← Фикх шафии

Фикх шафии · id 146126

حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء - ط الرسالة الحديثة

الشاشي، أبو بكر

Полный текст (3 960 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء تأليف سيف الدين أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي القفال حققه وعلق عليه الدكتور ياسين أحمد إبراهيم درادكه الأستاذ المساعد في كلية الشريعة - الجامعة الأردنية الجزء الأول مكتبة الرسالة الحديثة

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٩٨٨ الناشر: مكتبة الرسالة الحديثة تلفون: ٦٣٩٩٥٧ - ص. ب: ٦٦٠٠ المملكة الأردنية الهاشمية - عمان

стр. 3

حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء

стр. 4

مقدمة المحقق كتاب الطهارة

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6

مقدمة الطبعة الثانية الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد ﷺ ، وعلى آله، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وجزى اللَّه علماءنا خيرًا عن الإِسلام وأهله لما قدموه وبذلوه. وبعد: فهذا كتاب (حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء) للشاشي القفال، حققت نسبته إلى صاحبه، وحققت ألفاظه ومعانيه، وحملت عبأه ما يزيد على ثلاث عشرة سنة، قمت فيه بنسخه بنفسي، ثم قارنته بالنسخ الأخرى وحدي، ثم قمت بشرحه، والتعليق عليه، وكان الكتاب يلازمني في كل وقت، وفي كل حال، من حل، وترحال وفي أثناء إجازتي بدون راتب للعمل في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، كنت أعكف عليه في بيتي ثلاثة أيام من كل أسبوع، لأن الأستاذ في الجامعة يعطي يومًا للراحة من كل أسبوع، وأستفيد من يومي الخميس، والجمعة

стр. 7

كعطلة رسمية للدولة، وبقية الأيام أستأنف العمل بعد الظهر بما يتسع لي من وقت إلى الفجر. ثم يسر اللَّه لي إجازة تفرغ علمي من الجامعة الأردنية مدة سنة كاملة، أمضيت أيامها بعمل مستمر بدون كلل ولا ملل، ولست أبالغ إذا قلت: إن معدل اشتغالي بتحقيق هذا الكتاب في اليوم والليلة يزيد على عشر ساعات، جعل اللَّه ذلك في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا أقصد في ذلك إلا وجهه الكريم، وهو القادر على الجزاء. أخي القارىء الكريم: عندما حققت الأجزاء الثلاثة الأولى، جعلت لها فهارس شاملة، وذكرت مراجع التحقيق خشية أن يحال بيني وبين إكمال الكتاب بحدوث عارض، أو بوقوع الأجل المحتوم، وعندما يسر اللَّه لي إكمال الكتاب، حذفت منه الفهارس، والمراجع، وزدت فيه، وأنقصت منه، وهذا شأن كل كاتب كما يقول الأصفهاني: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر). والكتاب بين يديك أيها القارىء الكريم، فهو كتاب مقارن بين آراء أعلام الفقه الإِسلامي ومذاهبه، إذ يذكرها مجردة بدون ذكر الدليل، مما اضطرني لذكر أدلتهم النقلية، والعقلية، للأجزاء الخمسة الأخيرة، وأذكر مراجع الأدلة من كتب السنة النبوية المطهرة، وكتب الفقه المعتمدة، وكل ذلك أبينه في الهامش. وكتاب (حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء) للشاشي القفال، يحقق، وينشر على الناس بكامله لأول مرة بعد تسعة قرون كاملة، ينشره من نذر نفسه لخدمة العلم، الفقير إلى اللَّه تعالى، من لم يجمعه

стр. 8

بك زمان، ولا مكان، ولا دم، وإنما جمعه بك الإسلام، يخرجه من الظلام إلى النور في آلاف من النسخ، مصححة، مطبوعة، ميسرة سهلة للقارىء، بدلًا من نسخ مخطوطة، معدودة، معيبة غير ميسرة، دلالة على أن العمل الصالح يمكث في الأرض أبدًا، ومهما طال غيابه، واحتجابه عن الناس، فإن نوره يبقى مشعًا عليهم، وأما الزبد فيذهب جفاء. وإذا كان القفال قد صنف هذا الكتاب، مبتغيًا الأجر والثواب، كما يقول: "استخرت اللَّه تعالى في كتاب جامع لأقاويل العلماء، تقربًا إلى اللَّه تعالى، وينتفع به كل ناظر فيه، فأرزق الأجر فيه، والثواب عليه إن شاء اللَّه تعالى" فإني لأرجو من اللَّه أن يذكرك القارىء الكريم ويذكرني بصالح الدعاء، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، فأجده في صحائف أعمالي، وأن يغفر لي ولوالدي ذنوبنا جميعًا، وأن ينزع من قلبي، وقلوب المسلمين العداوة، والبغضاء، والحسد، وأن يرزق من قرأ فيه، أو اطلع على جهدي في التحقيق، خير الدنيا والآخرة، وجزيل المغفرة، إنه الهادي إلى سبيل الرشاد، وهو الغفار الرحيم وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين آمين. ذو القعدة ٣/ ١٤٠٧ هـ. الموافق ٢٨/ ٦/ ١٩٨٧. المحقق الأستاذ المساعد: الدكتور ياسين أحمد إبراهيم درادكه الجامعة الأردنية - كلية الشريعة

стр. 9

عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنما الأعمالُ بالنيّات، وإنما لكل امريء ما نوى، فَمَن كانَتْ هجرته إلى اللَّه ورَسوله فهجرَتُه إلى اللَّه ورَسولهِ، ومَنْ كانتْ هجرتُه لدنيا يُصيبها، أو امرأةٍ ينكحِها فهَجرَته إلى ما هاجر إليه". حديث صحيح متُفَّق على صحته

стр. 10

لقد عبّر الجاحظ في كتابه (الحيوان) عن صعوبة إعادة النص، إذ يرى أن مشقة الكتابة الجديدة أيسر وأسهل من التصحيح والتنقيح، فقال: (لربما أراد مؤلف أن يصحح تصحيحًا أو كلمة ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات من حُرّ اللفظ، وشريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النص، حتى يرده إلى موضعه من إتصال الكلام).

стр. 11

تقديم مَنْ يُرِدِ اللَّهُ به خَيرًا يُفقِّهْه في الديِّن. الحمد للَّه نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلّا هالك، فصلوات اللَّه وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن من خير ما يُقدِّم الإنسان لأمته، أن ينشر ما طواه الزمن من تراث علمي، كان لها في زمن من الأزمنة ركنًا من أركان نهضتها، وثمرة من ثمار حياتها وثقافتها، ومظهرًا من مظامر حضارتها وفخرها وعزتها.

стр. 12

وخير ما يحييه ويبعثه من جديد بعد ما طواه الزمن، ما كان متصلًا بحياتها اليومية في معرفة ما يحل لها وما يحرم عليها، وما يأمرها به من جهاد في سبيل اللَّه إذا اعتُديَ عليها، وما كان متصلًا بعبادتها، وبحياتها السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، وذلك هو "الفقه". والفقه الإِسلامي: هو العامل الأساسي الذي ساهم في بناء المجتمع الإِسلامي وتكوين حضارته، واتساع عمرانه، وامتداد سلطانه إلى جميع الشعوب التي انضوت تحت راية الإِسلام، التي أخذت بما قرر الفقه الإِسلامي عليهم من أحكام فساهموا فيه، وظهر منهم الفقهاء الذين شيدوا بناء الفقه، كأمثال: الطبري، والغزالي، والكمال بن الهمام وغيرهم، ومنهم القفال الشاشي الكبير والقفال الصغير، وفخر الإِسلام الشاشي صاحب الحلية وغيرهم، وذلك لأن الفقه يقوم على العدالة، ويشرع الحقوق ويصونها، ويلائم الفطرة السليمة، ويساير التطور لكل زمان ومكان -بفضل مرونة النصوص التي استقى الفقه منها- ويكفل الحرية لكتابه فلا يخضع لرغبة السلاطين والأمراء، أو لشهوات الكتاب، لأنه متمسك بالأصول والقواعد العادلة المستمدة من شرع ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤٢) ومن قول الرسول ﷺ الأمين، الذي لا ينطق عن الهوى كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣). وفي الفقه الإِسلامي ثروة ضخمة من التشريعات العديدة، التي تتناول الفرد والمجتمع والدولة، والعلاقات الدولية بين الأمم جميعًا، ولن يستطيع أن يقف على مبلغ هذه الثروة من قَصَر نفسه على مذهب واحد من مذاهب الفقه لا يعدوه إلى غيره، والملتزم لمذهب معين يجد من الواجب عليه أن لا يتجاوزه إلى غيره.

стр. 13

والدراسة المقارنة بين المذاهب، تساعدنا على التحرر من ربقة التقليد في الأصول والفروع الذي أخذ منا بالخناق، وتجعلنا نعرف يقينًا أن اللَّه لم يخص بالحق كله فقيهًا، أو مذهبًا واحدًا بعينه. والدراسة المقارنة ترسم لنا لوحة أمينة صادقة لجهود العقل الإِنساني، ولتطور الفكر فيما يتصل بالتشريع والتقنين، ليتناسب مع ما يجد للناس من مشاكل الحياة اليومية العملية وأحوالها العديدة المختلفة. والفقه الإِسلامي يعتبر ضربًا فريدًا بين التشريعات والقوانين التي عرفها العالم حتى الآن، سواء من ناحية الأسس التي قام عليها، والمقاصد والغايات التي استهدفها، والأحكام والحلول التي جاء بها على مر العصور. وبما أنني مختص في دراسة الفقه المقارن، رأيت أن أحقق مخطوطًا فقهيًا، مقارنًا شاملًا لكل أبواب الفقه، فوقع اختياري على هذا المخطوط الجيد، الذي وجدت كثيرًا من كتّاب الفقه المقارن قد أخذ عنه واستفاد منه. هذا وبما أنني اقتصرت في التحقيق على قسم العبادات فقط، لذا أقدم مقدمة بسيطة عن قسم العبادات، لأن هذا القسم هو الذي يُنظِّم علاقة الفرد بخالقه، ولأن الغرض الأساسي من وجود الإنسان، أن يعبد اللَّه ويخلفه وينصره، ويعمر أرضه، كما نبه اللَّه تعالى بآيات في مواضع مختلفة منها، قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، وقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (النور: ٥٥)، وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:

стр. 14

٢٥)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ (الصف: ١٤)، وقوله: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: ٦١) كلُّ ذلكَ إشارة إلى توليتهم أمورًا لم يستصلح لها إلّا الإِنسان، كما نبّه اللَّه تعالى بقوله للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٣٠). هذا ولما كان الإِنسان إنما يصير إنسانًا بالعقل، فلو تصورناه مجردًا عن العقل لخرج عن كونه إنسانًا، ولم يكن إذا تخطينا الشبح الماثل، إلَّا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، والعقل لن يكمل، بل لا يكون عقلًا إلَّا بعد اهتدائه بالشرع، ولذلك نُفي العقل عن الكفار لما تعروا عن الهداية بالشرع، والاهتداء بالشرع هو عبادة اللَّه تعالى، فالإِنسان إذًا في الحقيقة هو الذي لعبد اللَّه، ومن أجل العبادة خُلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦ - ٥٧)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: ٥)، فكل ما أوجد لفعل، فعند ما لم يوجد منه ذلك الفعل كان في حكم المعدوم، ولذلك كثيرًا ما يسلب عن الشيء اسمه إذا أوجد فعله ناقصًا، لقولهم: (فلان لا عين له أو لا أذن له) إذا بطل فعل عينه وأذنه، وإن كان شبحهما باقيًا، وعلى هذا قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (البقرة: ١٧١)، فيمن لم ينتفع بهذه الأعضاء. فالإِنسان يحصل له من الِإنسانية، بقدر ما يحصل له من العبادة التي لأجلها خلق - فمن قام بالعبادة حق القيام، فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ من الإِنسانية، فصار حيوانًا، أو دون الحيوان، كما قال في وصف الكفار: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾، (الأنفال: ٢٢) فلم يرض اللَّه تعالى أن يجعلهم أنعامًا ودوابَّ حتى جعلهم أضلَّ منها،

стр. 15

وجعلهم من أشرارها وأخرج كلامهم عن جملة البيان، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (الأنفال: ٣٥)، تنبيهًا على أنهم كالطيور التي تمكوا وتصدي (أي تصفق وتصفر). ولذا فإن اللَّه نبه بنكتة لطيفة، على أن الإنسان لا يكون إنسانًا إلّا بالدين، ولا ذا بيان إلّا بقدرته على الإتيان بالحقائق الدينية، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: ٥٥)، فابتدأ سبحانه بتعليم القرآن، ثم بخلق الإنسان، ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينها، وسبب ذلك أنه لم يعد الإنسان إنسانًا ما لم يتخصص بالقرآن، فابتدأ بالقرآن، ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ تنبيهًا على أن بتعليم القرآن جعله إنسانًا على الحقيقة، ثم قال: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ تنبيهًا على أن البيانَ الحقيقيّ بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن. هذا وأرجو اللَّه ، أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن أجده فى صحيفة أعمالي - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ - وأنْ يَغفرَ لي ولِمَنْ يقرأه، وأن يغفر لصاحبه: فخر الإسلام القفال الشَّاشي، إنه سميع مجيب، واللَّه الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 16

القفال الشاشي (١) اسمه ونسبه: هو أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، الشاشي الأصل، الملقب بفخر الإِسلام، نسبة إلى شاش: مدينة وراء نهر سيحون، خرج منها جماعة من العلماء (٢).

стр. 17

ولادته ووفاته: ولد بميّا فارقين في شهر المحرم، سنة تسع وعشرين وأربعمائة (١) ومات أبو بكر ﵀ يوم السبت الخامس والعشرين (٢) من شوال، سنة سبع وخمسمائة، ودفن مع شيخه أبي إسحاق في قبر واحد بباب برز (٣)، وقال ابن خلكان: دفن إلى جانبه (٤). نشأته وحياته: نشأ الفقيه الشافعي في ميّافارقين، وتفقه على أبي عبد اللَّه محمد ابن بنان الكازروني (٥)، صاحب الإِبانة، وعلى القاضي أبي منصور الطوسي (٦)، صاحب أبي محمد الجويني (٧)، إلى أن عزل أبو منصور

стр. 18

عن قضاء ميّافارقين، ورجع إلى طوس، ورحل فخر الإسلام إلى العراق قبل وفاة الكازروني، ودخل بغداد ولازم الشيخ أبا اسحاق الشيرازي، صاحب التنبيه والمهذب وصار معيد درسه. كانت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، ومركز العلم وموطن العلماء، يتوافدون إليها من كل الجهات، ويؤمها الطلاب من كل حدب وصوب، قاصدين طلب العلم، ومنتفعين من مكتباتها، ثم يعودون إلى بلادهم، أو يرتحلون إلى بلد آخر فيه العلماء، ولذا فإن طالب العلم ينتقل من مدينة إلى أخرى حيث توجد العلماء، ولذا فإن العصور السابقة كان العلم يقترن مع الترحال حيث تواجد العلماء، كما هو الشأن في وقتنا الحاضر، فإن طلابنا وأبناءنا يذهبون إلى أوروبا وأمريكا والقاهرة، حيث تتوفر فيها العلماء والمكتبات. والقفال كبقية العلماء، فقد ارتحل إلى بغداد، وتفقه على يد أبي إسحاق الشيرازي وتفقه أيضًا على أبي نصر بن الصباغ (١) وقرأ كتابه (الشامل) في الفقه عليه، ثم شرحه في عشرين مجلدًا، وسماه (الشافي) ومات وقد بقي منه نحو الخمس (٢). والإمام فخر الإِسلام قد جد واجتهد، حتى صار الإِمام المشار إليه

стр. 19

وسمع الحديث من الشيخ محمد بن بنان الكازروني بميافارقين (١)، وأبي إِسحاق الشيرازي، وأبي جعفر بن محمد بن أحمد بن المسلمة (٢)، وأبي بكر الخطيب (٣)، وأبي الغنائم بن المأمون (٤)، وأبي يعلى بن الفراء (٥) وغيرهم ببغداد، وهياج بن محمد الحطيني بمكة (٦).

стр. 20

وأما من روى عنه من العلماء فهم: أبو معمر الأزجي (١)، وأبو بكر بن النقور (٢) وشهدة الكاتبة (٣)، وأبو طاهر السلفي (٤)، وأبو طالب

стр. 21

ابن العجمي (١)، وغيرهم. وفي بغداد، كان فخر الإسلام ﵀، يدرس في مدرسة لطيفة بناها لنفسه في (قراج ظفر)، فلما بنى تاج الملك أبو الغنائم (٢) مدرسة بباب برز، رتبه مدرسًا فيها سنة أربع وخمسمائة إلى حين وفاته سنة خمسمائة وسبع (٣). والمدرسة النظامية التي بناها تاج الملك قد تولى التدريس بها قبله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل، وأبو سعد المتولي (٤) صاحب تتمة الإبانة، وأبو حامد الغزالي (٥)، ويقول

стр. 22

ابن خلكان: وحكى لي بعض المشايخ من علماء المذهب أنه يوم ذكر الدرس، وضع منديله على عينيه، وبكى كثيرًا وهو جالس على السدة التي جرت عادةً المدرسين بالجلوس عليها، وأنشد: خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن العناء تفرُّدي بالسؤددِ وجعل فخر الإسلام يردد هذا البيت ويبكي، وهذا إنصاف منه، واعتراف لمن تقدمه بالفضل والرجحان عليه (١). قال أبو القاسم الزنجاني (٢): كان أبو بكر الشاشي يتفقه معنا، وكان يسمى الجنيد (٣) لدينه وورعه وعلمه وزهده.

стр. 23

ومدحه تلميذه أبو المجد معدان بن كثير البالسي (١) بقصيدة يقول فيها: يا كعبة الفضل افتنا لِمَ لمْ يجبْ ... شرعًا على قصادك الإِحرامُ ولما تضمخ زائريك بطيب ما ... تلقيه وهو على الحجيج حرامُ وفخر الإِسلام ﵀ له شعر حسن، ومنه: لو قيل لي، وهجر الصيف متقد ... وفي فؤادي جوى للحر يضطرمُ أهم أحبُّ إليك اليوم تشهدهم ... أم شربة من زلال الماء قلت: هم (٢)

стр. 24

ومن شعره أيضًا: تعلَّم يا فتى والعود رطب ... وطينك لين والطبع قابلْ فحسبك يا فتى شرفًا وفخرًا ... سكوت الحاضرين وأنت قائل (١) ووقع بين فخر الإسلام وبين القاضي الدامغاني (٢)، فأنشأ فيه الشاشي: حجاب وإعجاب وفرط تصلف ... ومدُّ يد نحو العُلى بتكلُّف ولو كان هذا من وراء كفاءة ... لهان، ولكن من وراء تكلف

стр. 25

بلده: هو من مَيّافارقين بفتح أوله وتشديد ثانيه، ثم فاء وبعد الألف راء وقاف مكسورة وياء ونون، قال بعض الشعراء: فإن يكُ في كيل اليمامة عسرة ... فما كيل ميّافارقين بأعسْرا وقال كثير: مشاهد لم يعف التنائي قديمها ... وأخرى بميّافارقين فموْزنُ وهي أشهر مدينة بديار بكر، قالوا: سميت بميتابنت، لأنها أول من بناها، ومفارفين، هو الخلاف بالفارسية يقال له بارجين، لأنها كانت أحسنت خندمهّا، فسميت بذلك، وفتحها هرقل صاحب عمر بن الخطاب ﵁، وأعادها إلى مملكة الروم، وملكها بأسرها ثماني سنين آخرها سنة ١٨ هـ، وبعد أن فتحت الشام، وجاء طاعون عمواس، ومات أبو عبيدة ابن الجراح، أنفذ عمر ﵁ عياض بن غنم بجيش كثيف إلى أرض الجزيرة، فجعل يفتحها موضعًا موضعًا، وقيل: إنها فتحت صلحًا على خمسين ألف دينار، على كل محتلم أربعة دنانير، وقيل: دينارين وقفيز حنطة ومدّ زيت، ومدّ خل، ومدّ عسل، وأن يضاف كل من اجتاز بها من المسلمين ثلاثة أيام، وقرر أخذ العشر من أموالهم، وكان ذلك بعد أخذ آمد، قال: وكان المسلمون لما نزلوا عليها نزلوا بمرج هناك على عين ماء، فنصبوا رماحهم هناك بالمرج، فسمي ذلك الموضع عين البيضة إلى الآن (١). شاش: بالشين المعجمة، قرية بالري، وهي التي خرج منها العلماء ونسب إليها خلق من الرواة والفصحاء، فهي بما وراء النهر، ثم

стр. 26

ما وراء نهر سيحون، متاخمة لبلاد الترك وأهلها شافعية المذهب، والسبب في ذلك أبو بكر محمد بن إسماعيل القفال الشاشي، قال أبو الربيع يذكر الشاش: الشاش بالصيف جَنّة ... ومن أذى الحر جُنَّة لكنَّني يعتريني ... بها لدى البرد جِنَّة وليس بخراسان وما وراء النهر إقليم على مقداره من المساحة أكثر منابر منها، ولا أوفر قرى وعمارة، فحدّ منها ينتهي إلى وادي الشاش الذي يقع في بحيرة خوارزم، والحد الآخر بقلاص، والشاش في أرض سهلة، وهي أكبر ثغرة في وجه الترك، وعامة دورهم يجري فيها الماء، وكلها مستترة بالخضرة، من أنزه بلاد ما وراء النهر (١). المنتسبون للقفال أو للشاشي: وينتسب إِلى القفال أو إلى شاش علماء لهم مكانة علمية منهم: ١ - القفال الكبير الشاشي: هو محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي أحد أئمة الإِسلام، قال العبادي: القفال الشاشي، أفصح الأصحاب قلمًا، وأثبتهم في دقائق العلوم قدمًا، وأسرعهم بيانًا وأثبتهم جنانًا، وأعلاهم إسنادًا، وأرفعهم عمادًا (٢)، وقال السمعاني: ولد بالشاش، وهي مدينة ما وراء النهر، سنة إحدى وسبعين ومائتين، وتوفي بها في ذي الحجة

стр. 27

سنة خمس وستين وثلاثمائة، وفي كتاب الذيل أنه توفي سنة ست وستين. وقال الشيخ أبو إسحاق: إنه يأخذ عن ابن سريج، وإنه توفي سنة ست وثلاثين، وذكر الحاكم: أنه توفي في ذي الحجة سنة خمس وستين، وقال ابن عساكر في "تاريخه": بلغني أنه كان مائلًا عن الاعتدال، قائلًا في أول أمره بالاعتزال، ثم رجع إلى مذهب الأشعري. ومن تصانيفه: كتاب "أدب القضاة"، ومنها "محاسن الشريعة"، موضح لمعان ومناسبات لطيفة، ومشتمل على مسائل غريبة، وهما قليلا الوجود، ويقول الأسنوي: وعندي بكل منها نسخة (١). ٢ - أحمد بن محمد بن أحمد الشاشي: هو ابن فخر الإسلام الشاشي، وكان أحمد قد أفتى في حياة والده وحدّث، توفي يوم الجمعة العاشر من رجب سنة ٥٢٩ هـ (٢). ٣ - أحمد بن عبد اللَّه بن محمد الشاشي: أبو نصر حفيد فخر الإِسلام أبو بكر الشاشي، تفقه على ابن الخل شارح "التنبيه" للشيرازي، وسمع وحدث بيسير، مات يوم الجمعة ثامن عشر شوال سنة ٥٧٦ هـ (٣). ٤ - عبد اللَّه بن محمد بن أحمد الشاشي: هو ابن فخر الإِسلام الشاشي، ولد سنة ٤٨١ هـ وتوفي ببغداد في

стр. 28

شهر المحرم سنة ٥٢٨ هـ، ودفن إلى جانب والده، قاله التغليسي، ويقال: له أخ يسمى بأبي حفص عمر، تفقه على الشيخ أبي إسحاق، وسمع الحديث وتوفي سنة ٥٥٠ هـ (١). ٥ - عمر بن محمد بن موسى الشاشي: أبو حفص نزيل قاشان، ولد في حدود الخمسين وأربعمائة، وتفقه بمرو على الإمام أبي فضل اليمنى، وسمع بها الحديث من جماعة، وورد بغداد حاجًا، فسمع بها أيضًا من المتولي وغيره، وبالكوفة من ابن النقار، وكان يصوم أكثر أوقاته، ويديم التلاوة، ومات بقاشان في أول يوم من شهر رمضان سنة ٥٢٧ هـ (٢). ٦ - محمد بن علي بن حامد الشاشي: أبو بكر الشاشي، شيخ الشافعية، صاحب الطريقة المشهورة في الجدل، تفقه في بلاده على الإمام أبي بكر السنجي، ثم استوطن غزنة، وهي أوائل الهند، فأقبلوا عليه وأكرموه، واستفادوا منه، وصنف تصانيف كثيرة، ثم استدعاه نظام الملك إلى هراة، فشق على أهل غزنة مفارقته، ولكن لم يجدوا بدًا من ذلك، فجهزوه، وولاه تدريس النظامية، فأقام بها مدة، ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، وتوفي سنة ٤٨٥ هـ (٣). ٧ - محمد بن عمر بن محمد الشاشي: أبو عبد اللَّه الشاشي، كان فقيهًا عالمًا، تفقه على البغوي،

стр. 29

وحدث عنه "بالأربعين الصغرى" له، وتوفي في شعبان سنة ٥٥٦ هـ، وله بضع وسبعون سنة (١). ٨ - أبو الليث الشاشي: هو نصر بن حاتم بن بكر الشاشي، من أوائل أصحاب ابن سريج وأفاضلهم، أخذ عنه جماعة منهم: القفال في أوائل أمره، سمع وحدث، ذكر الحاكم: كتبنا عنه سنة تسع وثلاثين وثلائمائة، ولم يؤرخ وفاته (٢). ٩ - إسحاق بن إبراهيم الشاشي: أبو يعقوب الخراساني الشاشي، فقيه الحنفية في زمانه، نسبته إلى الشاش، انتقل منها إلى مصر، وولي القضاء في بعض أعمالها، وتوفي بها، له كتاب أصول يعرف بأصول الشاشي وتوفي سنة ٣٣٥ هـ (٣)، ١٠ - عمر بن أحمد بن الحسين الشاشي: أبو حفص أخو الإمام فخر الإِسلام أبي بكر محمد، تفقه هو أيضًا على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وسمع من أبي الحسين بن المهتدي وغيره، توفي سنة ٥٥٠ (٤).

стр. 30

١١ - علي بن الحاجب بن جنيد الشاشي: أبو الحسن أحد الرحالين في طلب العلم إلى خراسان، والعراق، والحجاز، والجزيرة والشام، روى عن يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن خشرم، وروى عنه أبو بكر بن الجعابي، ومحمد بن المظفر وغيرهما، وتوفي بالشاش سنة ٣١٤ هـ (١). ١٢ - المؤمل بن مسرور الشاشي: ابن أبي سهل بن مأمول الشاشي، الشيخ الصالح أبو الرجاء الخمركي المأموني، من أهل الشاش، ولادته فيما يظن ابن السمعاني قبل الأربعين والأربعمائة، وسكن مرو إلى حين وفاته، وتفقه على أبي الخطاب الطبري ببخارى، وعلى فقيه الشاش أبي بكر محمد بن علي الشاشي بفزنة، توفي بمرو ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ٥١٧ هـ، وكان من الصالحين أرباب العبادات والمجاهدات (٢). ١٣ - عبد الجبار الشاشي: عبد الجبار بن محمد بن ثابت بن أحمد أبو أحمد الشاشي الخرقي من أهل مرو ولد في ٢٨ ربيع الأول سنة ٤٧٧ هـ، كان فقيهًا فاضلًا، قرأ المذهب على إبراهيم المروروذي، ثم اشتغل بالحساب والمقدمات، توفي بمرو ٥٥٣ هـ (٣).

стр. 31

١٤ - القاسم بن محمد بن علي الشاشي: صاحب التقريب، الإِمام الجليل أحد أئمة الدنب، ولد الإِمام الجليل القفال الكبير، ذكره العبادي في الطبقات (١). ١٥ - محمد بن إسماعيل بن عبيد اللَّه بن ودعة القفال: أبو عبد اللَّه، قال ابن النجار كان فقيهًا فاضلًا، حسن المعرفة بالمذهب والخلاف، مليح الكلام في النظر والجدل، ورتب معيدًا بالمدرسة النظامية، وخرج إلى البلاد، ووصل دمشق مريضًا، وأقام بها أيامًا، وتوفي وكان قد صنف كتابًا مليحًا في اللعب بالبندق، وقسمه على تقسيم كتب الفقه على ألسنة الرماة، فجاء حسنًا في فنه، وأظنه قصد الإِمام الناصر لدين اللَّه، مات ٥٨٥ هـ، وكان شابًا وكان والده حيًا (٢). ١٦ - القفال الصغير المروزي: هو عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه، الإِمام الزاهد الجليل، أحد أئمة الدنيا، والقفال المروزي أكثر ذكرًا في كتب الفقه، والقفال الكبير أكثر ذكرًا في كتب الأصول والتفسير وغيرهما، فإذا أطلقت كلمة (القفال) يراد الصغير، وإذا أريد الكبير قيد بكلمة الشاشي، شيخ الخراسانيين، كان نقي القريحة، ثاقب الفهم، عظيم المحل، كبير الشأن، عميقًا في علومه غواصًا على المعاني، دقيق النظر، عديم

стр. 32

النظير، بطلًا لا يصطلى له بنار، تفقه على أبي زيد المروزي، قيل: إنه كان قفالًا، وابتدأ التعلم وهو ابن ثلاثين سنة، يقال إنه صنع قفلًا وزنه أربع حبات من حديد، وكان مصابًا بإحدى عينيه، وكان يغلب عليه البكاء في أثناء الدرس لغلبة الحال، مات في سنة سبع عشرة وأربعمائة وهو ابن تسعين سنة (١). ١٧ - إبراهيم الطيان القفال: هو أبو إسحاق الطيان، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني القفال صاحب إبراهيم بن خورشيد، توفي في صفر عام ٤٨١ هـ (٢). ١٨ - محمد بن أحمد القفال: هو محمد بن أحمد بن محمد أبو نصر القفال ابن بنت أبي بكر الأكفاني، سمع أبا محمد الجوهري، وأبا الحسين بن الآبنوسي، وكان سبب موته أنه وقع من سطح داره فمات ودفن بمقابر الشهداء (٣). مكانة القفال الشاشي العلمية: تفقه القفال الشاشي على مذهب الإِمام الشافعي على يد الكازروني، والشيخ أبي نصر، وعلى القاضي أبي منصور الطوسي، وصار إمامًا في الفقه الشافعي كما يقول السبكي (٤)، وكان صاحب

стр. 33

مدرسة مستقلة، ثم رئيسًا للنظامية بعد شيخه أبي إسحاق الشيرازي، وكان عالمًا باختلافات الفقهاء، حتى وضع كتاب الحلية للمستظهر باللَّه (١)، وعرف القفال بصاحب الحلية، ويبدو هذا واضحًا من مقدمة كتابه "حلية العلماء في مذاهب الفقهاء" فقال أما بعد: فإنه لما انتهت الإِمامة المعظمة، والخلافة المكرمة إلى سيدنا، ومولانا أمير المؤمنين المستظهر باللَّه أعز اللَّه أنصاره، ذي الهمة العليا في أمر الدين والدنيا، استخرت اللَّه تعالى في كتاب جامع لأقاويل العلماء، تقربًا إلى اللَّه تعالى في إطلاعه عليه، رجاء أن يكون ما يصدر عنه، غير خارج من مذهب من المذاهب، وينتفع به كل ناظر فيه، فأرزق الأجر فيه، والثواب عليه إن شاء اللَّه تعالى. وعلم الشرع منقسم: فمتفق عليه، ومختلف فيه، والاختلاف منتشر جدًا، ومن شأن المجتهد أن يكون عارفًا بمذاهب العلماء، وذكرت فيه مذهب صاحب كل مقالة، وطريقته في مذهبه، كالقولين للشافعي ﵀، والروايتين، والروايات لمن سواه، وذكرت طريقته في مذهبه واختلاف أصحاب كل واحد منهم فيما فرّعوه على أصله من المتأخرين والمتقدمين، وما انفرد به الواحد منهم باختيار عن صاحب المذهب، واللَّه الموفق لحسن القصد فيه، وهو حسبي ونعم الوكيل (٢).

стр. 34

وهذا الكتاب يدل على غزارة علمه، لأنه صور المسألة، وأظهر جميع الأقوال فيها، للموافق لمذهبه، وللمختلف عن مذهبه، وكيف وأنه المتبحر في فقه الشافعي ﵀. حيث شرح الشامل للشيخ أبي نصر بن الصباغ، وألف الكتب في المذهب، واشتغل القفال بالحديث، فسمعه من العلماء في ميّافارقين، وبغداد، وآمد، ومكة، وحدث بها. مصنفات القفال الشاشي: كان فخر الإسلام أبو بكر الشاشي ذا شخصية علمية، فألف في الفقه كتبًا متعددة، ولعله ألف في غير الفقه كتبًا لم يصلنا منها شيء، ومن الكتب التي وصلت إلينا: ١ - المستظهري الذي صنفه للمستظهر باللَّه، وهو المسمى حلية العلماء (١). ٢ - المعتمد وهو كالشرح له (٢). ٣ - الترغيب في المذهب (٣). ٤ - الشافي في شرح مختصر المزني (٤).

стр. 35

٥ - العمدة: المختصر المشهور (١). ٦ - الشافي في شرح الشامل لأبي نصر بن الصباغ (٢)، وكان بقي من إكماله نحو الخمس، هذا في سنة أربع وتسعين وأربعمائة، كذا ذكر ابن الصلاح، ولعله شرح مختصر المزني. ٧ - وتصنيفه في المسألة السريجية. أهمية كتاب "حلية العلماء" في الفقه الإِسلامي: الناظر في كتاب "حلية العلماء" في مذاهب الفقهاء، يجد أنه من أجَلِّ كتب السادة الشافعية من حيث الموضوع وتلخيص الأقوال الفقهية للمذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأحيانًا يأتي بأقوال الشيعة، والظاهرية. أما من حيث الترتيب والتبويب، فقد جاء وفق ما بوبه فقهاء الشافعية في كتبهم، وبالتحديد فإنه جرى مجرى شيخه أبي إسحاق الشيرازي في كتابه "المهذب"، من حيث وضع العناوين لكل كتاب، وباب، وفصل. وأما مقدمته فقد ذكر الغاية من تأليف كتابه بأنه ألفه للمستظهر باللَّه حتى يطلع على آراء العلماء في المسألة الواحدة، ويخرج حكمه موافقًا لقول من أقوالهم فقال: أما بعد: لما انتهت الإِمامة المعظمة، والخلافة المكرمة إلى سيدنا ومولانا المستظهر باللَّه أعز اللَّه أنصاره، ذي الهمة العليا في أمر الدين والدنيا، استخرت اللَّه تعالى في كتاب جامع لأقاويل

стр. 36

العلماء تقربًا إلى اللَّه تعالى في اطلاعه عليه، رجاء أن يكون ما يصدر عنه غير خارج عن مذهب من المذاهب، وينتفع به كل ناظر فيه، فأُرزق الأجر والثواب عليه إن شاء اللَّه تعالى (١). ثم عقد فصلًا في التقليد، وأنه لا يجوز للعالم تقليد العالم بالاجتهاد، وذكر رأي محمد بن الحسن الشيباني من فقهاء الحنفية، بأن العالم يجوز له أن يقلد من هو أعلم منه، وأن فرض العامي التقليد في أحكام الشرع، وله أن يقلد الأورع من أهل الاجتهاد في العلم، ثم بيان أحكام تقليده إذا وجد أكثر من مجتهد، ثم بين حكم تقليد العالم فيما ثبت من أقواله (٢). أما من الناحية الموضوعية، فقد جمع أقوال أئمة المذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وبعض أقوال الظاهرية، والشيعة، في كتابه القيم، وكما يبدو من كلامه في المقدمة، أنه قد اطلع على ما كتبه الفقهاء الأربعة، من المصادر الفقهية العامة، "كالأم" و"الإملاء" للإمام الشافعي ﵀، و"الحاوي" للماوردي، و"الموطأ" للإمام مالك، "والأمالي" عن أبي يوسف، و"المختصر الأوسط" من الحج للشافعي، و"المختصر" للشافعي ﵀، و"مختصر البويطي" و"الجامع" لأبي حامد، و"الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير" لمحمد بن الحسن الشيباني، و"التعليق" للشيخ أبي حامد، و"المجرد" للقاضي أبي الطيب، و"الإِفصاح" لأبي علي الطبري، و"التلخيص" لابن القاص، فجمع بين هذه المصادر وصاغ عبارته بأسلوب رصين، وعبارة قوية، إلا أن القفال الشاشي قد تأثر كثيرًا

стр. 37

بكتاب شيخه أبي إسحاق الشيرازي "المهذب". ولذا فإنني إذا أردت تصحيح العبارة الخاصة بفقه السادة الشافعية، عدت إلى المهذب فأجدها بنصها أو بتصرف، أو بتلخيص، وقد يشير إليه أحيانًا، وكان يعتمد أيضًا على المصادر التي أشرت اليها، لأنه كان يشير اليها وينقل منها. أهداف المصنف وخطته: كان القفال ﵀، يعدد الأقوال في المسألة الواحدة عند جميع الأئمة الأربعة، ثم يأتي بأقوال العلماء في المذهب الواحد، سواء كانت المسألة جزئية أو كلية، ويبين ما فيها من الوجهين أو القولين، ويذكر كل قول وينسبه إلى صاحبه دون تعليل، وأحيانًا نراه يرجح بين الأقوال، والغالب أنه يسكت عن الترجيح، وأحيانًا نراه يقول: وليس بشيء (١). مقارنته مع المذاهب: كانت مقارنته مع المذاهب الأخرى في المسائل الفقهية الجزئية والفرعية، يسودها التسامح والاحترام لأئمة المذاهب، ويأتي بأقوى الآراء عندهم لا بأضعفها. أمانته العلمية: لقد تتبعت كتابه فوجدت آراء الأئمة الثلاثة التي كان يدونها صحيحة، كان ينقلها بأمانة نقل العالم المعتد بشخصيته العلمية، مشيرًا إلى ذلك، وينسب كل نقل إلى قائله، إلّا في بعض المسائل منها:

стр. 38

أولًا: وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم من غير غسل، إذا كانوا ممن يتدين باستعمال النجاسة وجهان: أحدهما: يجوز. والثاني: لا يجوز، وكذا الوجهان في طين الطرقات. وقال أحمد وداود: لا يجوز استعمال إلا بعد الغسل بكل حال (١). وهذا الرأي غير وارد عن أحمد، والوارد: أنه يجوز للمسلم أن يستعير من الكافر أوانيه وثيابه المجهولة، ويحكم بطهارتها، وأنها متى حصلت في أيدينا، لم يجب علينا تطهير ما لم نعلم نجاسته منها، لأن النبي ﷺ وأصحابه توضؤوا من مزادة مشركة ولأن الأصل الطهارة (٢). ثانيًا: في الماء المستعمل. قال: وحكى عيسى بن أبان عن الشافعي ﵀ جواز التطهر به، وهو قول مالك وداود (٣). وعند مالك: أن الماء اليسير -الذي هو قدر آنية الغسل فأقل، - المستعمل في حدث، يكره استعماله في حدث بشروط ثلاثة: ١ - أن يكون يسيرًا. ٢ - أن يكون استعمل في رفع حدث لا حكم خبث.

стр. 39

٣ - أن يكون الاستعمال الثاني في رفع حدث، والحاصل عندهم: أن الماء المستعمل في حكم خبث لا يكره له استعماله، وأن الماء المستعمل في حدث لا يكره استعماله في حكم خبث (١). ثالثًا: أما ما جاء في التيمم، قال الشاشي: وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصلي بتيمم ما شاء من الفرائض، وبه قال الثوري وداود، واختاره المزني (٢). والوارد في مختصر المزني: ولا يجمع، بتيمم صلاتي فرض، بل يجدد لكل فريضة طلبًا للماء وتيممًا بعد الطلب الأول، لقوله، : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ وقول ابن عباس: (لا تصلى المكتوبة إلا بتيمم) (٣). وكان القفال ﵀، أمينًا في نقله من المصادر التي ذكرتها سابقًا، وكان يوردها في كلامه، وكان يذكر أسماء المؤلفين كثيرًا، وأحيانًا يذكر اسم الكتاب فقط فيقول: قال ابن القاص في التلخيص، وذكر في الحاوي كذا (٨)، وحكى في الحاوي كذا (٥) وقال الشيخ أبو حامد ﵀ في التعليق كذا (٦)، وقال أبو إسحاق المروزي كذا (٧)،

стр. 40

وقال محمد بن الحسن في الجامع الصغير (١)، وقال أبو علي في الإِفصاح (٢)، وغير ذلك من الكتب الكثيرة، والمراجع الثمينة التي يتمنى الباحث أن تظهر للوجود، وما زالت مخطوطة في دور الكتب لم ترَ النور بعد، أو أن بعضها قد فقدت مع ما فقد من تراث الإسلام وذخائره، في أيام التاريخ الأسود، التي حلت في دار الإسلام، بهجمات التتر والفتن الداخلية. مكانة الكتاب التشريعية وفائدة نشره: إن الناظر في كتاب "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" يكاد لا يجد لها مثيلًا بين كتب الفقه الإِسلامي المقارنة المعروفة، فالحلية ليست موجزة إيجازًا شديدًا "كرُحمة الأمة في اختلاف الأئمة" لأبي عبيد اللَّه محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي من علماء القرن الثامن الهجري، "والميزان الكبرى" للشعراني الشافعي من علماء القرن العاشر الهجري، و"كالإفصاح" لابن أبي هبيرة الحنبلي، وليست مطولة جدًا، ككتاب "المغني" لابن قدامة المقدسي، بل هي وسط بين هذا وذاك، وهي سهلة العبارة قريبة المنال، وتعتبر مرجعًا هامًا للناظر في كتب الفقه، ومن يريد المقارنة بين المذاهب فإنه يجد طلبته في "الحلية"، وقد فصل جميع الأقوال والأراء، وبحق بعد اطلاعي على ما كتب في الفقه المقارن لم أجد للحلية مثيلًا، وقد أعانني هذا المخطوط في كتابة رسالتي (الدكتوراه نظرية الغرر في الشريعة الإِسلامية) فكانت الحلية تضع لي الأساس في المقارنة والإِطار العام، وبعد هذا أرجع إلى
следующие страницы →