- العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (١٢٠٧ هـ)
قال في "غرائب الاغتراب": (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه ﴿ليس كمثله شيء﴾: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر ﷺ .. ) (١) اهـ.
стр. 282
فرع: في موافقة إبي الحسن الأشعري للسلف في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه واليدين والعينين وإبطال تأويلها
لم يختلف قول أبي الحسن الأشعري في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى التي في القرآن، وقد ذكر ذلك في مواضع كثيرة من كتبه:
فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.
وأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥.
وأن له وجهاً كما قال الله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧.
وأن له يدين كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ ص٧٥.
وأن له عينين كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤.
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ الفجر٢٢.
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.
стр. 283
ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ ) (١) اهـ.
وقال في موضع آخر في سياق الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: (وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قال الله ، أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ ، فنقول: وجه بلا كيف، ويدان وعينان بلا كيف) (٢) اهـ.
وقال أيضاً: (هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة
جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئاً .... - إلى أن قال: وأن الله سبحانه على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥.
وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وكما قال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤.
وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤.
стр. 284
وأن له وجهاً كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧) (١) اهـ.
وقال في "الإبانة": (فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا ، وبسنة نبينا محمد ﷺ ، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم.
وجملة قولنا: ... ) ثم ذكر أموراً إلى أن قال: (وأن له سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧.
стр. 285
وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: ﴿خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وكما قال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤
وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤) (١) اهـ.
وقال أيضاً: (الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:
قال الله ﵎: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨،، وقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، فأخبر أن له سبحانه وجهاً لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك.
وقال تعالى: ﴿تجرى بأعيننا﴾ القمر١٤، وقال تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ هود٣٧، فأخبر تعالى أن له وجهاً وعيناً، ولا تكيَّف ولا تحد.
وقال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال تعالى: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥،، وقال لموسى وهارون عليهما
стр. 286
أفضل الصلاة والسلام: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٤٦. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته ... ) إلى أن قال: (مسألة: فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجهاً؟
قيل له: نقول ذلك، خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧.
مسألة:
قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟
قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح١٠،، وقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف) (١) اهـ.
وقال في إثبات صفتي الرضا والغضب لله تعالى: (وإذا كنا متى أثبتناه غضباناً على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضياً عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حياً سميعاً بصيراً فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر) (٢) اهـ.
стр. 287
كما أنه أبطل تأويل الصفات الخبرية ورد على أهلها في مواضع كثيرة، وبين أن تأويل الصفات الخبرية هو قول المعتزلة وأهل الضلال:
فقال في "مقالات الإسلاميين": (باب قول المعتزلة في "وجه الله": واختلفوا هل يقال لله وجه أم لا وهم ثلاث فرق: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن لله وجهاً هو هو والقائل بهذا القول أبو الهذيل. والفرقة الثانية منهم يزعمون أنا نقول وجه توسعاً ونرجع إلى إثبات الله لأنا نثبت وجهاً هو هو ... والفرقة الثالثة منهم ينكرون ذكر الوجه أن يقولوا لله وجه) (١) اهـ.
وقال في موضع آخر: (قولهم في العين واليد: وأجمعت المعتزلة بأسرها على إنكار العين واليد وافترقوا في ذلك على مقالتين: فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان وأنكر أن يقال أنه ذو عين وأن له عينين، ومنهم من زعم أن لله يداً وأن له يدين، وذهب في معنى ذلك إلى أن اليد نعمة، وذهب في معنى العين إلى أنه أراد العلم وأنه عالم، وتأول قول الله : ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، أي بعلمي.) (٢) اهـ.
وقال: (الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: واختلفوا
стр. 288
في العين واليد والوجه على أربع مقالات: فقالت المجسمة: له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء.
وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله أو جاءت به الرواية من رسول الله ﷺ فنقول: وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف ....
وقالت المعتزلة بإنكار ذلك إلا الوجه، وتأولت اليد بمعنى النعمة، وقوله: ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤، أي بعلمنا) (١) اهـ.
وقال في سياق أقوال المعتزلة: (وكان غيره من المعتزلة يقول أن وجه الله سبحانه هو الله، ويقول أن نفس الله سبحانه هي الله، وأن الله غير لا كالأغيار، وأن له يدين وأيدياً بمعنى نعم، وقوله تعالى أعين وأن الأشياء بعين الله أي بعلمه، ومعنى ذلك أنه يعلمها، ويتأولون قولهم أن الأشياء في قبضة الله سبحانه أي في ملكه، ويتأولون قول الله : ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ الحاقة٤٥، أي بالقدرة. وكان سليمان بن جرير يقول أن وجه الله هو الله.) (٢) اهـ.
وقال في "الإبانة": (الباب الأول: في إبانة قول أهل الزيغ والبدعة .. ) ثم ساق كثيراً من أقوالهم إلى أن قال: (ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله : ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال
стр. 289
والإكرام﴾ الرحمن٢٧، وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥،، وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤، وقوله: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩) (١) اهـ.
وقال في موضع آخر: (ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين) (٢) اهـ.
وليس المنفي عند المعتزلة هو الوجه المجازي، بل الوجه الحقيقي، إذ جميع المعتزلة يثبتون الوجه المضاف إلى الله تعالى في كتابه ولا ينكرونه، إذاً لكفروا إجماعاً، وإنما ينفون أن يكون وجهاً حقيقة، وإلا لم يكن خلاف بين أهل الحديث والمعتزلة إذا كان الجميع يثبتون وجهاً مضافاً إلى الله، وليس وجهاً حقيقة، بل مجاز!!!
وكل الصفات التي يحكي الأشعري نفيها عن المعتزلة فعلى هذا المنوال.
وهذا كما ترى ظاهر في أن إنكار أن تكون صفات الله تعالى كالوجه واليد والنزول ونحوها حقيقة، إنما هو قول المعتزلة، لا قول أهل السنة كما يزعمه الأشعريان.
стр. 290
وقال الأشعري أيضاً في رد تأويل الصفات: (مسألة: قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟
قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح١٠،، وقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥،.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف.
وجاء في الخبر المأثور عن النبي ﷺ : (أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده)، أي بيد قدرته سبحانه. وقال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (كلتا يديه يمين). وقال تعالى: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ الحاقة٤٥.
وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن استعمال اللغة
стр. 291
ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها؛ لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلا.
مسألة:
ويقال لأهل البدع: ولِم زعمتم أن معنى قوله: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعا أو لغة؟
فلا يجدون ذلك إجماعاً ولا في اللغة.
وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس.
قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا مع أنا رأينا الله قد قال في كتابه العزيز، الناطق على لسان نبيه الصادق: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ إبراهيم٤،، وقال تعالى: ﴿لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ النحل ١٠٣،، وقال تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ الزخرف ٣،،
стр. 292
وقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله﴾ النساء٨٢، ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم ما ادعوه.) (١) اهـ.
وقال الذهبي في السير: (قلت رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول) (٢) اهـ.
فرع في بيان معنى التأويل عند السلف ومعناه عند الأشاعرة
التأويل عند الأشاعرة كما عرفه الأشعريان (ص١٤٤): (هو صرف اللفظ عن الظاهر بقرينة تقتضي ذلك) اهـ.
وهذا اصطلاح متأخر للمتكلمين، وهو خلاف التأويل في اللغة، وفي كلام السلف.
стр. 293
قال في مختار الصحاح: (التَأْويلُ تفسير ما يؤول إليه الشيء) (١) اهـ.
وقال في اللسان: (الأَوْلُ: الرجوع. آل الشيءُ يَؤُول أَولاً ومآلاً: رَجَعَ .... التهذيب: وأَما التأْويل فهو تفعيل من أَوَّل يُؤَوِّل تَأْويلاً وثُلاثِيُّه آل يَؤُول أَي رجع وعاد .. ) (٢) اهـ.
فتلخص من هذا أن التأويل في لغة العرب يراد به أمران:
الأول: مآل الشيء، وهو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. وإذا كان الكلام إما خبر وإما طلب:
فتأويل الخبر: حقيقته ووقوعه، كما قال تعالى: ﴿هذا تأويل رؤياي من قبل﴾ يوسف١٠٠، أي: هذا هو نفس رؤياي، أي وقوعها وحقيقتها. وقوله: ﴿هل ينظرون إلا تأويله. يوم يأتي تأويله لا يقول الذين نسوه من قبل﴾ الآية الأعراف٥٣. أي هل ينتظرون إلا نفس وقوع ما أخبر الله به من الوعيد والعذاب.
وتأويل الطلب الذي هو أمر ونهي: هو نفس فعل المأمور بامتثاله والعمل به، ونفس ترك المنهي، كما في قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن) (٣). تعني: يمتثل ويعمل
стр. 294
بقوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ النصر٣.
والمعنى الثاني: التأويل بمعنى التفسير، وهو الكلام الذي يُفسَّر به اللفظ حتى يُفهم معناه، وهو المقصود في قول المفسرين "تأويل قوله تعالى"، وقد سمى ابن جرير تفسيره الكبير "جامع البيان عن تأويل آي القرآن". ومنه قول الإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة فيما تأولته من القرآن على غير تأويله".
فعلى المعنى الأول: يكون تأويل ما أخبر الله تعالى به من صفاته وأفعاله، هو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وذلك في حق الله تعالى كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، ولا سبيل لأحد إلى العلم به وإحاطته.
وعلى هذا المعنى ورد الوقف عند قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ آل عمران٧.
وعلى المعنى الثاني: يكون تأويل ما أخبر الله به عن نفسه بما له من الصفاته العلية، هو تفسير وفهم معنى ما وصف الله به نفسه من الصفات العظيمة الجليلة، وهذا يُعرف من اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها، وتعرَّف إلينا بواسطتها، مع العلم بأنه لا يشبهه شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وعلى هذا المعنى ورد الوقف عند قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ آل عمران٧، كما هو مذهب كثير من السلف.
стр. 295
قال ابن جرير: (واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، وهل الراسخون معطوف على اسم الله، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه، أو هم مستأنف ذكرهم بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون آمنا بالمتشابه وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله.
فقال بعضهم: معنى ذلك وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفرداً بعلمه،
وأما الراسخون في العلم فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون آمنا بالمتشابه والمحكم، وأن جميع ذلك من عند الله. ذكر من قال ذلك .... - فذكر: عائشة وابن عباس وعروة وأبي نهيك وغيرهم -
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا. ذكر من قال ذلك ... - فذكر ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن جعفر بن الزبير) (١) اهـ.
وأما ما اصطلح عليه المتأخرون من أصناف المعطلة على اختلاف فرقهم من أن التأويل: هو صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره بقرينة. فهو اصطلاح حادث.
وهم يجعلون من القرائن على صرف دلالة الصفات عن
стр. 296
ظاهرها وحقيقتها ما دلت عليه عقولهم، لا ما دل عليه الأثر وما اجتمع عليه السلف، فيجعلون عقولهم حاكمة على ما يوصف الله تعالى به على الحقيقة، وما لا يوصف به على الحقيقة، دون الأدلة النقلية من الآيات والأحاديث وأقوال السلف.
وهذا النوع من التأويل هو الذي صنف فيه منهم جماعة كما صنف أبو بكر بن فورك كتابه "تأويل مشكل القرآن"، ورد عليه آخرون كالقاضي أبي يعلى في كتابه "إبطال التأويلات في أخبار الصفات" وكذلك ابن قدامة في كتابه "ذم التأويل".
стр. 297
المبحث الثاني
بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب
خلاصة الفصل:
أولاً: أن السلف مجمعون على تحريم تأويل صفات الله تعالى الواردة في الكتاب أو السنة، كما نقله غير واحد ممن ذكرنا كلامهم.
ثانياً: أن تأويل الصفات بدعة وهو شعار المعطلة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وكل من وافقهم.
ثالثاً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا الأصل العظيم، ويلزم من هذا أن يوافقه المنتسبون إليه فيه، وإلا كان انتسابهم إليه مجرد دعوى.
رابعاً: جهل الأشعريين بمذهب السلف حيث قالا (ص٧٤): (وكلا الطريقين التفويض والتأويل بشرطه ثابت عن سلف الأمة) اهـ.
وقالا (ص١٠٢): (وينسى هؤلاء أن جل الأمة على مذهب التأويل، وأن جماعات من السلف قالوا به) اهـ.
стр. 298
وقالا (ص١٤٣): (قضية التأويل ... منقولة عن الصحابة والسلف الطيب) اهـ.
وقالا عن التأويل (ص١٥٧): (ومذهب ثابت عن جماعات من السلف) اهـ.
وقالا في كون التأويل لا يستلزم تبديعاً ولا تفسيقاً (ص١٤١ - ١٤٣): (فإن الخلاف في هذا النوع -أي تأويل الصفات- من القضايا لا يترتب عليه شيء قطعاً، إذ لم يُنقل عن الصحابة والسلف أنهم ضللوا بعضهم بعضاً بسبب شيء من ذلك ..... وأنها من المسائل التي لا يترتب على الخلاف فيها ضلال ولا بدعة) اهـ.
وقالا مُقَرِّرَيْن جواز التأويل وإن لم يرد عن السلف (ص١٦١): (ونحن نقول: لنفترض أنه لم يُنقل عن أحد من السلف التصريح بتأويل شيء من ذلك، فأي حرج على من سلك سنن العرب في فهم الكلام العربي، وحمل هذه النصوص على ما تجيزه لغتهم ... ) اهـ.
ولا ريب أن هذا مخالف لما ذكرناه من إجماع السلف على تبديع التأويل والمنع منه، ومصادم لنصوصهم الصريحة في تبديع المتأولة في صفات الله والإنكار عليهم، والتحذير منهم.
أما قولهما أن الصحابة لم يضللوا بعضهم بعضاً بسبب شيء من ذلك، فلأنه لم يثبت عن أحد من السلف قط تأويل صفة ثابتة لله تعالى.
стр. 299
وأما ما ذكراه مما استدلا به على ثبوت التأويل عن السلف فسنجيب عليه في الباب الثالث.
ومعلوم أيضاً أن الذين حكوا إجماع السلف على ترك التأويل ممن نقلنا بعض كلامهم هم من أعلم الناس بالخلاف، وبالحديث والآثار، وبعضهم من أئمة السلف كمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم، ويستحيل أن يحكي جميعهم الإجماع على ترك التأويل، ويكون ثابتاً عن السلف في نفس الأمر. وسيأتي مزيد من التقرير لهذا الأمر في الباب الثالث.
стр. 300
الفصل الخامس
في بيان اطراد قاعدة السلف في الصفات في وجوب إمرار الجميع على الظاهر بلا تأويل، لا يفرقون بين صفة وأخرى
تمهيد
سلك أهل السنة والجماعة في جميع صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة مسلكاً واحداً وهو إثباتها وإمرارها على ظاهرها اللائق بالله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه، لا يفرقون في ذلك بين صفة وأخرى. فلا فرق عندهم بين الصفات الذاتية والفعلية، ولا بين العقلية والخبرية، ولا بين صفات المعاني وغيرها. ونصوصهم في هذا كثيرة جداً يصعب حصرها.
قال تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، وهذه آية جامعة عامة في أن الله تعالى لا يماثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وقال تعالى ﴿هل تعلم له سمياً﴾ مريم٦٥.
стр. 301
وقد كان النبي ﷺ يخاطب أصحابه جميعهم: المتعلم منهم والجاهل، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، ويذكر صفات ربه، لا يفرق بين صفة وصفة، ولم يقل في بعضها: الظاهر غير مراد، أو لا تفهموا منها الحقيقة، ونحو ذلك. ولم يكن يقرن عند ذكر بعض صفاته ما يدل على كونها مجازاً، فكان يذكر صفة النزول مثلاً، ويكررها في مواضع كثيرة، ولا يقرن بالكلام ما يدل على أن المراد خلاف ظاهرها.
стр. 302
المبحث الأول
نصوص السلف الدالة على إطراد قاعدتهم في الإثبات في جميع الصفات
وأنا أذكر هنا شيئاً يسيراً من كلام السلف حيث يسوقون فيه الصفات سوقاً واحداً بلا تفريق بين صفة وصفة، فلا يفرقون بين السمع واليد، ولا بين البصر والوجه، ولا بين القدرة والنزول، ولا بين الإرادة والضحك، ولا بين العلم والمحبة، ولا بين الحياة والمقت، ولا بين الكلام والعلو.
- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ)
قال: (لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه) (١) اهـ.
стр. 303
- الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ)
قال في بيان معتقد السلف في أسماء الله وصفاته، فذكر بعض ما ورد منها في الكتاب والسنة ثم قال: (وقال رسول الله ﷺ : "لا تمتلىء النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض"، وقال لثابت بن قيس: "لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة"، وقال فيما بلغنا: "أن الله تعالى ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم، فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: نعم. قال: لا نعدم من رب يضحك خيراً"، إلى أشباه هذا مما لا نحصيه، وقال تعالى: ﴿وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، و ﴿اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقال تعالى: ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الزمر٦٧، فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقي في روعهم، وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله من نفسه وسماه
стр. 304
على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه، لا هذا ولا هذا، لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف) (١) اهـ.
- الإمام سلام بن أبي مطيع أبو سعيد الخزاعي (١٦٤ هـ)
قال هدبة: قال سلام بن أبي مطيع: (متى ينكرون من هذه الأحاديث شيئاً، فإنهم لا ينكرون شيئاً إلا في القرآن أبين منه، إنه ﴿سميع بصير﴾ الأعراف٢٠٠، وإنه ﴿السميع العليم﴾ الأنعام١٣، ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾ الأعراف١٤٣، ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤،، وقال ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥،، فما زال يقول حتى غربت الشمس) (٢) اهـ.
- الإمام إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر الهذلى (٢٣٦ هـ)
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبا معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي يقول: (من زعم إن الله لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يغضب، ولا يرضى، وذكر الأشياء من هذه الصفات، فهو كافر بالله بهذا ندين الله (٣) اهـ.
стр. 305
- مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري المدني (٢٣٦ هـ)
قال: (إن الله يتكلم بغير مخلوق، وإنه يسمع بغير ما يبصر، ويبصر بغير ما يسمع، ويتكلم بغير ما يسمع، وإن كل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع غيره، ولست أقول إن كلام الله وحده غير مخلوق. أنا أقول أفعال الله كلها غير مخلوقة، وإن وجه الله غير يديه، وإن يديه غير وجهه. فإن قالوا: كيف؟ قلنا: لا ندري كيف هو؟ غير أن الله أخبرنا أن له وجهاً ويدين ونفساً، وأنه سميع بصير. وكل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع عليه الاسم الآخر.) (١) اهـ.
- الإمام العلامة أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني (٢٨٠ هـ)
قال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن احمد وإسحاق وغيرهما في الجامع: (باب القول في المذهب:
هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق
стр. 306
والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم ... ) وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك إلى أن قال: (وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك، ويسمع، ويبصر، وينظر، ويقبض، ويبسط، ويفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويرحم، ويعفو، ويغفر، ويعطي، ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .. ) إلى أن قال: (ولم يزل الله متكلماً عالماً فتبارك الله أحسن الخالقين) (١) اهـ.
стр. 307
- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)
قال: (أخبرنا الله في كتابه أنه ذو سمع، وبصر، ويدين، ووجه، ونفس، وعلم، وكلام، وأنه فوق عرشه فوق سماواته، فآمنا بجميع ما وصف به نفسه كما وصفه بلا كيف) (١) اهـ.
- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)
قال: (ولله تعالى ذكره أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ أمته .. ) إلى أن قال: (وذلك نحو إخبار الله تعالى
стр. 308
ذكره إيانا أنه سميع بصير، وأن له يدين لقوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وأن له يميناً لقوله: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، وأن له وجهاً لقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقوله: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧. وأن له قدماً لقول رسول الله ﷺ : "حتى يضع الرب قدمه فيها" يعني جهنم. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن لقول النبي ﷺ للذي قُتل في سبيل الله: "إنه لقي الله وهو يضحك إليه". وانه يهبط كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا، لخبر رسول الله ﷺ . وأنه ليس بأعور لقول النبي ﷺ ، إذ ذكر الدجال فقال: "إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور".
وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها غياية، وكما يرون القمر ليلة البدر، لقول النبي ﷺ .
وأن له أصابع، لقول النبي ﷺ : "ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن".
فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها مما وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ مما لا تُدرك حقيقة علمه
стр. 309
بالفكر والروية) (١) اهـ.
وقال: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله ﷺ . قيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١،. فيقال: الله سميع بصير، له سمع وبصر، إذ لا يعقل مسمى سميعاً بصيراً في لغة ولا عقل في النشوء والعادة والمتعارف إلا من له سمع وبصر.) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه فنقول: يسمع جل ثناؤه الأصوات، لا بخرق في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم.
وله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير. ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم.
стр. 310
ونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب.
ويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا) (١) اهـ.
- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)
قال: (فمن الصفات التي وصف بها نفسه ومنح خلقه (الكلام) فالله تكلم كلاماً أزلياً غير معلم ولا منقطع، فيه يخلق الأشياء، وبكلامه دل على صفاته التي لا يُستدرك كيفيتها مخلوق ولا يبلغ وصفها واصف. والعبد يتكلم بكلام محدث معلم مختلف فان بفنائه. ووصف وجهه فقال: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، الآية. فأخبر عن فناء الوجوه وبقاء وجهه، ووصف نفسه بالسميع والبصير فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١،، فأخبر أنه سميع من كل الجهات، لكل الأصوات، بصير بكل الأشياء من كل الجهات، لم يزل يسمع ويبصر، ولا يزال كذلك، ووصف عباده بالسمع والبصر المحدث المخلوق الفاني بفنائه التي تكل وتعجز عن جميع حقيقة المسموع والمبصر.
стр. 311
ووصف نفسه بالعلم والقدرة والرحمة، ومنحها عباده للمعرفة عند الوجود فيهم، والنكرة عند وجود المضاد فيهم، فجعل ضد العلم في خلقه الجهل، وضد القدرة العجز، وضد الرحمة القسوة، فهي موجودة في الخلق غير جائزة على الخالق، فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ووصف الله نفسه بالعلم، وأنه يعلم كل شيء من كل الجهات، لم يزل ولا يزال موصوفاً بالعلم غير معلم، باق غير فان، والعبد مضطر إلى أن يتعلم مالم يعلم، ثم ينسى ثم يموت ويذهب علمه، والله موصوف بالعلم بجميع الأشياء من كل الجهات دائماً باقياً.
ففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه رسوله ﷺ ، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.
стр. 312
وقال أيضاً: (ذكر بيان النهي عن تقدير كيفية صفات الله ، والدليل على إثبات صفاته وأن الله وصف نفسه بالسمع، والبصر، واليمين، بترك التشبيه والتمثيل) (١) اهـ.
- الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (٣٩٩ هـ)
قال: (وقد قال وهو أصدق القائلين: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقال: ﴿قل أي شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ الأنعام١٩، وقال: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران٢٨، وقال: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ الحجر٢٩، وقال: ﴿فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وقال: ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾ الآية الزمر٦٧، وقال: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٤٦، وقال: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤،، وقال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥الآية، وقال: ﴿الله لا اله إلا هو الحي القيوم﴾ الآية البقرة٢٥٥، وقال: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ الحديد٣،
стр. 313
ومثل هذا في القرآن كثير، فهو ﵎ نور السماوات والأرض كما أخبر عن نفسه، وله وجه ونفس وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويسمع، ويرى، ويتكلم، هو الأول لا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن بطن علمه بخلقه، فقال ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ الحديد٣، قيوم حي لا تأخذه سنة ولا نوم) (١) اهـ.
- الإمام العارف أبو منصور معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني (٤١٨ هـ)
قال: (أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل التصوف والمعرفة ... ) فذكر أشياء إلى أن قال: (وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، فلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة، وأنه سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويعجب، ويضحك، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا بلا كيف ولا تأويل، كيف شاء، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال وسائر الصفوة من العارفين على هذا) (٢) اهـ.
стр. 314
- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)
قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله ﷺ من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله) (١) اهـ.
- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)
قال الإمام الحافظ أبو القاسم اسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن
стр. 315
سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل) (١) اهـ.
وقال: (أن الله سميع بصير، عليم خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر، ويرون الرب يوم القيامة عياناً لا يشكون في رؤيته، ولا يختلفون ولا يمارون كذلك) (٢) اهـ.
- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)
قال: ( .. فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم،
стр. 316
والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (١) اهـ.
فرع: في تقرير ذلك من كلام أبي الحسن الأشعري
قد سبق نقل كثير من كلام أبي الحسن الأشعري في الصفات، وأنه كان يثبتها لله تعالى على ظاهرها، من غير تأويل، ولا تفريق بين صفة وأخرى. وأنا أذكر بعضها:
فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.
وأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥.
وأن له وجهاً كما قال الله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧.
стр. 317
وأن له يدين كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ ص٧٥.
وأن له عينين كما قال: ﴿تجري بأعيينا﴾ القمر١٤.
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ الفجر٢٢.
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.
ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ ) (١) اهـ.
وقال في "الإبانة": (الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:
قال الله ﵎: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، فأخبر أن له سبحانه وجهاً لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك.
وقال تعالى: ﴿تجرى بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ هود٣٧، فأخبر تعالى أن له وجهاً وعيناً، ولا تكيَّف ولا تحد.
стр. 318
وقال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال تعالى: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥،، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٣٩. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته ... ) (١) اهـ.
стр. 319
المبحث الثاني
بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه
خلاصة الفصل:
الأمر الأول: أن السلف ﵏ يثبتون جميع الصفات الواردة لله تعالى على ظاهرها، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف، ولا يفرقون بين صفة وأخرى، فالسمع واليد عندهم سواء في الإثبات، والبصر والنزول عندهم سواء. وهكذا.
[بطلان تفريق الأشاعرة في الإثبات بين الصفات العقلية السبعة وبين غيرها]
الأمر الثاني: بطلان ما ادعاه الأشعريان والأشاعرة من التفريق بين الصفات في الإثبات، حيث فرقوا بين صفات المعاني السبع وهي: السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والإرادة، والقدرة، والحياة، فأثبتوها على ظاهرها وحقيقتها، وبين باقي الصفات كاليد، والوجه، والنزول، والمحبة، والرضا، ونحوها من الصفات، فسلطوا عليها سهام التأويل، ومنعوا من حملها على ظاهرها وحقيقتها.
стр. 320
قال الأشعريان في علة التفريق (ص١٩٣ - ١٩٤): (فالأولى منها - أي ما سوى الصفات السبع - أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماعها العضو والجسم الذي وضعت للدلالة عليه، فإذا أضيف ذلك اللفظ إلى الله تعالى قطع العارف بالله أن ذلك المعنى المتبادر والظاهر من اللفظ محال هنا ومنفي عن الله تعالى وإنما سيق الكلام على سبيل الاستعارة والمجاز، وذلك كلفظ (اليد، والأصبع، والقدم، والساق، والوجه، والضحك، والاستواء، والنزول) ونحوها من الألفاظ التي ترجع حقائقها المتبادرة منها إلى الحس.
أما الثانية منها وهي التي ترجع إلى المعنى مثل القدرة والإرادة السمع والبصر ونحوها فلا يلزم من حملها على ظاهرها وحقيقتها مشابهة، لأنها معان مجردة وحقائقها واسعة، فإذا أضيفت للخالق كان لها حقيقة لائقة به تعالى، وإذا أضيفت للمخلوق كانت لها حقيقة لائقة به، ولهذا لم يضطر العلماء إلى صرفها عن ظاهرها) اهـ.
وهذا كلام متناقض وباطل لأمور:
أولها: أنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات مثل ما يلزمهم فيما نفوه منها، فالسمع مثلاً: لا يُعرف في المخلوق إلى بجارحة الأذن، فيلزم بناءاً على أصلهم وقاعدتهم أن إثبات السمع لله تعالى يلزم منه الجارحة، وكذلك إثبات البصر يلزم منه العين والحدقة والأجفان