← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14616

الأشاعرة في ميزان أهل السنة

فيصل الجاسم

Полный текст (723 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كلامهما مع شيء من التصرف من غير أن أشير إلى ذلك، إذ أن الغرض هو رد الشبهة وإبطال البدعة. وربما نقلت عنهما شيئاً من كلامهما في الأمور التاريخية، والاستقرائية، والمنهجية، ونحو ذلك. وقسمت الرد إلى خمسة أبواب، أدرجت تحت كل باب عدة فصول، وتحت كل فصل فروع، على النحو التالي: (الباب الأول) ذكر أصول أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته وبيان مخالفة الأشاعرة لها. وأدرجت تحته سبعة فصول. (الباب الثاني) ذكر الأدلة على إثبات بعض صفات الله تعالى التي خاض فيها الأشاعرة بالباطل. وأدرجت تحته خمسة فصول. (الباب الثالث) الرد على ما نسبه الأشعريان للسلف من تأويل. وأدرجت تحته اثني عشر فصلاً. (الباب الرابع) تبرئة أئمة السنة من الأشعرية. وأدرجت تحته سبعة فصول. (الباب الخامس) بيان أن الكلابية والأشعرية فرقتان مباينتان لأهل السنة والجماعة. وأدرجت تحته أربعة فصول.

стр. 37

الباب الأول ذكر أصول أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته وبيان مخالفة الأشاعرة لها

стр. 38

تمهيد [تعريف أهل السنة والجماعة وبيان أوصافهم] أهل السنة والجماعة هم أخص الناس بالسنة والجماعة، وأكثرهم تمسكاً بها، واتباعاً لها: قولاً وعملاً واعتقاداً. وقد قال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (قولهم: فلان على السنة، ومن أهل السنة، أي: هو موافق للتنزيل والأثر في الفعل والقول، لأن السنة لا تكون مع مخالفة الله ومخالفة رسوله) (١) اهـ. وعرف الحافظ ابن رجب السنة بقوله: (والسنة هي: الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة ولهذا كان السلف قديماً لا يطلقون اسم "السنة" إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض، وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم "السنة" بما يتعلق بالاعتقاد إلا أنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم) (٢) اهـ.

стр. 39

وقال إمام السنة في عصره أبو محمد البربهاري: (ولا يحل لرجل مسلم أن يقول: فلان صاحب سنة، حتى يعلم أنه اجتمعت فيه خصال السنة، لا يُقال له: صاحب سنة، حتى تجتمع فيه السنة كلها) (١) اهـ.

стр. 40

وأصول أهل السنة والجماعة التي يبنون عليها معتقداتهم وأعمالهم، ترتكز على الاتباع لا الابتداع، فكما أنهم لا يتعبدون الله تعالى بما يهوونه، بل بما صح به الأثر، فكذلك لا يعتقدون في الله تعالى ودينه إلا بما صح به الأثر، بل هم لهذا الأمر أشد اتباعاً، وأعظم حرصاً، وأغلظ نكيراً لمن خالف.

стр. 41

فاعتقادهم في ربهم ﵎ مستند إلى ما في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ ، لا يتجاوزنهما. مقتفين بذلك هدي سلف الأمة ونقلة الدين والشريعة أصحاب النبي ﷺ ، الذبن هم أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، فهم القوم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه. قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ التوبة ١٠٠. وقال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ النساء ١١٥. فتراهم يستدلون على ما يجب من الاعتقاد بالكتاب، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم التابعين لهم بإحسان، ثم أتباعهم، ثم بأقوال الأئمة بعدهم. وهذه هي طريقتهم في جميع كتب المعتقد، لا يذكرون شيئاً مما يُعرف بأصول الكلام، ولا يخوضون في باب أسماء الله وصفاته بعقولهم القاصرة. وسيأتي مزيد بيان لذلك. [مخالفة الأشاعرة لأهل السنة في مصدر التلقي] فطريقة البخاري في صحيحه في "كتاب التوحيد"، وكذا في كتاب "خلق أفعال العباد" في تقرير المعتقد، ظاهرة في كونه على منهج السلف وطريقهم، الذين يجعلون الكتاب والسنة أصلاً، ثم يتبعونه بكلام السلف من الصحابة والتابعين والأئمة. وهذا هو ما يُعرف بمصدر التلقي، وهو أهم ما يميز أهل السنة والجماعة من غيرهم، من حيث تحديدهم لمصدر تلقّي الاعتقاد والأحكام بالوحي المتمثل في الكتاب والسنة.

стр. 42

قال إما السنة أبو محمد الحسن البربهاري: (واعلم رحمك الله، أن الدين إنما جاء من قِبَل الله ﵎، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله ورسوله، فلا تتبع شيئاً بهواك فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام ... ) (١) اهـ.

стр. 43

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفرقان بين أهل السنة وأهل البدعة: (فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم باحسان وأئمة المسلمين، فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس ديناً غير ما جاء به الرسول، وإذا أراد معرفة شىء من الدين والكلام فيه: نظر فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم، وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستدل، فهذا أصل أهل السنة. وأهل البدع لا يجعلون اعتمادهم فى الباطن ونفس الأمر على ما تلقوه عن الرسول، بل على ما رأوه أو ذاقوه، ثم إن وجدوا السنة توافقه، والا لم يبالوا بذلك، فإذا وجدوها تخالفه أعرضوا عنها تفويضاً أو حرفوها تأويلاً. فهذا هو الفرقان بين أهل الايمان والسنة وأهل النفاق والبدعة .. ) (١) اهـ.

стр. 44

والعقل عند أهل السنة والجماعة وسيلة لفهم النصوص، وهو مناط للتكليف. وأما المتكلمون من الأشاعرة والكلابية وغيرهم فقد انحرفوا في مصدر التلقّي، وخالفوا ما أمر الله به ورسوله وما كان عليه سلف الأمة، وهم مع ذلك مختلفون في تحديده، إلا إنه يجمعهم الاعتماد على العقل، فيجعلونه الأساس في تقرير مسائل المعتقد، ويقدمونه على النقل. ولذا فهم يقسمون مباحث العقيدة إلى (عقليات) تشمل أكثر (الإلهيات) كالتوحيد والنبوات ونحو ذلك، وإلى (سمعيات) تشمل أمور الآخرة ولواحقها، وقرروا أن الأصل في العقليات هو العقل، بينما في السمعيات النقل (١). قال أبو المعالي الجويني: (اعلموا وفقكم الله: أن أصول

стр. 45

العقائد تنقسم إلى ما يُدرك عقلاً، ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعاً، وإلى ما يُدرك سمعاً، ولا يتقدر إدراكه عقلاً، وإلى ما يجوز إدراكه سمعاً وعقلاً. فأما ما لا يُدرك إلا عقلاً، فكل قاعدة في الدين تتقدم العلم بكلام الله تعالى ووجوب اتصافه بكونه صدقاً، إذ السمعيات تستند إلى كلام الله تعالى، وما يسبق ثبوته في الترتيب ثبوت الكلام وجوباً، فيستحيل أن يكون مدركه السمع. وأما ما لا يُدرك إلا سمعاً، فهو القضاء بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، ولا يجب أن يتقرر الحكم بثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنا إلا بسمع. ويتصل بهذا القسم عندنا جملة أحكام التكليف، وقضاياها من التقبيح والتحسين، والإيجاب والحظر، والندب والإباحة. وأما ما يجوز إدراكه عقلاً وسمعاً، فهو الذي تدل عليه شواهد العقول، ويُتصور ثبوت العلم بكلام الله تعالى متقدماً عليه. فهذا القسم يُتوصل إلى دركه بالسمع والعقل. ونظير هذا القسم إثبات جواز الرؤية، وإثبات استبداد الباري تعالى بالخلق والاختراع، وما ضاهاهما مما يندرج تحت الضبط الذي ذكرناه. .... فإذا ثبتت هذه المقدمة، فيتعين بعدها على كل معتن بالدين واثق بعقله أن ينظر فيما تعلقت به الأدلة السمعية، فإن صادفه غير

стр. 46

مستحيل في العقل، وكانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها، لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها ولا في تأويلها - فما هذا سبيله - فلا وجه إلا القطع به. وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلاً في العقل، وثبتت أصولها قطعاً، ولكن طريق التأويل يجول فيها، فلا سبيل إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه ثبوت ما دل الدليل السمعي على ثبوته، وإن لم يكن قاطعاً، وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفاً لقضية العقل، فهو مردود قطعاً بأن الشرع لا يخالف العقل، ولا يُتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع، ولا خفاء به.) (١) اهـ. وتأمل قوله عمن يحق له الخوض في نصوص السمع بعقله: (كل معتنٍ بالدين واثق بعقله؟!!!). وخلاصة هذا التقسيم أن العقل هو الأصل في العقائد، وعليه تُعرض السمعيات كالأحاديث والآثار، فما وافق منها عقل المتكلم من الأشاعرة وغيرهم قَبِلَه، وما خالفه حرّفه تأويلاً، أو عطله تفويضاً. وقال الغزالي في الاقتصاد: (الحمد لله الذي اجتبى من صفوة عباده عصابة الحق وأهل السنة ... وتحققوا أن لا معاندة بين الشرع

стр. 47

المنقول والحق المعقول. وعرفوا أن من ظن من الحشوية (١) وجوب الجمود على التقليد، واتباع الظواهر ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر .... وأنى يستتب الرشاد لمن يقنع بتقليد الأثر والخبر، وينكر مناهج البحث والنظر، أو لا يعلم أنه لا مستند للشرع إلا قول

стр. 48

سيد البشر ﷺ ، وبرهان العقل هو الذي عرف به صدقه فيما أخبر ... ) (١) اهـ. وصدق الإمام البربهاري وهو يصف حال هؤلاء فيقول: (ووضعوا القياس - أي في صفة الرب - وحملوا قدرة الرب، وآياته، وأحكامه، وأمره، ونهيه على عقولهم وآرائهم، فما وافق عقولهم قبلوه، وما لم يوافق عقولهم ردوه .. ) (٢) اهـ. وصرح بعضهم بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة أصل من أصول الضلالة (٣). بل وصل الأمر ببعضهم إلى أن قال: إن ذلك من أصول الكفر!! قال السنوسي في "شرح الكبرى": (وأما من زعم أن الطريق إلى معرفة الحق الكتاب والسنة، ويحرم ما سواهما، فالرد عليه: أن حجيتهما لا تُعرف إلا بالنظر العقلي، وأيضاً: فقد وقعت فيهما ظواهر من اعتقدها على ظاهرها كفر عند جماعة أو ابتدع) (٤) اهـ. وقال فيه أيضاً: (أصول الكفر ستة ... إلى أن ذكر في السادس: والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة ... والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب

стр. 49

والسنة من غير بصيرة في العقل هو أصل ضلال الحشوية، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة عملاً بظاهر قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، ﴿أأمنتم من في السماء﴾، ﴿لما خلقت بيدي﴾، ونحو ذلك) (١) اهـ. وترتب على ذلك اعتقاد أن نصوص الكتاب والسنة ظنية الدلالة، ولا تفيد اليقين. كما صرح بذلك الرازي في "أساس التقديس" وتبعه التفتازاني في "شرح العقائد النسفية". وعلى هذا الدرب سار الأشاعرة، فتراهم يقررون مسائل المعتقد بالحجج التي يسمونها عقلية ويجعلونها أصلاً، وليس الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، حتى لا تكاد تجدهم يذكرون من الآيات والأحاديث إلا على سبيل تأييد أصولهم العقلية، وكثيراً ما يقولون: "وهذا يستحيل على الله"، "وهذا يوجب الحد"، ويوجب كذا وكذا. بل حتى الذين ألفوا منهم في المعتقد على الآيات والأحاديث كالبيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" تراه يذكر الباب ويعقبه بالآيات والأحاديث، ثم يتبعه بالتأويل والخوض فيه بأصول أهل الكلام. وإليك أهم أصولهم في ذلك:

стр. 50

الفصل الأول في إثبات أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة لا على المجاز [أساس دعوة الرسل: التعريف بالمعبود] إن أساس دعوة الرسل هو التعريف بالمعبود سبحانه، ومعرفته ﵎ إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، التي تنبني عليها جميع المطالب الشرعية والمقامات السنية من حب المعبود ورجائه وتعظيمه وتمجيده، ولذلك فقد تنوعت الأدلة في بيان ما اتصف به المعبود سبحانه من جميل النعوت والصفات، وعظيم الفعال. ولما كان هذا الأمر هو محور دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، صار أظهر شيء في كتاب الله، وأعظمه بياناً، وأحسنه كلاماً هو ما يتعلق بهذا الباب العظيم. والله قد امتن على عباده بما أنزله عليهم من القرآن العظيم الذي جعله حجة على عباده، وآية على صدق دعوة نبيه، وهدى للناس في كل زمان ومكان، فأوضحه الله أعظم توضيح ويسره للتدبر والتذكر، وتعرف به إلى عباده.

стр. 51

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ القمر١٧ وقال جل وعلا واصفاً كتابه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الزخرف٣. وبين الله أنه أنزل كتابه باللسان العربي الواضح، ليُفهم عنه فقال ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. َنزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ الشعراء١٩٥. وبين ربنا ﵎ أنه أرسل الرسل ليبينوا للناس، لا ليُلغزوا ويوهموا. فقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النساء٢٦ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إبراهيم٤ وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل٤٤ ومن المحال أن يكون القرآن موصوفاً بكونه مُبيناً، ثم يكون أعظم ما فيه وهو صفة الله ونعته سبحانه خافياً لا يُهتدى إليه إلا بالتكلفات والتأويلات المخرجة له عن حقيقته. بل لا بد أن يكون واضحاً بيناً يسهل الاهتداء إليه، وفهم معناه.

стр. 52

[الأصل في الكلام: الحقيقة] ولا ريب أن الأصل في كلام الناس أن يُحمل على الحقيقة لا على المجاز، وهذا مع اختلاف نواياهم ومقاصدهم، فكيف بكلام الرب ﵎ الذي أراد به التعريف بنفسه، وبيان عظيم وصفه لتألهه القلوب وتتعلق به رباً وإلهاً. [الخطاب نوعان] والخطاب لا يخرج عن نوعين: خطاب يُقصد به التعمية على السامع والإلغاز. وهذا ينزه عنه كلام الله تعالى. وخطاب يُقصد به البيان والهدى والإرشاد. وهذا الذي وصف الله به كتابه وكلامه كما مر معنا في الآيات السابقة. فإذا أطلق الله لفظاً أو أطلق رسوله ﷺ لفظاً له معنى ظاهر بوضع اللغة، ولم يقرن به ما يدل على خلاف ظاهره وعدم إرادة ذلك المعنى، كان ذلك دالاً على أن المراد به حقيقته، وإلا لم يكن كلام الله مبيّناً، ولا مُبيناً. [الطرق التي يُعرف بها مراد المتكلم] وهذا هو أحد الطرق التي يُعرف بها مراد المتكلم. والطريق الآخر أن يُصرّح بإرادة ذلك المعنى. [عدم تنازع الصحابة في الصفات] ولذلك لم تختلف كلمة الصحابة قط في صفة من صفات الله ولا في فعل من أفعاله، ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، فكانت كلمتهم وكلمة من بعدهم من التابعين متفقة على إقرارها كما جاءت وإثبات حقائقها لله

стр. 53

تعالى على الوجه اللائق به من غير تمثيل لها بصفات المخلوقين، مع كونهم قد اختلفوا في بعض آيات الأحكام. ولم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن التابعين ولا أتباعهم حرف واحد في أن صفات الله لا يراد بها الحقيقة. بل كلامهم إما نص، وإما ظاهر: في أن صفات الله على الحقيقة، مع نفي التمثيل والتكييف. ولهذا، عجز الأشعريان أن ينقلا حرفاً واحداً عن السلف في أن المراد بالصفات أو بعضها المجاز لا الحقيقة. وإليك بعض الأدلة من الكتاب والسنة ومن أقوال سلف الأمة الدالة على كون صفات الله الواردة في الكتاب والسنة هي على الحقيقة لا على المجاز:

стр. 54

المبحث الأول دلالة الكتاب والسنة على أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة أما الكتاب فمع ما سبق ذكره في أول الفصل. قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الزخرف٣ وأما من السنة: (١) فعن أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقرأ هذه الآية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ إلى قوله تعالى ﴿سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥، قال: (رأيت رسول الله ﷺ يضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه. قال أبو هريرة ﵁: رأيت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه) (١).

стр. 55

قال ابن يونس: قال المقرئ: يعني إن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعاً وبصراً. قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية. وفي هذا الحديث تحقيق لصفتي السمع والبصر لله ، وأن الصفة الواردة في الآية إنما هي على الحقيقة، التي هي في الإنسان في العين والأذن، وليس المراد بهذا تشبيه صفة الله بصفة المخلوق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا. فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السميع البصير﴾ الشورى١١. فأثبت لنفسه السمع والبصر، ونفى مماثلته للمخلوقات. (٢) وعن عبيد الله بن مقسم: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر ﵁ كيف يحكي رسول الله ﷺ قال: (يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله ﷺ ) (١). وفيه تحقيق القبض والبسط من صفة الله تعالى، وأنها على حقيقتها من غير مماثلة لصفة المخلوق. (٣) وفي الحديث الطويل في ذكر آخر أهل الجنة دخولاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في آخره:

стр. 56

(فيقول -أي العبد-: يا رب أدخلني الجنة، قال: فيقول ما يصريني (١) منك أي عبدي، أيرضيك أن أعطيك من الجنة الدنيا ومثلها معها، قال: فيقول أتهزأ بي وأنت رب العزة، قال -الراوي-: فضحك عبد الله حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا له: لم ضحكت؟ قال: لضحك رسول الله ﷺ ، ثم قال لنا رسول الله ﷺ : ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا: لم ضحكت يا رسول الله؟ قال: لضحك الرب حين قال أتهزأ بي وأنت رب العزة) (٢). وفيه تحقيق الضحك لله تعالى. (٤) وعن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، فقال له بعض الصحابة: أتخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به؟ فقال: «إن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقول بهما هكذا»

стр. 57

وحرك أبو أحمد إصبعه (١). قلت: وأبو أحمد: هو الإمام الثقة الثبت محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الزبيري الكوفي (ت ٢٠٣هـ). وهو راو الحديث عن سفيان الثوري. وفيه تحقيق الأصابع لله تعالى. (٥) وعن حماد بن سلمة قال: ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾ الأعراف ١٤٣، قال: قال هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر، قال أبي: أرانا معاذ قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد -أي ثابت البناني-؟ قال: فضرب صدره

стр. 58

ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ فتقول: أنت ما تريد إليه (١). (٦) وعن ابن عباس ﵁ قال: مر يهودي بالنبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : يا يهودي حدثنا. فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه، والأرض على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، وأشار أبو جعفر محمد بن الصلت بخنصره أولاً، ثم تابع حتى بلغ الإبهام فأنزل الله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الزمر ٦٧ (٢). قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.

стр. 59

وقال عبد الله في "السنة": سمعت أبي ﵀ يقول: ثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان عن الأعمش عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ : «أن الله يمسك السماوات على أصبع» قال أبي ﵀: جعل يحيى يشير بأصابعه وأراني أبي كيف جعل يشير بأصبعه يضع أصبعاً أصبعاً حتى أتى على آخرها (١). وفيهما تحقيق الأصابع لله تعالى، وأنها على الحقيقة، مع مباينتها لأصابع المخلوق. (٧) وعن الحارث بن سويد قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين حديثاً عن نفسه، وحديثاً عن رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام، فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته) (٢). وفيه تحقيق صفة الفرح لله تعالى، وأنه على الحقيقة.

стр. 60

(٨) وعن أبي رزين ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه (١). قال: قلت: يا رسول الله أويضحك الرب؟ قال: نعم. قلت: لن نُعدم من رب يضحك خيراً) (٢). وفيه أن الصحابي فهم صفة الضحك لله تعالى على الحقيقة، وأنها تستلزم الخير والرحمة. (٩) وعن جابر ﵁ في حديث حجة النبي ﷺ الطويل وفيه أن النبي ﷺ قال في خطبة عرفة: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال

стр. 61

بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات) (١). وفي الحديث تحقيق علو الله تعالى بالإشارة إليه في السماء.

стр. 62

المبحث الثاني الآثار الواردة عن السلف في كون صفات الله محمولة على الحقيقة: هذه بعض أقوال أئمة السنة على أن صفات الله تعالى على الحقيقة لا على المجاز، وكلامهم هنا ما بين نصٍّ وظاهر: - الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ قال قيس بن أبي حازم: (لما قدم عمر ﵁ الشام استقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذوناً تلقاك عظماء الناس ووجوههم، فقال عمر: لا أراكم ههنا، إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء، خلوا سبيل جملي) (١). وفيه تحقيق علو الله تعالى وأنه في السماء، وفيه جواز الإشارة إليه في السماء.

стр. 63

- ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁ عن عطاء: عن ابن عباس ﵁ في قوله ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤، قال: أشار بيده إلى عينيه (١). وهذا تحقيق لصفة العين لله تعالى. - الإمام التابعي ربيعة بن عمرو الخرشي (٦٤هـ) قال في قول الله تعالى: ﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، قال: (ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء) (٢). وهذا ظاهر في إثبات حقيقة اليد لله، وأنها ليست النعمة أو القدرة. - الإمام التابعي حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي (٨٢ هـ) قال: (إن الله ﵎ لم يمس بيده من خلقه غير ثلاثة أشياء خلق الجنة بيده ثم جعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك وخلق آدم بيده وكتب التوراة لموسى) (٣).

стр. 64

وفيه تحقيق صفة اليد التي من شأنها المسيس. - زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٩٣ هـ) قال مستقيم: قال كنا عند علي بن حسين، قال: فكان يأتيه السائل، قال: فيقوم حتى يناوله، ويقول: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، قال: وأومأ بكفيه) (١). وفيه تحقيق صفة اليد لله تعالى. - التابعي العابد خالد بن معدان الكلاعي الحمصي (١٠٣ هـ) قال: (إن الله لم يمس بيده إلا آدم صلوات الله عليه خلقه بيده، والجنة، والتوراة كتبها بيده) (٢). - عكرمة أبو عبد الله مولى بن عباس (١٠٤ هـ) قال: (إن الله لم يمس بيده شيئا إلا ثلاثا: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده) (٣).

стр. 65

- الإمام التابعي عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة (١١٧ هـ) قال نافع بن عمر الجمحي: (سألت ابن أبي مليكة عن يد الله: أواحدة أو اثنتان؟ قال: بل اثنتان) (١). وفيه إثبات حقيقة اليد لله ، وإبطال حملها على المجاز والقول بأنها النعمة أو القدرة. - الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ) قال: (لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه) (٢) اهـ. وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) (٣) اهـ.

стр. 66

وقال أيضاً في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) (١) اهـ. وفيه إثبات أن الرضى والوجه واليد ونحوها صفات لله تعالى غير مؤولة. - عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ) قال بعدما ذكر جملة من صفات الله تعالى: (إلى أشباه هذا مما لا نحصيه، وقال تعالى ﴿وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، و ﴿اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور ٤٨، وقال تعالى ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه ٣٩، وقال تعالى ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقال تعالى ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الزمر٦٧، فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم) (٢) اهـ. فقوله "فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم" صريح في أن ما أثبته الله

стр. 67

تعالى لنفسه من الصفات حق على حقيقته، وأن أصل ما وُصف به ربنا من الصفات هو نظير ما وصف به المخلوق في أصل معنى الصفة لا في الحقيقة. - الإمام حماد بن زيد (١٧٩ هـ) سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء: "ينزل الله إلى السماء الدنيا" قال: (حق، كل ذلك كيف شاء الله) (١) اهـ. وقوله "حق" ظاهر في إثبات حقيقته، لأنه سؤال عن إمرار ما دل عليه ظاهره وإثباته صفة لله، لا عن ثبوته في نفس الأمر، وإلا لكان الجواب: هو صحيح، ونحو ذلك. كما أن قوله "كيف شاء الله" دال أيضاً على أن نزول الرب على حقيقته لغة، إلا أننا لا نعلم كيفيته. ولو لم يكن على حقيقته لما قال "كيف شاء الله". بل يقول: هو نزول أمره، أو رحمته. وقال أيضاً: (مثل الجهمية مثل رجل قيل له: في دارك نخلة؟ قال: نعم. قيل: فلها خوص؟ قال: لا. قيل: فلها سعف؟ قال: لا. قيل: فلها كرب؟ قال: لا. قيل: فلها جذع؟ قال: لا. قيل: فلها أصل؟ قل: لا. قيل: فلا نخلة في دارك.

стр. 68

هؤلاء الجهمية قيل لهم: لكم رب يتكلم؟ قالوا: لا. قيل: فله يد؟ قالوا: لا. قيل: فيرضى ويغضب؟ قالوا: لا. قيل: فلا رب لكم) (١) اهـ. - الفضيل بن عياض (١٨٧هـ) قال الفضيل بن عياض: (وكل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فاذا قال الجهمى: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء) (٢) اهـ. وفيه أن النزول على حقيقته في اللغة، إذ لو كان مجازاً ولم يكن صفة لله تعالى على الحقيقة، لما اعترض الجهمي على إثباته بكونه يستلزم الزوال الذي هو من لوازم حقيقة المخلوق، وهذا بظنهم الفاسد، وإلا فإنه لا يلزم في حق الخالق ما يلزم في حق المخلوق. وسيأتي تقرير هذا الأصل في الفصل السادس.

стр. 69

- الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشى (٢٠٤ هـ) قال يونس بن عبد الأعلى المصري: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به فقال: (لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ .... - إلى أن قال: ونحو ذلك أخبار الله إيانا أنه سميع، وأن له يدين بقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وأن له يميناً بقوله ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، وأن له وجهاً ... - ثم ذكر صفة القدم، والضحك، والنزول، والعينين، والرؤية، والأصابع، ثم قال: فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله ﷺ ، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.

стр. 70

فتأمل قوله: "وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته" أي حقيقة اتصاف الله به. - الإمام الحافظ يحيى بن معين (٢٣٣ هـ) قال يحيى بن معين: (إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أن أؤمن برب يفعل ما يريد) (١) اهـ. فبين أن النزول فعل الرب، لا فعل ملك، ولا غيره. - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) قال حنبل بن إسحاق: (قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ قال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضباً شديداً، وقال: مالك ولهذا؟ أمض الحديث كما روي بلا كيف) (٢) اهـ. وقال حنبل: (سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى أن الله سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا، وأن الله يُرى، وأن الله يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث. فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به رسول الله حق

стр. 71

إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه، قد أجمل الله الصفة فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه. قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه فهذا كله يدل على أن الله يرى في الآخرة) (١) اهـ. ومراد الإمام أحمد بشناعة من شنع: الجهمية ومن شاكلهم من أصناف المعطلة الذي ينكرون حقائق الصفات لله تعالى، ويفهمون منها ما يُعلم من حقيقة صفة المخلوق، ويُلزمون صفة الله تعالى ما يَلزم من صفة المخلوق، وينسبون من أثبتها إلى التشبيه، فبين

стр. 72

رحمه الله أن تشنيعهم هذا لا يمنع من إثباتها على حقيقتها اللائقة بالله تعالى، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق. واستدلاله أيضاً ﵀ بهذه الصفات على إثبات رؤية الله تعالى دال على أن الصفات حقيقة على ظاهرها، وإلا لو كانت مجازات لم يكن فيها دلالة على رؤية الله. وقال أيضاً في إنكاره على من تأول الضحك لله بضحك الزرع: (قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق وقد كتبت عنه من الرقائق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع، وهذا كلام الجهمية) (١) اهـ. وهذا صريح منه كما ترى في أن تأويل الصفات على هذا النحو هو قول الجهمية، وأن الصفة على حقيقتها، لا تطلب لها المعاني المجازية. وقال يوسف بن موسى: (قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم) (٢) اهـ.

стр. 73

وهذا صريح أيضاً في إثبات النزول الحقيقي لله لا المجازي، كالقول بأنه نزول ملك أو نزول أمره. ولذلك قال عن نزوله (كيف شاء). وقال في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" في "باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى": (قال أحمد رضى الله عنه فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره. فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون. وحديث الزهري قال: "لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت. قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك؟ قال: سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبِّهه؟ قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله (١)

стр. 74

وليس أبْيَنَ من هذا في أن الله يتكلم حقيقة بصوت عظيم لائق به لا يشبه أصوات الخلق.

стр. 75

- الإمام إسماعيل بن يحيى المزني المصري الشافعي (٢٦٤ هـ) قال في "شرح السنة" له: (عالٍ على عرشه في مجده بذاته، وهو دانٍ بعلمه من خلقه .... إلى أن قال حاكياً الإجماع على هذا: هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضى .... ) (١). فتأمل حكايته الإجماع على أن الله قد علا عرشه بذاته ونفسه، وهذا تحقيق لصفة الاستواء على العرش، وهو علوه عليه وارتفاعه. - الإمام الحافظ محمد بن عيسى الترمذي أبو عيسى (٢٧٩ هـ) قال في سننه في الصفات: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويُؤمن بها، ولا يُتوهم، ولا يُقال كيف؟ هكذا رُوي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه) (٢) اهـ.
следующие страницы →