زائلة بفنائه غير باقية، وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى ﷺ ، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويله) (١) اهـ.
وقال في إبطال المجاز في صفات الله: (ودليل آخر: أن من حمل اللفظ على ظاهره، وعلى مقتضى اللغة حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفات الله تعالى) (٢) اهـ.
وقال في كلام له نفيس وهو يقرر أن الصفات على حقيقتها من غير تأويل: (قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة. .. ) إلى أن قال: (والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان ... ) ثم ذكر معاني الاستواء في اللغة وهي التقويم والمماثلة والقصد والعلو، ثم قال: (قال أهل السنة: الاستواء هو العلو. قال الله تعالى: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ المؤمنون٢٨، وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة
стр. 107
-أي التقويم والمماثلة والقصد- لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه -أي العلو- مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه، معلوم كيفيته لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأن الخالق لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى كما قال: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ آل عمران٧.
وكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وقوله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧، وقول النبي ﷺ : (حتى يضع الجبار فيها قدمه). (إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن). وقوله: (يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع). فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان به واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل. وهذا لأن اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة ..... ) ثم ذكر معانيها في اللغة فذكر النعمة، والنصرة، والملك، والتصرف، وبين امتناع إرادة هذه المعاني في حق ما ورد من آيات
стр. 108
ذكر اليد لله تعالى ثم قال: (ومنها اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، المجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى، وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها. وهكذا قوله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧، للوجه في كلام العرب معان .. ) ثم ذكر منها الجاه، والقدر، وأول الشيء، والجهة، وبين امتناعها في حق ما ورد من ذكر الوجه لله تعالى في القرآن، ثم قال: (ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، كونه معلوماً بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة.
وكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) وقوله: (حتى يضعه في كف الرحمن). وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئاً من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب فهو معلوم بالحديث، مجهول بالكيفية.
وكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون
стр. 109
الإصبع معلوماً بقوله ﷺ ، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته) (١) اهـ.
وهذا كلام بيّن واضح جلي في إثبات أن الصفات على حقيقتها المعروفة من لغة العرب، مع النفي التشبيه، والجهل بالكيفية.
- أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (٥٦١ هـ)
قال في كتاب "الغنية": (والماء فوق الأرض السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله تعالى على العرش، ودونه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة، وما هو أعلم به .... وهو سبحانه منزه عن مشابهة خلقه، ولا يخلو من علمه مكان، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، - وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، لا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشعرية،
стр. 110
ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، إلى أن قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، فالاستواء من صفات الذات ...
وأنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف شاء وكما شاء، فيغفر لمن أذنب، لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه كما ادعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك ... ثم ذكر آثار السلف) (١) اهـ.
وقال في كتابه "تحفة المتقين وسبيل العارفين" في باب اختلاف المذاهب في صفات الله ، وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ آل عمران٧، قال: (والله تعالى بذاته على العرش وعلمه محيط بكل مكان، ... لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته) (٢) اهـ.
- تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (٦٠٠ هـ)
قال: (وتواترت الأخبار وصحت الآثار بان الله ينزل
стр. 111
كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي عنه حقيقة النزول) (١) اهـ.
وفيه: أن طريقة السلف في الصفات: إثبات حقيقة بلا تمثيل، وتنزيه مماثلة بلا تعطيل.
- أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (٦٧١هـ)
قال في إثبات حقيقة الاستواء لله في تفسير قوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف ٥٤: (وقد كان السلف الأُوَل ﵃ لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.
قال مالك ﵀: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة ﵂. وهذا القدر كاف) (٢) اهـ.
стр. 112
- الإمام أبو العباس عماد الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي الحزّامي المعروف بـ (ابن شيخ الحزّاميين) (٧١١ هـ)
قال في وصف عقيدة أهل السنة والجماعة المتبعين للصحابة والتابعين: (وأمرّوا الصفات كما جاءت بلا تأويل، ولا تعطيل، ولا تشبيه، وأثبتوا حقائقها لله كما يليق به من الاستواء أو النزول وجميع الصفات .. ) (١).
- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)
نقل في "العلو" عن أبي الطيب قوله: "حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث نزول الرب: فالنزول كيف هو؟ يبقى فوقه علو؟ فقال: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فقال معلقاً: ( ... فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (٢) اهـ.
стр. 113
ونقل أيضاً قول أبي أحمد القصاب في عقيدته: "لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز" ثم قال: ( ... ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن يكون صفات الله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً، وصفاته ليست مجازاً، فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها) (١) اهـ.
وقال أيضاً في تعليقه على قول ابن عبد البر "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئاً من ذلك ... ": (صدق والله، فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم، كم نقل عن حماد بن زيد أنه قال: مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة. قيل: لها سعف؟ قالوا: لا. قيل: فلها كرب؟ قالوا: لا. قيل: لها رطب وقنو؟ قالوا: لا. قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا. قيل: فما في داركم نخلة) (٢) اهـ.
وقال ابن رجب في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي: (قرأت بخط الإمام الحافظ الذهبي رداً على من نقل الإجماع على
стр. 114
تكفيره: أما قوله "أجمعوا" فما أجمعوا، بل أفتى بذلك بعض أئمة الأشاعرة ممن كفروه، وكفرهم هو، ولم يبد من الرجل أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين من أن الصفات الثابتة محمولة على الحقيقة لا على المجاز، أعني أنها تجري على مواردها لا يعبر عنها بعبارات أخرى كما فعلته المعتزلة أو المتأخرون من الأشعرية، هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شئ) (١) اهـ.
- الإمام الحافظ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير (٧٧٤ هـ)
له ﵀ رسالة باسم (الاعتقاد) أبان فيها عن معتقده فقال ما لفظه: (فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك، وجب اعتقاد حقيقة ذلك من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله ورسوله ﷺ من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك) (٢) اهـ.
стр. 115
- الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ)
قال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض. وأن الرسول ﷺ أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.) (١) اهـ.
وهذا ظاهر في أن النزول الثابت لله في الثلث الأخير من الليل هو على حقيقته اللائقة بالله، وهو ما كان من علو، ولذلك أورد المعترضون من أهل البدع على إثبات حقيقته من كونه يلزم منه أن يكون الله نازلاً على الدوام لما انقدح في أذهانهم من التشبيه، وهو غير لازم إذ ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١.
وقال تعليقاً على من شنّع من الأشاعرة على الحافظ عبد الغني المقدسي قوله "ولا أنزهه تنزيهاً ينفي عنه حقيقة النزول" وأغروا على ذلك السلطان: (وأما قوله "ولا أنزهه تنزيهاً ينفي عنه حقيقة النزول" فإن صح هذا عنه، فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة
стр. 116
علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك) (١) اهـ.
- الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (١٠١٤ هـ)
قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام .. ) (٢) اهـ.
стр. 117
فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري
قال في رسالته إلى أهل الثغر: (الإجماع الخامس: وأجمعوا على أن صفته لا تشبه صفات المحدثين، كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين، واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن له هذه الصفات لم يكن موصوفا بشيء منها في الحقيقة، من قِبَل أن من ليس له حياة لا يكون حياً، ومن لم يكن له علم لا يكون عالماً في الحقيقة، ومن لم يكن له قدرة فليس بقادر في الحقيقة، وكذلك الحال في سائر الصفات، ألا ترى من لم يكن له فعل لم يكن فاعلاً في الحقيقة، ومن لم يكن له إحسان لم يكن محسناً، ومن لم يكن له كلام لم يكن متكلماً في الحقيقة، ومن لم يكن له إرادة لم يكن في الحقيقة مريداً، وأن من وُصف بشيء من ذلك مع عدم الصفات التي توجب هذه الأوصاف له لا يكون مستحقاً لذلك في الحقيقة، وإنما يكون وصفه مجازاً أو كذباً، ..... إلى أن قال: وذلك أن هذه الأوصاف مشتقة من أخص أسماء هذه الصفات ودالة عليها، فمتى لم توجد هذه الصفات التي وصف بها كان وصفه بذلك تلقيباً أو كذباً، فإذا كان الله موصوفاً بجميع هذه الأوصاف في صفة الحقيقة وجب إثبات الصفات التي أوجبت هذه الأوصاف له في الحقيقة وإلا كان وصفه بذلك مجازا) (١) اهـ.
стр. 118
وقال في "الإبانة": (مسألة: فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: ﴿مما عملت أيدينا﴾ يس٧١، وقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، على المجاز؟
قيل له: حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة، ... كذلك قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يُعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة، ... بل واجب أن يكون قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي وهو يعني النعمتين) (١) اهـ.
وقال في "مقالات الإسلاميين" في إثبات حقيقة اليدين لله تعالى، وبيان انحراف معتقد المعتزلة: (وكان - أي عباد بن سليمان المعتزلي - يُنكر قول من قال أن لله وجهاً، وينكر القول: وجه الله، ونفس الله، وينكر القول: ذات الله، وينكر أن يكون الله ذا عين، وأن يكون له يدان هما يداه.) (٢) اهـ.
стр. 119
المبحث الثالث
بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه
خلاصة الفصل:
أولاً: بهذه الأدلة من الكتاب والسنة والنقولات عن أئمة السنة، يتبين لكل ذي عقل أن أهل السنة والجماعة يثبتون جميع صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة لا على المجاز، إثباتاً منزهاً عن التمثيل والتكييف، وتنزيهاً بلا تأويل وتحريف وتعطيل.
وبهذا يفارقون طائفتين: المعطلة الذين ينفون حقائق الصفات ويدعون فيها المجاز بحجة التنزيه، والمشبهة الذين الذين يجعلون حقيقة صفات الله كحقيقة صفات خلقه، بحجة الإثبات.
ثانياً: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في هذا الأصل العظيم، مما يستلزم أن يوافقه كل من انتسب إليه، وإلا كان انتسابهم إليه دعوى مجردة.
стр. 120
[بطلان إنكار حقائق الصفات لله]
ثالثاً: بطلان ما ادعاه الأشعريان من إنكار نسبة حقائق الصفات لله تعالى حيث قالا (ص ٧٤): (أما الذي يأباه العقل والنقل فهو نسبة حقائق هذه الألفاظ اللغوية لله تعالى) اهـ.
فليت شعري أي عقل هذا الذي يزعمونه وأي نقل هذا الذي يأثرونه!!!
وقالا (ص٢٤٢): (إن أريد بإثبات الصفات إثباتها على ما جاءت دون تفسير، ولا تعيين معنى، وإنما يُكتفى بتلاوتها والسكوت عليها، وذلك -قطعاً- بعد صرفها عن ظاهرها المحال في حق الله تعالى، ولا يقال بالذات أو حقيقة، فذلك حق لا ريب فيه) اهـ.
والأعجب منه ادعاؤهما: أن هذا هو مذهب السلف قاطبة، ولم ينقلا حرفاً واحداً عن أحد من السلف قط.
كيف؟ ونصوص السلف صريحة في إبطال هذه الدعوى، وبيان وجوب حمل كلام الله على حقيقته التي تقتضيها اللغة التي أنزل الله بها كتابه، وتعرّف بها إلى عباده.
وبه يتبين جهل هذين الأشعريّيْن بمذهب السلف، وبعدهما عن طريقتهم.
[صحة إطلاق لفظ "بذاته" و"حقيقة" والجواب على من استنكرها]
رابعاً: صحة تأكيد الإثبات في صفات الله تعالى بقول: "حقيقة"،
стр. 121
أو "بذاته"، وأنه وارد عن السلف الأئمة، وهو الأمر الذي أعظما فيه النكير، جهلاً منهما بكلام السلف وأصولهم.
فقالا (ص١٢٣): (أن لفظة "بذاته" لم ترد في كتاب ولا سنة ولا على لسان أحد من الصحابة أو التابعين .... فإن لفظة "بذاته" إذا ذُكرت مع هذه الألفاظ أو ما شاكلها حصرت معانيها في المعنى الحسي الجسماني، فلا يقال مثلاً "استوى بذاته"، و"ينزل بذاته"، و"يجيء بذاته"، ثم يقال: لا كاستوائنا، ولا كنزولنا، ولا كمجيئنا، لأن هذا تناقض صريح) اهـ.
وقالا (ص١٣٨): (نخلص من هذا إلى أن القول بأن الله ساكن السماء، أو أنه على العرش بذاته، أو ينزل بذاته، أو استوى بذاته، أو على الحقيقة .... كل ذلك وصف لله بما يستحيل في حقه تعالى عقلاً ونقلاً .. ) اهـ.
فيقال لهما:
أولاً: قد سبق نقل كلام كثير من أئمة السلف بزيادة "حقيقة"، وزيادة "بذاته"، بل قد نقل أبو نصر السجزي الإجماع على ذلك.
فقال في كتاب "الإبانة": (وأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي،
стр. 122
متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان) (١) اهـ.
وسبقه المزني حيث قال في شرح أصول السنة: (عالٍ على عرشه في مجده بذاته) (٢). ثم حكى الإجماع عليه كما سبق نقله.
ونقل الطلمنكي وابن عبد البر الإجماع على ذلك أيضاً كما سبق.
وقال الذهبي في "العلو": (قال الإمام أبو محمد بن أبي زيد المغربي شيخ المالكية في أول رسالته المشهورة في مذهب مالك الإمام: "وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه".
قال الذهبي: وقد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي
стр. 123
في كتاب الإبانة له، فإنه قال: "وأئمتنا كالثوري، ومالك، والحماد، وابن عيينة، وابن المبارك، والفضيل، وأحمد، وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان"، وكذلك أطلقها ابن عبد البر كما سيأتي، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، فإنه قال: "وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه"، وكذا قال أبو الحسن الكرجي الشافعي في تلك القصيدة:
عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث.
وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ، والشيخ عبد القادر الجيلي والمفتي عبد العزيز القحيطي وطائفة.
والله تعالى خالق كل شيء بذاته، ومدبر الخلائق بذاته، بلا معين ولا مؤازر، وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه تعالى معنا، وبين كونه تعالى فوق العرش، فهو كما قال، ومعنا بالعلم، وأنه على العرش كما أعلمنا حيث يقول ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمناه .. ) (١) اهـ.
стр. 124
ثانياً: أن قولهما عن لفظة "بذاته": (لم ترد في كتاب ولا سنة ولا على لسان أحد من الصحابة أو التابعين): عجب منهما، وتناقض صريح، فلا أدري هل يأثران هما شيئاً من كلامهما في الصفات، وتأويلها، عن أحد من الصحابة أو التابعين أو الأئمة؟!!
وصدق القائل: "رمتني بدائها وانسلت".
ثالثاً: أن قول من قال من السلف "بذاته" هو من باب التأكيد والتنصيص، والرد على المعطلة الذين يفسرون صفات الله تعالى بما قام بغيره، وينكرون أن يقوم بذات الله تعالى صفة متعلقة بمشيئته، فيقولون: نزوله: نزول أمره، ومجيئه: مجيء ثوابه، وهكذا.
وكذا قولهم "حقيقة" تأكيد لحقيقة الصفة، ورد على من جعلها مجازاً.
ومعلوم أن الخبر وقع عن نفس ذات الله تعالى لا عن غيره، كما في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،، وقول النبي ﷺ : "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا"، وهذا خبر عن مسمى هذا الاسم العظيم.
стр. 125
ومثاله ما لو قلت: عمرو عندك، وزيد قائم، فإنما أخبرت عن الذات لا عن الاسم، فقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ الزمر٦٢، هو خبر عن ذات الرب تعالى، فلا يحتاج المخبر أن يقول: خالق كل شيء بذاته، وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه فإنما هو خبر عن ذاته.
لكن لما ظهر من أهل البدع والمعطلة من يحعل صفات الله تعالى مجازات، نص السلف على كونها حقيقة، ولما ظهر منهم من يجعل ما وصف الله تعالى به نفسه هو ما قام بغيره، كمن يقول: نزول أمره، ومجيء ملائكته، نص السلف على كونها صفة ذاته.
وكيف يعيبان ذلك وقد قالا مدافعين عمن قال "لفظي بالقرآن مخلوق" - مع كونه قول متأخري الجهمية- كالكرابيسي وابن كلاب وغيرهما (ص٥٧): (وإننا متيقنون بأنهم ﵏ لم يقولوا هذا القول دون أن تدعو له حاجة، كلا، وحاشاهم أن يتكلموا بشيء سكت عنه الصحابة والتابعون، لكنهم لمّا رأوا الناس تقحموا هذا الباب، وخاضوا في هذا المر، وحملوه على غير وجهه، اضطروا إلى الكلام فيه تبياناً للحق، وكفّاً للناس عن ذلك) اهـ.
فهذا اعتذاركم عن مقولة باطلة، فهلا عذرتم من قال بالحق وأكده!!!
قال الذهبي معلقاً على كلام القصاب: (وكان أيضاً يسعه
стр. 126
السكوت عن "صفة حقيقة" فإننا إذا أثبتنا نعوت الباري وقلنا تُمر كما جاءت، فقد آمنا بأنها صفات، فإذا قلنا بعد ذلك: صفة حقيقة وليست بمجاز، كان هذا كلاماً ركيكاً نبطياً مغلثاً للنفوس فليهدر، مع أن هذه العبارة وردت عن جماعة، ومقصودهم بها أن هذه الصفات تمر ولا يُتعرض لها بتحريف ولا تأويل، كما يُتعرض لمجاز الكلام والله أعلم. وقد أغنى الله تعالى عن العبارات المبتدعة، فإن النصوص في الصفات واضحة، ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن يكون صفات الله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً، وصفاته ليست مجازاً، فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها) (١) اهـ.
وهذا من الذهبي صريح بأن معنى: كون الصفات حقيقة، أو أنه متصف بها بذاته، حق، ولكن لا يُحتاج إلى زيادة "حقيقة" أو "بذاته"، لا لكون المعنى باطلاً، بل لكونه ظاهراً بلا حاجة للزيادة.
إذ من المعلوم في لغة العرب أنه إذا قيل: سمع زيد، وكلام زيد، ونزول زيد، فهو حقيقة لا مجاز، إلا أن يقترن باللفظ ما يدل على كونه مجازاً. إذ أن قاعدة اللغة: أن الأصل في الكلام الحقيقة والإفراد، لا المجاز والاشتراك.
стр. 127
ويقال لهؤلاء: كيف سوغتم لأنفسكم هذه الزيادات في النفي كنفي الجهة والحيز ونحو ذلك، والتقصير في الإثبات على ما أوجبه الكتاب والسنة، وأنكرتم على أئمة الدين ردهم لبدعة ابتدعها أهل التعطيل والتجهيم مضمونها إنكار حقائق صفات الله تعالى، وعبروا عن ذلك بعبارة كقولهم "حقيقة" و "بذاته"، فأثبتوا تلك العبارة ليبينوا ثبوت المعنى الذين نفاه أولئك؟! وأين في الكتاب والسنة أنه يحرم رد الباطل بعبارة مطابقة له، فإن هذه الألفاظ لم تثبت صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينت ما عطله المبطلون من حقيقة اتصافه بصفات الكمال.
رابعاً: أن ما أنكراه من قول: "أن الله ساكن السماء"، قد قاله إمامهم أبو الحسن الأشعري نفسه، مستدلاً به على علو الله تعالى، وذكر أنه قول جميع المسلمين!!
فقال: (ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعاً: يا ساكن السماء) (١) اهـ.
وهذا أمر مثير للاستغراب والحيرة، ألا وهو كثرة إنكارهما لأمور قد نص عليها أبو الحسن الأشعري نفسه في كتبه، حتى ليظن الناظر أنهما ألفا كتابهما رداً على أبي الحسن الأشعري، لا انتصاراً له؟!!
стр. 128
فرع في إبطال شبهتهما في هذا الباب:
يقال للأشعريّيْن: سبحان الله!! وهل كان صراع السلف مع الجهمية والمعتزلة إلا على إثبات حقائق صفات الله تعالى، فإن السلف كانوا يثبتون صفاته تعالى على الحقيقة، ويأبى ذلك الجهمية والمعتزلة بدعوى التشبيه، وإلا فلو كان الجميع متفقين على كونها من مجازات الكلام لما صار بين السلف والمعطلة خصومة، ولدامت بينهما المودة والألفة.
ولأجل هذا أكد السلف هذا الأمر فأثبتوا صفات الله تعالى على الحقيقة، ولم يعبأوا بتشنيع الجهمية والمعتزلة، بل حذروا من أن يُخدع المسلم بذلك، وألفوا الكتب والرسائل رداً عليهم وإبطالاً لدعواهم.
стр. 129
ومن ظن أن حقيقة الصفة الثابتة لله هي حقيقة صفة المخلوق فقد زل وضل، فإن هذا لا يقره عقل ولا نقل ولا تقتضيه لغة، إذ الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان لله تعالى ذات حقيقة، وللمخلوق ذات حقيقة، لم يلزم أن تكون حقيقة ذات الله تعالى هي حقيقة ذات المخلوق، كما لا يلزم من حقيقة وجود الله أن تكون هي حقيقة وجود المخلوق. فالله ليس كمثله شيء، وليس له سمي، ولا كفؤ، ولا نظير. والصفات فرع عن الذات، فإذا تباينت الذوات تباينت الصفات، فلا يلزم من إثبات صفات الله تعالى على الحقيقة، أن تكون هي حقيقة صفة المخلوق.
قال ابن الزاغوني في كتابه "الإيضاح":
стр. 130
(فإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقة التي هي صفة لله تعالى ممتنع لعارض يمنع، فليس بصحيح، من جهة أن الباري تعالى ذات قابلة للصفات المساوية لها في الإثبات، فإن الباري تعالى في نفسه ذات ليست بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا ماهية له تعرف وتدرك وتثبت في شاهد العقل، ولا ورد ذكرها في نقل، وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية، وإذا كان الكل مرتفعاً، والمثل بذلك ممتنعاً: فالنفار من قولنا يد مع هذه الحال كالنفار من قولنا ذات، ومهما دفعوا به إثبات ذات مما وصفنا فهو سبيل إلى دفع يد، لأنه لا فرق عندنا بينهما في الإثبات، وإن عجزوا عن ذلك لثبوت الدليل القاطع للإقرار بالذات على ما هي عليه مما ذكرنا فذاك هو الطريق إلى تعجيزهم عن نفي يد هي صفة تناسب الذات فيما ثبت لها من ذلك، وهذا ظاهر لازم لا محيد عنه) (١) اهـ.
وقال الذهبي: (وما أحسن قول نعيم بن حماد الذي سمعناه بأصح إسناد عن محمد ابن إسماعيل الترمذي أنه سمعه
стр. 131
يقول: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهاً".
قلت: أراد أن الصفات تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ في ذاته المقدسة، فكذلك صفاته لا مثل لها، إذ لا فرق بين القول في الذات والقول في الصفات، وهذا هو مذهب السلف) (١) اهـ.
وقال العلامة الألوسي: (قيل: هو مراد مالك وغيره من قولهم: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول، لأن الصفات تنسب إلى كل ذات بما يليق بتلك الذات، وذات الحق ليس كمثله شيء، فنسبة الصفات المتشابهة إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره ، لأن كنه ذات الحق ليس من مدركات العقول لتكون صفته من مدركاتها) (٢) اهـ.
ومن المعلوم أن حقائق صفات المخلوقات متباينة مع اشتراكهم في الخلق، فكيف بالتباين بين الخالق والمخلوق.
فإذا قيل: يد الإنسان، ويد النملة، لم يلزم لغة أن تكون حقيقة يد الإنسان هي حقيقة يد النملة، بل لو قيل يد الباب، ويد الليل، لم
стр. 132
يلزم تماثلهما في الحقائق. ومثل ذلك رأس الإنسان، ورأس الجبل، ورأس الأمر، ووجه الإنسان، ووجه الماء، ووجه الأمر، وهكذا، فكيف لا يلزم من إثبات حقائق الصفات للمخلوقات تماثلها، ويلزم في حق الله تعالى، سبحانك هذا بهتان عظيم.
ومن قال أن صفة اليد والوجه مثلاً عند الإطلاق لا يُفهم منها إلا وجه المخلوق، أو الجارحة، فإن هذا يأباه العقل والشرع واللغة، وهو مبني على دعوى باطلة وهي تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية، والنطق به وحده، وحينئذ فيتبادر منه الحقيقة عند التجرد، وهذا هو الذي أوقع القوم فيما وقعوا فيه، فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي يُنعق بها، لا تفيد فائدة، وهذه الصفات لا توجد مطلقة مجردة، بل لا توجد إلى مضافة لموصوف، فليست هناك يد مطلقة، ولا وجه مطلق، وإنما يُتصور هذا في الأذهان، وليس له حقيقة في الأعيان، فليس في الوجود إلا يد مضافة إلى ذي يد، ووجه مضاف إلى ذي وجه، فإذا أضيفت اليد أو الوجه علم معناها وحقيقتها.
فإذا قال القائل: ضربت الخادم بيدي، فُهم منه يد الإنسان الجارحة، وإذا قيل: خطت الثوب بيدي، فُهم من اليد آلة الخياطة، وإذا قيل: لفلان يد عندي لم أجزه بها، فُهم منها النعمة والإحسان. فهذه "يدٌ" اختلفت معانيها بحسب تركيبها وإضافتها، وفُهم من كل تركيب ما لم يُفهم في التركيب الآخر.
стр. 133
ومما يبطل هذه الدعوى أن يُقال: لو كانت صفات الله مجازاً لا حقيقة لها، لكان صدق نفيها أصح من صدق إطلاقها، ألا ترى أن صحة نفي اسم الأسد عن الرجل الشجاع أظهر وأصدق من إطلاق ذلك الاسم، لكون المجاز يصح نفيه. وبناءاً عليه يكون قول القائل: ليس لله يد، ولا وجه، ولا ينزل، ولا يضحك، ولا يرضى، ولا يجيء، أصح من قوله: لله يد، ووجه، وأنه ينزل، ويضحك، ويرضى، ويجيء. ولا ريب أن هذا عين المحادة لله تعالى، بل هو تكذيب صريح لله ولرسوله. تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
وأما من فرق بين صفة وصفة، فادعى في بعض الصفات أنها حقيقة، وفي الأخرى أنها مجاز، فتحكم محض، فإن هناك ألفاظاً تطلق على الخالق والمخلوق: أفعالها، ومصادرها، وأسماء الفاعلين، والصفات المشتقة منها:
فإن كانت حقائقها ما يُفهم من صفات المخلوقين وخصائصهم، - ولا ريب في انتفاء هذا في حق الله قطعاً - لزم أن تكون جمعيها مجازات في حقه لا حقيقة، فلا يوصف بشيء من صفات الكمال حقيقة، وتكون أسماؤه الحسنى كلها مجازات. وكفى بأصحاب هذه المقالة كفراً.
وإن فرق بين صفة وصفة، طولب بالطريق الذي اهتدى إليه، واستند عليه في التفريق بين النفي والإثبات؟ بالشرع أم بالعقل أم
стр. 134
باللغة؟ فأي شرع أو عقل أو لغة يدل على أن المجيء، والاستواء، والضحك، والرضى، والوجه، واليدين، والعينين، والنزول، ونحوها من الصفات، حقيقة فيما يُفهم من خصائص المخلوقين، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والحياة، حقيقة فيما لا يختص به المخلوق!!!
وسيأتي مزيد من البيان في الفصل الخامس.
[إثبات لوازم الصفة مع نفي حقيقتها تناقض]
ومن غرائب الأشعريّيْن أنهما ينفيان حقيقة الصفة، ويثبتان لوازمها، وهذا لعمر الله من الممتنعات، إذ يمتنع ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها، فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها، فإن الإحسان والثواب من لوازم الرحمة، فثبوت إرادة الثواب والإحسان لله مع انتفاء حقيقة الرحمة ممتنع، فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها ولذلك قال تعالى
﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ التوبة ٢١.
ففرق سبحانه بين رحمته ورضوانه وثوابه المنفصل، فالرحمة والرضوان صفته، والجنة ثوابه، وهذا يبطل قول الأشعريّيْن، بانتفاء صفة الرحمة لله، وإثبات لازمها من إرادة الثواب.
قال عثمان الدارمي في رده على المريسي: (وأما قولك: إن ضحكه رضاه ورحمته، فقد صدقت في بعض، لأنه لا يضحك إلى أحد إلا عن رضى، فيجتمع منه الضحك والرضا. ولا يصرفه إلا عن
стр. 135
عدو، وأنت تنفي الضحك عن الله تعالى، وتثبت له الرضا وحده.) (١) اهـ.
ومثل ذلك لفظ اللعنة، والغضب، والمقت، هي أمور مستلزمة للعقوبة، فإذا انتفت حقيقتها انتفى لازمها. فتدبر!!
ولعل في الفصول القادمة تقرير لهذه المسائل، وتأصيل لها من الكتاب والسنة والإجماع، والعقل.
стр. 136
الفصل الثاني
في إثبات علم السلف بمعاني صفات الله تعالى، وجهلهم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه
وبيان معنى قولهم في الصفات: (بلا كيف) وقولهم: (لا تُفسّر)
تمهيد
لقد أمر الله تعالى عباده بتدبر كتابه فقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ص ٢٩، ولم يقل بعض آياته.
ورغّب في ذلك فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ محمد ٢٤.
وعاب على اليهود الذين لا يتدبرون التوراة، ولا يعرفون منها إلا التلاوة المجردة من غير فهم ولا فقه، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ البقرة ٧٨.
وقد بين النبي ﷺ لأصحابه القرآن لفظه ومعناه، فبلغهم معانيه كما بلغهم ألفاظه.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا من كان يقرئنا من
стр. 137
أصحاب رسول الله ﷺ : أنهم كانوا يأخذون من رسول الله ﷺ عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل) (١).
ومن المعلوم أنه لا يحصل البيان والبلاغ المقصود من إرسال الله تعالى له إلا بذلك.
قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل ٤٤
وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ آل عمران ١٣٨
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ الدخان ٥٨
وقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فصلت ٣، أي بُيّنت وأزيل عنها الإجمال، فلو كانت آياته مجملة مبهمة لم تكن فُصّلت.
وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ النور ٥٤، وهذا البلاغ يتضمن بلاغ المعنى، وأنه مبين أي: في أعلى درجات البيان والتوضيح.
стр. 138
وقال علي ﵁: (ما من شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن رأي الرجل يعجز عنه) (١).
وقال مجاهد: (عرضت المصحف على ابن عباس ﵁ من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها) (٢).
فمن زعم أن النبي ﷺ لم يبلغ الأمة معاني كلام ربه بلاغاً مبيناً، لا سيما في أشرف ما في كتابه من ذكر صفاته تعالى ونعوته، بل يظن أنه بلغهم ألفاظه وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكره أهل التحريف والتأويل، لم يكن شهد له بالبلاغ، وهذه حقيقة زعم الأشعريّيْن.
ولا ريب أن الصحابة ﵃ كانوا أحرص الناس على الخير وأحبهم له، وأعظمهم إيماناً وأكملهم صلاحاً، وأشدهم حباً لله تعالى بعد الأنبياء والرسل. ومن أعظم ما تطمح إليه نفوسهم، وتصبو إليه قلوبهم معرفة خالقهم وإلههم الذي ألهته قلوبهم، حباً له وتعظيماً وخوفاً ورجاءاً، وهذا يستلزم حتماً أن يكونوا أعرف الناس بالله تعالى وبصفاته وأسمائه. فإذا كانوا أحرص الناس على معرفة أحكامه وحلاله وحرامه، فهم لمعرفة صفاته وآلائه وعظمته أشد حرصاً وأعظم طلباً، ومن الممتنع أن تكون صفات الله تعالى التي
стр. 139
نوّعها في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ خافية عليهم، لا يعرفون معانيها، وهم القمة في العلم والهدى.
وهل الهدى والصلاح والتقى إلا فرع وأثر لمعرفة الله تعالى بجميع نعوته وصفاته. وهم بذلك عاملون بما أمرهم ربهم ﵎ من تدبر كتابه، والتفكر فيه، متنكبين طريق الذين ذمهم الله تعالى بعدم فقههم لكلامه، وتَرْك تدبر كتابه.
قال تعالى: ﴿فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ النساء ٧٨.
وقال تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ الأنعام ٩٨
وقال: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ الأنعام ٢٥
فمن ادعى أن الصحابة لا يعرفون معاني صفات الله ونعوته، ونسب إليهم الجهل بها وترك البحث عن معانيها، فقد أعظم عليهم الفرية. بل كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من أئمة الهدى يعرفون معاني صفات الله تعالى التي تعرّف بها إلى عباده في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، ونصوصهم في هذا الباب كثيرة جداً، سبق أن ذُكر شيء منها في الفصل السابق، وأنا أسوق هنا بعض ما يدل على ذلك، ويؤكده.
стр. 140
المبحث الأول
آثار السلف الدالة على أن صفات الله معلومة المعنى مجهولة الكيفية
- عبد الله بن مسعود ﵁
قال عبد الله بن أبي الهذيل العنزي: قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: (أبلغك أن الله يعجب ممن يذكره؟ فقال: لا، بل يضحك.) (١) اهـ.
وهذا ظاهر في أن معنى العجب غير معنى الضحك، وأن الله تعالى يضحك ممن يذكره.
- أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى البصرى (٩٠ هـ)
قال أبو العالية: ﴿استوى إلى السماء﴾ البقرة٢٩: ارتفع. (٢)
стр. 141
- أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي (١٠١ هـ)
قال: ﴿استوى﴾: علا على العرش (١).
وهذا بيان منهما لمعنى ما وصف الله به نفسه في سبعة مواضع من كتابه من استواءه تعالى على عرشه، ففسراه بالعلو والارتفاع على العرش.
- الإمامان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (١٢٥ هـ)
- مكحول الشامي أبو عبد الله إمام أهل الشام (١١٢ هـ)
قال الأوزاعي: (كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت) (٢) اهـ.
[معنى إمرار الصفات بلا تكييف]
والإمرار إنما هو إبقاء دلالتها على ما دل عليه لفظها، من غير تعرض لها بتغيير أو تأويل. ولا يكون إمرار إلا مع فهمٍ للمعنى، وإلا كان لغواً.
وهذه العبارة ترد كثيراً عن السلف، في كثير من المسائل، كالكبائر ونحوها.
стр. 142
فقد روى الزهري حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث، فقال الأوزاعي: قلت للزهري: إن لم يكن مؤمناً فمه؟ قال: فنفر من ذلك، وقال: (أمروا الأحاديث كما أمَرّها من كان قبلكم، فإن أصحاب رسول الله ﷺ أمرّوها) (١).
وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء، على ما رُوي، فنصدقه ونعلم أنه كما جاء، ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء على ما روي ولا ننص الشهادة. .... - إلى أن قال: والكف عن أهل القبلة، ولا تكفر أحداً منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث فيُروى الحديث كما جاء، وكما رُوي، وتصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روي، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.) (٢) اهـ.
فهذه أحاديث جاءت في بعض الكبائر كترك الصلاة، وشرب الخمر، ونحو ذلك، فيها التغليظ إما الحكم بالكفر، أو بعدم
стр. 143
دخول الجنة، ونحو ذلك، فأمر الإمام أحمد بإمرارها كما جاءت، وترك التعرض لها، ومعلوم قطعاً أنها أحاديث مفهومة المعنى، معلومة الدلالة، مما يدل على أن المراد بإمرار النصوص كما جاءت: إنما هو التصديق بها، وإبقاء دلالتها على ما دلت عليه ظاهر ألفاظها.
وقال الإمام أحمد في مسألة الرؤية في رسالة "أصول السنة" برواية عبدوس: (والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحاح، وأن النبي قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله ﷺ صحيح، ... والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً .. ) (١) اهـ.
وهذه أحاديث مفهومة المعنى، وكلامه هنا يفسر معنى إمرار الحديث كما جاء، وأنه إثباته وحمل معناه على ظاهره.
وقال أيضاً في الرسالة ذاتها: ("ثلاث من كن فيه فهو منافق" على التغليظ نرويها كما جاءت، ولا نقيسها .. ) (٢) اهـ.
ومثله ما رواه الخلال في "السنة" بإسناده أن أبا طالب حدثهم، أنه سأل أبا عبد الله عن قول النبي ﷺ لعلي: «من كنت
стр. 144
مولاه فعلي مولاه»، ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء».
وقال الخلال أيضاً: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن قول النبي ﷺ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، أيش تفسيره؟ قال: «اسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا الخبر، كما جاء» (١) اهـ.
وقال البخاري في جزء "رفع اليدين": (ولقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة.
قال البخاري: يعني أن الإنسان ينبغي أن يلقي رأيه لحديث النبي ﷺ حيث ثبت الحديث، ولا يعتل بعلل لا تصح ليقوي هواه) (٢) اهـ.
- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ)
وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) (٣) اهـ.
стр. 145
فتأمل قوله: (ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)، فإنه يدل على أن صفة اليد معلومة المعنى لديهم، وأن تأويلها بإخراجها إلى المعاني المجازية إبطال لحقيقة معناها، وهو قول المعطلة!!.
وقال أيضاً في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) (١) اهـ.
وقوله هنا موافق للمشهور عن أئمة السلف من قولهم عن الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، فإنه نفى الكيفية، ولم ينف حقيقة الصفة.
- عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ)
سُئل عبد العزيز بن الماجشون: عما جحدت به الجهمية؟