وقال أيضاً: (قال أبو محمد: غلاة المرجئية طائفتان:
إحداهما: الطائفة القائلة بأن الإيمان قول باللسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن عند الله ، وليّ له من أهل الجنة، وهذا قول محمد ابن كرام السجستاني وأصحابه وهو بخراسان وبيت المقدس.
والثانية: الطائفة القائلة أن الإيمان عقد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية، وعبد الأوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب، وأعلن التثليث في دار الإسلام، ومات على ذلك، فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله ، وليّ لله من أهل الجنة، وهذا قول أبي محرز جهم بن صفوان السمرقندي مولى بني راسب كاتب الحارث بن سريج التميمي أيام قيامه على نصر بن سيار بخراسان، وقول أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي اليسر الأشعري البصري وأصحابهما.
فأما الجهمية فبخراسان، وأما الأشعرية فكانوا ببغداد والبصرة ثم قامت له سوق بصقلية والقيروان والأندلس، ثم رق أمرهم والحمد لله رب العالمين .. ) (١) اهـ.
وقال في رده على ابتداع الأشاعرة القول بالكلام النفسي، وأن القرآن ليس هو نفس كلام بل عبارة عنه: (وقالوا كلهم -أي الأشعرية-: إن القرآن لم ينزل به قط جبريل على قلب محمد ﵊، وإنما نزل عليه بشيء آخر هو العبارة عن كلام الله، وأن القرآن ليس عندنا البتة إلا على هذا المجاز، وإن الذي نرى في المصاحف ونسمع من القراء ونقرأ في الصلاة ونحفظ في الصدور ليس هو القرآن البتة، ولا شيء منه كلام الله البتة، بل شيء آخر، وإن كلام الله تعالى لا يفارق ذات الله .
قال أبو محمد: وهذا من أعظم الكفر، لأن الله تعالى قال: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾، وقال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾، وقال تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾، وقال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ وقال رسول الله ﷺ : "إني أحب أن أسمعه من غيري" يعني: القرآن. . . .
إلى أن قال: وقال السمناني أيضاً: أن الباقلاني وشيوخه قالوا: إن النبي ﷺ إنما أطلق القول بأن ما أنزل الله هو القرآن وهو كلام الله تعالى إنما هو على معنى أنه عبارة عن كلام الله تعالى، وأنه يُفهم منه أمره ونهيه فقط. .
إلى أن قال: ولقد أخبرني علي بن حمزة المراوي الصقلي الصوفي: أنه رأى بعض الأشعرية يبطح المصحف برجله، قال: فأكبرت ذلك، وقلت له: ويحك هكذا تصنع بالمصحف؟ وفيه كلام الله تعالى، فقال لي: ويلك، والله ما فيه إلا السخام والسواد، وأما كلام الله فلا، ونحو هذا من القول الذي هذا معناه.
وكتب إلي أبو المرحي بن رزوار المصري: أن بعض ثقاة أهل مصر أخبره من طلاب السنن: أن رجلاً من الأشعرية قال له مشافهة: على من يقول أن الله قال ﴿قل هو أحد الله الصمد ألف لعنة﴾.
قال أبو محمد: بل على من يقول: إن الله لم يقلها ألف ألف لعنة تترى، وعلى من ينكر أننا نسمع كلام الله، ونقرأ كلام الله، ونحفظ كلام الله، ونكتب كلام الله، ألف ألف لعنة تترى من الله . فإن قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله ، ومخالفة للقرآن والنبي ﷺ ، ومخالفة جميع أهل الإسلام قبل حدوث هذه الطائفة الملعونة .. ) (٢) اهـ.
وقد تعقب في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" كثيراً
стр. 632
من أقوال الأشاعرة في أبواب الاعتقاد، وبيّن مخالفتهم للسنة، وخروجهم عنها.
- الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (٤٦٣ هـ)
قال: (أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم) (١) اهـ.
ولا ريب أن الكلابية والأشعرية من أهل الكلام. ومما يؤكد كون ابن عبد البر يرى دخول الأشاعرة والكلابية في المقصودين بأهل الكلام هنا أنه ساق بعده كلام ابن خويز منداد المالكي في عدّ الأشاعرة من أهل البدع الذين لا تقبل شهادتهم عند الإمام مالك، مقراً له.
- القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)
قال الذهبي: (وقال السلفي: كان أبو الحسين متعصباً في مذهبه، وكان كثيراً ما يتكلم في الأشاعرة ويُسمعهم، لا تأخذه في الله لومة لائم) (٢) اهـ.
- شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ هـ)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب كتاب "ذم الكلام"، فإنه من المبالغين في ذم الجهمية لنفيهم الصفات، وله كتاب "تكفير الجهمية"، ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث،
стр. 633
وربما كان يلعنهم، وقد قال له بعض الناس بحضرة نظام الملك: أتلعن الأشعرية؟ فقال: ألعن من يقول ليس في السموات إله، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وقام من عنده مغضباً) (١) اهـ.
وقد نقل آثاراً كثيرة في كتابه "ذم الكلام وأهله" في ذم الكلابية والأشعرية سبق نقل بعضها.
- أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (٥٦١ هـ)
قال في كتابه "الغنية" في إثبات الصوت والحرف لله تعالى: (وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى
стр. 634
على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل ... ) (١) اهـ.
- أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ)
قال في "لمعة الاعتقاد": (ومن السنة: هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع: كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والكرامية،
стр. 635
والكلابية، ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها) (١) اهـ.
وقال: (ولا نعرف في أهل البدع طائفة يكتمون مقالتهم ولا يتجاسرون على إظهارها إلا الزنادقة والأشعرية) (٢) اهـ.
وقال: (وقال أحمد بن إسحاق المالكي -أي ابن خويز منداد-: أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري لا تقبل له شهادة ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها) (٣) اهـ.
стр. 636
قلت: وكلام العلماء في ذم الأشاعرة والكلابية، والرد على ما ابتدعوه من الأصول المخالفة لاعتقاد السلف كثير جداً، أما الحنابلة فيصعب حصره واستقصائه لكثرته، وقد عُلم ما كان بين الحنابلة والأشاعرة من النفرة والتنازع، ومن تأمل تراجم الحنابلة في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، والذيل عليها للحافظ ابن رجب، فضلاً عن غيرها من كتب التواريخ ككتاب تاريخ الإسلام للذهبي، والبداية والنهاية لابن كثير، وغيرها كثير، كما كان من شرف الإسلام ابن الحنبلي عبد الوهاب بن عبد الواحد، والوزير يحيى ابن هبيرة، وتقي الدين عبد الساتر بن عبد الحميد المقدسي، وأبي الحسن بن الزاغوني، والقاضي أبي الحسن بن الفياء الحنبلي، وغيرهم.
стр. 637
مع العلم أنني لم أنقل عن أحد بعد ٦٢٠ هـ شيئاً، مع كثرته، خشية التطويل، وتأكيداً على أن تحذير العلماء من الأشاعرة، وبيان خروجهم عن السنة قديم، قدم ظهور ابن كلاب والأشعري.
وقد كان أهل المغرب عامة على منافرة الأشاعرة والمتكلمين، حتى أتى ابن تومرت فنشر الأشعرية، وفرضها على الناس، وقد حصل بخروجه شر كثير.
قال المراكشي في "المعجب" في كلامه على ابن تومرت وخروجه على المرابطين: (فخرج قاصداً مدينة فاس، فلما وصل إليها أظهر ما كان يظهره، وتحدث فيما كان يتحدث فيه من العلم، وكان جُلّ ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريق الأشعرية، وكان أهل المغرب - على ما ذكرنا - ينافرون هذه العلوم ويعادون من ظهرت عليه، شديداً أمرهم في ذلك .. ) اهـ.
وسيأتي في الفصل الخامس مزيد بيان.
стр. 638
خلاصة الفصل:
أولاً: أن ابن كلاب والأشعري لم يكونا على طريق السلف، وأن الخلاف بين السلف وبينهما حقيقي لا لفظي.
ثانياً: تبين زيف ما ادعاه الأشعريان ولبّسا فيه من جعل ابن كلاب من أئمة السنة، وأنه في حقيقته موافق للإمام أحمد، فضلاً عن أبي الحسن الأشعري الذي هو أبعد عن السنة من ابن كلاب. وهذا قبل رجوعه إلى مذهب السلف في مرحلته الأخيرة، وسيأتي تقريرها قريباً.
[بطلان دعوى أن جميع المالكية والشافعية والحنفية أشاعرة أو ماتريدية]
ثالثاً: بطلان الدعوى العريضة والباطلة في أن جميع المالكية والشافعية والحنفية من الأشاعرة.
قال محمد حسن هيتو في تقريظه لكتاب الأشعريّيْن (ص٧): (فالمالكية كلهم أشاعرة، والشافعية كلهم أشاعرة، والحنفية كلهم أشاعرة أو ماتريدية ولا خلاف بينهم .. ) اهـ.
فما أعرضها من دعوى، بل ما أقبحه من كذب وبهتان.
стр. 639
وتأمل بطلانها وزيفها فيما سبق نقله من كلام أئمة المالكية: كابن خويز منداد، وابن عبد البر، وغيرهم.
ومن كلام أئمة الشافعية: كأبي العباس بن سريج، ومحمد بن إسحاق السراج، وابن شارك الهروي الشافعي، وشيخ الشافعية أبي حامد الإسفرائيني، وأبي عمر البسطامي، وغيرهم.
ومن كلام أئمة الحنبلية، والحنفية، كلهم في تبديع الأشاعرة، وإخراجهم من أهل السنة.
ويقال أيضاً: أن هذه الدعوى تستلزم أن يكون الأئمة الأربعة أشاعرة، أو على معتقد الأشاعرة وأصولهم، وإلا كانت باطلة:
فهلا نقل لنا الأشعريان ولو حرفاً عن أحد الأئمة الأربعة في الكلام حول نفي الجهة عن الله، والمنع من الإشارة إليه وكونه في السماء، أو نفي المكان ونحو ذلك من الألفاظ التي تطفح بها كتب الأشاعرة!.
وهلا نقلا لنا عن أحد منهم بإسناد ثابت تأويل شيء من الصفات كالاستواء، والضحك، والمجيء، والإتيان، والرضى، والغضب!.
وهل يمكنهما ادعاء أن الأئمة الأربعة كانوا يعتقدون أن القرآن
стр. 640
عبارة عن كلام الله تعالى، وأن كلامه تعالى هو ما قام بذاته، بلا حرف ولا صوت؟. وهو الذي لم يُعرف لأحد في الإسلام قبل ابن كلاب والأشعري!!
فإن عجزوا عن ذلك خُصموا وتبين بطلان دعواهم.
وإن ادعوا ذلك بلا برهان ولا بينة -كما هو واقعهم- تبين كذبهم وافتراؤهم!!.
стр. 641
الفصل الثاني
في إثبات صحة كتاب الإبانة المطبوع للأشعري وبيان بطلان كونه قد تلاعبت به الأيدي
تمهيد
حاول الأشعريان أن يشككا في صحة المطبوع من كتاب الإبانة للأشعري، بعد أن أثبتاه من حيث أصله، لكنهما زعما أن أيدي المحرفين والمتلاعبين قد طالته، لعلمهما أنه يبطل عليهما ما ادعياه من صحة الطريقة الأشعرية، وأنه مخالف لما استقر عليه مذهب الأشاعرة الذي يدندنون حول صحته وأنه مذهب السلف. وقد تكلفا ذلك فأتيا بما تمجه الآذان، ويأباه المنهج العلمي في ذلك، وأتيا فيه ببدع من الطرق والبينات، وليس لهما من الأدلة على ذلك إلا الدعاوى المجردة، وقد اعتمدا في ذلك على أمور:
منها: الدعاوى العريضة لبعض المشككين كدعوى الكوثري ومن تبعه بلا بينة ولا برهان.
стр. 642
ومنها: وجود اختلاف يسير في الألفاظ بين النسخ، لا يدل على كونه محرفاً.
ومنها: ما أسنده أبو الحسن الأشعري فيه عن أبي حنيفة في أنه كان يرى القول بخلق القرآن.
والجواب عليها كالتالي:
стр. 643
المبحث الأول
الجواب على الأمر الأول الذي استدلا به على دخول التحريف في كتاب "الإبانة "
أما دعاوى التحريف والتبديل بغير بينة ولا برهان فهذا لا يعجز عنه كل مبطل، ولو جاز ذلك لأمكن ادعاء من شاء ما شاء.
ثم أن هذا يأباه التحقيق العلمي لأمور:
الأمر الأول: أن النسخ المخطوطة الموجودة لكتاب الإبانة قد اتفقت من غير اختلاف بينها حاشى اختلافاً يسيراً في بعض الألفاظ التي لا يسلم منه أي كتاب. وسنأتي على ذكر بعض الاختلافات اليسيرة التي لا تدل بوجه من الوجوه على وقوع التحريف فيه.
الأمر الثاني: أنه بمقارنة ما هو موجود في النسخ الموجودة مع ما نقله بعض العلماء من كتاب الإبانة في كتبهم نجد الاتفاق بينها.
فقد نقل الحافظ البيهقي فصلاً من كتاب الإبانة في كتابه "الاعتقاد" (ص: ١١٤)، فوجد مطابقاً لما هو مطبوع.
стр. 644
وكذلك نقل ابن عساكر فصولاً منه في كتابه "تبيين كذب المفتري" (ص١٥٣ - ١٦٤) فوجدت مطابقة لما هو موجود.
كما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية فصولاً منه أيضاً في غير ما موضع من كتبه ككتاب نقض التأسيس (ص: ٦٣ - ٨٥)، وفي مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، (٥/ ٩٣ - ٩٨، ١٦٨ - ١٧٨)، وفي بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٢٠ - ٤٢٦) (٢/ ١٥ - ٢٦، ٣٤٨ - ٣٤٩) حيث نقل فصولاً كثيرة مطابقة لما هو مطبوع من كتاب الإبانة.
وكذلك ابن القيم كما في حاشيته على تهذيب السنن (١٣/ ٣٥ - ٣٦)، وفي مختصر الصواعق (٢/ ١٦٩) حيث نقل فصولاً عنه في إثبات اليدين لله تعالى، وفي اجتماع الجيوش الإسلامية (١٨٢ - ١٩٠)، فوجدت جميعها مطابقة لما هو موجود.
ونقل أيضاً الحافظ الذهبي فصولاً منه في كتابيه العلو (ص٢١٨)، والعرش (٢٩١ - ٣٠٣)، فوجدت مطابقة للنسخ الموجودة.
الأمر الثالث: يؤكد ذلك أيضاً اتفاق كتب الأشعري المتأخرة مع ما في الإبانة من حيث المسائل والتقريرات، فقد قرر في كتاب مقالات الإسلاميين في معتقد
стр. 645
أهل الحديث بمثل ما هو موجود في الإبانة، وكذا في رسالته إلى أهل الثغر. كما أن تقرير المسائل وسياق الحجج لها مطابق لما هو موجود في كتابيه "مقالات الإسلاميين" و"رسالة إلى أهل الثغر" [انظر ما في الإبانة ص ١١٨ مع ما في "رسالة إلى أهل الثغر"].
стр. 646
المبحث الثاني
الجواب على الأمر الثاني الذي استدلا به على دخول التحريف في كتاب "الإبانة "
وأما ادعاء التحريف لوجود اختلاف لا يضر في بعض الألفاظ فهذا باطل لأمور:
منها: أن الألفاظ المذكورة لا تغير من المعنى، ولا تبطله، وقد ذكر الأشعريان مثالين لهذا التحريف المزعوم:
أولهما:
اختلاف النسخ في إثبات العين لله تعالى، هل هو بلفظ التثنية "عينان" أم بلفظ الإفراد "عين".
стр. 647
ثم اجتهدا في إثبات لفظ الإفراد زاعمين أنه الموافق للكتاب والسنة وأقوال السلف رجماً بالغيب وجهلاً بمنهج السلف، وإلا فإن السلف يثبتون عينين لله تعالى لائقتين به كما سيأتي، ولكن مرادنا هنا إثبات أن لفظ العينين هو الصحيح من كلام أبي الحسن الأشعري لأمور:
[إجماع السلف على أن لله عينين]
أولاً: لأنه اللفظ الموافق لمعتقد السلف.
قال عثمان بن سعيد الدارمي في رده على المريسي: (ففي تأويل قول رسول الله ﷺ : "أن الله ليس بأعور" بيان أنه بصير ذو عينين خلاف الأعور) (١) اهـ.
وقال ابن خزيمة في التوحيد في "باب ذكر إثبات العين لله ": ( ... فبين النبي ﷺ أن لله عينين، فكان بيانه موافقاً لبيان محكم التنزيل) (٢) اهـ.
ثانياً: أنه اللفظ الذي ذكره في كتبه الأخرى ككتاب مقالات الإسلاميين ورسالة إلى أهل الثغر.
فقد قال في مقالات الإسلاميين في بيان معتقد أهل الحديث: (وإن له عينين كما قال تعالى ﴿تجري بأعيينا﴾ القمر١٤) (٣) اهـ.
стр. 648
وقال في فصل "الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها": (وقال "أصحاب الحديث": لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ ، فنقول: وجه بلا كيف، ويدان وعينان بلا كيف) (١) اهـ.
وقال في فصل "هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة": (وأن له عينين بلا كيف كما قال ﴿تجري بأعيينا﴾ القمر١٤) (٢) اهـ.
كما أنه عد إنكار العينين لله من أقوال المعتزلة التي خالفوا بها أهل السنة فقال في سياق أقوال المعتزلة في "قصل قولهم في العين واليد": (فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان، وأنكر أن يقال: إنه ذو عين، وأن له عينيين) (٣) اهـ.
وهذا بيّن في أن أبا الحسن الأشعري يثبت العينين لله تعالى.
إلا أن يدعي الأشعريان أن مقالات الإسلاميين أيضاً قد نالته أيدي المحرفين، كما هي حجة كل مبطل، وليس هذا عنهما ببعيد!!!
стр. 649
ثالثاً: أن إثبات العينين لله تعالى هو قول أئمة أصحاب الأشعري، ومن أشهرهم وأمثلهم أبو بكر بن الطيب الباقلاني.
فقد قال في كتاب الإنصاف في بيان صفات الله تعالى: (فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته .. ) ثم ذكر جملة من الصفات إلى أن قال: (والعينين اللتين أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن وتواترت بذلك أخبار الرسول ﵇، فقال ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩) (١) اهـ.
فهذا قول أجل أصحابه يثبت العينين لله تعالى، وأنهما عينان لا عين واحدة.
يا سبحان الله إذا كان هذا هو جهل الأشعريين بقول كبار أئمة الأشاعرة الذين ينتسبون إليهم، فكيف جهلهم بقول أئمة السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. لا ريب أنه أعظم وأكبر.
رابعاً: أن هذا الاختلاف ليس في النسخ الموجودة الآن، بل هو في النسخ القديمة التي نقل منها العلماء، فإن ابن عساكر ذكر لفظ الإفراد في العين في "تبيين كذب المفتري".
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه لفظ التثنية في كتبه كما في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٢٢) وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٩٤) وفي الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٣٧).
стр. 650
وكذا بن القيم نقل عنه لفظ التثنية كما في الصواعق المرسلة (١/ ٢٦٥)، وفي اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٢٨٩).
فدل على أن هذا من جنس الاختلاف الموجود بين نسخ أي كتاب.
بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد نقل عن ابن عساكر ما حكاه من قول الأشعري في الإبانة في تبيين كذب المفتري بلفظ التثنية، كما في الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٣٧).
وكذا ان القيم نقل عن تبيين كذب المفتري لفظ التثنية كما في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص١٨٢).
خامساً: أنه ليس هناك تعارض بين لفظ التثنية ولفظ الإفراد. إذ أن لفظ الإفراد يراد به الجنس، أي أن الله متصف بالعين، كما يقال "لله يد" أي جنس اليد.
المثال الثاني:
ما وجد في بعض النسخ من زيادة لفظ "منزهاً عن الحلول والاتحاد" في إثبات صفة الاستواء لله تعالى. فقال في بعض النسخ: (فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته مستوٍ على عرشه [استواءاً منزهاً عن الحلول والاتحاد]).
стр. 651
وهذه الزيادة توضح حقيقة صفة الاستواء لله تعالى وأنه استواءٌ لا يلزم منه حلول الله في العرش ولا اتحاده به، فليس فيها منافاة، وإنما هي تأكيد. فكيف يُدّعى أنها تدل على التحريف، إذ أن التحريف هو في زيادة ما يبطل المعنى أو يغيره، وليست هذه منها.
وهذان هما أمثل مثالين وجدهما الأشعريان ليثبتا التحريف المزعوم، إذ لو وجدا ما هو أمثل وأوضح منهما لذكراه، وحسب القارئ أن يرى في هذين المثالين حجم الأمانة العلمية، ورصانة البحث العلمي والتحقيق الموضوعي لدى صاحبينا الأشعريين!!!.
стр. 652
المبحث الثالث
الجواب على الأمر الثالث الذي استدلا به على دخول التحريف في كتاب "الإبانة "
وأما ما استدلالهم على تحريف "الإبانة" بما هو مسند فيه عن أبي حنيفة في القول بخلق القرآن. فهذا إلى العبث أقرب من إلى التحقيق.
إذ أن هذه القصة المذكورة عن أبي حنيفة ﵀، قد رواها جمع من الأئمة، فقد رواها البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١٢٧)، وفي "خلق أفعال العباد" (ص٧)، ووراها عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه "السنة" (١/ ١٨٤)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٨٠)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٢/ ٢٣٩) وابن الجعد في مسنده (ص٦٦) والخطيب في تاريخ بغدد (١٣/ ٣٨٨).
فهل يُفهم من هذا أن هذه الكتب قد نالتها أيدي المحرفين أيضاً؟؟؟.
стр. 653
بل إن عبد الله بن الإمام أحمد قد عقد فصلاً فيما ورد في أبي حنيفة ﵀ من الذم.
فقال: (باب: ما حفظت عن أبي وغيره من المشايخ في أبي حنيفة)، ثم ساق آثاراً كثيرة (١).
ولا يعني هذا أن يكون كل ما نسب إلى أبي حنيفة صحيحاً كالقول بخلق القرآن، بل الصحيح الثابت عنه هو: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما في الفقه الأكبر له وكتاب "العقيدة" لابن صاعد، وغير ذلك من الكتب. إلا أن المقصد هنا أن ما هو منسوب عن أبي حنيفة من القول بخلق القرآن مذكور في كتب أهل السنة. فكون الأشعري قد ذكره أيضاً فهذا أمر غير مستغرب ولا مستنكر. فكيف يكون دليلاً على دخول التحريف في كتاب "الإبانة".
والذي أوقع الأشعريّيْن في هذا المنزلق من الجهالة، وهذا الهذيان العلمي، هو اتباعهما لإمام المتعصبين لأبي حنيفة، وهو محمد زاهد الكوثري، الذي كان يسفه كل أحد ولو كان إماماً من أئمة السنة في سبيل الانتصار لأبي حنيفة، إذ أنه كان حنفياً متعصباً محترقاً. بينما نجد الأشعريّيْن يصفانه بالعلامة.
стр. 654
وحتى نعرف حقيقة هذا العلامة الذي هو إمام متبع لدى الأشعريين، سأكتفي بنقل بعض عباراته في حق الأئمة الأعلام، والسلف الكرام.
стр. 655
المبحث الرابع
افتراءات وطعون محمد زاهد الكوثري في الصحابة والأئمة
قال أحمد بن صديق الغماري عنه في "بيان تلبيس المفتري محمد زاهد الكوثري": (فأول ما نذكر به الأستاذ - أي الكوثري - مما أساء به إلى نفسه، وحاد به عن سبيل أهل العلم، ونطق به خلفاً، واتبع غير سبيل المؤمنين، قذفه لكبار الأئمة، وأساطين العلماء وحفاظ الشريعة، وحملة السنة، والغض من منصبهم، والحط من قدرهم، وكشف سترهم، وتتبع عوراتهم مع جلالة قدرهم، ورفعة مكانتهم، واحترامهم بين المسلمين .. ) (١) اهـ.
وقال العلامة محمد بهجت البيطار في رسالته "الكوثري وتعليقاته" (ص٢٦): (وجملة القول: أن هذا الرجل لا يعتد بعقله، ولا بنقله، ولا بعلمه، ولا بدينه، ومن يراجع تعليقاته يتحقق صدق ما قلناه) (٢) اهـ.
стр. 656
وأما من طعن فيهم فكثير، أذكر منهم طائفة:
(١) أنس بن مالك ﵁:
فقد قال في نكته لما ذكر تحديث أنس للحجاج بحديث العرنيين عائباً عليه: (فلو كان متحفظاً بقوة يقظته لما ساعد ذلك الظالم بما يتخذه حجة في الظلم البالغ، ولذا يجعل أبو حنيفة انفراد مثله في مثل ذلك الحدث الجلل موضع وقفة)
قال الغماري معلقاً: (أي لأنه كذب على النبي ﷺ وأخبر عنه بما لا أصل له! ... فقبحك الله ما أوقحك، وأقل حياءك وخوفك من الله ... ) (١) اهـ.
(٢) عبد الله بن عباس ﵁:
قال الغماري: (فقال في (ص١٩٧) من "النكت" عن الحديث الذي خرجه ابن أبي شيبة عن عطاء، قال: أوتر معاوية بركعة، فأنكر ذلك عليه، فسئل عنه ابن عباس فقال: أصاب السنة، ما نصه:
"فلو صح عن ابن عباس هذا لحُمل على التقية!، لأنه كان حاربه تحت راية علي -كرم الله وجهه- فلا مانع من أن يحسب حسابه في مجالسه العامة دون مجلسه الخاص"
стр. 657
أي: فيكذب على رسول الله ﷺ ، وعلى شريعته ودينه، ويقول: إن معاوية أصاب السنة، وهو لا يعتقد ذلك، بل يعتقد ان السنة خلاف ذلك، وهي ما رآه أبو حنيفة من الإيتار بثلاث .... فانظر إلى هذا المجرم القليل الدين، كيف يستهين بصاحب رسول الله ﷺ وابن عمه .. ) (١) اهـ.
(٣) الإمام مالك:
قال الغماري: (وقال عن الإمام مالك: "إنه مجرم، والمجرم لا يُقلد في إجرامه، وإنه كاد الدين بأمور"، فقال في (ص١١٦) من "تأنيبه" (٢) عقب إسناد الخطيب من وجوه عن مالك أنه قال: "إن أبا حنيفة كاد الدين" ما نصه:
"ولست أدري كيف يرميه من يرميه بكيد الدين؟، مع أنه لم يكن متساهلاً في أمر الطهور، ولا متبرئاً من المسح على الخفين في رواية من الروايات، ولا منقطعاً عن الجمعة والجماعات، ولا قائلاً بتحليل لحم الكلاب، ولا مبيحاً للأثفار، ولا محكماً لعمل أهل المدينة بلده على الأدلة الشرعية، ولا متوسعاً في سد الذرائع بالرأي، ولا مسترسلاً في المصلحة"
أي: فيكون مالك صاحب هذه الأقوال هو الكائد للدين!
стр. 658
ثم قال: "ولكبار قدماء المالكية في أمثال تلك الكلمات المروية عن مالك ثلاثة آراء" فذكرها، ثم قال: "فظهر من ذلك أن تلك الأقوال -على فرض ثبوتها، ممن نسبت إليهم- يكون القائل مجرماً، فأنى يُقلد المجرم في إجرامه! ".) (١) اهـ.
(٤) الإمام الشافعي:
قال الغماري: (وطعن في نسب الإمام الشافعي المتفق عليه، وجعله من الموالي لا من قريش، وقال: إنه جاهل بالعربية والحديث، ضعيف فيه، جاهل بأحكام الفقه، وإنه خالف الإجماع في أربع مائة مسألة، وابتدع رد الاحتجاج بالمرسل، وإنه لذلك يصح أن يقول فيه المنتقد ما شاء، وإنه ليس بأوثق رواة الموطأ عن مالك .. في كثير من هذا وأشباهه، مما يدل على احتقار تام، وازدراء كامل لذلك الإمام العظيم المخصوص بين الأئمة باتباع السنة .. -ثم نقل أقواله بنصوصها) (٢) اهـ.
(٥) الإمام أحمد:
قال الغماري: (وقال عن أحمد بن حنبل في (ص١٤١) من "تأنيبه" (٣)، ما نصه:
стр. 659
"وليس بقليل بين الفقهاء من لم يرض بتدوين أقوال أحمد في عداد أقوال الفقهاء باعتبار أنه محدث غير فقيه عنده، وأنى لغير الفقيه إبداءٌ لرأي متزن في فقه الفقهاء! "
وقال عنه أيضاً في (ص١٤٣) (١) عند تعرضه لذكر ما رواه الخطيب عن أحمد قال: "ما قول أبي حنيفة والبعر عندي إلا سواء"، ما نصه:
"والمصدر المضاف من ألفاظ العموم عند الفقهاء، فيكون لذلك اللفظ خطورة بالغة، لأن أبا حنيفة يعتقد في الله تعالى ما يكون خلافه كفراً، أو بدعة شنيعة عند من ألقى السمع وهو شهيد، ومسائله في الفقه: غالبها مسائل إجماعية بين الأئمة المتبوعين، سبقهم أبو حنيفة في تدوينها، والقسم الجاري فيه التنازع منها قليل، فيكون امتهان قوله في المسائل الاعتقادية، والمسائل الفقهية التي ما نازعه فيها أحد من أئمة المسلمين محض كفر لا يصدر ممن له دين، فيكون هذا طعناً في أحمد لا في أبي حنيفة .. ) (٢) اهـ.
وطعونه كثيرة، يطول المجال لذكرها، لكني أكتفي بذكرها مختصرة مع الإشارة إلى مواضعها:
стр. 660
(٦) نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري:
قال فيه: (ونعيم بن حماد معروف - قال الغماري: عند الكوثري - باختلاق مثالب أبي حنيفة، وكلام أهل الجرح والتعديل فيه واسع الذيل، وذكره غير واحد من كبار علماء أصول الدين في عداد المجسمة، بل القائلين باللحم والدم .. ) (١) اهـ.
قلت: فوازن بين كلام الكوثري في نعيم بن حماد، وبين كلام تلميذه البخاري حيث قال: (قال أبو عبد الله: ولقد بيّن نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة، فضُيَّق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجّع أهل العلم لما نزل به.
وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيماً ومن نحا نحوه ليس بمفارق ولا مبتدع، بل البدع والرئيس بالجهل بغيرهم أولى إذ يفتون بالآراء المختلفة مما لم يأذن به الله) (٢) اهـ.
(٧) عثمان بن سعيد الدارمي:
قال فيه: (وعثمان بن سعيد في السند هو صاحب "النقض" مجسم، مكشوف الأمر يعادي أئمة التنزيه - قال الغماري:
стр. 661
أي: تكذيب القرآن والسنة - ويصرح بإثبات القيام، والقعود، والحركة، والاستقرار المكاني، والحد - قال الغماري: أي: يروي ذلك بأسانيده إلى النبي ﷺ ، ونحو ذلك له تعالى، ومثله يكون جاهلاً بالله سبحانه، بعيداً عن أن تُقبل روايته.
قال الغماري: جزاءً له على رواية أحاديث رسول الله ﷺ .) (١).
(٨) عبد الله بن الإمام أحمد:
قال فيه: (ليس بحجة، بل روايته مردودة، وخبره غير مقبول، لأنه كذاب) (٢).
стр. 662
(٩) محمد بن إسحاق بن خزيمة:
قال عنه: (ومع هذا الجهل ألف كتاب التوحيد فأساء إلى نفسه. ومن أهل العلم من قال عنه إنه كتاب الشرك. ومن جملة مخازيه ... ) (١).
وقال: (ابن خزيمة افتضح بخوضه فيما لا يعنيه، وجعل نفسه عرضة لسخرية الساخرين من أهل الكلام) (٢).
وقال: (مثير الأخطاء في باقي الأبواب ... أغلاطه الخطرة) (٣).
وقال: (ابن خزيمة وابن حامد شيخ أبي يعلى جد مسكين في هذه المباحث - أي الصفات -). (٤)
стр. 663
وقال: (إلا من يميل إلى مذهبه في الضلال) (١).
وقال: (يقضى بمحوه من ديوان العلماء .... ولابن خزيمة كلام في الوجه والمماثلة لا يدع له وجهاً يواجه به أهل العلم، ومثله لا يُلتفت إليه في باب الاعتقاد) (٢).
(١٠) ابن قتيبة:
قال عنه: (مخلّط) (٣).
(١١) شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال عنه: (وقد سئمت من تتبع مخازي هذا الرجل المسكين، الذي ضاعت مواهبه في شتى البدع، وفي تكملتنا على "السيف الصقيل" ما يشفي غلة كل غليل، في تعقب مخازي ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم) (٤).
وقال: (بل هو وارث علوم صابئة حران حقاً، والمستلف من السلف ما يكسوها كسوة الخيانة والتلبيس .. ).
стр. 664
(١٢) ابن القيم:
فقد اتهمه بعظائم كما في رسالته "تبديد الظلام المخيم من نونية ابن القيم: فقد رماه بـ: (الكفر، والزندقة، وأنه ضال مضل، ووزائغ، ومبتدع، ووقح، وكذاب، وحشوي، وبليد، وغبي، وجاهل، ومهاتر، وخارجي، وتيس حمار، وملعون، ومن إخوان اليهود والنصارى، ومنحل من الدين والعقل، ... ) (١).
(١٣) الحافظ الذهبي:
قال عنه: (ولا تغتر بالذهبي وأذياله) (٢).
وقال: (فتجعل كلام هؤلاء من قبيل العلو الحسي الذي يتخيله أمثال الذهبي من المغفلين) (٣).
(١٤) الشوكاني:
نقل في المقالات (ص٤١٨) كلمة ابن حريوة اليمني في الشوكاني إذ قال: (إنه يهودي مندس بين المسلمين لإفساد دينهم). فأيدها الكوثري فرحاً بها بقوله: (وليس ذلك ببعيد لمناصبته العداء لعامة المسلمين وخاصتهم على تعاقب القرون) (٤).
стр. 665
وقد تكلم في كثيرين يطول الكلام في نقل أقواله فيهم منهم: الاصطخري (١)، وابن أبي حاتم (٢)، وابن رشد (٣)، وابن حامد (٤)، وابن الزاغوني (٥)، والقاضي أبو يعلى (٦).
واتهم الخطيب باللواط (٧)، والحافظ ابن حجر بالزنا (٨).
وقد تعقبه كثيرون منهم الحافظ المعلمي اليماني في كتابه "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، وأحمد صديق الغماري في "تلبيس كذب المفتري محمد زاهد الكوثري" والشيخ بكر أبو زيد في "براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة". وغيرهم.
стр. 666
ومثل هذا لا يعد في جملة العلماء فضلا أن يقال عنه: علامة؟!!! بل هو إلى ديوان المفترين أليق به من ديوان العامة، فضلاً عن الخاصة.
стр. 667
الفصل الثالث
في إثبات المرحلة الأخيرة لأبي الحسن الأشعري وهي مرحلة العودة إلى السنة
تمهيد
لقد مرت الأشعرية بمراحل قبل أن تستقر إلى ما هي عليه الآن، فقد كان أبو الحسن الأشعري على طريق المعتزلة، ثم تركهم وسلك طريق ابن كلاب، ثم في آخر حياته سلك سبيل السنة، واقتفى أثر الإمام أحمد فألف "الإبانة" وعليها اعتمد الحافظ ابن عساكر في إثبات عقيدته في كتابه "تبيين كذب المفتري". واعتمده الحافظ أبو بكر السمعاني في كتابه "الاعتقاد"، وحكى عنه في مواضع منه، ولم يذكر من تواليفه سواه (١).
стр. 668
وهذا المذهب الذي استقر عليه أخيراً قد بينه أيضاً في أواخر ما ألف مثل "مقالات الإسلاميين" و "رسالة إلى أهل الثغر" وهي مطبوعة متداولة.
стр. 669
المبحث الأول
سياق الأدلة على إثبات المرحلة الثالثة الأخيرة للأشعري
وهذه المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة العودة إلى السنة وترك الكلابية، يدل على ثبوتها أمور:
أولاً: أنها مرحلة قد أثبتها المؤرخون وعلى رأسهم الحافظ ابن كثير وهو من هو في التاريخ وسعة الاطلاع.
فقال: (ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
أولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.
الحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبع وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وتأويل الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك.
الحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً
стр. 670
على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخراً.) (١) اهـ.
وأشار إليها الذهبي في السير فقال: (قلت: رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول، يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول) (٢) اهـ.
بل ونص عليها في كتابه العرش قائلاً: (ولد الأشعري سنة ستين ومائتين، ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة ﵀، وكان معتزلياً ثم تاب، ووافق أصحاب الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة، ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، وهو ما ذكرناه عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك، وأنه موافق لهم في جميع ذلك، فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزلياً، وحال كان سنياً في بعض دون البعض، وكان في غالب الأصول سنياً، وهو الذي علمناه من حاله .. ) (٣).
وأشار إلى هذا قبلهما شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (إن الأشعرى وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه تلميذ الجبائى،