وقوله: (وصلح عليه أمرالدنيا والآخرة) كقول ابن عباس في تفسير نوره تعالى: (هادي أهل السماوات والأرض).
وقد ذكر أبو الحسن الأشعري وصف الله ﵎ بالنور، فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ... وأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥) (١) ا. هـ.
فالنور صفة من صفات ربنا ﵎، ومنه اشتق اسم (النور) الذي هو أحد الأسماء الحسنى لله تعالى.
سادساً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ لنصوص (الوجه):
زعم الأشعريان أن ابن عباس ﵁ تأول صفة الوجه لله.
стр. 527
فقالا (٢٣٤): (قال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، قال ﵁: الوجه عبارة عنه) ا. هـ.
فالجواب: أن هذا الذي ذكره القرطبي ليس له أصل عن ابن عباس ﵁.
والثابت عن ابن عباس ﵁ إثبات الوجه لله تعالى:
فقد قال ﵁ في قوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ يونس٢٦: (الزيادة: النظر إلى وجه الله) (١).
وقال ﵁ في قوله تعالى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ القيامة٢٣: (نظرت إلى خالقها) (٢).
سابعاً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ للفظ (الساق):
زعم الأشعريان أن ابن عباس ﵁ تأول صفة الساق لله تعالى.
فقالا (٢٣٤): (قال تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ القلم٤٢، قال ﵁: عن كرب شديد) اهـ.
والجواب أن يُقال:
أولاً: أن الصحابة متنازعون في هذه الآية، فابن عباس وطائفة يفسرون الآية بالشدة، وأبو سعيد وابن مسعود وطائفة يعدونها من الصفات، وليس هذا تنازعاً في إثبات الصفة، وإنما تنازع في كونها من آيات الصفات؟
стр. 528
ولا ريب أن ظاهر الآية لا يدل على أنها من الصفات، لأن الساق فيها جاءت نكرة في سياق الإثبات، لم يضفها سبحانه لنفسه، فلم يقل (ساقه)، فلما لم يعرّفها بالإضافة، لم تكن دالة على صفة لله، ولذلك لم يعدها ابن عباس من آيات الصفات.
والذين جعلوها من آيات الصفات، إنما عدوها للحديث الذي في الصحيحين، لا لظاهر الآية. ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف.
وعلى هذا فلا يصح أن يقال أن ابن عباس تأول الآية!
ثانياً: أن صفة الساق لله تعالى ثابتة في السنة:
فعن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً) (١).
ثامناً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ للفظ (الجنب):
زعم الأشعريان أن ابن عباس ﵁ تأول قوله تعالى: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ الزمر٥٦، فقال: تركت من طاعة الله وأمر الله وثوابه.
стр. 529
وكذلك ورد مثله عن مجاهد والسدي والحسن.
والجواب أن يقال: أن هذا الكلام يدل على جهل كبير، إذ لا يمكن دعوى التأويل هنا حتى يثبت عن السلف أنهم جعلوا (الجنب) صفة لله تعالى، فعندها يمكن دعوى تأويل ابن عباس ومن وافقه.
ولم يقل أحد من السلف قط أن الجنب في الآية صفة لله تعالى.
وهذا من الخطأ الذي يقع فيه الناس، فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية.
قال الدارمي في رده على المريسي: (وادعى المعارض زوراً على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ الزمر٥٦، قال: يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو، وليس ذلك على ما يتوهمونه.
فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك. فإن كنت صادقاً في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا فَلِمَ تشّنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك، ومن إمامك؟ إنما تفسيرها عندهم، تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله، واختاروا عليها الكفر والسخرية
стр. 530
بأولياء الله، فسماهم الساخرين، فهذا تفسير الجنب عندهم. فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب؟ فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين، فضلاً عن علمائهم، وقد قال أبو بكر الصديق ﵁ "الكذب مجانب للإيمان" وقال ابن مسعود: "لا يجوز من الكذب جد ولا هزل" وقال الشعبي "من كان كذابا فهو منافق") (١) ا. هـ.
والآية يقول الله تعالى فيها: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين. بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين﴾ الزمر (٥٦ - ٥٩).
وهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الظالمة لنفسها، ومعلوم أن عامة هذه النفوس لا تعلم أن لله جنباً، ولا تقر بذلك، كما هو الموجود منها في الدنيا، فكيف يكون ظاهر القرآن أن الله أخبر عنهم بذلك.
وقوله تعالى: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ إخبار عن تحسرهم على التفريط في جنب الله، والتفريط إما فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائماً بذات الله، لا في جنب ولا في غيره، بل يكون
стр. 531
منفصلاً عن الله، وهذا معلوم بالحس والمشاهدة، فظاهر االآية لا يدل على أن قول القائل: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وذاته.
وإنما المراد بجنب الله، طاعة الله، وأمر الله، وحق الله، كما يقال (سبيل الله). ومنه ما ورد من قوله ﷺ : (من قتل دون ماله مظلوما فهو شهيد، ومن قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون جاره فهو شهيد، ومن قتل في جنب الله فهو شهيد) (١).
وكما في قول إبي الدرداء ﵁: (إنك لن تتفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب الله، ثم ترجع إلى نفسك فتجدها أمقت من سائر الناس) (٢).
وفي قول خالد بن معدان: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر، ثم يرجع إلى نفسه فتكون هي أحقر حاقر) (٣).
قال ابن منظور في اللسان (مادة جنب): (قال الفراء: الجنب القرب، وقوله : ﴿على ما فرطت في جنب الله﴾ أي: في
стр. 532
قرب الله وجواره، والجنب معظم الشيء وأكثره، ومنه قولهم: هذا قليل في جنب مودتك. وقال ابن الأعرابي في قوله : ﴿في جنب الله﴾ في قرب الله من الجنة. وقال الزجاج: معناه على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه، وهو توحيد الله والإقرار بنبوة رسوله، وهو محمد وقولهم: اتق الله في جنب أخيك ولا تقدح في ساقه، معناه: لا تقتله ولا تفتنه) (١) اهـ.
تاسعاً: دعوى تأويل مجاهد والضحاك والشافعي والبخاري للفظ (الوجه):
زعم الأشعريان أن مجاهداً والضحاك والشافعي أولوا صفة الوجه لله تعالى. فقالوا في قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ البقرة١١٥، قال مجاهد: قبلة الله، وقال الشافعي: فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه.
والجواب: أن هذه الآية مما اختلف السلف في كونها من آيات الصفات؟.
وأكثر السلف على أنها ليست من آيات الصفات، ففسروها بما ذُكر.
стр. 533
لأن الوجه قد يراد به الجهة في لغة العرب، وهذا كثير مشهور، وظاهر الآية يدل على أن المراد بالوجه الجهة لا الصفة. ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف.
وجميع من نُقل عنهم تفسير هذه الآية بغير الصفة، كمجاهد وغيره، فإنهم لم يقولوا ذلك إلا في هذا الموضع فقط دون غيره من المواضع التي فيها ذكر الوجه لله تعالى كقوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، ونحوها من الآيات. ولم ينف أحد منهم أن يكون الله متصفاً بالوجه حقيقة.
وقد روى الدارقطني في الرؤية (رقم ٢٤٣/ص١٦٢) عن الضحاك قال: (الزيادة النظر إلى وجه الله (١).
وقال اللالكائي في شرح أصول أهل السنة (٣/ ٤٥٤): (سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله عزوجل على أن المؤمنين يرون الله عزوجل يوم القيامة بأبصارهم:
قال الله عزوجل للذين أحسنوا الحسنى وزيادة روى عن النبي ﷺ فيما صح عنه من تفسيره أنه النظر إلى الله عزوجل.
وروى ذلك من الصحابة: عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن
стр. 534
اليمان وأبي موسى الأشعري وابن مسعود وابن عباس.
ومن التابعين: عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن المسبب والحسن وعكرمة وعامر بن سعد البجلي وأبي اسحاق السبيعي ومجاهد وعبد الرحمن بن سابط وقتادة والضحاك وأبو سنان ... -ثم ساقها بأسانيدها،
ثم أسند عن مجاهد من طريق ابن أبي حاتم أنه قال: (﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ يونس٢٦، قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى الرب) (١) اهـ.
وعن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، قال: (إلا ما أريد به وجهه) (٢).
والآثار في إثبات وجه الله تعالى عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين متواترة. ولا يخلو كتاب من كتب السنة من باب في إثبات الوجه لله تعالى. وصنف الدارقطني كتاب "الرؤية".
وأما ما ذكراه عن الضحاك وأبي عبيدة والبخاري في قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، فقالا: قال الضحاك وأبو عبيدة: إي إلا هو. وقال البخاري: إلا ما أريد به وجهه.
стр. 535
فهذا ليس من التأويل في شيء، لأن الشيء قد يعبر عنه ببعض صفاته، فقوله ﴿إلا وجهه﴾ المراد به ذاته تعالى المتصفة بالصفات ومنها الوجه، وهذا ظاهر لا خفاء فيه، إذ لا يفنى منه شيء تعالى الله عن ذلك، وإنما عبر الله عن ذلك بذكر صفة من صفاته وهي وجهه تعالى.
فتفسير الضحاك وأبو عبيدة ليس نفياً لصفة الوجه بل إثبات لها، لأن الوجه المذكور في الآية لو لم يكن صفة له سبحانه، لما دل على بقاءه، ولَكان داخلاً في قوله ﴿كل شيء هالك﴾ تعالى الله عن ذلك.
ويؤكد هذا أن البخاري ﵀ قد عقد باباً في صحيحه في إثبات الوجه لله تعالى مستدلاً بهذه الآية، فقال في كتاب التوحيد:
(باب قول الله تعالى ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨:
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حماد بن زيد عن عمرو عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ الأنعام٦٥، قال النبي ﷺ : أعوذ بوجهك، فقال: ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ فقال النبي ﷺ : أعوذ بوجهك، قال: ﴿أو يلبسكم شيعا﴾ فقال النبي ﷺ : هذا أيسر) ا. هـ
стр. 536
فجعل قوله ﷺ : (أعوذ بوجهك) تفسيراً لقوله تعالى: ﴿إلا وجهه﴾، وكلاهما دليل على إثبات صفة الوجه لله تعالى.
وبهذا يتبين بأن ما ذكره البخاري في تفسيرها، لا ينافي إثبات صفة الوجه لله تعالى، بل يثبته، ولذلك استدل بها.
قال ابن كثير في تفسيره: (وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وجهه﴾ القصص٨٨، إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ها هنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه.
وقد ثبت في الصحيح، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد: ألا كلُّ شَيْء مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ".
وقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له. قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: أسْتَغْفِرُ اللهَ ذنبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبّ العبَاد، إلَيه الوَجْهُ والعَمَلُ ...
وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة. والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات
стр. 537
فانية وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء.) (١) ا. هـ
ويحسن هنا ذكر قاعدة مفيدة ذكرها ابن القيم قائلاً: (وها هنا قاعدة يجب التنبيه عليها، وهي: أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما شيء في موارد النزاع، لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى الآية، أو الحديث، وهو نظير اختلافهم في تفسير آيات وأحاديث، مثل تنازع ابن عباس وعائشة في قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ النجم١٣، فقال ابن عباس: رأى ربه، وقالت عائشة: بل رأى جبرائيل، وكتنازع ابن مسعود وابن عباس في قوله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ الدخان١٠، فقال ابن مسعود: هو ما أصاب قريشاً من الجوع، حتى كان أحدهم يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان، وقال ابن عباس: هو دخان يجيء يوم القيامة، وهذا هو الصحيح، ونظائر ذلك، فالحجة هي التي تفصل بين الناس) (٢) اهـ
وقال ابن تيمية: (تأويل السلف إن صدر من الصحابة فهو مقبول، لأنهم سمعوه من الرسول، وإن صدر من غيرهم وتابعهم
стр. 538
عليه الأئمة قبلناه، وإن تفرد نبذناه وأعرضنا عنه إعراضنا عن تأويل الخلف) (١) اهـ.
عاشراً: دعوى تأويل الثوري للاستواء:
قال الأشعريان (ص٢٣٦): (وأول سفيان الثوري الاستواء على العرش: بقصد أمره، والاستواء إلى السماء: بالقصد إليها (مرقاة المفاتيح ٢/ ١٣٧)) اهـ.
وهذا الأثر ذكره ملا على القاري في "المرقاة" جزافاً بلا إسناد ولا عزو، ولا يُعرف هذا التأويل عن الثوري. بل المعروف المتواتر عنه قوله في جميع الصفات: (أمرّوها كما جاءت بلا كيف). وقد سبق تخريجه والكلام عليه.
ولا يُعرف عن أحد من السلف قط أنه أوّل الاستواء لله تعالى بغير العلو، سواء ما عُدّي بـ على (استوى على) أو ما عُدّي بـ إلى (استوى إلى).
الحادي عشر: دعوى تأويل الإمام مالك لصفة النزول:
زعم الأشعريان أن الإمام مالكاً قد أول صفة النزول لله تعالى فقالا: (سئل الإمام مالك ﵀ عن نزول الرب ، فقال:
стр. 539
"ينزل أمره كل سحر، فأما هو فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلا هو) ا. هـ
فالجواب: أن هذا الأثر لا يصح عن الإمام مالك لأمور:
أولها: أنه من رواية حبيب كاتب مالك، وهو كذاب
قال أبو داود: (كان من أكذب الناس)، وقال: (أحاديثه كلها موضوعة)، وقال ابن حبان: (يروي الموضوعات عن الثقات) (١).
وقال ابن عدي: (وعامة حديث حبيب موضوع المتن مقلوب الإسناد، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بيّن في الكذابين) (٢) اهـ.
وللأثر طريق آخر ذكره ابن عبد البر في التمهيد من طريق محمد بن علي الجبلي عن جامع بن سوادة عن مطرف عن مالك أنه سئل عن حديث التنزل فقال: (يتنزل أمره) (٣).
وهذا إسناد مظلم، فإن محمد بن علي الجبُّلي قال عنه الخطيب: (قيل إن كان رافضياً شديد الرفض) (٤) اهـ.
стр. 540
وأما جامع بن سوادة فمجهول، وقد روى له الدارقطني في غرائب مالك حديثاً ثم قال: (الحديث باطل، وجامع ضعيف) (١) اهـ.
وقال عنه ابن الجوزي في الموضوعات بعد أن روى له حديث الجمع بين الزوجين: (هذا موضوع وجامع مجهول) (٢) اهـ.
الثاني: أن هذا الأثر مخالف للمعروف المستفيض عن الإمام مالك من إمرار الصفات على ظاهرها، وعدم التعرض لها بتأويل ولا غيره.
كما في رواية الوليد بن مسلم عنه حيث قال: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف) (٣) اهـ.
وكما في الأثر المشهور المستفيض عنه لما سئل عن كيفية الاستواء فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول .. ) (٤).
وكذا ما رواه ابن أبي زمنين في "أصول السنة" حيث قال في "باب الإيمان بالنزول": (ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء
стр. 541
الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حداً، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشائخ مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق) (١) اهـ. فهذا هو المعروف المشهور المستفيض عن الإمام مالك.
أما قول الأشعريّيْن عن هذا الأثر مدافعين عن ضعفه وعدم ثبوته (حاشية ص١٣٠): (إلا أن أصحاب المذهب أعرف بأقوال إمامهم من غيرهم، لا سيما إذا كان القول مشهوراً عندهم شهرة مستفيضة) اهـ.
ولا أدري هل يعرف الأشعريان معنى الشهرة المستفيضة أم لا؟
فإن القول المستفيض المشهور عن الإمام هو الذي يُروى عنه بطرق متعددة، وينقله كبار أصحابه ومعاصريه، أما ما رواه المتأخرون عنه بسند موضوع، ولا يعرف له أصل صحيح عنه، ولا ذكره أحد من ثقات أصحابه الذين لازموه، ولا سطروه في كتبهم مما نقلوه عن إمامهم، فكيف يكون هذا مشهوراً شهرة مستفيضة!!!
وهذا الأثر لا يثبت عن الإمام مالك، فضلاً عن شهرته عنه، وإنما ينقله من يعتقد تأويل الصفات، وأنها ليست على حقيقتها،
стр. 542
فيفرح بمثله معرضاً عما في الكتاب والسنة وما تواتر عن سلف الأمة، ومعرضاً عما هو المعروف عن إمامهم.
وحسبك بهذا الأثر نكارةً أنه لم يُذكر في شيء من كتب السنة التي تنقل معتقد السلف وأقوالهم قط، ولا في شيء من كتب أصحاب الإمام مالك التي تنقل أقواله واختياراته كالمدونة وغيرها، ولم يُسطر في كتاب يحكي عقيدة الإمام مالك، كالرسالة لابن أبي زيد القيرواني. فكيف بمكن بعد هذا أن يكون مشهوراً مستفيضاً عن الإمام مالك!!!
وأظهر منه في البطلان والكذب ما حكياه عن الإمام مالك فقالا (ص١٢٩): (ذكر الإمام ناصر الدين بن المنير الإسكندري المالكي في كتابه "المنتقى في شرف المصطفى" لما تكلم عن الجهة وقرر نفيها قال: "ولهذا أشار مالك رحمه الله تعالى في قوله "لا تفضلوني على يونس بن متى" فقال مالك: إنما خص يونس للتنبيه على التنزيه لأنه رفع إلى العرش، ويونس ﵇ هبط إلى قاموس البحر ونسبتهما مع ذلك من حيث الجهة إلى الحق ﷻ نسبة واحدة، ولو كان الفضل بالمكان لكان ﵇ أقرب من يونس بن متى وأفضل، ولَمَا نهى عن ذلك) ا. هـ) اهـ.
وهذا كذب على الإمام مالك بلا ريب، وافتراء عليه وبهتان، فأين وجدتم هذا القول عن مالك؟، وفي أي كتاب مسند أثرتموه؟!!!
стр. 543
وهذا إنما قاله أبو المعالي الجويني، منكراً علو الله تعالى على خلقه، وارتفاعه بذاته على عرشه.
وهذا الحديث المذكور ليس له أصل
قال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار: (غريب جداً) (١).
والزيلعي كثيراً ما يطلق هذا اللفظ على ما كان موضوعاً. ذكر ذلك الشيخ ثناء الله الزاهدي في "توجيه القاري" (٢).
وإنما المعروف ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) (٣).
وفي الصحيحين عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ نحوه.
الثاني عشر: دعوى تأويل الإمام أحمد مجيء الله تعالى:
زعم الأشعريان أن الإمام أحمد قد تأول صفة المجيء لله تعالى فقالا: (جاء في البداية والنهاية للإمام الحافظ ابن كثير ما نصه: "روى البيهقي عن الحاكم عن عمرو بن السماك عن حنبل: أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى: ﴿وجاء ربك﴾ الفجر٢٢، أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه) اهـ.
стр. 544
ثم قالا: (ونقل ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ البقرة٢١٠،أنه قال: المراد به قدرته وأمره.) اهـ.
والجواب أن يقال:
أولاً: أن هذه الرواية التي رواها حنبل، إنما قالها الإمام أحمد -على فرض ثبوتها- في مناظرته للجهمية في القرآن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر كلام ابن الجوزي وما نقله عن القاضي أبي يعلى: (قلت: هذا الذي ذكره القاضى وغيره أن حنبلاً نقله عن أحمد فى كتاب المحنة، أنه قال ذلك فى المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله "تجيء البقرة وآل عمران" قالوا": والمجيء لا يكون إلا لمخلوق، فعارضهم أحمد بقوله: ﴿وجاء ربك﴾ الفجر٢٢، أو ﴿يأتى ربك﴾ الأنعام١٥٨، وقال: المراد بقوله تجيء البقرة وآل عمران ثوابهما، كما فى قوله ﴿وجاء ربك﴾ أمره وقدرته) (١) اهـ.
وهذا يدل على أن الإمام أحمد إنما قاله على سبيل المعارضة وإبطال حجة الخصم من كلامه وما يعتقده، وهذا من باب التنزل، فإن الجهمية كانت تتأول مجيئه سبحانه وإتيانه بمجيء وإتيان أمره، لا أنه يجيء بنفسه، ولم يكن هذا دالاً عندهم على أن من نُسب إليه
стр. 545
المجيء والإتيان مخلوقاً، فعارضهم بهذا الأصل، فقال: فكذلك وصف الله سبحانه كلامه وهو القرآن بالمجيء في حديث "تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غيايتان" هو مثل وصف نفسه بذلك، فلا يدل على أن كلامه مخلوق، بل يحمل مجيء القرآن على مجيء ثوابه، كما حملتم مجيئه سبحانه وإتيانه على مجيء أمره وقدرته.
فالإمام أحمد ذكر ذلك على وجه المعارضة والإلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما احتجوا به عليه، لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به.
ثانياً: أن هذا مخالف للمتواتر المشهور عن الإمام أحمد في هذا الباب من وجوب إمرار الصفات على ظاهرها، ومنع التعرض لها بتأويل أو غيره. بل إن حنبلاً نفسه نقل عنه ترك التأويل والمنع منه مطلقاً:
فقال حنبل بن إسحاق: (قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ قال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضباً شديداً، وقال: مالك ولهذا؟ أمض الحديث كما روي بلا كيف) (١) اهـ.
وقال حنبل: (سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى أن الله سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا، وأن الله يُرى، وأن الله يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث.
стр. 546
فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به رسول الله حق إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه، قد أجمل الله الصفة فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه. قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه فهذا كله يدل على أن الله يرى في الآخرة) (١) اهـ.
وقال القاضي أبو يعلى في "إبطال التأويلات": (وقال يوسف بن موسى قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم) (٢) اهـ.
стр. 547
وقال إسحاق بن منصور: (قلت لأحمد: "ينزل ربنا وجل كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا" أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.) (١) اهـ.
وقال أحمد بن الحسين بن حسان: قيل لأبي عبد الله: "إن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة"؟ قال: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قال: نعم.
وقال القاضي أبو يعلى: (وقال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش.
قال القاضي معلقاً: فقد صرح أحمد أن العرش لا يخلو منه، وهكذا القول عندنا في قوله ﴿وجاء ربك والملك﴾ الفجر٢٢، والمراد به مجيء ذاته لا على وجه الانتقال.) (٢) اهـ.
وقول الإمام أحمد أنه ينزل ولا يخلو منه العرش ظاهر في أن النزول حقيقة، وأنه نزول الله تعالى لا نزول أمره، ولا نزول ملك. ومعلوم أن من لا يعتقد أن الله فوق العرش فهو لا يعتقد نزوله، لا بخلو، ولا بغير خلو.
وهذا يؤكد أن هذه الرواية شاذة، وإنما هي وهم من حنبل.
стр. 548
قال ابن القيم عن حنبل: (وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه، وإذا تفرد بما يخالف المشهور عنه فالخلال وصاحبه عبد العزيز لا يثبتون ذلك رواية) (١) اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هكذا نقل حنبل، ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته فى المحنة، كعبد الله بن أحمد، وصالح بن أحمد، والمروذى وغيره) (٢) اهـ.
بل لم يذكره الإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" لما تكلم عن احتجاجهم على خلق القرآن بالحديث.
وقد قال الأشعريان تعليقاً على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتقريراً لثبوت الرواية: (أما كون المشهور عن الإمام أحمد عدم التأويل، فإنه لا يناقض هذه الرواية، وقد يكون المشهور المتواتر عن إمام شيء ويثبت عنه شيء آخر على سبيل الندور، لا سيما إذا لم يتعارض الأمران ويتناقضا كما هو في ما نحن فيه، وقد نقل عن السلف تجنبهم للتأويل وبغضهم للخوض في ذلك، كما أيضاً كلمات لهم في تأويل بعض الألفاظ، وكلا الأمرين لا بأس به .. ) اهـ.
ولا شك أن هذا الكلام يأباه التحقيق العلمي والعقلي، إذ أن الإمام أحمد والسلف لم ينهوا عن تأويل الصفات نهياً مجرداً، بل كان نهياً مقروناً بالتغليظ، والحكم بالبدعة على من فعله، والأمر
стр. 549
بهجره والتحذير منه، وحكاية الإجماع على بطلانه، كما سبق أن نقلنا بعض كلامهم في هذا في الفصل الرابع من الباب الأول.
فكيف يستقيم أن يقع الإمام أحمد والسلف فيه!!!
أم كيف يستقيم أن يُقال: ليس هذا بتعارض ولا تناقض، أو الأمر يسير. بل الخطب عظيم. وإذا لم يكن تناقضاً، فلا ندري ما التناقض؟!!!
الثالث عشر: دعوى تأويل البخاري لصفة الضحك:
زعم الأشعريان أن البخاري قد تأول صفة الضحك لله تعالى فنقلا عن البيهقي في الأسماء والصفات أنه قال: (قال البخاري: معنى الضحك الرحمة .... ) اهـ.
والجواب: أن هذا لا يثبت عن البخاري لعدة أمور:
أولاً: أن البيهقي علقه عن البخاري ولم يسنده فقال: (أما الضحك المذكور في الخبر فقد روى الفربري عن محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ أنه قال: "معنى الضحك فيه الرحمة").
ولعله أخذه عن الخطابي في أعلام السنن حيث قال بعد حديث الأنصاري وامرأته وفيه: "لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة .. ": (قال أبو عبد الله: معنى الضحك: الرحمة، وهذا من رواية الفربري، ليس عن ابن معقل) (١) اهـ.
стр. 550
قال ابن حجر في الفتح معلقاً: (قلت: ولم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري) (١) اهـ.
ثانياً: أن هذا معارض للمعروف من عقيدة البخاري، من كونه على طريق شيوخه كالإمام أحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة السلف، يثبت الصفات لله تعالى كما جاءت على ظاهرها، لا يتعرض لها بتأويل ولا غيره.
وسيأتي تقرير معتقد البخاري في الباب الرابع.
خلاصة الفصل:
يتبين لنا مما سبق أمور:
الأمر الأول: أنه لم يثبت حرف واحد من التأويل عن السلف ﵏، وهذا يؤكد ما سبق تقريره من أن السلف مجمعون على بطلان التأويل والمنع منه في صفات الله تعالى، وأن الواجب فيها إجراؤها على ظاهرها، مع نفي التشبيه والتكييف عنها.
الأمر الثاني: بطلان دعوى الأشعريين في ثبوت التأويل عن السلف، وبه ينهدم الأصل والركن الثاني من الأركان التي قام عليها كتابهما، حيث زعما أن السلف دائرون في صفات الله تعالى بين التفويض والتأويل، فإذا بطل ما زعموه من التفويض كما سبق تقريره في الفصل الثاني من الباب الأول، ثم بطل ما زعموه من التأويل هنا،
стр. 551
صار الكتاب مبنياً على أساس من الباطل.
الأمر الثالث: يتبين أيضاً ضعف ما لدى الأشعريين من الحجة، حيث أنهما أُلجئا إلى مثل هذه الروايات المنكرة أو التي لا أصل عن الصحابة والسلف، فلم يجدا فيما صح عن السلف ما يؤيد دعواهما.
فأي عقيدة هذه التي لا نجد لتقريرها -بعد طول البحث والتنقيب- إلا المنكرات والبواطيل؟!!
وصدق الدارمي إذ يقول في أمثال هؤلاء: (فقلت: إن أفلس الناس من الحديث وأفقرهم فيه الذي لا يجد من الحديث ما يدفع به تلك الأحاديث الصحيحة المشهورة في تلك الأبواب إلا هذا الحديث -لحديث باطل استدل به الجهمية على إنكار نزوله تعالى-، وهو أيضاً من الحديث أفلس، لأن هذا الحديث لو صح كان عليه لا له، فالحمد لله إذ ألجأتهم الضرورة إلى هذا وما أشبهه، لأنهم لو وجدوا حديثا منصوصاً في دعواهم لاحتجوا به لا بهذا، ولكن حين أيسوا من ذلك وأعياهم طلبه تعلقوا بهذا الحديث المشتبه على جهال الناس ليروجوا بسببه عليهم أغلوطة) (١) اهـ.
стр. 552
الباب الرابع
تبرئة أئمة السنة من فرية الانتساب إلى الأشعرية والكلابية
стр. 553
تمهيد
حاول الأشعريان تأكيد دعوى سلفية الأشاعرة بالاسكثار من الأتباع ممن لهم قدم صدق في الأمة، فأدخلوا في الأشاعرة كثيراً ممن عُرفوا بمنهج السلف واشتهروا به.
بل بلغ الحال بهما أن عدا الصحابة ضمن المتكلمين.
وقد وقعا في هذا الباب في أمور يُخشى أن تدخل في البهتان والافتراء على الأئمة، فإنهما يقرران ويدخلان من شاءا في جملة الأشاعرة من غير تمحيص ولا تحقيق، بل استناداً على الظنون والأوهام والحكايات ونحو ذلك مما يتعارض والتحقيق العلمي والتثبت الشرعي الذي أمرنا به ربنا .
ومن المعلوم، بل من البديهي أن من أهم المصادر التي يمكن عن طريقها معرفة منهج عالم معين أو معتقده، هو ما سطره في كتبه، وما نُقل عنه منصوصاً.
فإذا كان للعالم كتب موجودة متداولة قد قرر فيها مسائل الاعتقاد، وأبان فيها عن منهجه وطريقته، فلا بد عند حكاية معتقده
стр. 554
أن تكون هي المصدر الأول الذي يمكن الاستدلال به على عقيدته.
ومع بداهة هذا الأمر، فإننا نجد الأشعريّيْن يعرضان تماماً عما سطره العالم في كتبه وأبانه وأظهره ونص عليه، ويستندان في بيان معتقده إلى حكاية، وقصة، وسلام وحفاوة بشخص معين، ونحو ذلك من الأمور التي لا يمكن أن تقدم بأي حال من الأحوال على ما نص عليه وأوضحه وكتب فيه. وسنرى خلال جولتنا هذه بعض هذه النماذج البعيدة كل البعد عن أبسط درجات البحث العلمي الموضوعي.
стр. 555
فصل
ذكر بعض من نسبوا إلى الأشعرية وبيان براءتهم منها
وأنا أذكر بعض من نُسبوا إليهم الطريقة الأشعرية، وأبين عقيدتهم المخالفة تماماً لما عليه الأشاعرة، ولم أستوعب جميع من وسموا بالأشعرية وهم منها براء، رغبة في الاختصار.
- الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل البخاري (٢٥٦ هـ)
زعم الأشعريان أن البخاري كان موافقاً لابن كلاب في معتقده، وهي دعوى مجردة، يأباها التحقيق العلمي، والاستقراء التاريخي.
فإن البخاري ﵀ رأس في الحديث، بل هو إمام الدنيا في عصره وحامل لواء أهل الحديث، وليس هذا بعجب منه، إذ أنه كان تلميذ أئمة السنة، وعلى رأسهم إمام أهل السنة بلا منازع أحمد بن حنبل، وكذا إسحاق بن راهوية، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم من أكابر أئمة السنة وبقية السلف.
стр. 556
ومن تأمل ما سطره في صحيحه، وفي غيرها من كتبه يعلم تمام العلم، أنه كان على عقيدة أهل الأثر، لا أهل الكلام، وأنه يثبت صفات الله تعالى على الوجه اللائق به، بلا تشبيه ولا تكييف، وبلا تنزيه ينفي حقائقها.
وقد عقد كتاباً في صحيحه أسماه كتاب التوحيد، أثبت فيه الصفات لله تعالى على منوال السلف والأئمة، لا على منوال أهل الكلام، فعقد فيه ثمانية وخمسين باباً في إثبات صفات الله، منها:
- باب: (قول الله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران٢٨)، لإثبات النفس لله تعالى.
- وباب: (قول الله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨)، لإثبات الوجه لله تعالى.
- وباب: (قول الله تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩)، لإثبات العين لله تعالى.
- وباب: (قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥)، لإثبات اليد لله تعالى.
- وباب: (قول النبي ﷺ "لا شخص أغير من الله")، لإثبات الشخص لله تعالى.
- وباب: (﴿قل أي شيء أكبر شهادة﴾ الأنعام١٩، فسمى الله تعالى نفسه شيئاً. وسمى النبي ﷺ القرآن شيئاً. وهو صفة من
стр. 557
صفات الله. وقال ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨) لإثبات أن الله تعالى يُسمى شيئاً.
- وباب: (﴿وكان عرشه على الماء﴾ هود٧. ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ التوبة١٢٩)، لإثبات علو لله تعالى على خلقه، واستوائه وارتفاعه على عرشه، وأورد فيه قول أبي العالية ومجاهد: استوى: علا وارتفع، ثم ساق الأحاديث الدالة على علو الله تعالى، وأنه في السماء فوق كل شيء.
- وباب: (قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن٢٩) .. وقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ الطلاق١، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين، ففيه إثبات أن الله يوصف بأنه يحدث ما شاء.
- وأبواباً في إثبات كلام الله تعالى، منها باب لإثبات الحرف والصوت لله تعالى فقال: باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة.
- وباب: (ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق، وهو فعل الرب ﵎ وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره، وهو الخالق المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون).
стр. 558
قال ابن القيم: (وهذه الترجمة فصل في مسألة الفعل والمفعول، وقيام أفعال الرب به وأنها غير مخلوقة، وأن المخلوق هو المنفصل عنه الكائن بفعله وأمره وتكوينه، ففصل النزاع بهذه الترجمة أحسن فصل، وأبينه، وأوضحه، إذ فرق بين الفعل والمفعول، وما يقوم بالرب سبحانه، وما لا يقوم به، وبيّن أن أفعاله تعالى كصفاته، داخلة في مسمى اسمه، ليست منفصلة خارجة مكونة، بل بها يقع التكوين) (١) اهـ.
وهذا التقرير يخالف ما عليه الأشعرية من امتناع قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى لأنها حوادث، والحوادث عندهم لا تقوم إلا بحادث، فيمنعون ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال، فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجىء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وُصف بأنه مريد له قادر عليه.
وزاد البخاري هذا تأكيداً في "خلق أفعال العباد" في باب: الرد على الجهمية وأصحاب التعطيل فقال: (ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت
стр. 559
وأن أفعال العباد مخلوقة فضيق عليه حتى مضى لسبيله وتوجع أهل العلم لما نزل به وفي اتفاق المسليمن دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس بمفارق ولا مبتدع بل البدع والرئيس بالجهل بغيرهم أولى إذ يفتون بالآراء المختلفة مما لم يأذن به الله) (١) اهـ.
وقال في موضع آخر: (ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق) (٢) اهـ.
وبوب في مسائل الإيمان:
- باب: (وسمى النبي ﷺ الصلاة عملاً)، لإثبات أن العمل من الإيمان.
- وقال في باب: (قول الله تعالى ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ الصافات٩٦: (وسمى النبي ﷺ الإيمان عملاً).
وهو القائل: (كتبت عن ألف وثمانين رجلاً، ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٣) اهـ.
ومعلوم أن هذا مخالف لعقيدة الأشاعرة الذين يرون أن الإيمان هو التصديق، وأن العمل لا يسمى إيماناً.
стр. 560
وعقد في كتاب التوحيد من صحيحه غير ذلك من الأبواب الكثيرة التي يقرر فيه الصفات لله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تعرض لها بتأويل ولا تحريف.
قال الذهبي في العلو: (قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل في آخر الجامع الصحيح في كتاب "الرد على الجهمية": باب قوله تعالى ﴿وكان عرشه على الماء﴾ هود٧، قال أبو العالية: استوى إلى السماء، ارتفع. وقال مجاهد في ﴿استوى﴾: علا على العرش. وقالت زينب أم المؤمنين ﵂: "زوجني الله من فوق سبع سموات".
ثم إنه بوب على أكثر ما تنكره الجهمية، من العلو، والكلام، واليدين، والعينين، محتجاً بالآيات والأحاديث، فمن ذلك قوله: "باب قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠، و"باب قوله: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، "باب قوله: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، "باب كلام الرب مع الأنبياء"، ونحو ذلك مما إذا تعقله اللبيب عرف من تبويبه أن الجهمية ترد ذلك وتحرف الكلم عن مواضعه، وله مصنف مفرد سماه "كتاب أفعال العباد" في مسألة القرآن) (١) اهـ.
وكتب البخاري أيضاً في تقرير بعض مسائل المعتقد كتاب
стр. 561
"خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل" والذي قرر فيه معتقد أهل السنة والجماعة، ونقل كثيراً من نصوص السلف والأئمة في الصفات، والتي سبق أن ذكرنا بعضها في ثنايا كتابنا هذا، ككلامهم في علو الله تعالى على خلقه، وفي كلام الله تعالى، وقرر أنه بصوت كما سبق نقل كلامه.
فقال: (وإن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله ذكره. قال أبو عبد الله: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، وقال : ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ البقرة٢٢، فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين) (١) اهـ.
وهذه الصفة مما اتفق الأشاعرة على إنكارها، وتنزيه الله عن الاتصاف بها، بدعوى أنها تستلزم التشبيه، بناءاً على أصلهم في الكلام النفسي.
فإثبات البخاري لكلام الله تعالى وأنه بحرف وصوت، يبطل دعوى انتسابه أو تأثره بابن كلاب، لأن مسألة الكلام النفسي هي من
стр. 562
أشهر المسائل التي خالف فيها ابن كلاب السلف، ولذلك اشتد نكير الإمام أحمد عليه كما سيأتي بيانه، وأمر بهجر الحارث المحاسبي بسببه.
وعلى هذا: فطريقة البخاري في تبويبه لمسائل المعتقد تدل بشكل واضح على عدم كونه من المتكلمين، بل هو مباين لهم غاية التباين.
ومما يؤكد كون البخاري لم يكن موافقاً لابن كلاب، أنه لم يذكره في شيء من كتبه البتة، ولا عرج على كلامه، ولا على كلام أصحابه، كالحارث المحاسبي، والقلانسي، والكرابيسي، وغيرهم. لا في صحيحه، ولا في تواريخه، كالتاريخ الكبير، والأوسط، والصغير، ولا في كتبه الأخرى ككتاب "خلق أفعال العباد".
- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)
هو إمام المفسرين ومقدمهم محمد بن جرير ابن يزيد بن كثير الإمام العلم المجتهد عالم العصر أبو جعفر الطبري صاحب التصانيف البديعة من أهل آمل طبرستان.
стр. 563
ولابن جرير كتابان في المعتقد، هما "التبصير في معالم الدين" و"صريح السنة"، قد قرر فيهما المعتقد وأبان عن منهجه وطريقته، فضلاً عما سطره في ثنايا تفسيره العظيم. ومع وجود هذين الكتابين، فإن الأشعريين لم ينقلا حرفاًَ واحداً منهما، ولم يشيرا إليهما البتة، ويزعمان مع ذلك أن الطبري أشعري المعتقد!!!
وقد سبق أن نقلنا كثيراً من تقريراته في مسائل المعتقد في ثنايا الكتاب، ونؤكد هنا ما نقلنا ونزيد عليه:
علو الله تعالى بنفسه على خلقه:
قال الذهبي في العلو: (قال أبو سعيد الدينوري مستملي محمد ابن جرير قال: قريء على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وأنا أسمع في عقيدته، فقال: "وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر".
قال الذهبي: تفسير ابن جرير مشحون بأقوال السلف على الإثبات، فنقل في قوله تعالى ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ البقرة٢٩، عن الربيع بن أنس: أنه بمعنى ارتفع. ونقل في تفسير ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف٥٤، في المواضع كلها أي: علا وارتفع. وقد روى قول مجاهد، ثم قال: ليس في
стр. 564
فرق الإسلام من ينكر هذا، لا من يقر أن الله فوق العرش، ولا من ينكره من الجهمية وغيرهم.) (١) اهـ.
إثبات اليدين لله تعالى:
قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ الآية المجادلة٧: (وعني بقوله: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، بمعنى: أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه. كما حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثني نصر بن ميمون المضروب، قال: ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك، في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ .... إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾ قال: هو فوق العرش وعلمه معهم ﴿أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾) (٢) اهـ.
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤: (اختلف أهل الجدل في تأويل قوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ فقال بعضهم: عنى بذلك: نِعمتاه، .... وقال آخرون منهم: عنى بذلك القوة .... وقال آخرون منهم: بل"يده"، ملكه .....
وقال آخرون منهم: بل"يد الله" صفة من صفاته، هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم.
стр. 565
قالوا: وذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ عن خصوصه آدم بما خصّه به من خلقه إياه بيده قالوا: ولو كان معنى"اليد"، النعمة، أو القوة، أو الملك، ما كان لخصوصِه آدم بذلك وجه مفهوم، إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئتُه في خلقه تعمةٌ، وهو لجميعهم مالك. ... ) إلى أن قال: (قالوا: ففي قول الله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، مع إعلامه عبادَه أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤدّيان عن الجميع ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى"اليد"، في هذا الموضع، النعمة، وصحةِ قول من قال: إن"يد الله"، هي له صفة.
قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وقال به العلماء وأهل التأويل.) (١) اهـ.
إثبات صفة الإتيان لله تعالى:
قال في تفسير قوله تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض لآيات ربك﴾ الأنعام١٥٨: (يقول جل ثناؤه: هل ينتظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت فتقبض أرواحهم،