : «فلا ينصرفن» إلا السبب. فإن قيل: فإن هذا متيقن للحدث؛ إذ التيمم لا يرفعه.
قيل: ومع وجود الحدث منه أمرا بالتيمم واستباحة الصلاة، ووجب عليه المضي فيها، فلا ينقض عليه ما دخل فيه واستباحه بحدوث الماء في خلالها.
فإن قيل: فإنه قد وجد ماء متيقنا مقدورا على استعماله طاهرا فوجب أن يلزمه استعماله، كما لو وجده قبل الدخول في الصلاة.
وأيضا فإنها طهارة ضرورة فوجب أن ينقطع حكمها بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة؛ لأن المستحاضة تتطهر للصلاة، وتصلي ودمها سائل، ثم لو انقطع الدم لما رأت الضرورة لزمها أن تتوضأ وتغسل أثر الدم.
وأيضا فإن كان ماء بقدر عليه قبل التلبس بالصلاة لزمه المصير إليه، فإنه إذا قدر عليه بعد التلبس بها لزمه المصير إليه، كالقدرة على القيام، والقدرة على القراءة، والقدرة على ستر العورة؛ لأنه قبل أن يدخل في الصلاة لو كان قادرا على أن يصلي قائما لم يجز أن يصلي قاعدا، ثم لو كان عاجزا عن القيام فاستفتح الصلاة قاعدا، ثم قدر على القيام لزمه أن يقوم، وكذلك لو كان يحسن أن يقرأ لم يجز له أن يصلي بغير قراءة ثم لو كان لا يحسن القراءة فدخل في الصلاة ثم قدر على القراءة، مثل أن يكون أميا فيدخل في الصلاة ويلقن آية من
стр. 1004
القرآن لزمه أن يقرأ، وكذلك لو كان قادرا على ستر عورته لم يجز له أن يدخل في الصلاة مكشوف العورة، ثم لو كان عاجزا عن ذلك فاستفتح الصلاة ثم قدر على سترتها لزمها أن يسترها، كذلك الماء في التيمم مثل ذلك.
قيل: أما قياسكم عليه لو جده قبل الدخول في الصلاة فإنه غير صحيح؛ لأن قولكم: طاهر متيقن لا تأثير له إذا وجده قبل الدخول فيه؛ لأن المتيقن والمشكوك فيه من سؤر الحمار بمنزلة واحدة في أنه يلزمه استعماله، ولا يستفتح الصلاة قبل استعماله.
على أنه ينتقض بصلاة العيدين والجنازة.
ثم إن المعنى أن الأصل هو أنه قادر على الماء في وقت الطهارة، ألا ترى أنه تلزمه المسألة والطلب ممن يظن معه ماء وأنه يعطيه، فلهذا لزمه استعماله، وليس كذلك إذا وجده بعد الدخول في الصلاة؛ لأنه وجده بعد فوات وقت الطهارة؛ لأن فرض المسألة قد سقط عنه، وسقط الطلب فلم يلزمه استعماله، مثل ما لو وجده بعد الفراغ من الصلاة.
وأما قياسكم: على المستحاضة فغلط؛ لأن طهارتها قبل الدخول في الصلاة ليست بواجبة - عندنا -، وإذا انقطع دمها في الصلاة مضت على صلاتها ولم تخرج.
على أنه منتقض بصلاة العيدين والجنازة.
على أن الفرق بين الموضعين هو أنه إذا انقطع دمها وهي في
стр. 1005
الصلاة فإن عليها نجاسة مقدورا على إزالتها، وهو أثر الدم، ولم تأت ببدل على تلك النجاسة، فلهذا لم يجز لها أن تمضي على صلاتها حتى تتطهر، قبل انقطاع الدم فهي نجاسة لا يقدر على إزالتها؛ لأن الدم سائل فعفي لها عنه، وجازت صلاتها، وليس كذلك المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة؛ لأنه قد أتى بالبدل الذي هو التيمم على الطهارة فجاز له أن يمضي في صلاته.
وما ذكرتموه من القيام والقراءة وستر العورة فإنه باطل بسؤر الحمار.
وعلى أن المعنى في هذه الأشياء هو أن استعمالها والمصير إليها لا يبطل عليه شيئا قد مضى من صلاته فلم يلزم ما ذكرتموه؛ لأن المتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة بطل عيه ما مضى من صلاته ولم يبن عليه
فإن قيل: فإن التيمم بدل عن الطهارة كما أن المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، ثم لو مسح على خفيه ودخل في الصلاة، ثم انفتق خفه وظهرت رجله لزمه أن يغسلها ويخرج من الصلاة؛ لأن المبدل قد ظهر، كذلك إذا تيمم ثم وجد الماء في الصلاة لزمه أن يعود إلى الأصل وهو المبدل.
قيل: هذا باطل بصلاة العيدين والجنازة؛ لأنه لو مسح على خفيه ودخل في الصلاة - أعني العيدين والجنازة - وانشق خفه وظهر قدمه لزمه أن يغسل رجليه ولم تصح صلاته إلا بذلك، ولو وجد الماء لم يلزمه استعماله ولا الخروج من صلاته.
стр. 1006
وعلى أن إسقاط فرض الصلاة بالتيمم مع وجود الماء أوسع. ألا ترى أنه إذا كان واجدا للماء واحتاج إلى تبقيته لعطشه فإنه يتيمم ويصلي مع قدرته على استعمال الماء، وسقط عنه الفرض، ولا يسقط فرضه أصلا إذا ظهرت رجله بعد أن مسح على خفيه.
فإن قيل: فإن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء لم يجز لها أن تعتد بالشهور، والشهور بدل من الأقراء، ثم لو كانت من أهل الشهور مثل الصغيرة التي لم تحض فاعتدت بالشهور إلا ي ما، ثم رأت الدم وصارت من ذوات الأقراء لزمها أن ترجع إلى الأقراء وتعتد بها، ولم يجز لها أن تكمل العدة بالشهور؛ لوجود المبدل، فكذلك المتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة لم يجز له أن يكمل الصلاة، بل يلزمه أن يستعمل الماء ويخرج من الصلاة.
وأيضا فإن رؤية الماء بعد التيمم حدث كسائر الأحداث؛ بدليل أن رجلين محدثين لا يجد أحدهما الماء فتيمم، ووجد الآخر الماء فتطهر، ثم لو أحدث المتطهر منهما قبل الصلاة بطل حكم طهارته، ولم يجز له أن يصلي بها، ولو رأى المتيمم منهما الماء قبل الدخول في الصلاة لم يجز له أن يصلي بالتيمم. فما كانت رؤية الماء كالحدث قبل الصلاة فكذلك في الصلاة. هذا والذي قبله سؤال المزني.
قيل: إن التي اعتدت بالشهور ثم رأت الدم في آخرها فإنها تنتقل إلى الأقراء، ولكن ما مضى لها من الشهور لا تبطل ويحسب لها
стр. 1007
به قروءا، ولو جنبا على المتيمم في الصلاة الرجوع إلى الماء بطل عليه ما مضى منها؛ لأنه لا شيء عليه ويستأنف الصلاة. فقد بأن الفرق بين الموضعين.
وأما السؤال الثاني فإننا نقول: لو كانت رؤية الماء حدثا لم يفترق حكم طهارة المتيمم المحدث ولا حكم الطهارة الميمم الجنب؛ لأنه حدث واحد، والحدث الواحد لا يوجب الطهارة العليا والطهارة الأدنى جميعا، فلما اتقنا أن المتيمم الجنب إذا وجد الماء اغتسل لجنابته، والمتيمم المحدث إذا … وجد الماء غسل أربعة أعضائه دون سائر بدنه علمنا أن رؤية الماء ليس بحدث في نفسه.
وعلى أن رؤية الماء في الصلاة لو كان حدثا لوجب إذا رأى الماء وهو محتاج إليه لعطشه أن ينتقض تيممه؛ لأنه لا فرق بين الأحداث
стр. 1008
إذا وجدت مع الضرورة أو غير الضرورة فإنها تنقض الطهارة، فلما اتفقنا على أنه يصلي بتيممه إذا وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش سقط أن يكون في نفسه حدثا، وهو خلاف الجماع.
ولنا أن نقلو: إن الصلاة هي المقصود بالتيمم، والتيمم لا يراد لنفسه، فحصول المقصود الشروع فيه بالبدل يمنع من إيجاب العد إلى المبدل. دليله: إذا شرع في صوم التمتع فإنه يمنع من العود إلى المبدل الذي هو الهدى … إذا وجده.
وأيضا فإننا لو أوجبنا عليه الخروج من الصلاة واستعمال الماء لجاز أن يفوته وقت الصلاة المضيق، ومراعاة الوقت بطهارة غير كاملة أولى من أدائها في غير الوقت بطهارة كاملة، الدليل على ذلك: عادم الماء والمريض الذي لا يقدر على استعماله، ومن معه ماء يخاف العطش على نفسه فغنهم يتيممون لمراعاة الوقت، ولا ينتظرن خروج الوقت حتى يقدروا على استعمال الماء. فصار قياسنا أولى من قياسهم؛ لأنه يؤدي إلى وقوع الصلاة في وقتها بالتيمم الذي لا ينافيه وجود الماء في حال ما.
فإن قيل: اعتبار وجود الماء بعد الدخول في الصلاة بوجوده قبل الصلاة أولى، فتكون العلة في الابتداء والانتهاء واحدة؛ لشهادة الأصول لها. ألا ترى أن وجود الردة بعد عقد النكاح يرفع حكمه، كما لو كان موجودا قبل النكاح لم يجز أن يبتدأ، وكذلك الرضاع وملك أحد الزوجين صاحبه، فيستوي حك ابتدائه وانتهائه، فكذلك المتيمم إذا وجد الماء في الابتداء قبل دخوله في الصلاة منع منه، فكذلك مذ ورد في انتهائها.
стр. 1009
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه ينتقض بصلاة العيدين والجنازة، وبسؤر الحمار.
والجواب الثاني: هو أن العلل على ضربين، فعلة للابتداء دون الانتهاء، وعلة الابتداء والانتهاء.
فأما علة الابتداء دون الانتهاء فهي مثل الإحرام [لم] يمنع ابتداء النكاح، ولو طرأ على النكاح لم يبطله، وكلك في وجود الطول وخوف العنت يمنعان من صحة عقد نكاح الأمة، ولو عقد عند عدم الطول وخوف العنت، ثم وجد الطول وزال العنت لم يؤثر في صحة ذلك، فهذه علل الابتداء لا الانتهاء.
وأما علل الابتداء والانتهار فهي كالرضاع والردة وملك أحد الزوجين صاحبه على ما ذكرتم، فلم يجز اعتبار وجد الماء بعد الدخول في الصلاة بوجوده قبل الدخول فيها بما ذكرتموه دون اعتباره بما ذكرناه.
стр. 1010
[٥٩] مَسْأَلَة
ولا يجوز الجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، سواء كانتا لوقتهما أو كانت إحداهما فائتة والأخرى في وقتها.
واختلفت الرواية عن مالك في الفوائت، فالظاهر المعمول عليه: أنه يتيمم لكل صلاة. وروى عنه: أنه يكفي لها تيمم واحد وبهذه الرواية قال أبو ثور.
ووافقنا الشافعي في أنه لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، سواء كانتا لوقتهما أو كانتا فائتتين، وبه قال الليث، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل.
стр. 1011
وهو مذهب علي، وابن عباس وابن عمر.
ومن التابعين وغيرهم سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، والشعبي، وربيعة، وابن أبي سلمة.
وقال أبو حنيفة: التيمم كالوضوء بالماء، يصلي به من الحدث
стр. 1012
إلى الحدث وبه قال الحسن، والثوري.
والدليل لقولنا: قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، وهذا يقتضي أن كل قائم إلى الصلاة تلزمه الطهارة إذا كان واجدا للماء، فإذا عدمه تيمم.
والدليل على أن الظاهر يقتضي ها: أن رسول الله ﷺ حين جمع بطهارة واحدة بين صلوات في عام الفتح، قال له عمر ﵁: فعلت هذا عامدا؟. قال «نعم» فعلم أنهم فهموا من الآية وجوب الطهارة عند كل قيام للصلاة.
فإن قيل: إن هذا لا يلزم من أربعة أوجه.
أحدها: أن الأمر بمجرده لا يقتضي التكرار، وإنما يقتضي فعل مرة واحدة.
قيل: قد اختلف أصحابنا في ذلك، فمن قال: إنه بمجرده [لا] يقتضي التكرار لم يلزمه هذا السؤال.
ومن قال: يقتضي فعل مرة - إليه أذهب - يقول: إنه يقتضي فعل
стр. 1013
مرة واحدة إلا أن يقوم دليل، وقد قام الدليل ها هنا على أن المراد التكرار لا مرة واحدة؛ لأن الإجماع قد حصل على أن الطهارة واحدة لا تكفي الإنسان في طول عمره.
قالوا: فإن الله - تعالى - أمر بالطهارة لجنس الصلوات؛ لأن الألف واللام في الصالة للجنس، وهذا يقتضي أنه إذا تطهر فإنما يتطهر للجنس، فإذا تيمم فإنما يتيمم لجنس الصلوات فيصلي الصلوات كلها بالتيمم إلا أن يقوم دليل.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ قد عقل منه أنه يحتاج إلى القيام عند كل صلاة، وقيام واحد لا يكفي لكل صلاة، فكذلك الوضوء والتيمم؛ لأنه يفعل عند كل قيام إلى الصلاة.
والجواب الآخر: هو أنه - تعالى - أراد التيمم لهذا الجنس الذي هو الصلاة دون غيره من الأجناس التي ليست بصلاة، وإذا تيمم لصلاة فقد تيمم لهذا الجنس؛ لأن الإجماع به قد حصل على أنه لم يرد التيمم لجميع الصلوات في الدنيا وما عاش.
قالوا: فهذا يقتضي أنه إذا قام إلى الركعة الثانية تيمم لها: لأنه قائم إلى الصلاة.
стр. 1014
قيل: القيام إلى الصلاة لا يقلا لمن هو في الصلاة، والله - تعالى - أمر بالتيمم إذا قام إلى الصلاة.
قالوا: فإن الله - تعالى - قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، ثم قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وحكم المرتب حكم المرتب عليه، فلما قامت الدلالة على أنه يجوز أن يصلي فرائض كثيرة بطهارة واحدة كان بالتيمم مثله؛ لأنه إذا تغير حكم المرتب عليه تغير حكم المرتب، وهذا خير أسئلتهم.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن التيمم غير مرتب على الطهارات، بل هو حكم مستأنف؛ بدليل أن الله - تعالى - لو نسي الطهارة بالماء لم يبطل حكم التيمم، وإن كان التيمم غير مرتب عليه فتغير حكم الطهارة على ما يقتضيه الظاهر لا يوجب تغر حكم التيمم.
والجواب الثاني: هو أن تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا وجوهكم إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوه فتيمموا، فإذا تطهر بالماء عند القيام إلى الصلاة أخرى لم يلزمه أن يتطهر؛ لأنه ليس بمحدث والله - تعالى - أمر المحدث بالطهارة عند القيام إلى الصلاة، والمتيمم محدث عند القيام إلى لصلاة الثانية فوجب أن يتيمم.
وأيضا فقد روى سعيد بن المسيب قال: مضت السنة أن لا يجمع
стр. 1015
المتيمم بين صلاتي فرض السنة يقتضي سنة النبي ﵇ إلا أن يقم دليل.
وأيضا ففي المسألة إجماع الصحابة؛ لأنه روي عن عي وابن عمر وابن عباس وأنهم قالوا: لا يجمع المتيمم بين صلاتي فرض،
стр. 1016
وانتشر ذلك عنهم، ولم ي ظهر لهم مخالف.
وأيضا فإنه لا يجوز له أن يتيمم للصلاة مع استغنائه عن التيمم لها. ألا ترى أنه لو تيمم مع وجد الماء لمي صح، فإذا ثبت ذلك فإنه إذا تيمم لصلاة الظهر، فهو مستغن عن التيمم للعصر، فلم يجز أن يكون هذا التيمم لصلاة العصر.
وإن شئت غيرت العبارة فقلت: إن الصلاة الثانية لم يدخل وقتها.
стр. 1017
ولم يفتقر إلى التيمم لها، وكل تيمم مستغنى عنه غير مضطر إليه لم يجز أداء الفرض به. دليله: التيمم مع وجود الماء.
ونقول أيضا: إن التيمم طهارة بدل قد قصرت عن المبدل، فقصرت عنه في الوقت أيضا؛ لأنها لا ترفع الحدث.
وأيضا فإن عليه طلب الماء وهو محدث للصلاة الأولى: فإذا لم يجد الماء بعد الطلب تيمم، فكذلك عليه في الصلاة الثانية مثل ما في الأولى، فإذا لم يجد الماء وجب عليه التيمم؛ لأنهما قد اشتركا في وجود الطلب لهما من أجل الحدث، والمتيمم محدث عند الصلاة الثانية لا محالة.
فإن قيل: لا نسلم أن عليه طلب الماء.
قيل: حقيقة قول القائل لم أجد كذا: معناه طلبت فلم أجد، وإن وقع ذلك على غير طلب فهو مجاز، ويكون معناه: لم أقدر.
على أننا لا نعلم أحدا من الناس يريد الصلاة وهو محدث إلا وهو يطلب الماء سواء كان الماء في رحله أو أبعد منه إلا أن يكون جالسا في الماء فإنه قادر، أو من يسقط عنه استعمال الماء مع وجوده لعذر فإن هذا … أو غير مراد بالآية، وإنما الآية في غير المعذورين.
وأيضا فقد حكى عن أبي حنيفة أن المحدث لا يجوز له التيمم لصلاة المغرب قبل وقتها. فإن ثبت هذا من مذهبه فإنه إذا جمع بين صلاة العصر والمغرب بتيمم واحد فقد صار متيمما لصلاة المغرب قبل
стр. 1018
وقتها، فنقض أصله في ذلك.
ويجوز أن يقال له: كل متيمم قبل وقت الصلاة لا يجوز له ذلك، دليله صلاة المغرب.
وأيضا فإن أبا حنيفة يقول: إن المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، فنقول: إذا توضأت لوقت الظهر وصلت الظهر ثم دخل وقت العصر وجب عليها أن تتوضأ أيضا لوقت العصر، ولا يجوز أن تصلي العصر بطهارة الظهر بل المستحاضة - عنده - تصلي الفوائت بطهارة واحدة. وعندي أن المستحاضة إذا لم يكن دمها متصلا، وكانت صلاتها تسلم بالوضوء توضأت. فإذا ثبت إنها لا تجمع بين الصلاتين بوضوء واحد قلنا: هما صلاتا فرض فوجب أن لا يجوز الجمع بينهما بطهارة ضرورة، فكذلك في التيمم؛ لأنها طهارة ضرورة فلا يجمع بها بين صلاتي فرض.
ونقول أيضا: إن التيمم بدل عن مبدل فيجب أن لا يجوز قبل وجوبه، ولا يجوز إلا بعد دخول الوقت. دليله سائر الأبدال التي لا تجوز قبل وجوبها.
فإن قيل: فقد روي في حدث أبي ذر أن النبي ﵇ قال: «الصعيد الطيب بوضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج "، فجعله وضوءا له أبدا.
стр. 1019
وأيضا فإنه طهارة يؤدي بها النفل فجاز أن يؤدي بها الفرض.
أصله الطهارة بالماء.
قيل: عن الخبر جوابان:
أحدهما: أنه يقتضي أن الصعيد وضوء ومما يتطهر به، نحن نقول بذلك، وهل يفعله عن كل صلاة أم لا؟. ليس فيه.
ولجواب الآخر: هو أن الصعيد اسم للجنس، والوضوء للجنس، فصار جنس الصعيد كجنس الوضوء، فينبغي أن يستوفى جنس التيمم بجنس الصلاة، وإذا تيمم مرة واحدة للصلوات كلها فهو بعض جنس التيمم لا كله.
وكذلك إن استدلوا بقوله: «التيمم طهور المسلم وغم لم يجد الماء عشر حجج»، فإن التيمم اسم لجنس التيمم فينبغي أن يستوفي كل التيمم لكل الصلات فيصير لكل صلاة تيمم، وهو أيضا دليلنا؛ لأن التيمم هو القصد والفعل، ونحن نأمر به عند كل صلاة فريضة حتى يستوفى جنسه لجنس الفرائض.
وأما قياسهم على الطهارة بالماء فإنه فاسد الموضع؛ لأنه لا يجز اعتبار الفرض بالنفل. ألا ترى أنه يجوز أن يترك في النفل ما لا يجوز تركه في الفرض؛ لأن النفل أخفض رتبة من الفرض فيجوز أن يصلي النفل جالسا مع قدرته على القيام، ويجوز ترك القبلة في النفل في السفر مع القدرة، ولا يجوز ذلك في الفرض، فكذلك يجوز أن يجمع في التيمم بين صلاتي نفل، ولا يجوز الجمع به بين صلاتي فرض.
стр. 1020
وعلى أن المعنى في الطهارة بالماء أنه يرفع الحدث، فلهذا يصلي به ما شاء، وليس كذلك التيمم؛ لاه لا يفع الحدث، وإنما يستباح به فعل الصلاة، ولأنها طهارة ضرورة فلا يجوز أن يستباح بها ما يستباح بالطهارة، كطهارة المستحاضة.
فإن قيل: فإن الأصول موضوعة على أن حكم الأبدال حكم المبدلات، فكل ما يستباح بالمبدل يستباح بالبدل، كالصوم في الكفارة، كذلك أيضا التيمم لما كان بدلا عن الماء وجب أن يستباح به من الصلاة ما يستباح بمبدله.
وأيضا فلو أوجبنا التيمم لكل صلاة لأوجبنا من حدث واحد طهارتين من جنس واحد، وهذا لا يوجد في الأصول. ألا ترى أنه لو أحدث لم يوجب طهارتين من جنس واحد.
قيل: أما قولكم: إن حكم الأبدال حكم المبدلات فإنه باطل على مذهبكم بالمسح على الخفين، هو بدل من غسل الرجلين، ولا يستباح به ما يستباح به إذا غسل الرجلين؛ لأنه إذا غسل رجليه صلى لغير توقيت، وفي مسح الخفين توقيت.
وقولكم: إننا نجب طهارتين من جنس واحد من حدث واحد، فإننا نقول: قد يجوز مثل هذا. ألا ترى أنه ل لم يجد الماء فتيمم ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، ثم انقلب الماء قبل استعماله فإن عليه أن يتيمم دفعة أخرى، وهما تيممان لحدث واحد، فسقط ما قلتموه بمحدث لا يزول حدثه، فإذا تيمم لصلاة وصلاها انتقض حكم
следующие страницы →