والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (١) اهـ.
فرع: في تقرير ذلك من كلام أبي الحسن الأشعري
قد سبق نقل كثير من كلام أبي الحسن الأشعري في الصفات، وأنه كان يثبتها لله تعالى على ظاهرها، من غير تأويل، ولا تفريق بين صفة وأخرى. وأنا أذكر بعضها:
فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.
وأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥.
وأن له وجهاً كما قال الله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧.
стр. 317
وأن له يدين كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ ص٧٥.
وأن له عينين كما قال: ﴿تجري بأعيينا﴾ القمر١٤.
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ الفجر٢٢.
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.
ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ ) (١) اهـ.
وقال في "الإبانة": (الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:
قال الله ﵎: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، فأخبر أن له سبحانه وجهاً لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك.
وقال تعالى: ﴿تجرى بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ هود٣٧، فأخبر تعالى أن له وجهاً وعيناً، ولا تكيَّف ولا تحد.
стр. 318
وقال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال تعالى: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥،، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٣٩. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته ... ) (١) اهـ.
стр. 319
المبحث الثاني
بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه
خلاصة الفصل:
الأمر الأول: أن السلف ﵏ يثبتون جميع الصفات الواردة لله تعالى على ظاهرها، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف، ولا يفرقون بين صفة وأخرى، فالسمع واليد عندهم سواء في الإثبات، والبصر والنزول عندهم سواء. وهكذا.
[بطلان تفريق الأشاعرة في الإثبات بين الصفات العقلية السبعة وبين غيرها]
الأمر الثاني: بطلان ما ادعاه الأشعريان والأشاعرة من التفريق بين الصفات في الإثبات، حيث فرقوا بين صفات المعاني السبع وهي: السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والإرادة، والقدرة، والحياة، فأثبتوها على ظاهرها وحقيقتها، وبين باقي الصفات كاليد، والوجه، والنزول، والمحبة، والرضا، ونحوها من الصفات، فسلطوا عليها سهام التأويل، ومنعوا من حملها على ظاهرها وحقيقتها.
стр. 320
قال الأشعريان في علة التفريق (ص١٩٣ - ١٩٤): (فالأولى منها - أي ما سوى الصفات السبع - أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماعها العضو والجسم الذي وضعت للدلالة عليه، فإذا أضيف ذلك اللفظ إلى الله تعالى قطع العارف بالله أن ذلك المعنى المتبادر والظاهر من اللفظ محال هنا ومنفي عن الله تعالى وإنما سيق الكلام على سبيل الاستعارة والمجاز، وذلك كلفظ (اليد، والأصبع، والقدم، والساق، والوجه، والضحك، والاستواء، والنزول) ونحوها من الألفاظ التي ترجع حقائقها المتبادرة منها إلى الحس.
أما الثانية منها وهي التي ترجع إلى المعنى مثل القدرة والإرادة السمع والبصر ونحوها فلا يلزم من حملها على ظاهرها وحقيقتها مشابهة، لأنها معان مجردة وحقائقها واسعة، فإذا أضيفت للخالق كان لها حقيقة لائقة به تعالى، وإذا أضيفت للمخلوق كانت لها حقيقة لائقة به، ولهذا لم يضطر العلماء إلى صرفها عن ظاهرها) اهـ.
وهذا كلام متناقض وباطل لأمور:
أولها: أنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات مثل ما يلزمهم فيما نفوه منها، فالسمع مثلاً: لا يُعرف في المخلوق إلى بجارحة الأذن، فيلزم بناءاً على أصلهم وقاعدتهم أن إثبات السمع لله تعالى يلزم منه الجارحة، وكذلك إثبات البصر يلزم منه العين والحدقة والأجفان
стр. 321
ونحو ذلك من الجوارح، وإثبات الكلام يلزم منه الفم واللسان واللهاة، وهي جوارح، وهكذا في كل الصفات السبع.
وقد نقل الأشعريان عن ابن خلدون ما يؤكد هذا.
فقالا (ص١٩٨): (وقال العلامة ابن خلدون: ... وكان من مذهبهم إثبات الكلام والسمع والبصر، لأنها وإن أوهم ظاهرها النقص بالصوت والحرف الجسمانيين، فقد وجد للكلام عند العرب مدلول آخر غير الحروف والأصوات .... وأما السمع والبصر وإن كان يوهم إدراك الجارحة ... ) اهـ.
فها هو ابن خلدون يقرر أن إثبات الصفات السبع يستلزم الجارحة، مما يبين بطلان ما ادعوه من الفرق!.
стр. 322
بل نقول أنه لا يوجد في الشاهد ما هو متصف بالسمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، إلا ما هو جسم - على حسب تعريفهما للجسم -، فهلا استلزم إثبات هذه الصفات الجسمية لله تعالى.
فإن قالوا: لا يلزم فيما أثبتناه لله تعالى من الصفات ما يلزم من صفات المخلوق، بل نثبتها على حقيقتها اللائقة بالله مع نفي المماثلة.
قلنا: قولوا إذاً فيما نفيتموه مثل ما قلتم فيما أثبتموه، فأثبتوا وجهاً لله تعالى صفة له لا يشبه وجوه المخلوقين، وأثبتوا ضحكاً له تعالى لائقاً به لا يشبه ضحك المخلوق. وإلا كنتم متناقضين!!
стр. 323
قال الملا على القاري الحنفي في إبطال التفريق بين الصفات في الإثبات: (ويقال لمن تأول الغضب ويقال لمن تأول الغضب بإرادة الانتقام، والرضى بإرادة الإنعام والإكرام، لم تأولت ذلك الكلام؟
فلا بد أن يقول: لأن الغضب غليان دم القلب، والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى.
فيقال له: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الحي، أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا مائل إلى ما يجلب له منفعة، أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه يزداد بوجوده وينقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفت عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذلك.
فإن قال: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة.
قيل له: إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة، فإن كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يُقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل، بل يجب تركه، لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضاً من تعطيل معنى
стр. 324
أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام.
وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله لامتناع مسمى ذلك في المخلوق، فإنه لا بد أن يُثبت شيئاً على خلاف ما يعهده حتى في صفى الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به، ووجود الباري كما يليق به، فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، فما سمّى به الرب نفسه، وسمّى به مخلوقاته مثل: الحي، والقيوم، والعليم، والقدير، أو سمّى به بعض صفات عباده فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضاً معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل بين المعنيين قدراً مشتركاً، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركاً إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معيناً مختصاً، فيثبت في كلم منهما ما يليق به) (١) اهـ.
الأمر الثاني: أن كثيراً مما تأوله الأشاعرة والأشعريان من الصفات وصرفوه عن ظاهره راجع إلى المعنى: كالمحبة، والرضا، والمقت، والفرح، وقد زعموا أنهم إنما أثبتوا الصفات السبع لكونها راجعة إلى المعنى.
стр. 325
فيقال لهم: فهلا أثبتم هذه الصفات وحملتموها على ظاهرها وحقيقتها اللائقة بالله تعالى من غير تشبيه.
فإن امتنعوا تناقضوا، وبطل ما زعموه من الفرق بين ما أثبتوه من الصفات وما نفوه، وصار تفريقهم بين الصفات في الإثبات تحكماً محضاً!!
الأمر الثالث: أنهم يثبتون ذاتاً لله تعالى حقيقة لا تشبه ذوات المخلوقين، ولا يلزم من إثباتها عندهم ما يلزم من ذوات المخلوقين، ومعلوم أن الذات ليست من الأمور التي ترجع إلى المعاني، بل إلى ما يتعلق بالحس.
فيلزمهم بناءاً على قاعدتهم في التفريق بين الصفات أن يكون وصف الله بالذات مستلزماً للتشبيه والنقص.
فإن قالوا: بل نثبت ذاتاً لا تشبه ذوات المخلوقين، ولو كانت مما يتعلق بالحس.
قلنا: أثبتوا إذا يداً، ووجهاً، ونزولاً، لا يشبه صفة المخلوق، وإلا كنتم متناقضين.
الأمر الرابع: أن ما سبق ذكره من الأدلة، ومن كلام السلف الصريح كافٍ بحمد الله في إبطال هذا التفريق المزعوم، وعدم اعتباره.
стр. 326
ثم قال الأشعريان مؤكدين لما ذكراه من التفريق (ص١٩٤): (ومما يعضد هذا القول -أي التفريق بين الصفات السبع وغيرها- أنه لم ينقل عن أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم أنه قال في شيء من صفات المعاني: أمروها بلا كيف، أو لا تُفسر ولا تُكيف .. الخ وما هذا إلا لفطنتهم لهذا الفارق بين النوعين من الألفاظ) اهـ
وهذا من جهلهما بكلام السلف، وعدم اطلاعهما عليه، فإن قاعدة السلف في جميع الصفات واحدة، لا يقال كيف؟ ولا لم؟.
قال ابن عيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (١) اهـ.
وقال عثمان الدارمي: (أخبرنا الله في كتابه أنه ذو سمع، وبصر، ويدين، ووجه، ونفس، وكلام، وأنه فوق عرشه فوق سماواته، فآمنا بجميع ما وصف به نفسه كما وصفه بلا كيف) (٢) اهـ.
وقال أيضاً: (ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف) (٣) اهـ
وقال الأزهري صاحب اللغة: (فهو سميع: ذو سمع بلا تكييف، ولا تشبيه بالسميع من خلقه، ولا سمعه كسمع خلقه، ونحن نصفه بما وصف به نفسه بلا تحديد ولا تكييف) (٤) اهـ.
стр. 327
وقال السجزي: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه: إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل) (١) اهـ.
وقال الذهبي: (وهذا الذي علمت من مذهب السلف، والمراد بظاهرها أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له، كما قال مالك وغيره الاستواء معلوم، وكذلك القول في السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والإرادة، والوجه ونحو ذلك، هذه الأشياء معلومة فلا نحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا والله أعلم) (٢) اهـ.
стр. 328
وانظر أيضاً كلام ابن جرير، والخطابي، ومعمر الأصبهاني، وغيرهم.
وهذا يدل على مجازفة الأشعريَّيْن في إطلاق الدعاوى العريضة دون أن يكونا على بينة من أمرهما، وهذا دأب أهل البدع عموماً.
стр. 329
الفصل السادس
في بيان أن إثبات الصفات لله تعالى لا يستلزم التشبيه بخلقه
وأنه لا يلزم في حق الخالق ما يلزم في حق المخلوق
تمهيد
إن مما أوقع الأشعريّيْن في تحريفهم للصفات باسم التأويل، وإخراجها عن ظاهرها، وادعاء أن ظاهرها غير مراد، أنهما فهما من إثبات الصفات لله تعالى لوازم صفات المخلوق الضعيف الفقير العاجز الممكن، فقالوا: لو أثبتنا كذا وكذا للزم كذا وكذا، جهلاً منهما بالشرع والعقل واللغة.
قال تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.
فأثبت لنفسه السمع والبصر وهما مما يتصف بهما المخلوق، ونفى عن نفسه مماثلة شيء من خلقه.
وقال تعالى ﴿هل تعلم سميا﴾ مريم٦٥.
وقال ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ الإخلاص٤.
стр. 330
وقال ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ النحل٧٤.
وقال ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ البقرة٢٢، أنه لا ند له ولا نظير.
ومن المعلوم أن لله ذاتاً لا تشبه ذوات المخلوقين، وأنه لا يلزم من إثبات الذات له ما يلزم من ذات المخلوق، فالذي صرف التشبيه عن إثبات الذات لله، هو نفسه الذي يصرف التشبيه عن إثبات جميع صفاته. فلما عُلم قطعاً مباينة الخالق للمخلوق في الذات والوجود، علم مباينته لخلقه في الصفات، إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، والله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كانت له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات.
فلا يلزم من صفات الله تعالى ما يلزم من صفات المخلوق، إذ المخلوق تلزمه أمور من النقص لنقص أصله وفقره وذله وضعفه، ولا يلزم هذا في صفة جبار السماوات والأرض، ومبدع كل شيء وخالقه، الذي لا تحيط بكنه ذاته وصفاته العقول، ولا تدركه الأوهام والظنون.
وأنا أنقل هنا بعض كلام الأئمة في أن إثبات الصفات لله تعالى لا يلزم منه ما يلزم من صفة المخلوق، وأن الذين يلزمون صفات الله ما يلزم من صفة المخلوق إنما هم المعطلة بأصنافهم وأنواعهم.
стр. 331
المبحث الأول
آثار السلف الدالة على أنه لا يلزم من صفات الله ما يلزم من صفات المخلوق
- عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ)
قال: (فأما الذى جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقاً وتكلفاً، فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لابد أن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعَمِى عن البين بالخفى، فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها) (١) اهـ.
- الإمام أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم الكوفي (١٨٢ هـ)
قال: (فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه ولا يوصف إلا بصفاته) إلى أن قال: (فقد أمرنا أن
стр. 332
نوحده وليس التوحيد بالقياس، لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبه له ولا مثل له تبارك الله أحسن الخالقين. ثم قال: وكيف يدرك التوحيد بالقياس وهو خالق الخلق بخلاف الخلق ليس كمثله شيء ﵎ (١) اهـ.
- عبد الرحمن بن القاسم العتقى أبو عبد الله المصرى المالكي (١٩١ هـ)
قال ابن عبد البر: (وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأساً برواية الحديث "أن الله ضحك"، وذلك لأن الضحك من الله والتنزّل والملالة والتعجب منه ليس على جهة ما يكون من عباده) (٢) اهـ.
стр. 333
- الحافظ نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي (٢٢٨ هـ)
قال: (من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه) (١) اهـ.
- عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني (٢٣٠ هـ)
قال في مناظرته للجهمي: (فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما تقول العرب استوى فلان على السرير فيكون السرير حوى فلاناً وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.
باب من البيان لذلك يقال له: أما قولك كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يخبرهم كيف كذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله) (٢) اهـ.
стр. 334
- الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢٣٨ هـ)
قال: (لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقول الله تعالى: ﴿لا يُسأل عما يفعل وهم يُسئلون﴾ الأنبياء٢٣، ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله بفهم كما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفاً بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء، ولا يُسأل كيف نزوله، لأن الخالق يصنع ما شاء كما يشاء) (١) اهـ.
- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)
قال في كتابه "الرد على الجهمية": (فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى. قالوا: لم يتكلم ولا يكلم، لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح عن الله منفية. فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد
стр. 335
الناس تعظيماًً لله، ولا يعلم أنهم إنما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر، ولا يشعر أنهم لا يقولون قولهم إلا فرية في الله) (١) اهـ.
وقال في "باب ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى": (فقلنا: لم أنكرتم ذلك؟ قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كوّن شيئاً فعبر عن الله، وخلق صوتاً فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين. فقلنا: هل يجوز لمكوِّن أو غير الله أن يقول: ﴿يا موسى إني أنا ربك﴾ طه١٢؟ ... ) إلى أن قال: (وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسماوات والأرض ﴿ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ فصلت١١، أتراها أنها قالت بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟ وقال: ﴿وسخرنا مع داود الجبال يسبحن﴾ الأنبياء٧٩، أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذ شهدت على الكافر ﴿فقالوا لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ فصلت٢١، أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء، وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان) (٢) اهـ.
стр. 336
وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى) (١) اهـ.
وهذا منه ﵀ إبطال قياس الخالق على المخلوق فيما وصف الله به نفسه، وأن الواجب هو التسليم من غير قياس لصفاته بصفات خلقه.
- أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم القرشى المخزومى (٢٦٤ هـ)
قال: (المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله ﷺ في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة، وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم ﵎ بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ من غير تمثيل ولا تشبيه إلى التشبيه فهو معطل نافٍ، ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح) (٢) اهـ.
стр. 337
وقد سبق أن ذكرنا أن من علامة الجهمية المعطلة، تسميتهم المثبتة مشبهة، ونقلنا قول الإمام أحمد، وإسحاق، وإبي حاتم، وغيرهم (١).
- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)
قال: (أما قولك: إن كيفية هذه الصفات وتشبيهها بما هو موجود في الخلق خطأ، فإنا لا نقول: إنه خطأ كما قلت بل هو عندنا كفر. ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما هو موجود في الخلق أشد أنفاً منكم، غير أنا كما لا نشبهها، ولا نكيفها، لا نكفر بها، ولا نكذب، ولا نبطلها بتأويل الضلال، ..... )
стр. 338
إلى أن قال: (فإنا لا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا وتسمع في آذاننا، فكيف في صفات الله تعالى التي لم تر العيون، وقصرت عنها الظنون) (١) اهـ.
وقال: (أما هؤلاء الذين سميتهم مشبهة: أن وصفوه بما وصف به نفسه بلا تشبيه؟ فلولا أنها كلمة هي محنة الجهمية التي بها ينبزون المؤمنين بها ما سمينا مشبهاً غيرك لسماجة ما شبهت ومثلت. ويلك! إنما نصفه بالأسماء، لا بالتكييف ولا بالتشبيه، كما يقال: إنه ملك كريم عليم حكيم حليم رحيم لطيف مؤمن عزيز جبار متكبر.
وقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذه الأسماء، وإن كانت مخالفة لصفاتهم. فالأسماء فيها متفقة، والتشبيه والكيفية مفترقة، كما يقال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، يعني في الشبه والطعم والذوق، والمنظر، واللون. فإذا كان كذلك فالله أبعد من الشبه وأبعد. فإن كنا مشبهة عندك أن وحدنا الله إلهاً واحداً بصفات أخذناها عنه وعن كتابه، فوصفناه بما وصف به نفسه في كتابه، فالله في دعواكم أول المشبهين بنفسه ثم رسوله الذي أنبأنا ذلك عنه. فلا تظلموا أنفسكم ولا تكابروا العلم، إذ جهلتموه فإن التسمية من التشبيه بعيدة.) (٢) اهـ.
стр. 339
وقال: (وأما تشنيعك على هؤلاء المقرين بصفات الله المؤمنين بما قال الله: أنهم يتوهمون فيها جوارح وأعضاء، فقد ادعيت عليهم في ذلك زوراً باطلاً، وأنت من أعلم الناس بما يريدون بها، إنما يثبتون منها ما أنت له معطل وبه مكذب، ولا يتوهمون فيها إلا ما عنى الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولا يدّعون جوارح ولا أعضاء كما تقولت عليهم، غير أنك لا تألو في التشنيع عليهم بالكذب، ليكون أروج لضلالتك عند الجهال) (١) اهـ.
وقال: (وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوقين، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله ﷺ .) (٢) اهـ.
وقال: (وادعى المعارض أيضاً أن المقري حدث عن حرملة بن عمران عن أبي موسى يونس عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "أنه قرأ ﴿سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥، فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه".
وقد عرفنا هذا من رواية المقري وغيره، كما روى المعارض غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا به بصراً بعين كعين، وسمعاً كسمع جارحاً مركباً.
стр. 340
فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم أنهم ثبتوا له سمعاً وبصراً فقد صدقت.
وأما دعواك عليهم أنه كعين وكسمع، فإنه كذب ادعيت عليهم، لأنه ليس كمثله شيء، ولا كصفاته صفة.
وأما دعواك أنهم يقولون: جارح مركب فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول ﷺ ، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة جارح وعضو وما أشبهه، حشو وخرافات، وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين، وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله ﷺ ، فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع.) (١) اهـ.
وقال: (ثم لم تأنف من هذا التأويل حتى ادعيت على قوم من أهل السنة أنهم يفسرون ضحك الله على ما يعقلون من أنفسهم، وهذا كذب تدعيه عليهم لأنا لم نسمع أحدا منهم يشبه شيئاً من أفعال الله تعالى بشيء من أفعال المخلوقين، ولكنا نقول هو نفس الضحك، يضحك كما يشاء كما يليق به، وتفسيرك هذا منبوذ في حشك) (٢) اهـ.
стр. 341
- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)
قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه فنقول: يسمع جل ثناؤه الأصوات، لا بخرق في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم.
وله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير. ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم.
ونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب.
ويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا.) (١) اهـ.
- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)
قال في كلام طويل نفيس: (فاسمعوا الآن أيها العقلاء، ما نذكر من جنس اللغة السائرة بين العرب، هل يقع اسم المشبهة على أهل الآثار ومتبعي السنن؟ نحن نقول وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار: إن لمعبودنا
стр. 342
عز وجل وجهاً كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقياً، فنفى عنه الهلاك والفناء، ونقول: إن لبني آدم وجوهاً كتب الله عليها الهلاك، ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء التي وصف الله بها وجهه، تدرك وجوه بني آدم أبصار أهل الدنيا، لا تحرق لأحد شعرة فما فوقها، لنفي السبحات عنها، التي بينها نبينا المصطفى ﷺ لوجه خالقنا ونقول: إن وجوه بني آدم محدثة مخلوقة، لم تكن فكونها الله بعد أن لم تكن مخلوقة، أوجدها بعد ما كانت عدماً، وإن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية، تصير جميعاً ميتاً، ثم تصير رميماً، ثم ينشئها الله بعد ما قد صارت رميماً، فتلقى من النشور والحشر والوقوف بين يدي خالقها في القيامة، ومن المحاسبة بما قدمت يداه وكسبه في الدنيا ما لا يعلم صفته غير الخالق البارئ، ثم تصير إما إلى جنة منعمة فيها، أو إلى النار معذبة فيها،
стр. 343
فهل يخطر يا ذوي الحجا ببال عاقل مركب فيه العقل، يفهم لغة العرب، ويعرف خطابها، ويعلم التشبيه، أن هذا الوجه شبيه بذاك الوجه؟ وهل ها هنا أيها العقلاء تشبيه وجه ربنا جل ثناؤه الذي هو كما وصفنا وبينا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم، التي ذكرناها ووصفناها؟ غير اتفاق اسم الوجه، وإيقاع اسم الوجه على وجه بني آدم، كما سمى الله وجهه وجهاً، .... نحن نثبت لخالقنا جل وعلا صفاته التي وصف الله بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه المصطفى ﷺ مما ثبت بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه، ونقول كلاماً مفهوماً موزوناً يفهمه كل عاقل.
نقول: ليس إيقاع اسم الوجه للخالق البارئ بموجب عند ذوي الحجا والنهى أنه يشبه وجه الخالق بوجوه بني آدم، قد أعلمنا الله جل وعلا في الآي التي تلوناها قبل أن الله وجهاً ذواه بالجلال والإكرام، ونفى الهلاك عنه .... ) ثم ذكر صفات كثيرة مما تسمى الله بها وسمى خلقه بها ثم قال: (ولو لزم -يا ذوي الحجا- أهل السنة والآثار إذا أثبتوا لمعبودهم يدين كما ثبتهما الله لنفسه وثبتوا له نفسا عز ربنا وجل، وإنه سميع بصير، يسمع ويرى، ما ادعى هؤلاء الجهلة عليهم أنهم مشبهة، للزم كل من سمى الله ملكاً أو عظيماً ورءوفاً ورحيماً وجباراً
стр. 344
ومتكبراً، أنه قد شبه خالقه بخلقه، حاشا لله أن يكون من وصف الله عز وعلا بما وصف الله به نفسه في كتابه، أو على لسان نبيه المصطفى ﷺ مشبهاً خالقه بخلقه. ... ) (١) اهـ.
وقال مثله في صفة اليد، والأصابع، ونحوها.
- عمرو بن عثمان أبو عبد الله المكي الزاهد (توفي بعد ٣٠٠ هـ)
قال في كتابه "التعرف بأحوال العباد والمتعبدين" في باب ما يجيء الشيطان للتائبين: (فإن اعتصمت بها وامتنعت منه، أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ فقال لك: إذا كان موصوفاً بكذا، أو وصفته، أوجب له التشبيه. فأكذبه لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى) (٢) اهـ.
- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (٣٨٤ هـ)
قال في الرد على مؤولة صفة النزول لله تعالى: (فيقول -أي المعطل-: إن قلنا ينزل، فقد قلنا إنه يزول، والله لا يزول، ولو كان ينزل لزال لأن كل نازل زائل.
стр. 345
فقلنا: أو لستم تزعمون أنكم تنفون التشبيه عن رب العالمين؟ فقد صرتم بهذه المقالة إلى أقبح التشبيه، وأشد الخلاف، لأنكم إن جحدتم الآثار وكذبتم بالحديث رددتم على رسول الله ﷺ قوله، وكذبتم خبره.
وإن قلتم لا ينزل إلا بزوال، فقد شبهتموه بخلقه، وزعمتم أنه لا يقدر أن ينزل إلا بزواله على وصف المخلوق الذي إذا كان بمكان خلا منه مكان.
لكن نصدق نبينا كما قال: (ينزل ربنا ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله) (١) اهـ. [الإبانة ٣/ ٢٣٩]
وقال أيضاً: (وقالوا: لا نقبل ولا يجوز أن نصف الله إلا بما قبله المعقول.
وقالوا: لا نقول إن لله يدين، لأن اليدين لا تكون إلا بالأصابع وكف وساعدين وراحة ومفاصل، ففروا بزعمهم من التشبيه، ففيه وقعوا، وإليه صاروا.
وكل ما زعموا من ذلك، فإنما هو من صفات المخلوقين، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، لأن يد الله بلا كيف، وقد أكذبهم الله وأكذبهم الرسول.) اهـ.
стр. 346
- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)
قال: (فقال ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ الأنعام١٢، وقال النبي ﷺ : (قال الله تعالى وتقدس: إني حرمت الظلم على نفسي) وقال النبي ﷺ بياناً لقوله: (إن الله كتب كتاباً على نفسه فهو عنده: إن رحمتي سبقت غضبي) فبين مراد الله فيما أخبر عن نفسه، وبين أن نفسه قديم غير فان بفناء الخلق، وأن ذاته لا توصف إلا بما وصف، ووصفه النبي ﷺ ، لأن المجاوز وصفهما يوجب المماثلة، والتمثيل والتشبيه لا يكون إلا بالتحقيق، ولا يكون باتفاق الأسماء، وإنما وافق الاسم النفس اسم نفس الإنسان الذي سماه الله نفساً منفوسة، وكذلك سائر الأسماء التي سمى بها خلقه، إنما هي مستعارة لخلقه منحها عباده للمعرفة. ... - ثم ذكر جملة من الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصف بها خلقه، فذكر الكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والرحمة، ثم قال: فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ....
ففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه
стр. 347
رسوله ﷺ ، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.
- الإمام المقرئ المحدث أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (٤٢٩ هـ)
قال الذهبي: (وقال أهل السنة في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،: إن الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز.
стр. 348
فقد قال قوم من المعتزلة والجهمية لا يجوز أن يسمى الله بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق، فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه، فإذا سئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه.
قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها، لأن المعقول في اللغة أن الاشتباه في اللغة لا تحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباهاً لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبهاً للموجودين، وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجوده الاشتباه بينه وبين الموجودات، قلنا: فكذلك هو حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم، يعني ولا يلزم اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات) (١) اهـ.
- الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ)
قال في كتاب "الإبانة": (والأصل الذي يجب أن يُعلم:
стр. 349
أن اتفاق التسميات لا يوجب اتفاق المسمّين بها، فنحن إذا قلنا: إن الله موجود رؤوف واحد حي عليم سميع بصير متكلم، وقلنا: إن النبي ﷺ كان موجوداً حياً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً لم يكن ذلك تشبيهاً ولا خالفنا به أحداً من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات، والموجود منا إنما وجد عن عدم، وحَيِيَ بمعنىً حلّه، ثم يصير ميتاً بزوال ذلك المعنى، وعَلِم بعد أن لم يعلم، وقد ينسى ما علم وسمع وأبصر وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات، فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق ، وإن اتفقت مسميات هذه الصفات) (١) اهـ.
- القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)
قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة في الكلام حول اعتقاد والده: (وذكر ﵀ عليه كلاماً معناه: أن التشبيه إنما يلزم الحنبلية أن لو وجد منهم أحد أمرين:
إما أن يكونوا هم الذين ابتدأوا الصفة لله واخترعوها.
أو يكونوا قد صرحوا باعتقاد التشبيه في الأحاديث التي هم ناقلوها.
стр. 350
فأما أن يكون صاحب الشريعة ﷺ هو المبتدىء بهذه الأحاديث، وقوله ﷺ حجة يسقط بها ما يعارضها وهم تبع له، ثم يكون الحنبلية قد صرحوا بأنهم يعتقدون إثبات الصفات ونفي التشبيه، فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟.
وعلى أنه قد ثبت أن الحنبلية إنما يعتمدون في أصول الدين على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ونحن نجد في كتاب الله وسنة رسوله ذكر الصفات ولا نجد فيهما ذكر التشبيه، فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟) (١) اهـ.
- الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (٤٦٣ هـ)
قال بعد أن روى حديث الجارية التي سألها النبي ﷺ : "أين الله؟ فقالت: في السماء. فقال: اعتقها فإنها مؤمنة": (وأما احتجاجهم لو كان في مكان لأشبه المخلوقات، لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته مخلوق، فشيء لا يلزم ولا معنى له، لأنه ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، لا يدرك بقياس، ولا يقاس بالناس، لا إله إلا هو، كان قبل كل شيء، ثم خلق الأمكنة والسموات والأرض وما بينهما، وهو الباقي بعد كل شيء، وخالق كل شيء لا شريك له،
стр. 351
وقد قال المسلمون وكل ذي عقل أنه لا يعقل كائن لا في مكان منا، وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في المعقول وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، الذي لا يبلغ من وصفه إلا إلى ما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه ورسوله، أو اجتمعت عليه الأمة الحنيفية عنه) (١) اهـ.
- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)
قال: (فصل: في الرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الله ، وسموا أهل السنة مشبهة، وليس قول أهل السنة أن لله وجهاً ويدين وسائر ما أخبر الله تعالى به عن نفسه موجباً تشبيهه بخلقه، وليس روايتهم حديث النبي ﷺ : "خلق الله آدم على صورته" بموجبة نسبة التشبيه إليهم، بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله ﷺ فهو حق، قول الله حق، وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول ورسوله ﷺ أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم وحسبنا الله ونعم الوكيل) (٢) اهـ.
стр. 352
وقال ناقلاً عن بعض أهل السنة: (إنما يلزم العباد الاستسلام، ولا يعرف ملك مقرب، ولا نبي مرسل تلك الصفات، إلا بالأسماء التي عرّفهم الرب ، ولا يدرك بالعقول والمقاييس منتهى صفات الله ، فسبيل ذلك إثبات معرفة صفاته بالاتباع والاستسلام، فإن طعن أهل الأهواء على أهل السنة ونسبوهم إلى التشبيه إذا وافقوا بين الأسماء. يقال: ليس الأمر كما يتوهمون لأن الشيئين لا يشتبهان لاشتباه أسمائها في اللفظ، وإنما يشتبهان بأنفسهما أو بمعان مشتبهة فهماً، ولو كان الأمر كما قالوا وتوهموا لاشتبهت الأشياء كلها لأنه يقع على كل واحد منهم اسم شيء) (١) اهـ.
стр. 353
- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)
قال: (قال عبد الله بن الإمام أحمد في السنة حدثني عباس العنبري حدثنا شاذ بن يحيى سمعت يزيد بن هارون وقيل له: من الجهمية؟ فقال: «من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يَقِر في قلوب العامة فهو جهمي».
قال الذهبي: ("يقر" مخفف، والعامة مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء. وهذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم لنقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً أو قياساً للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحداً من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم) (١) اهـ.
وقال: (فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس
стр. 354
كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (١) اهـ.
- الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ)
قال بعد جواز التسمي ببعض أسماء الله كالسميع والبصير: (فأما ما يتسمى به المخلوقون من أسمائه كالسميع، والبصير، والقدير، والعليم، والرحيم، فإن الإضافة قاطعة الشركة. وكذلك الوصفية.
فقولنا: زيد سميع بصير، لا يفيد إلا صفة المخلوق، وقولنا: الله سميع بصير، يفيد صفته اللائقة به، فانقطعت المشابهة بوجه من الوجوه، ولهذا قال تعالى: ﴿هل تعلم له سميا﴾ مريم٦٥) (٢) اهـ.
стр. 355
فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام إبي الحسن الأشعري وكبار أصحابه في أنه لا يلزم من صفات الله ما يلزم من صفات المخلوق
قال: (ولا يجب إذا أثبتنا هذه الصفات له على ما دلت العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها أن تكون محدثة، .. فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا) (١) اهـ.
وقال: (مسألة: ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، يدين ليستا نعمتين؟
فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة.
قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ وإن رجعونا إلى شاهدنا، أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة.
قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى فكذلك لم نجد حياً من الخلق إلا جسماً لحماً ودماً، فاقضوا بذلك على الله - تعالى عن ذلك - وإلا كنتم لقولكم تاركين ولاعتلالكم ناقضين.