ما روي بلا كيف ولا حد، إنما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب قال الله : ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ النحل٧٤، ينزل كيف يشاء، بعلمه، وقدرته، وعظمته، أحاط بكل شيء علماً، لا يبلغ قدره واصف ولا ينأى عنه هرب هارب) (١) اهـ.
- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)
قال في "الرد على المريسي" في تحقيق نزول الله بنفسه: (فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته ... إلى أن قال: وهذا أيضاً من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان) (٢) اهـ.
ومعلوم أن السلف لو لم يكونوا يعتقدون نزوله تعالى بنفسه، لكانوا هم والجهمية سواء.
وقال في "الرد على الجهمية": (فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة فعارضت آثار رسول الله ﷺ برد، وتشمروا لدفعها بجد، فقالوا: كيف نزوله هذا؟
стр. 492
قلنا: لم نكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا، ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلاً أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن ينزل بقدرته ولطف ربوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول، والإيمان بقول رسول الله ﷺ في نزوله واجب، ولا يسأل الرب عما يفعل كيف يفعل وهم يسألون، لأنه القادر على ما يشاء أن يفعله كيف يشاء، وإنما يقال لفعل المخلوق الضعيف الذي لا قدرة له إلا ما أقدره الله تعالى عليه: كيف يصنع؟ وكيف قدر؟.
ولو قد آمنتم باستواء الرب على عرشه، وارتفاعه فوق السماء السابعة بدءاً إذ خلقها، كإيمان المصلين به، لقلنا لكم: ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشد عليه، ولا بأعجب من استوائه عليها إذ خلقها بدءاً، فكما قدر على الأولى منهما كيف يشاء، فكذلك يقدر على الأخرى كيف يشاء.
وليس قول رسول الله ﷺ في نزوله بأعجب من قول الله ﵎: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ البقرة٢١٠. ومن قوله: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢. فكما يقدر على هذا يقدر على ذاك.
فهذا الناطق من قول الله ، وذاك المحفوظ من قول رسول الله ﷺ بأخبار ليس عليها غبار، فإن كنتم من عباد الله
стр. 493
المؤمنين، لزمكم الإيمان بها، كما آمن بها المؤمنون، وإلا فصرحوا بما تضمرون، ودعوا هذه الأغلوطات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئن كان أهل الجهل في شك من أمركم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين) (١) اهـ.
وقال بعد ذلك كلاماً مهماً يمثل قاعدة من قواعد أهل السنة وهو قوله: (قد علمتم ذلك ورويتموها -أي أحاديث النزول وآثار الصحابة والتابعين- كما رويناها إن شاء الله، فائتوا ببعضها أنه لا ينزل منصوصاً كما روينا عنهم النزول منصوصاً حتى يكون بعض ما تأتون به ضداً لبعض ما أتيناكم به، وإلا لم يُدفع إجماع الأمة ةما ثبت عنهم في النزول منصوصاً بلا ضدٍ منصوصٍ من قولهم، أو من قول نظرائهم، ولم يُدفع شيء بلا شيء، لأن أقاويلهم ورواياتهم شيء لازمٌ وأصل منيع، وأقاويلكم ريح ليست بشيء. ولا يلزم أحداً منها شيء إلا أن تأتوا فيها بأثر ثابت مستفيض في الأمة كاستفاضة ما روينا عنهم، ولن تأتوا به أبداً .. ) (٢) اهـ.
فدونك هذا الأصل العظيم، عض عليه بالنواجذ، واعمل به في كل ما يدعيه أهل التأويل والتحريف في صفات الله تعالى.
стр. 494
- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن وضاح المرواني (٢٨٧ هـ)
قال: (كل من لقيت من أهل السنة يصدق بها، لحديث التنزل.) (١) اهـ.
ومعلوم قطعاً أن النزاع لم يكن في إثبات أحاديث النزول، وإنما في إثبات حقيقتها لله تعالى، وهو الأمر الذي تنكره الجهمية وتتأوله.
- أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي (٢٩٥ هـ)
قال والد أبي حفص بن شاهين: حضرت أبا جعفر، فسئل عن حديث النزول، فقال: (النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (٢) اهـ.
- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)
قال: (قيل له -أي للمعطل-: فما أنكرت من الخبر الذي روي عن النبي ﷺ : "أنه يهبط إلى السماء الدني فينزل إليها"؟
فإن قال: أنكرت ذلك، أَنَّ الهبوط نقلة، وأنه لا يجوز عليه الانتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك من صفات الأجسام المخلوقة.
стр. 495
قيل له: فقد قال جل ثناؤه ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢، فهل يجوز عليه المجيء؟ فإن قال: لا يجوز ذلك عليه، وإنما معنى هذا القول: وجاء أمر ربك.
قيل: قد أخبرنا ﵎ أنه يجيء هو والملَك، فزعمت أنه يجيء أمره لا هو، فكذلك تقول: أن الملك لا يجيء، إنما يجيء أمر الملَك لا الملَك، كما كان معنى مجيء الرب ﵎ مجيء أمره.
فإن قال: لا أقول ذلك في الملَك، ولكني أقول في الرب.
قيل له: فإن الخبر عن مجيء الرب ﵎ والملَك خبر واحد، فزعمت في الخبر عن الرب تعالى ذكره أنه يجيء أمره لا هو، فزعمت في الملك أنه يجيء بنفسه لا أمره، فما الفرق بينك وبين من خالفك في ذلك فقال: بل الرب هو الذي يجيء، فأما الملك فإنما يجيء أمره لا هو بنفسه؟!
فإن زعم أن الفرق بينه وبينه: أن الملك خلق لله جائز عليه الزوال والانتقال، وليس ذلك على الله جائزاً.
قيل له: وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط والنزول هو النقلة والزوال، ولا سيما على من يزعم منكم ان الله تقدست أسماؤه لا يخلو منه مكان. وكيف لم يجز عندكم أن يكون معنى المجيء والهبوط والنزول
стр. 496
بخلاف ما عقلتم من النقلة والزوال من القديم الصانع، وقد جاز عندكم أن يكون معنى العالم والقادر منه بخلاف ما عقلتم ممن سواه، بأنه عالم لا علم له، وقادر لا قدرة له؟ .... إلى أن قال: فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟
قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا ﷻ يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت، ما دامت موجودة باقية.) (١) اهـ.
- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)
قال في تحقيق صفة النزول لله: (باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﷺ في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة، نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، أعلمنا أنه ينزل والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه عليه
стр. 497
السلام بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه، من أمر دينهم فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح: أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل) (١) اهـ.
- الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الشافعي (٣٦٠ هـ)
قال: (باب الإيمان والتصديق بأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة قال محمد بن الحسين ﵀: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة، وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف، لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله ﷺ : «أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة» والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، فكما قبل العلماء عنهم ذلك كذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث، يحذرونه
стр. 498
ويحذرون منه) (١) اهـ.
- أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري (٣٨٦ هـ)
قال في كتاب "السنة": (أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، قال النبي ﷺ ، من غير أن يقال: كيف؟. فإن قيل: يَنزِل أو يُنزِل؟ قيل: يَنزل بفتح الياء وكسر الزاي. ومن قال: يُنزل بضم الياء فقد ابتدع. ومن قال: يُنزل ضياءاً ونوراً فهذا أيضاً بدعة، وردّ على النبي ﷺ ) (٢) اهـ.
- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (٣٨٤ هـ)
قال: (فنقول كما قال: "ينزل ربنا " ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله) (٣) اهـ.
- الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (٣٩٩ هـ)
قال فى باب "الإيمان بالنزول" قال: (ومن قول أهل السنة: أن الله ينزل الى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك، من غير أن يحدوا فيه حداً،) -وذكر الحديث من طريق مالك وغيره الى أن قال: (وأخبرنى
стр. 499
وهب عن ابن وضاح عن الزهرى عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشائخ: مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق. قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدى عن النزول؟ قال: نعم أومن به، ولا أحدّ فيه حداً. وسألت عنه ابن معين؟ فقال: نعم أقر به ولا أحد فيه حداً.
قال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله على العرش فى السماء دون الأرض، وهو أيضاً بيّن فى كتاب الله، وفى غير حديث عن رسول الله) (١) اهـ.
واستدلاله بحديث النزول على على الله تعالى وأنه فوق عرشه، صريح في إثبات النزول حقيقة، وهو ما كان من أعلى.
- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)
قال ﵀ في إثبات حقيقة النزول والرد على من تأولها أو كيفها: (وقال بعضهم- أي السلف-: "ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بل بالتجلي والتملي، لأنه ﷻ منزه أن تكون صفاته مثل صفات
стр. 500
الخلق، كما كان منزهاً أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ... ) إلى أن قال: (فلما صح خبر النزول عن الرسول ﷺ أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ ، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعناً كثيراً.
وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢، قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه،
стр. 501
فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب) (١) اهـ.
وما ذكره عن حماد بن أبي حنيفة صريح في أن مجيء الله المذكور في الآية هو المجيء المعروف في اللغة الذي من أصل معناه المجئ المضاف إلى الملائكة، مع التباين في الحقيقة والكيفية، إذ ليس كمثل مجيئه سبحانه مجيء شيء.
- الإمام الحافظ أبو مسعود عبد الجليل بن محمد الأصبهاني كوتاه (٥٥٣ هـ)
قال الذهبي: (قال السمعاني: لما وردت أصبهان، كان ما يخرج من داره إلا لحاجة مهمة، كان شيخه إسماعيل الحافظ هجره ومنعه من حضور مجلسه لمسألة جرت في النزول، وكان كوتاه يقول: النزول بالذات، فأنكر إسماعيل هذا وأمره بالرجوع عنه فما فعل.)
قال -الذهبي معلقاً-: ومسألة النزول، فالإيمان به
стр. 502
واجب، وترك الخوض في لوازمه أولى، وهو سبيل السلف، فما قال هذا: نزوله بذاته إلا إرغاماً لمن تأوله وقال: نزوله إلى السماء بالعلم فقط، نعوذ بالله من المراء في الدين) (١) اهـ.
- أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (٥٦١ هـ)
قال في كتابه "الغنية": (وأنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف شاء وكما شاء، فيغفر لمن أذنب، لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه كما ادعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك ... ثم ذكر آثار السلف) (٢) اهـ.
- تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (٦٠٠ هـ)
قال: (وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي عنه حقيقة النزول) (٣) اهـ.
стр. 503
- الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ)
قال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض. وأن الرسول ﷺ أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.) (١) اهـ.
وهذا ظاهر في أن النزول الثابت لله في الثلث الأخير من الليل هو على حقيقته اللائقة بالله، وهو ما كان من علو، ولذلك أورد المعترضون من أهل البدع على إثبات حقيقته من أنه يلزم منه أن يكون الله نازلاً على الدوام، لما انقدح في أذهانهم من التشبيه، وهو غير لازم إذ ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.
فمن ادعى بعد هذه النصوص المستفيضة: أن السلف متفقون على تأويل النزول، وأنه لا يراد به الحقيقة، وأن منهم من يسكت، ومنهم من يصرح بالمعنى المجازي، فلا ريب أنه قال بالكذب والبهتان، وحاله كحال من ينكر الشمس في رابعة النهار
وهل يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
стр. 504
فرع: إثبات صفة النزول الحقيقي لله من كلام أبي الحسن الأشعري
قال في سياق معتقده الموافق لأهل الحديث: (ونصدق جميع الروايات التي التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول: (هل من سائل، هل من مستغفر) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قاله أهل الزيغ والتضليل) (١) اهـ.
ومعلوم أن أهل الزيغ في هذه الصفة هم من يتأولون النزول ولا يجعلون الله متصفاً به على الحقيقة، ولذلك أكد اتصاف الله به بكونه سبحانه هو الذي ينزل فينادي عباده، لا ملك ولا غيره فقال "وأن الرب يقول".
ثم قال ﵀ مستدلاً بنزوله تعالى على إثبات علوه: (ومما يؤكد أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله ﷺ .. ) ثم ذكر أحاديث النزول (٢).
وقال في سياق معتقد أهل الحديث: (وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: "وجاء ربك والملك صفاً صفاً" وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث) (٣) اهـ.
стр. 505
المبحث الثالث
بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب
خلاصة الفصل:
أولاً: أن السلف مجمعون على إثبات النزول لله تعالى، كما ثبت في السنة المتواترة، بلا تشبيه ولا تمثيل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول، بل يثبتون نزولاً لائقاً به سبحانه، لا يماثل نزول المخلوقين. وأن السلف يقولون بمثل ذلك في كل الصفات الاختيارية الفعلية لله تعالى كالمجيء، والإتيان، والدنو، ونحو ذلك من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة.
ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في إثبات حقيقة النزول لله تعالى، من غير تأويل، ولا تحريف.
ثالثاً: أن الجهمية كانت تنكر أن ينزل الله بنفسه، وتتأول ذلك بنزول أمره، أو نزول ملك ونحوه، وأن هذا هو الذي أنكره السلف عليهم.
стр. 506
رابعاً: موافقة الأشاعرة للجهمية في تأويل النزول، وأنه لا يراد به الحقيقة، بل هو من مجازات الكلام.
قال أبو المعالي الجويني في "الإرشاد": (والوجه: حمل النزول، وإن كان مضافاً إلى الله تعالى، على نزول ملائكته المقربين .... إلى أن قال: ومما يتجه في تأويل الحديث أن يُحمل النزول على إسباغ الله نعماءه على عباده .. ) (١) اهـ.
وقال أيضاً في صفة المجيء: (بل المعني بقوله: ﴿وجاء ربك﴾ الفجر٢٢: أي جاء أمر ربك وقضاؤه الفصل وحكمه العدل) (٢) اهـ.
خامساً: بطلان دعوى الأشعريين في أن الأشاعرة متبعون للسلف، سائرون على نهجهم، وأنهم من أهل السنة.
стр. 507
الباب الثالث
بطلان ورود التأويل في صفات الله عن أحد من السلف
стр. 508
تمهيد
لما كانت دعوى الأشعريين في جواز تأويل الصفات، بل وتحتُّمه، عريضة، لم يكن بد من الاستدلال عليها من كلام السلف، فإن كلام المتأخرين إن لم يكن له أثارة من السلف الماضين، فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع.
وقد حاول الأشعريان جمع ما أمكن من أقوال الصحابة والسلف من التابعين وأتباعهم، ليستدلوا به على أن تأويل الصفات ثابت عن السلف، فوقعا في أخطاء جسيمة، هي كالتالي:
الخطأ الأول: أنهما لم ينقلا عن السلف من الكتب المسندة في الآثار، وإنما نقلا من كتب المتأخرين، بلا إسناد، ولا عزو لمصادرها.
الخطأ الثاني: أنهما لم يتحققا من صحة وثبوت ما نسباه عن السلف، واكتفيا بالدعاوى المجردة.
الخطأ الثالث: أنهما ينقلان ما يوافق هواهما من كلام بعض السلف، من غير أن يجمعا كل كلامه في المسألة ليتبين معنى كلامه
стр. 509
ومراده. ومن المعلوم أنه لا بد من جمع كلام الإمام أو الصاحب في الباب حتى يمكن التحقق من رأيه، كما يفعله أتباع الأئمة الفقهاء من جمع كلام أئمتهم كله في كل باب.
الخطأ الرابع: أنهما ربما نقلا كلاماً لبعض السلف في غير موضعه، كأن ينقلا بعض كلامهم في غير آيات الصفات، أو في آية مختلف على كونها من آيات الصفات.
وهذه الأخطاء تفقد الباب قيمته، بل تجعله كلا شيء، وتبين بعد كاتبه عن أصول التحقيق والبحث العلمي.
وأما طريقة أهل العلم في مثل هذه المسائل، فعلى خطوات:
الخطوة الأولى: التحقق من كون الآية المستدل على كلام السلف فيها، أنها مما اتُّفق على كونها من آيات الصفات، وكذا الأحاديث.
الخطوة الثانية: جمع كلام السلف في الآية أو الحديث من الكتب المسندة، حتى يُتحقق من وجود أصل لها.
الخطوة الثالثة: جمع قول كل إمام على حدة.
الخطوة الرابعة: نخل هذه الآثار، وتمييز الصحيح والثابت منها، من الضعيف.
الخطوة الخامسة: محاولة الجمع بين ما صح عن كل إمام إن كان ثمة شيء من التعارض.
стр. 510
الخطوة السادسة: التوصل إلى الصحيح من قول كل إمام، والجمع بينه وبين كلام غيره من الأئمة.
وبهذه الخطوات يمكن الوصول إلى نتيجة علمية صحيحة في كل دعوى، وإلا كان الجدال عبثاً وسفهاً.
وبالنظر إلى ما استدل به الأشعريان من كلام السلف مما زعما أنه يدل على صحة ورود التأويل عن السلف، يتبين أنه لا يخرج عن أحد أمرين:
الأول: عدم ثبوته عمن نقلا عنه، إما لكونه لا أصل له، أو لضعف سنده، أو لمعارضته لما هو أصح وأشهر من كلامه.
الثاني: أنه في غير موضعه، كأن يكون في غير آيات الصفات، أو مختلفاً فيه.
وقد سبق أن عقدنا فصلاً في إجماع السلف وإطباقهم على منع تأويل الصفات، ومعلوم قطعاً أن الذين حكوا إجماع السلف على ترك التأويل ممن نقلنا بعض كلامهم هم من أعلم الناس بالخلاف، ومن أعلمهم بالحديث والآثار، وبعضهم من كبار أئمة السلف كمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم، ويستحيل في العادة أن يحكي جميعهم الإجماع على ترك التأويل، ويكون ثابتاً عن السلف في نفس الأمر. بل هذا ضرب من المحال.
стр. 511
وهذا رد إجمالاً.
أما تفصيلاً فأنا أذكر هنا جميع ما استدلا به من كلام السلف في التأويل المزعوم، ليتبين لنا بطلان ما ادعياه.
ومن الأهمية بمكان أن يلحظ القارئ فيما سيأتي، أن جميع ما استدلا به هو عين استدلالات الجهمية!!
стр. 512
المبحث الأول
دعاوى التأويل الوارد عن السلف والجواب عليها
أولاً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ للكرسي:
استدلا عليه بما رواه الطبري من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (﴿وسع كرسيه﴾ البقرة٢٥٥، كرسيه: علمه) (١) اهـ.
وهذا لا يصح عن ابن عباس ﵁ لأمور:
أولاً: أن مداره على جعفر بن أبي المغيرة، وفيه لين، فقد لخص الحافظ ابن حجر الحكم فيه فقال: (صدوق يهم) (٢). ومثل هذا لا يُقبل تفرده بمثل هذا عند المحدثين، لا سيما عن المكثرين كسعيد بن جبير، ما لم يكن له به اختصاص، فإذا أضيف إلى ذلك
стр. 513
مخالفته للثقات المكثرين من أصحاب سعيد بن جبير، فلا شك أنه يتعين الحكم بخطئه وشذوذه، كما هو الحال هنا، وتفصيله على النحو التالي:
ثانياً: فقد خالف جعفر بن أبي المغيرة فيه من هو أوثق منه في سعيد بن جبير.
فقد رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره) (١) اهـ.
ومسلم البطين من أوثق الناس في سعيد بن جبير، وقد أخرج له البخاري ومسلم عنه.
وقال ابن منده عن جعفر بن أبي المغيرة: (ولم يتابع عليه
стр. 514
جعفر، وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير) (١) اهـ.
ثالثاً: أن المحدثين والأئمة قد صححوا رواية القدمين، وضعفوا رواية المغيرة في "العلم":
- فقد صححها أبو زرعة، فقال فيما روى عنه ابن منده في التوحيد قال: (وسئل أبو زرعة عن حديث ابن عباس: موضع القدمين، فقال: صحيح) (٢) اهـ.
- وروى الدارقطني في الصفات بإسناده: عن العباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: (شهدت زكريا بن عدي يسأل وكيعاً؟ فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث يعني: مثل الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا؟.
فقال وكيع: أدركنا إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعراً، يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئاً) (٣). اهـ.
- وقال الدارمي في "الرد على المريسي": (فيقال لهذا المريسي: أما ما رويت عن ابن عباس فإنه من رواية جعفر الأحمر، وليس جعفر الأحمر ممن يعتمد على روايته، إذ قد خالفه الرواة
стр. 515
الثقات المتقنون. وقد روى مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الكرسي خلاف ما ادعيت على ابن عباس. - ثم أسنده عن مسلم البطين به، ثم قال: فأقر المريسي بهذا الحديث وصححه.) (١) اهـ.
- وروى البيهقي الطريقين في "الأسماء والصفات" وقال: (وقال ﵎: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ البقرة٢٥٥. وروينا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: علمه.
وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور المذكور مع العرش) (٢). اهـ.
- وقال الذهبي في العلو: (وقال ابن عباس: كرسيه: علمه. فهذا جاء من طريق جعفر الأحمر، لين، وقال ابن الأنباري: إنما يروى هذا بإسناد مطعون فيه) (٣). اهـ.
- وقال أبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة: (والصحيح عن ابن عباس في الكرسي ما رواه الثوري وغيره عن عمار الدهني عن مسلم البطين -وذكره- ثم قال: وهذه رواية اتفق أهل العلم على
стр. 516
صحتها، والذي يُروى عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار) (١) اهـ.
رابعاً: أن تفسير الكرسي بموضع القدمين، هو الموافق لما صح عن النبي ﷺ ، ولأقاويل الصحابة ﵃:
فعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) (٢).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، ثم ما بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ثم ما بين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والكرسي فوق الماء، والله تعالى فوق العرش، ولا يخفى عليه من أعمالكم شيء) (٣).
стр. 517
وعن أبي موسى ﵁ قال: (الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل) (١).
والآثار في هذا الباب كثيرة.
وبهذا يتبين عدم صحة هذا الأثر عن ابن عباس ﵁ وشذوذه، وخطأ من استدل به.
ثانياً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ لمجيء الرب :
زعم الأشعريان أن ابن عباس ﵁ تأول مجيء الرب ، معتمدين على ما ذكره النسفي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك﴾ الفجر ٢٢، ما نصه: (وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه) اهـ. ومثله ما نقلاه عن الحسن.
стр. 518
وليس لهذا أصل ولا إسناد، لا عن ابن عباس ولا عن الحسن البصري، ولا ذكره أحد من المصنفين من أهل الرواية.
ثالثاً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ للفظ (الأعين)
زعم الأشعريان أن ابن عباس ﵁ تأول العين لله تعالى، فقالا: (قال تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ الطور ٤٨، قال ابن عباس ﵁: بمرأى منا ... ).
والجواب أن يقال:
أولاً: أن هذا الأثر ليس بثابت عن ابن عباس ﵁، فإن البغوي ذكره بغير إسناد، والثابت عن ابن عباس ﵁ أنه قال في قوله: ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ هود٣٧: بعين الله (١).
وقال عطاء: عن ابن عباس ﵁ في قوله ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤، قال: أشار بيده إلى عينيه (٢).
وهذا صريح منه في إثبات العينين لله تعالى.
وهذا هو المعروف عن السلف، فقد صح مثله عن أبي عمران الجوني، وقتادة، ومطرف، وخالد بن معدان، وأبو نهيك، وغيرهم.
стр. 519
ثانياً: أن هذا الأثر - على فرض ثبوته - ليس من التأويل في شيء، وإنما هو من التفسير باللازم، إذ أنه من المعلوم أن الله ﵎ يبصر ويرى ما يصنعه نوح ﵇، وما يكيده به قومه، فقال له مسلياً: إنك تحت نظرنا، وبمرأى منا، فلا تخف، وليس هذا من تأويل العينين في شيء، ولا من صرف اللفظ عن ظاهره.
إنما يصح التأويل الذي يزعمانه إذا لم يُثبت لله تعالى عين.
ومعلوم لكل عاقل أن نوحاً ﵇ لم يكن في نفس عين الله تعالى، فذات الله ليست محلاً للمخلوقات، تعالى الله عن ذلك، وإنما المراد الحفظ والكلاءة.
بل ثبوت اللازم ثبوت الملزوم. كما لو قال قائل في قوله تعالى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٤٦، أي: أنتما في حفظي ورعايتي، لكان صحيحاً، وليس هذا تأويلٌ للرؤية أو السماع، بل هو إثبات لهما لثبوت لازمهما.
قال الدارمي في رده على المريسي: (وأما تفسيرك عن ابن عباس في قوله: ﴿فإنك بأعيننا﴾ الطور ٤٨، أنه قال: بحفظنا وكلاءتنا، فإن صح عن ابن عباس في قوله: ﴿فإنك بأعيننا﴾ الطور ٤٨، أنه قال: بحفظنا وكلاءتنا، فإن صح قولك عن ابن عباس فمعناه الذي ادعيناه، لا ما ادعيت أنت، يقول: بحفظنا وكلاءتنا بأعيننا، لأنه لا يجوز في كلام العرب أن يوصف أحد بكلاية إلا
стр. 520
وذالك الكالي من ذوي الأعين، فإن جهلت فسم شيئاً من غير ذوي الأعين يوصف بالكلاية. وإنما أصل الكلاية من أجل النظر، وقد يكون الرجل كالياً من غير النظر، ولكنه لا يخلو أن يكون من ذوي الأعين، وكذلك معنى قولك: عين الله، فافهم) (١) اهـ.
وقد نقل أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين، والإبانة، إجماع أهل السنة على إثبات العينين لله تعالى، كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني من الباب الخامس.
رابعاً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ للفظ (الأيد):
زعم الأشعريان أن ابن عباس ﵁ تأول اليد لله تعالى، فقالا: (قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ الذاريات٤٧، قال ﵁: بقوة وقدرة. (القرطبي)) اهـ.
стр. 521
والجواب: أن لفظ "الأيد" هنا ليس جمع اليد، بل أصله "أيد".
قال ابن منظور في اللسان باب "أيد": (أيد: الأَيْدُو الآدُ جميعاً: القوة، قال العجاج: من أَن تبدّلت بآدِي آدا يعني قوّة الشباب. وفي خطبة علي كرم الله وجهه: وأَمسكها من أَن تمور بأَيدِه أَي بقوّته، وقوله : ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأَيْد﴾ ص١٧، أَي: ذا القوة .... وقد أَيَّدَه على الأَمر. أَبو زيد: آد يَئِيد أَيْداً إِذا اشتد وقوي. والتأْييد: مصدر أَيَّدته أَي قوّيته، قال الله تعالى: ﴿إِذ أَيدتك بروح القدس﴾ المائدة١١٠، وقرىء: ﴿إِذ آيَدْتُك﴾ أَي قوّيتك) (١) اهـ.
وقال صاحب مختار الصحاح في باب "يدي": (وقال الله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأَيْدٍ﴾ الذاريات٤٧، قلت: قوله تعالى ﴿بِأَيْد﴾ أي: بقوة، وهو مصدر آد يئيد إذا قوي، وليس جمعاً ليد ليذكر هنا، بل موضعه باب الدال، وقد نص الأزهري على هذه الآية في الأيد بمعنى المصدر، ولا أعرف أحداً من أئمة اللغة أو التفسير ذهب إلى ما ذهب إليه الجوهري من أنها جمع يد) (٢) اهـ.
стр. 522
وقد أجاب عن استدلالهما هذا إمامهم أبو الحسن الأشعري حيث قال في "الإبانة" في رده على الجهمية والمعتزلة الذين تأولوا صفة اليد لله تعالى: (مسألة: وقد اعتل معتل بقول الله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ الذاريات٤٧، قالوا: الأيد القوة، فوجب أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، بقدرتي، قيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه:
أحدها: أن "الأيد" ليس بجمع لليد؛ لأن جمع "يد" أيدي، وجمع "اليد" التي هي نعمة أيادي، وإنما قال تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، فبطل بذلك أن يكون معنى قوله: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، معنى قوله: ﴿بنيناها بأيد﴾) (١) اهـ.
وقال ابن خزيمة في التوحيد: (وزعم بعض الجهمية: أن معنى قوله: «خلق الله آدم بيديه» أي بقوته، فزعم أن اليد هي القوة، وهذا من التبديل أيضا، وهو جهل بلغة العرب، والقوة إنما تسمى الأيد بلغة العرب، لا اليد، فمن لا يفرق بين اليد والأيد فهو إلى التعليم والتسليم إلى الكتاتيب أحوج منه إلى الترؤس والمناظرة.) (٢) ا. هـ.
стр. 523
خامساً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ لقوله تعالى ﴿الله نور السموات والأرض﴾:
زعم الأشعريان أن ابن عباس ﵁ تأول وصف الله تعالى بالنور.
فقالا (ص ٢٣٤): (جاء في تفسير الطبري ما نصه: عن ابن عباس قوله ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥، يقول: الله سبحانه هادي أهل السموات والأرض) اهـ.
والجواب: أن يقال:
أولاً: أن هذا الأثر مداره على علي بن أبي طلحة.
فقد رواه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٩٣) وابن جرير (١٨/ ١٣٥) وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات (ص١٠٢) واللالكائي (٢/ ٢٠١) في شرح أصول أهل السنة كلهم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁ به.
وهذا إسناد منقطع، لأن علي ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس.
قال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال ابن حبان: روى عن ابن عباس ولم يره.
وقد اختلف أيضاً في حاله، فقواه بعضهم كأبي داود والنسائي وابن حبان، وضعفه آخرون، فقال يعقوب بن سفيان: ضعيف
стр. 524
الحديث، منكر ليس محمود المذهب (١). ولخص ابن حجر القول فيه فقال في التقريب: صدوق قد يخطئ، وقال الذهبي في الكاشف: قال أحمد: له أشياء منكرات.
ثانياً: إن صح هذا الأثر فإنه ليس من التأويل الذي يزعمانه، لأن تفسيره بالهادي لا يمنع من كون الله ﵎ نوراً، فإن من معاني كونه ﵎ نوراً هدايته لخلقه، فهما إذاً متلازمان. وابن عباس وغيره لم ينفوا ما سوى ذلك.
ولذلك قال تعالى بعده: ﴿مثل نوره﴾ أي في قلب العبد المؤمن.
ومن عادة السلف أن يذكروا بعض صفات اللفظ المُفسّر، أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية أنواعه وأوصافه، بل قد يكونان متلازمين.
ومثال ذلك قول بعضهم في: ﴿الصراط المستقيم﴾ الفاتحة٦، أنه: الإسلام، وقال آخرون: إنه القرآن، وقال آخرون: إنه السنة والجماعة، وقال بعضهم: إنه طريق العبودية،
стр. 525
وهذه كلها صفات متلازمة للصراط المستقيم، ليست متباينة.
ثالثاً: أنه قد ثبت وصف الله ﵎ بالنور.
قال تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾ الزمر٦٩.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي موسى ﵁ قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية أبي بكر النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (١).
وروى أيضاً عن أبي ذر ﵁ في حديث المعراج أنه قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه) (٢).
وفي دعاء النبي ﷺ حين عودته من الطائف بعد دعوته لهم إلى الإسلام: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة .. ) (٣) الحديث.
стр. 526
وقوله: (وصلح عليه أمرالدنيا والآخرة) كقول ابن عباس في تفسير نوره تعالى: (هادي أهل السماوات والأرض).
وقد ذكر أبو الحسن الأشعري وصف الله ﵎ بالنور، فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ... وأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥) (١) ا. هـ.
فالنور صفة من صفات ربنا ﵎، ومنه اشتق اسم (النور) الذي هو أحد الأسماء الحسنى لله تعالى.
سادساً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ لنصوص (الوجه):
زعم الأشعريان أن ابن عباس ﵁ تأول صفة الوجه لله.
стр. 527
فقالا (٢٣٤): (قال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، قال ﵁: الوجه عبارة عنه) ا. هـ.
فالجواب: أن هذا الذي ذكره القرطبي ليس له أصل عن ابن عباس ﵁.
والثابت عن ابن عباس ﵁ إثبات الوجه لله تعالى:
فقد قال ﵁ في قوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ يونس٢٦: (الزيادة: النظر إلى وجه الله) (١).
وقال ﵁ في قوله تعالى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ القيامة٢٣: (نظرت إلى خالقها) (٢).
سابعاً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ للفظ (الساق):
زعم الأشعريان أن ابن عباس ﵁ تأول صفة الساق لله تعالى.
فقالا (٢٣٤): (قال تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ القلم٤٢، قال ﵁: عن كرب شديد) اهـ.
والجواب أن يُقال:
أولاً: أن الصحابة متنازعون في هذه الآية، فابن عباس وطائفة يفسرون الآية بالشدة، وأبو سعيد وابن مسعود وطائفة يعدونها من الصفات، وليس هذا تنازعاً في إثبات الصفة، وإنما تنازع في كونها من آيات الصفات؟
стр. 528
ولا ريب أن ظاهر الآية لا يدل على أنها من الصفات، لأن الساق فيها جاءت نكرة في سياق الإثبات، لم يضفها سبحانه لنفسه، فلم يقل (ساقه)، فلما لم يعرّفها بالإضافة، لم تكن دالة على صفة لله، ولذلك لم يعدها ابن عباس من آيات الصفات.
والذين جعلوها من آيات الصفات، إنما عدوها للحديث الذي في الصحيحين، لا لظاهر الآية. ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف.
وعلى هذا فلا يصح أن يقال أن ابن عباس تأول الآية!
ثانياً: أن صفة الساق لله تعالى ثابتة في السنة:
فعن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً) (١).
ثامناً: دعوى تأويل ابن عباس ﵁ للفظ (الجنب):
زعم الأشعريان أن ابن عباس ﵁ تأول قوله تعالى: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ الزمر٥٦، فقال: تركت من طاعة الله وأمر الله وثوابه.
стр. 529
وكذلك ورد مثله عن مجاهد والسدي والحسن.
والجواب أن يقال: أن هذا الكلام يدل على جهل كبير، إذ لا يمكن دعوى التأويل هنا حتى يثبت عن السلف أنهم جعلوا (الجنب) صفة لله تعالى، فعندها يمكن دعوى تأويل ابن عباس ومن وافقه.
ولم يقل أحد من السلف قط أن الجنب في الآية صفة لله تعالى.
وهذا من الخطأ الذي يقع فيه الناس، فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية.
قال الدارمي في رده على المريسي: (وادعى المعارض زوراً على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ الزمر٥٦، قال: يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو، وليس ذلك على ما يتوهمونه.
فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك. فإن كنت صادقاً في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا فَلِمَ تشّنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك، ومن إمامك؟ إنما تفسيرها عندهم، تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله، واختاروا عليها الكفر والسخرية
стр. 530
بأولياء الله، فسماهم الساخرين، فهذا تفسير الجنب عندهم. فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب؟ فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين، فضلاً عن علمائهم، وقد قال أبو بكر الصديق ﵁ "الكذب مجانب للإيمان" وقال ابن مسعود: "لا يجوز من الكذب جد ولا هزل" وقال الشعبي "من كان كذابا فهو منافق") (١) ا. هـ.
والآية يقول الله تعالى فيها: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين. بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين﴾ الزمر (٥٦ - ٥٩).
وهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الظالمة لنفسها، ومعلوم أن عامة هذه النفوس لا تعلم أن لله جنباً، ولا تقر بذلك، كما هو الموجود منها في الدنيا، فكيف يكون ظاهر القرآن أن الله أخبر عنهم بذلك.
وقوله تعالى: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ إخبار عن تحسرهم على التفريط في جنب الله، والتفريط إما فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائماً بذات الله، لا في جنب ولا في غيره، بل يكون