← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14616

الأشاعرة في ميزان أهل السنة

فيصل الجاسم

Полный текст (723 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

- أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي (١٠١ هـ) قال: ﴿استوى﴾: علا على العرش (١). وهذا بيان منهما لمعنى ما وصف الله به نفسه في سبعة مواضع من كتابه من استواءه تعالى على عرشه، ففسراه بالعلو والارتفاع على العرش. - الإمامان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (١٢٥ هـ) - مكحول الشامي أبو عبد الله إمام أهل الشام (١١٢ هـ) قال الأوزاعي: (كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت) (٢) اهـ. [معنى إمرار الصفات بلا تكييف] والإمرار إنما هو إبقاء دلالتها على ما دل عليه لفظها، من غير تعرض لها بتغيير أو تأويل. ولا يكون إمرار إلا مع فهمٍ للمعنى، وإلا كان لغواً. وهذه العبارة ترد كثيراً عن السلف، في كثير من المسائل، كالكبائر ونحوها.

стр. 142

فقد روى الزهري حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث، فقال الأوزاعي: قلت للزهري: إن لم يكن مؤمناً فمه؟ قال: فنفر من ذلك، وقال: (أمروا الأحاديث كما أمَرّها من كان قبلكم، فإن أصحاب رسول الله ﷺ أمرّوها) (١). وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء، على ما رُوي، فنصدقه ونعلم أنه كما جاء، ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء على ما روي ولا ننص الشهادة. .... - إلى أن قال: والكف عن أهل القبلة، ولا تكفر أحداً منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث فيُروى الحديث كما جاء، وكما رُوي، وتصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روي، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.) (٢) اهـ. فهذه أحاديث جاءت في بعض الكبائر كترك الصلاة، وشرب الخمر، ونحو ذلك، فيها التغليظ إما الحكم بالكفر، أو بعدم

стр. 143

دخول الجنة، ونحو ذلك، فأمر الإمام أحمد بإمرارها كما جاءت، وترك التعرض لها، ومعلوم قطعاً أنها أحاديث مفهومة المعنى، معلومة الدلالة، مما يدل على أن المراد بإمرار النصوص كما جاءت: إنما هو التصديق بها، وإبقاء دلالتها على ما دلت عليه ظاهر ألفاظها. وقال الإمام أحمد في مسألة الرؤية في رسالة "أصول السنة" برواية عبدوس: (والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحاح، وأن النبي قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله ﷺ صحيح، ... والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً .. ) (١) اهـ. وهذه أحاديث مفهومة المعنى، وكلامه هنا يفسر معنى إمرار الحديث كما جاء، وأنه إثباته وحمل معناه على ظاهره. وقال أيضاً في الرسالة ذاتها: ("ثلاث من كن فيه فهو منافق" على التغليظ نرويها كما جاءت، ولا نقيسها .. ) (٢) اهـ. ومثله ما رواه الخلال في "السنة" بإسناده أن أبا طالب حدثهم، أنه سأل أبا عبد الله عن قول النبي ﷺ لعلي: «من كنت

стр. 144

مولاه فعلي مولاه»، ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء». وقال الخلال أيضاً: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن قول النبي ﷺ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، أيش تفسيره؟ قال: «اسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا الخبر، كما جاء» (١) اهـ. وقال البخاري في جزء "رفع اليدين": (ولقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة. قال البخاري: يعني أن الإنسان ينبغي أن يلقي رأيه لحديث النبي ﷺ حيث ثبت الحديث، ولا يعتل بعلل لا تصح ليقوي هواه) (٢) اهـ. - الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ) وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) (٣) اهـ.

стр. 145

فتأمل قوله: (ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)، فإنه يدل على أن صفة اليد معلومة المعنى لديهم، وأن تأويلها بإخراجها إلى المعاني المجازية إبطال لحقيقة معناها، وهو قول المعطلة!!. وقال أيضاً في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) (١) اهـ. وقوله هنا موافق للمشهور عن أئمة السلف من قولهم عن الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، فإنه نفى الكيفية، ولم ينف حقيقة الصفة. - عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ) سُئل عبد العزيز بن الماجشون: عما جحدت به الجهمية؟

стр. 146

فقال بعد كلام طويل: (والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها من تحقيق صفة أصغر خلقه لا يكاد يراه صغراً، يحول ويزول ولا يرى له بصر ولا سمع، فاعرف غناك عن تكليف صفة ما لم يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، ... وذكر فصلاً طويلا في إقرار الصفات وإمرارها وترك التعرض لها.) (١) اهـ. وقيل: (إنه نظر مرة في شيء من سلب الصفات لبعضهم فقال هذا الكلام هدم بلا بناء، وصفة بلا معنى) (٢) اهـ. فقوله في كلام المعطلة في صفات الله أنه صفة بلا معنى، يدل على أن صفة الله عن السلف صفة ذات معنى. وأما قوله بعجز العقول عن تحقيق صفته تعالى، فالمراد به معرفة حقيقة ما عليه الصفة وكيفيتها، بدليل أنه بيّن عجز العقول في إدراك صفة أصغر خلق الله مع كون صفة هذا المخلوق الصغير معلومة المعنى، لكن لا تدرك كيفيتها وحقيقة ما هي عليه لصغره. فأما الرب ﵎ فلا تدرك كيفية وحقيقة ما عليه صفته لعظمته سبحانه.

стр. 147

- إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (١٥٧ هـ) - إمام أهل الكوفة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (١٦١ هـ) - إمام أهل مصر أبو الحارث الليث بن سعد (١٧٥ هـ) - إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (١٧٩ هـ) قال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف) (١) اهـ. وقال يحيى بن يحيى: (كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه، ثم علاه الرحضاء، ثم قال:

стр. 148

الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج) (١) اهـ. [معنى قول الإمام مالك "الاستواء معلوم "] وهذا الأثر مشهور مستفيض عن الإمام مالك، لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب أهل السنة في المعتقد. وهو صريح في أن معنى الاستواء معلوم، وأن الكيفية مجهولة. وأما من ظن أن معنى قول الإمام مالك "الاستواء معلوم": أي ثابت في القرآن، فلا شك أنه خطأ، إذ السائل لا يجهل ذلك، كيف وقد تلا الآية سائلاً عن الكيفية. قال أبو عبد الله القرطبي مفسراً قول الإمام مالك: (قال مالك ﵀: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة ﵂.) (٢) اهـ. وقال الذهبي: (أن الظاهر يعني به أمران: أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها،

стр. 149

يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته) (١) اهـ. ونقل الملا علي القاري كلاماً لابن القيم في شرح منازل السائرين (٢) يقول فيه: (يشير بذلك -أي شيخ الإسلام الأنصاري صاحب منازل السائرين- إلى أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى إفهام العامة، ولا نعني بالعامة الجهال، بل عامة الأمة، كما قال مالك ﵀ وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". فرّق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك ﵀ شاف عام في جميع مسائل الصفات، من السمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرحمة، والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقل الكيف فرع العلم بكيفية

стр. 150

الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلوم، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات اهـ. ثم قال الملا علي القاري معلقاً: انتهى كلامه -أي ابن القيم- وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف، فالطعن والتشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه، ولا متوجه إليه، فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم في فقهه الأكبر ... ) (١) اهـ. وقال العلامة الألوسي: (هو مراد مالك وغيره من قولهم "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول ... ) (٢) اهـ. - وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسى (١٦٩ هـ) قال أحمد بن إبراهيم: سمعت وكيعاً يقول: «نسلم هذه الأحاديث، ولا نقول فيها: مثل كذا، ولا كيف كذا؟» يعني حديث ابن مسعود: «ويجعل السماوات على إصبع، والجبال على إصبع»، و «قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن» ونحوها من الأحاديث) (٣) اهـ.

стр. 151

وأمْرُه ﵀ بوجوب التسليم لأحاديث الصفات دال على إيمان السلف بحقيقة الصفات ومعرفتهم لمعانيها، إذ كان من المعلوم أن التسليم إنما يكون إلى ما دلت عليه الأحاديث، وهذا هو الإيمان بحقيقتها. يوضحه: منعه من إيراد السؤال عن الكيفية، وعن تمثيلها بصفات المخلوقين، وإلا لو كان المعنى مجهولاً، لقال: ولا يقال ما كذا؟ أو ما معنى كذا؟. - أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (١٧٣ هـ) قال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله موسى تكليما؟ قال: «مشافهة» (١). - وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين) قال في قول الله : ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤، قال: «مشافهة مراراً» (٢). وهذا تفسير للكلام بالمشافهة، مما يقتضى كونه معلوماً. وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه) (٣).

стр. 152

- الفضيل بن عياض (١٨٧هـ) قال الفضيل بن عياض: (ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال ﴿قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد﴾ الإخلاص، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء) (١) اهـ. وقوله وقول السلف: "كيف شاء"، "كما شاء"، صريح في فهمهم لمعنى الصفة وجهلهم بكيفيتها، وإلا لم يكن لقولهم عما لا يعلمون معناه "كيف شاء" أو "كما شاء": معنى. - عبد الرحمن بن القاسم العتقى أبو عبد الله المصرى المالكي (١٩١ هـ) قال ابن عبد البر: (وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأساً برواية الحديث "أن الله ضحك"، وذلك لأن الضحك من الله،

стр. 153

والتنزل، والملالة، والتعجب منه، ليس على جهة ما يكون من عباده) (١) اهـ. ففي هذا الكلام إثبات كون صفات الله تعالى معلومة المعنى، مفهومة للسلف، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق، ولو لم يكن بين صفات الله تعالى وبين صفات خلقه قدر مشترك من حيث أصلها، مع الاختلاف في وصفها وحقيقتها، لم يؤكد هذا المعنى. - الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (١٩٨ هـ) قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (٢) اهـ. قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف) (٣) اهـ. وهذا يبين مراد السلف بقولهم عن الصفات "لا تُفسّر" أي: بغير ظاهرها، وهو حملها على المجازات ونحو ذلك، أما تفسيرها

стр. 154

بما يدل عليه ظاهرها، فهو الحق، وهو الإمرار الذي أطبق عليه السلف في الصفات. - الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشى (٢٠٤ هـ) قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول -وقد ذكر كثيراً من صفات الله كالوجه واليدين والضحك ونحو ذلك-: (فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله ﷺ ، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ. ومراده بقوله "فإن هذه المعاني" أي معاني صفات الله تعالى، فدل على أنها ألفاظ ذات معنى، ليست كالحروف المعجمة. وقوله بوجوب الدينونة على سماعها بحقيقتها، تأكيد لعلمهم بمعانيها، وما دلت عليه، ولأجل ذلك حذر من أمرين: التشبيه في الإثبات، والتعطيل في التنزيه.

стр. 155

- يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي (٢٠٦ هـ) وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: (من زعم أن ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،: على خلاف ما يَقِر في قلوب العامة فهو جهمي) (١) اهـ. قال الذهبي: ("يَقِر" مخفف، والعامة مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء. وهذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم لنقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً أو قياساً للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحداً من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم) (٢) اهـ. وهذا دليل على كون العامي من المسلمين يفهم معاني الصفات، بما علمه من اللغة العربية التي تعرف إلينا بها.

стр. 156

- بشر بن عمر بن الحكم الزهراني أبو محمد البصري (٢٠٧ هـ) قال: (سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، قال: على العرش استوى: ارتفع) (١) اهـ. - الإمام المشهور أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادى الهروى (٢٢٤ هـ) قال العباس بن محمد الدوري: (سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروي فيه الرؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا لا يفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره) (٢) اهـ.

стр. 157

وهذا ظاهر في أن الذي جهله السلف من صفات الله تعالى هو الكيفية لا المعنى، إذ كان مفهوماً لديهم بما يعرفون من لغة العرب التي خوطبوا بها. وقول أبي عبيد: "ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره" يوضح معنى قول السلف ﵏ عن آيات الصفات "لا تُفسّر"، وأن المراد بالتفسير المنهي عنه هو السؤال والبحث عن الكيفية، لا السؤال عن المعنى، إذ المعنى معلوم بمقتضى اللغة العربية التي أنزل الله بها كتابه تبياناً لكل شيء، وجعله هدىً ورحمة، وهذا أحد نوعي التفسير المنهي عنه في صفات الله. وأما الثاني فهو تفسير المعطلة والمؤولة الذين يصرفون الكلام عن ظاهره إلى مجازات الكلام. قال الذهبي معلقاً على كلام إبي عبيد: (قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم وما أبقوا ممكناً، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلا -أي صرفها عن ظاهرها-، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغاً أو حتماً لبادروا إليه، فعلم قطعاً أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك ونسكت اقتداءاً بالسلف، معتقدين أنها صفات لله تعالى استأثر الله بعلم حقائقها -أي حقيقة

стр. 158

ما هي عليه-، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطق بها والرسول ﷺ بلّغ وما تعرض لتأويل مع كون الباري قال ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ النحل٤٤، فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (١) اهـ. - عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني (٢٣٠ هـ) قال في مناظرته الشهير المعروفة بـ"الحيدة": (فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما تقول العرب "استوى فلان على السرير" فيكون السرير حوى فلاناً وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا. باب من البيان لذلك: يقال له: أما قولك كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يخبرهم كيف كذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله) (٢) اهـ.

стр. 159

فانظر يا رعاك الله كيف بيّن الكناني ﵀ أن الاستواء معلوم من كتاب الله، يجب الإيمان باتصاف الله به، وأن المجهول هو الكيف، إذ لا يُعلم كيفية الشي حتى يُرى أو يُرى مثيله. فلم ينكر الكناني دعوى الجهمي في إثبات الاستواء المعلوم معناه لله تعالى، والذي هو في حق المخلوق كما وصف الجهمي، وإنما أنكر ما ظن الجهمي أنه لازم لذلك وهو أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق. - الإمام الحافظ يحيى بن معين (٢٣٣ هـ) روى ابن عبد البر بسنده عن ابن وضاح قال: سألت يحيى بن معين عن التنزل. فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول. كل من لقيت من أهل السنة يصدق بحديث التنزل. قال: وقال لي ابن معين: صدق به ولا تصفه) (١) اهـ. وقال: (إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أن أؤمن برب يفعل ما يريد) (٢) اهـ.

стр. 160

- مصعب بن عبد الله بن مصعب أبو عبد الله الزبيرى المدنى (٢٣٦ هـ) قال: (إن الله يتكلم بغير مخلوق، وإنه يسمع بغير ما يبصر، ويبصر بغير ما يسمع، ويتكلم بغير ما يسمع، وإن كل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع غيره، ولست أقول إن كلام الله وحده غير مخلوق. أنا أقول أفعال الله كلها غير مخلوقة، وإن وجه الله غير يديه، وإن يديه غير وجهه. فإن قالوا: كيف؟ قلنا: لا ندري كيف هو؟ غير أن الله أخبرنا أن له وجهاً، ويدين، ونفساً، وأنه سميع بصير. وكل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع عليه الاسم الآخر) (١) اهـ. أي: أن كل اسم دل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، وفي هذا إثبات لمعاني الصفات. - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) قال القاضي أبو يعلى في "إبطال التأويلات": (قال أحمد في رواية أبي طالب: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه) (٢) اهـ. وقال أيضاً: (وقال يوسف بن موسى: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم. وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله إلى

стр. 161

السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال: اسكت عن هذا وغضب وقال: مالك ولهذا! امض الحديث على ما روي) (١) اهـ. وقوله عن النزول: "كيف شاء من غير وصف"، دليل على أنهم علموا المعنى بمقتضى اللغة، وجهلوا الكيفية ومنعوا من الخوض فيها. وإنكاره على تأويل النزول بالعلم وغضبه من ذلك دليل على بطلان التأويل، وأن المعنى ظاهر بوضع اللغة، وهو يفسر معنى إمرار الصفات على ما جاءت، وأنه حملها على ما دل عليه ظاهر لفظها، فإن ظاهر قوله "ينزل ربنا" نزوله بنفسه، لا بعلمه أو نزول أمره، ولذلك غضب منه، وأمر أن يُمر الحديث كما جاء. وقال الإمام أحمد: (يضحك الله تعالى، ولا يُعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول، وتثبيت القرآن. وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي، قال: هو صدوق، وقد كتبت عنه شيئا من الرقائق، ولكن حُكي عنه أنه ذكر حديث الضحك، فقال: مثل الزرع إذا ضحك، وهذا كلام الجهمية) (٢) اهـ.

стр. 162

وإثبات الإمام أحمد صفة الضحك لله، مع نفي الكيفية يدل على أن الضحك معلوم لديه، وأن الكيفية مجهولة، ولذلك أنكر على من فسر الضحك بخلاف ظاهره وقال: كضحك الزرع، وجعل هذا كلام الجهمية، وهذا هو التفسير الذي كان ينهى عنه السلف، وهو تفسير اللفظ بخلاف ظاهره، وإخراجه عن حقيقته، فوازن بين تفسير الجهمية هذا، وبين تفسير الأشاعرة لضحك الله ستجدهما سواء. وقال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله: حرب محدِّث، وأنا عنده بحديث: «يضع الرحمن فيها قدمه»، وعنده غلام، فأقبل عليَّ الغلام فقال: إن لهذا تفسيراً؟ فقال أبو عبد الله: انظر كما تقول الجهمية سواء) (١) اهـ. وقال المروذي: (سألت أبا عبد الله: يضع قدمه؟ فقال: نمرها كما جاءت) (٢) اهـ. وهذا يؤكد ما سبق ذكره من أن المراد بقول السلف في الصفات "لا تُفسر"، التفسير المخالف لظاهر اللفظ وهو تفسير الجهمية والمعطلة. وأن قولهم "تمر كما جاءت" أي على ظاهرها المعروف في اللغة من غير تحريف لمعنى آخر.

стр. 163

لأن الإمام أحمد بين أن قول الغلام: إن لصفة القدم لله تفسيراً، أنه قول الجهمية، ومعلوم أن الجهمية إنما كانت تتأول هذه الصفة وتصرفها عن ظاهرها، ولا يثبتونها صفة لله تعالى في ذاته، مما يدل على أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية، وهو إخراج اللفظ عن ظاهره إلى التأويلات المتكلفة. وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى، ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يقال لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها، ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُفي ذلك وأُحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم له، مثل حديث الصادق والمصدوق، وما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات ... ) ثم قال بعد حديث رؤية النبي ﷺ ربه: (ولكن نؤمن به كما

стр. 164

جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً) (١) اهـ. وقال أبو بكر المروزي: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الأحاديث التي يردها الجهمية في الصفات، والإسراء، والرؤية، وقمة العرش؟ فصححها وقال: «قد تلقتها العلماء بالقبول، تسلم الأخبار كما جاءت». قال أبو بكر المروزي: وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه أن يحدثا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية، فقال أبو عبد الله: "حدثوا بها، قد تلقتها العلماء بالقبول". وقال أبو عبد الله: "تسلم الأخبار كما جاءت") (٢) اهـ. - عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري (٢٧٦ هـ) قال في "الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية" فيما يتعلق بأحاديث الصفات: (وعدْل القول في هذه الأخبار: أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية وبالتجلي، وأنه يعجب، وينزل إلى السماء، وأنه على العرش استوى، وبالنفس، واليدين، من غير

стр. 165

أن نقول في ذلك بكيفية أو بحد، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت. فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غداً إن شاء الله) (١) اهـ وقال أيضاً في "تأويل مختلف الحديث" في الرد على من أنكر على السلف إثبات الأصابع لله على الحقيقة اللائقة به: (قالوا: حديثٌ في التشبيه يكذبه القرآن وحجة العقل، قالوا: رويتم أن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله ، فإن كنت أردتم بالأصابع ههنا النعم، وكان الحديث صحيحاً فهو مذهب، وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها، فإن ذلك يستحيل لأن الله تعالى لا يوصف بالأعضاء ولا يشبه بالمخلوقين وذهبوا في تأويل الأصابع إلى أنه النعم .. ) إلى أن قال: قال أبو محمد: (ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح، وأن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث، .. -ثم بين امتناع أن يكون مجازاً ثم قال: فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههنا؟ قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر "يحمل الأرض على أصبع وكذا على أصبعين"، ولا يجوز أن تكون الإصبع ههنا نعمة، وكقوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، ولم يجز ذلك. ولا نقول أصبع كأصابعنا

стр. 166

ولا يد كأيدينا ولا قبضة كقبضاتنا لأن كل شيء منه لا يشبه شيئاً منا) (١) اهـ. وهذا كما ترى صريحٌ في إثبات السلف حقائق صفات الله، وفهمهم لمعناها، وهو الأمر الذي خالفهم فيه الجهمية والمعطلة فأنكروا بجهلهم على السلف إثبات الأصابع بعينها، كما نقل عنهم قولهم "وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها فإن ذلك يستحيل". وقال في بيان معنى الاستواء: (﴿الرحمن على العرش استوى﴾: أي استقر، كما قال تعالى ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾: أي استقررت) (٢) اهـ. وهذا نص في معنى صفة الاستواء لله تعالى. - الإمام الحافظ محمد بن عيسى الترمذي أبو عيسى (٢٧٩ هـ) قال في سننه في الصفات: (وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه اليد والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا إن معنى اليد ها هنا القوة) (٣) اهـ.

стр. 167

وفيه أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية وهو تحريفهم للصفات عن ظاهرها، وهو خلاف تفسير السلف على مقتضى اللغة العربية. - الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ) قال الدارمي أيضاً في بيان فهم السلف لمعنى المجيء والإتيان لله: (وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوق، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله ﷺ . وقد روى ابن عباس ﵁ في تفسيرها: أن السماء تشقق لمجيئه يوم القيامة، تتنزل ملائكة السماوات، فيقول الناس: أفيكم ربنا؟ فبقولون: لا، وهو آت حتى يأتي الله في أهل السماء السابعة وهم أكثر ممن دونهم، وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في صدر الكتاب، وهو مكذب لدعواك انه إتيان الملائكة بأمره دون مجيئه، لكنه فيهم مدبِّر، ويلك! لو كانت الملائكة هي التي تجيء وتأتي دونه ما قالت الملائكة: "لم يأت ربنا وهو آت" والملائكة آتية نازلة، حين يقولون ذلك) (١) اهـ. وهذا بيان واضح لفهم معنى مجيء الله تعالى، وأنه مجيئه بنفسه.

стр. 168

وقال في رده على المريسي بعد سياقه الأدلة على إثبات صفة العينين لله تعالى من الكتاب والسنة: (فكما نحن لا نكيف هذه الصفات ونكذب بها كتكذيبكم، ولا نفسرها كباطل تفسيركم) (١) اهـ. وهذا صريح في أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية والمعطلة الذين يمنعون اتصاف الله بهذه الصفات في ذاته. - الامام العلامة أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني (٢٨٠ هـ) قال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما في الجامع: (باب القول في المذهب: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم ... )

стр. 169

وذكر الكلام في الإيمان، والقدر، والوعيد، والإمامة، وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة، وغير ذلك، إلى أن قال: (وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم، ويتحرك، ويسمع، ويبصر، وينظر، ويقبض، ويبسط، ويفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويرحم، ويعفو، ويغفر، ويعطي، ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .. ) إلى أن قال: (ولم يزل الله متكلماً عالماً فتبارك الله أحسن الخالقين) (١) اهـ. - سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (٢٨٣ هـ) قال إسماعيل بن علي الأبلي: سمعت سهل بن عبد الله بالبصرة في سنة ثمانين ومئتين يقول: (العقل وحده لا يدل على قديم أزلي فوق عرش محدث نصبه الحق دلالةً وعَلَماً لنا لتهتدي القلوب به إليه ولا تتجاوزه، ولم يُكلِّف القلوب علم ماهية هويته، فلا كيف

стр. 170

لاستوائه عليه، ولا يجوز أن يُقال: كيف الاستواء لمن أوجد الاستواء، وإنما على المؤمن الرضى والتسليم لقول النبي ﷺ : إنه على عرشه) (١) اهـ. وهذا منه صريح في إثبات الاستواء وأنه معلوم معناه وهو: الفوقية والعلو، ولذا فسره بقوله "إنه على عرشه"، وأن الذي يُجهل من ذلك إنما هو الكيفية والماهية. - الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ) قال بعد أن ذكر جملة من الصفات كالوجه واليد والقدم والضحك ونحوها: (فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها مما وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ مما لا تُدرك حقيقة علمه بالفكر والروية. ولا نكفِّر بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه. فإن كان الخبر الوارد بذلك خبراً تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع ... ) (٢) اهـ. فانظر كيف ذكر الصفات ثم قال: "هذه المعاني"، ثم بأوجب الدينونة لله بحقيقتها، أي المعاني.

стр. 171

وتأمل حكمه بالكفر على من بلغته أخبار الصفات ولم يدن بحقيقتها ويشهد بها، وإعذاره من لم تبلغه، ومعلوم أن الجهمية وأصناف المعطلة ما كانوا ينكرون ثبوت ما ورد من صفات الله تعالى في القرآن والأحاديث المتواترة، وإنما يتأولونها ولا يقرون بحقيقتها، وهذا هو محل النزاع بينهم وبين السلف، وهو معاني هذه الصفات وإثبات حقيقة اتصاف الله بها على الوجه اللائق به، وإلا لو كانت المسألة مجرد إقرارٍ بثبوت ألفاظ ونصوص لا تدل على معانٍ، لم ينكره أحد، ولَما طال النزاع بين السلف والمعطلة من الجهمية وغيرهم. فالنزاع إذاً كان على حقائق هذه النصوص وإثبات معانيها لله تعالى، وليس نزاعاً على إثبات النصوص وصحتها. وهذا وجه مهم جداً فتأمله! قال ابن جرير مؤكداً هذا الأمر: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله ﷺ ؟ قيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١. فيقال: الله سميع بصير، له سمع وبصر، إذ لا يعقل مسمى سميعاً

стр. 172

بصيراً في لغة ولا عقل في النشوء والعادة والمتعارف إلا من له سمع وبصر .. ) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه النشبيه) (١) اهـ. فرحمه الله تعالى ما أحسنه وأضحه من مقال. فوازن بين هذا الكلام الفائق الرائق في تقرير معتقد السلف، وبين كلام الأشعريّيْن الذين عدا الطبري ﵀ من جملة الأشاعرة!!! - إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ) قال في بيان فهم السلف لصفة النزول لله بعد ذكره للأحاديث: (وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل) (٢) اهـ. وهذا كلام واضح بين في بيان فهم السلف لمعنى صفة النزول لله، وأن معناه ما دل عليهم ظاهر اللغة من كونه من أعلى إلى

стр. 173

أسفل، ولذا استدل به أهل السنة على علو الله تعالى على خلقه، كما استدل به أبو الحسن الأشعري على الشيء نفسه، وأن السلف إنما كانو ينفون العلم بالكيفية. وقال في صفة الضحك لله: (باب ذكر إثبات ضحك ربنا بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه، لا ولا يشبه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك كما أعلم النبي ﷺ ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي ﷺ مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه) (١) اهـ. قوله "ونسكت عن صفة ضحكه" صريح في أن الذي جهلوه من صفات الله هو الكيفية وصفتها، وليس المعنى. - أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي (من طبقة ابن خزيمة) قال أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي من أفاضل من بخراسان من العلماء والفقهاء وقد أملى اعتقاداً له فقال: (وأن مذهبنا ومذهب أئمتنا من أهل الأثر: أن الله احد لا شريك له .. )

стр. 174

إلى أن قال: (ونؤمن بصفاته أنه كما وصف نفسه في كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ونؤمن بما ثبت عن رسول الله ﷺ من صفاته جل وعلا بنقل العدول، والأسانيد المتصلة التي اجتمع عليها أهل المعرفة بالنقل أنها صحيحة ثابتة عن نبي الله ﷺ ، ونطلقها بألفاظها كما أطلقها، وتعتقد عليها ضمائرنا بصدق وإخلاص أنها كما قال ﷺ ، ولا نكيف صفات الله ، ولا نفسرها تفسير أهل التكييف والتشبيه، ولا نضرب لها الأمثال، بل نتلقاها بحسن القبول تصديقاً، ونطلق ألفاظها تصريحاً كما قال الله في كتابه، وكما قال رسول الله ﷺ ، ونقول: إن صفات الله كلها غير مخلوقة، ليس من كلامه وعلمه وصفاته شيء مخلوق، جل الله تعالى عن صفات المخلوقين، والكيف عن صفات الله مرفوع. ونقول كما قال السلف من أهل العلم الزهري وغيره: على الله البيان وعلى رسول الله البلاغ، وعلينا التسليم، ونؤدي أحاديث رسول الله ﷺ كما سمعنا، ولا نقول في صفات الله كما قالت الجهمية والمعطلة، بل نثبت صفات الله تعالى بإيمان وتصديق. قال الأوزاعي: أقروا بأحاديث رسول الله ﷺ ، وأمروها كما جاءت) (١) اهـ.

стр. 175

وهذا يبين لنا معنى التفسير الذي نهى عنه السلف في صفات الله، وهو تفسير أهل التكييف، وتفسير أهل التعطيل. وأما تفسير الكلام على ما تعرفه العرب من لغتها فهذا مذهب السلف. - أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (٣٦٠هـ) قال في عقيدته التي ألفها فكتبها الخليفة القادر بالله وجمع الناس عليها وأمر وذلك في صدر المائة الخامسة وفي آخر أيام الإمام أبي حامد الاسفرائيني شيخ الشافعية ببغداد وأمر باستتابة من خرج عنها من معتزلي ورافضي وخارجي فمما قال فيها: (وهو السميع بسمع، والبصير ببصر، يعرف صفتهما من نفسه، ولا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز) (١) اهـ. - إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (٣٦٩ هـ) قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها

стр. 176

العلماء بالقبول -أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها- فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها، لأن الرسول ﷺ لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعاً ما قبلوا.) (١) اهـ. وهذا صريح أيضاً في كون الصحابة فهموا معنى الصفات، وهو ما دل عليه ظاهرها، وأن سكوت العلماء عن السؤال عن معانيها دال على فهمهم لمعانيها. - الامام الحافظ شيخ الاسلام أبو بكر احمد بن إبراهيم الاسماعيلي الشافعي (٣٧١ هـ) قال في "اعتقاد السنة": (اعلموا رحمكم الله أن مذاهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله، وما صحت به الرواية عن رسول الله، لا معدل عما وردا به، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه، خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان بلا اعتقاد كيف، استوى على العرش بلا كيف، فإنه

стр. 177

انتهى إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان استواؤه) (١) اهـ. - أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (٣٨٤ هـ) قال: (فمن علامات المؤمنين أن يصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ مما نقلته العلماء، ورواه الثقات من أهل النقل، الذين هم الحجة فيما رووه من الحلال والحرام والسنن والآثار، ولا يقال فيما صح عن رسول الله ﷺ : كيف؟ ولا لم؟ بل يتبعون ولا يبتدعون، ويسلمون ولا يعارضون، ويتيقنون ولا يشكون ولا يرتابون، فكان مما صح عن النبي ﷺ رواه أهل العدالة ومن يلزم المؤمنين قبول روايته وترك مخالفته: أن الله تعالى يضحك، فلا ينكر ذلك ولا يجحده إلا مبتدع مذموم الحال عند العلماء، داخل في الفرق المذمومة وأهل المذاهب المهجورة، عصمنا الله وإياكم من كل بدعة وضلالة برحمته) (٢) اهـ. - أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري (٣٨٦ هـ) قال في كتاب "السنة": (أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء

стр. 178

الدنيا كما قال النبي ﷺ ، من غير أن يقال: كيف؟. فإن قيل: يَنزِل أو يُنزِل؟ قيل: يَنزل بفتح الياء وكسر الزاي. ومن قال: يُنزل بضم الياء فقد ابتدع. ومن قال: يُنزل ضياءاً ونوراً فهذا أيضاً بدعة، وردّ على النبي ﷺ . قال: ومما نعتقد أن لله عرشاً، وهو على العرش، والعرش مخلوق من ياقوتة حمراء، وعلمه تعالى محيط بكل مكان، ما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، ومن قال: العرش ملك، أو الكرسي ليس بالكرسي الذي يعرف الناس فهو مبتدع، قال الله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ البقرة٢٥٥، والعرش فوق السماء السابعة، والله تعالى على العرش، قال الله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠، وقال: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾ آل عمران٥٥، وقال: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ المعارج٤، وقال: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦، وللعرش حملة يحملونه على ما شاء الله من غير تكييف والاستواء معلوم والكيف مجهول) (١) اهـ.

стр. 179

- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ) قال في "التوحيد": (أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى ﷺ ، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها .... فمن الصفات التي وصف بها نفسه ومنح خلقه (الكلام) فالله تكلم كلاماً أزلياً غير معلم ولا منقطع، فيه يخلق الأشياء، وبكلامه دل على صفاته التي لا يُستدرك كيفيتها مخلوق ولا يبلغ وصفها واصف. والعبد يتكلم بكلام محدث معلم مختلف فان بفنائه ... - ثم ذكر صفة الوجه، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والرحمة، ثم قال: فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ... ففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما

стр. 180

يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه رسوله ﷺ ، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.) (١) اهـ. ولا أظن كلامه يحتاج إلى توضيح، فهو أوضح من أن يُوضح. - الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ) قال في رسالته إلى أهل زبيد: (الفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات. وقد زعموا أن أصحاب الحديث يعتقدون ما في الأحاديث من ذكر الصفات على ظاهرها ويثبتون لله سبحانه الكف والأصابع والضحك والنزول وأنه في السماء فوق العرش وهذه من صفات الأجسام حتى قال بعض سقاطهم "ما بين شيوخ الحنابلة، وبين اليهود إلا خصلة واحدة".
следующие страницы →