← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14616

الأشاعرة في ميزان أهل السنة

فيصل الجاسم

Полный текст (723 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ومثل هذا لا يعد في جملة العلماء فضلا أن يقال عنه: علامة؟!!! بل هو إلى ديوان المفترين أليق به من ديوان العامة، فضلاً عن الخاصة.

стр. 667

الفصل الثالث في إثبات المرحلة الأخيرة لأبي الحسن الأشعري وهي مرحلة العودة إلى السنة تمهيد لقد مرت الأشعرية بمراحل قبل أن تستقر إلى ما هي عليه الآن، فقد كان أبو الحسن الأشعري على طريق المعتزلة، ثم تركهم وسلك طريق ابن كلاب، ثم في آخر حياته سلك سبيل السنة، واقتفى أثر الإمام أحمد فألف "الإبانة" وعليها اعتمد الحافظ ابن عساكر في إثبات عقيدته في كتابه "تبيين كذب المفتري". واعتمده الحافظ أبو بكر السمعاني في كتابه "الاعتقاد"، وحكى عنه في مواضع منه، ولم يذكر من تواليفه سواه (١).

стр. 668

وهذا المذهب الذي استقر عليه أخيراً قد بينه أيضاً في أواخر ما ألف مثل "مقالات الإسلاميين" و "رسالة إلى أهل الثغر" وهي مطبوعة متداولة.

стр. 669

المبحث الأول سياق الأدلة على إثبات المرحلة الثالثة الأخيرة للأشعري وهذه المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة العودة إلى السنة وترك الكلابية، يدل على ثبوتها أمور: أولاً: أنها مرحلة قد أثبتها المؤرخون وعلى رأسهم الحافظ ابن كثير وهو من هو في التاريخ وسعة الاطلاع. فقال: (ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال: أولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة. الحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبع وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وتأويل الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك. الحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً

стр. 670

على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخراً.) (١) اهـ. وأشار إليها الذهبي في السير فقال: (قلت: رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول، يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول) (٢) اهـ. بل ونص عليها في كتابه العرش قائلاً: (ولد الأشعري سنة ستين ومائتين، ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة ﵀، وكان معتزلياً ثم تاب، ووافق أصحاب الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة، ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، وهو ما ذكرناه عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك، وأنه موافق لهم في جميع ذلك، فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزلياً، وحال كان سنياً في بعض دون البعض، وكان في غالب الأصول سنياً، وهو الذي علمناه من حاله .. ) (٣). وأشار إلى هذا قبلهما شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (إن الأشعرى وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه تلميذ الجبائى،

стр. 671

ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجى أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أموراً أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه فى كتبهم) (١) اهـ. وقال العلامة الآلوسي: (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه ﴿ليس كمثله شيء﴾: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر ﷺ ... ولجلالة شأن ذلك المذهب ذهب إليه غير واحد عن أجلة الخلف ... ومنهم: الإمام أبو الحسن الأشعري، فإن آخر أمره الرجوع إلى ذلك المذهب الجليل، بل الرجوع إلى ما عليه السلف في جميع المعتقدات. قال في كتابه "الإبانة" الذي هو آخر مؤلفاته بعد كلام طويل: "الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نصر الله تعالى وجهه قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون" انتهى.

стр. 672

وهو ظاهر في أنه سلفي العقيدة. وكيف لا والإمام أحمد علم في ذلك، ولهذا نغص لميه من بين أئمة الحديث. ويُعلم من هذا أن ما عليه الأشاعرة غير ما رجع إليه إمامهم في آخر أمره من اتباع السلف الصالح، فليتهم رجعوا كما رجع، واتبعوا ما اتبع .. ) (١) اهـ. ثانياً: أن ما قرره أبو الحسن الأشعري في "الإبانة" و"مقالات الإسلاميين" و"رسالة إلى أهل الثغر" من مسائل المعتقد ومنه صفات الله تعالى موافق لمعتقد السلف، ومخالف لما عليه الأشاعرة. إذ أنه قد أثبت الصفات لله تعالى على ظاهرها، ومنع من تأويلها، وعد من تأولها مبتدعة وجهمية، كما سبق نقل كثيرٍ من كلامه في ثنايا الكتاب، وهذا يمنع تماماً أن يكون قد قرر فيه التفويض الذي يزعمه الأشاعرة، بل إنه صرح بأن الصفات حقيقة، وأوجب الأخذ بالظاهر، وبين أن آيات الصفات مفهومة معلومة، ورد على من تأولها وأخرجها عن حقيقتها. وهذا يؤكد أنها تمثل مرحلة مغايرة عن مرحلته الكلابية. ومما يؤكد ذلك قول بعض الطاعنين في أبي الحسن الأشعري أنه إنما ألف الإبانة وقاية لأهل السنة.

стр. 673

فقد قال أبو علي الأهوازي: (وللأشعري كتاب في السنة قد جعله أصحابه وقاية لهم من أهل السنة، يتولون به العوام من أصحابنا، سماه كتاب الإبانة، صنفه ببغداد لما دخلها، فلم يقبل ذلك منه الحنابلة وهجروه. وسمعت أبا عبد الله الحمراني يقول: لما دخل الأشعري إلى بغداد جاء إلى البربهاري، فجعل يقول: رددت على الجبائي، وعلى أبي هاشم ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى وعلى المجوس، فقلت وقالوا، وأكثر الكلام في ذلك، فلما سكت، قال البربهاري: "ما أدري مما قلت قليلاً ولا كثيراً، ما نعرف إلا ما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل. فخرج من عنده وصنف كتاب الإبانة، فلم يقبلوه منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها) (١) اهـ. وظاهر هذا يدل على أن كتاب الإبانة ليس على طريقة الأشاعرة، ولذلك ظن بعض الطاعنين فيه أنه إنما ألفه إرضاءاً لهم، ووقاية لنفسه من إنكارهم عليه، وهذا الظن وإن لم يكن صحيحاً، إلا أنه يثبت أن منهج الأشعري في الإبانة موافق لأهل السنة، ومخالف للكلابية والأشعرية، وهو بيت القصيد.

стр. 674

وقال الإمام القاضي كمال الدين أبو حامد محمد بن درباس المصري الشافعي (٦٥٩ هـ) في رسالته "الذب عن أبي الحسن الأشعري": (فاعلموا معشر الإخوان ... بأن كتاب "الإبانة عن أصول الديانة" الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده، وبما كان يدين الله بعد رجوعه عن الاعتزال بمن الله ولطفه. وكل مقالة تنسب إليه الآن مما يخالف ما فيه، فقد رجع عنها، وتبرأ إلى الله منها. كيف وقد نص فيه على أنه ديانته التي يدين الله سبحانه بها،

стр. 675

وروى وأثبت ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضين، وقول أحمد بن حنبل ﵃ أجمعين، وأنه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. فهل يسوغ أن يُقال: أنه رجع إلى غيره؟ فإلى ماذا يرجع تراه!. يرجع عن كتاب الله وسنة نبي الله، خلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون، وأئمة الحديث الماضين، وقد علم أنه مذهبهم ورواه عنهم. هذا لعمري ما لا يليق نسبته إلى عوام المسلمين، كيف بأئمة الدين .. -إلى أن قال: (وقد ذكر هذا الكتاب، واعتمد عليه وأثبته عن الإمام أبي الحسن ﵀، وأثنى عليه لما ذكره فيه، وبرأه من كل بدعة نسبت إليه، ونقل منه إلى تصنيفه: جماعة من الأئمة الأعلام من فقهاء الإسلام، وأئمة القراء، وحفاظ الحديث وغيرهم -ثم ذكر جماعة منهم) (١) اهـ. ثالثاً: أنه قد بيّن في "مقالات الإسلاميين" أن الكلابية فرقة مباينة لأهل الحديث، ونقل أقوالهم، في كثير من المسائل، ولم يجعلهم في جملة أهل الحديث، وقد سبق نقل أقواله، ولو كان كلابياً لم يفرق بينهم وبين أهل الحديث، ولجمعهم في مصطلح واحد، إما أن يدخلهم تحت مصطلح أهل الحديث، أو تحت الكلابية.

стр. 676

رابعاً: مما يؤكد هذا أن الأشاعرة لا ينقلون في كتبهم شيئاً مما ذكره الأشعري في كتبه الموجودة وهي "مقالات الإسلاميين" و"رسالة إلى أهل الثغر" و"الإبانة"، وحاولوا عبثاً أن ينكروا نسبة كتاب الإبانة المطبوع المتداول إليه، وما ذاك إلا لعلمهم أنه ينقض عليهم أصولهم، وقد سبق إثبات كونه كلامه غير محرف ولا معبوث به. بل يكفي في إبطال دعواهم ما سطره في "مقالات الإسلاميين" و"رسالة إلى أهل الثغر"، وما نقله ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" والبيهقي في "الأسماء والصفات"، والذهبي في "العلو" من كتاب الإبانة، فضلاً عما نقله ابن تيمية وابن القيم منه في كتبهما التي سبق الإشارة إليها. خامساً: أن أبا الحسن الأشعري ذكر في أول كتاب الإبانة: أنه سائر على درب الإمام أحمد ووصفه بأنه إمام أهل السنة، ولم ينتسب قط لابن كلاب ولا اعتزى إليه في شيء من كتبه الموجودة. ومعلوم أن ابن كلاب كان مبايناً لطريق الإمام أحمد، وأن الإمام أحمد كان ينهى عن الكلابية وكبارهم كالحارث المحاسبي وأصحابه، ويصفهم بالجهمية، كما سبق تقريره، وهذا مشهور مستفيض عنه، فلو كان الأشعري على طريق ابن كلاب لما انتسب إلى الإمام أحمد، مع علمه بنهيه عن ابن كلاب وتحذيره من طريقته.

стр. 677

المبحث الثاني الرد على ما أورده نفاة المرحلة الأخيرة [الجواب على عدم إيراد كثير ممن ترجم له من أصحابه وغيرهم المرحلة الأخيرة] أما ما أورد الأشعريان على هذا من أن كثيراً ممن ترجم لأبي الحسن لم يذكروا المرحلة الأخيرة، فالجواب أن يقال: لعله بسبب جهلهم بذلك، والقاعدة تقول: أن المُثبت مقدم على النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا: (فإن قيل إن ابن فورك وأتباعه لم يذكروا هذا، قيل: له سببان: أحدهما: أن هذا الكتاب -أي الإبانة للأشعري- ونحوه صنفه ببغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة، ولعله لم يفصح في بعض الكتب القديمة بما أفصح فيه وفي أمثاله، وإن كان لم ينف فيها ما ذكره هنا في الكتب المتأخرة، ففرق بين عدم القول، وبين القول بالعدم. وابن فورك قد ذكر فيما صنفه من أخبار الأشعري تصانيفه قبل ذلك، فقال -أي ابن فورك:

стр. 678

" ..... وبقي إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة"، قال: "فاما أسامي كتبه إلى سنة عشرين وثلاثمائة، فإنه ذكر في كتابه الذي سماه العمد في الرؤية أسامي أكثر كتبه" ... ثم قال: "وقد عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين وصنف فيها كتباً" ذكر منها أشياء. قال ابن عساكر بعد أن ذكر كلام ابن فورك: "هذا آخر ما ذكره ابن فورك من تصانيفه، وقد وقع إلي أشياء لم يذكرها في تسمية تواليفه، فمنها .... ") (١) اهـ.

стр. 679

المبحث الثالث أسباب انتقال الأشعري لمذهب أهل السنة وتركه للطريقة الكلابية وكان من أسباب انتقاله إلى السنة، وتركه للمذهب الكلابي، التقاؤه بمحدث البصرة الحافظ زكريا الساجي، وهو الذي أخذ عنه معتقد أهل السنة. قال الذهبي في ترجمة الساجي: (وكان من أئمة الحديث، أخذ عنه أبو الحسن الأشعري مقالة السلف في الصفات، واعتمد عليها أبو الحسن في عدة تآليف) (١) اهـ. وقال في العلو: (وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها، وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري الحديث ومقالات أهل السنة) (٢) اهـ. وقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وقوله: (وأخذ عن

стр. 680

زكريا الساجى أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أموراً أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه فى كتبهم) (١) اهـ. وقال أيضاً في موضع آخر: (ومذهب أهل السنة الذي يحكيه الأشعري في مقالاته عن أهل السنة والحديث أخذ جملته عن زكريا بن يحيى الساجي الإمام الفقيه عالم البصرة في وقته، وهو أخذ عن أصحاب حماد وغيرهم، فيه ألفاظ معروفة من ألفاظ حماد بن زيد كقوله: "يدنو من خلقه كيف شاء"، ثم أخذ الأشعري تمام ذلك عن أصحاب الإمام أحمد لما قدم بغداد، وإن كان زكريا بن يحيى وطبقته هم أيضاً من أصحاب أحمد كذلك، وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في إبانته الكبرى عن زكريا بن يحيى الساجي جمل مقالات أهل السنة، وهي تشبه ما ذكره الأشعري في مقالاته، وكان الساجي شيخ الأشعري الذي أخذ عنه الفقه والحديث والسنة، وكذلك ذكر أصحابه) (٢) اهـ. وسبق نقل كلام أبي علي الأهوازي أن الأشعري ألفه ببغداد بعدما خرج من عند الإمام البربهاري.

стр. 681

الفصل الرابع بيان مخالفة متأخري الأشاعري للأشعري ولكبار أصحابه تمهيد مع كل ما سبق بيانه وتقريره، فلا بد أن يُعلم أيضاً أن ابن كلاب، والأشعري، وكبار أصحابه كأبي الحسن الطبري، وأبي عبد الله بن مجاهد الباهلي، ثم من بعدهم كأبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الإسفرائيني، لم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى التي في القرآن كالوجه، واليدين، والعينين، والاستواء، ونحوها، وإبطال قول من نفاها وتأولها، ولم يُنقل عنهم غير ذلك، وليس لهم فيها قولان، وهذه كتبهم موجودة، ليس فيها حرف من تأويلها أو ذكر القولين، ومن قال غير ذلك فقد وهم، وإنما أدخل هذا في مذهبه متأخروا الأشاعرة كأبي المعالي الجويني والرازي وأبي حامد ونحوهم. قال أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ صاحب كتاب "اللوامع في الجمع بين الصحاح والجوامع" في بيان مسألة الاستواء

стр. 682

من تأليفه: (ورأيت هؤلاء الجهمية -يشير إلى متأخري الأشاعرة- ينتمون في نفي العرش، وتعطيل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري، وما هذا بأول باطل ادعوه، وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم بـ"الإبانة عن أصول الديانة" أدلة من جملة ما ذكر على إثبات الاستواء، وقال في جملة ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم، يقولون جميعاً: يا ساكن العرش) ثم قال: (ومن حَلِفِهم جميعاً قولهم: لا والذي احتجب بسبع سماوات) (١) اهـ. وسبق أيضاً قول ابن درباس، والآلوسي في ذلك. بل وسبق نقل نصوص الأشعري، وابن كلاب في إثبات هذه الصفات لله تعالى، وإبطال تأويلها، وأنا أنقل هنا بعض نصوص أئمة أصحابه في إثباتها، والمنع من تأويلها:

стр. 683

المبحث الأول نصوص أئمة أصحاب الأشعري في إثبات الصفات لله تعالى والمنع من تأويلها وأنا أنقل هنا بعض نصوص أئمة أصحابه في إثباتها، والمنع من تأويلها - أبو الحسن علي بن مهدي الطبري قال الذهبي في "العلو" نقلاً عنه: قال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب "مشكل الآيات" له في باب قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥: (اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي، فالقديم ﷻ عالٍ على عرشه، يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦،

стр. 684

وقوله ﴿يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي﴾ آل عمران٥٥، وقوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠، وقوله ﴿ثم يعرج إليه﴾ السجدة٥. وزعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق، أي استولى عليها، وقال: إن العرش يكون الملك، فيقال له: ما أنكرت أن يكون عرش الرحمن جسماً خلقه، وأمر ملائكته بحمله؟ قال ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ الحاقة١٧، وأمية يقول: مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا قال: مما يدل على أن الاستواء ههنا ليس بالاستيلاء أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مستول على العرش، وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله. ثم يقال له أيضاً: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي استولى، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكناً، فلما كان الباري لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكناً لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء. ثم ذكر ما حدثه نفطويه عن داود بن علي عن ابن الأعرابي

стр. 685

-وقد مر- ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال ﴿فسيحوا في الأرض﴾ التوبة٢، بمعنى: على الأرض، وقال ﴿لأصلبنكم في جذوع النخل﴾ طه٧١، فكذلك ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦. فإن قيل: فما تقولون في قوله ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض﴾ الأنعام٣؟ قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف في ﴿السموات﴾، ثم يبتدىء ﴿وفي الأرض يعلم﴾ وكيفما كان فلو أن قائلاً قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما) إلى أن قال: (وإنما أمرنا الله برفع أيدينا قاصدين إليه برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه) (١) اهـ. قلت: فانظر إلى حكايته عن المعتزلة القول بأن العرش: الملك، ثم انظر إلى ما قاله عبد القاهر البغدادي في الاستواء: (والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك) (٢) اهـ. وانظر أيضاً إبطاله لتفسير الملك بالاستيلاء والقهر، وجعل هذا من أقوال الجهمية، ثم انظر إلى ما قال أبو المعالي الجويني:

стр. 686

(لم يمتنع منا حمل الاستواء على القهر والغلبة) (١) اهـ. - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني قال في كتاب "الإنصاف": (فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته، وأخبر أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضي الماضيات، كما قال : ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، واليدين اللتين نطق بإثباتهما له القرآن في قوله : ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، المائدة٦٤،وقوله: ﴿ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وأنهما ليستا جارحتين، ولا ذوي صورة وهيئة، والعينين اللتين أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن، وتواترت بذلك أخبار الرسول ﵇، فقال : ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩ و ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤، وأن عينه ليست بحاسة من الحواس، ولا تشبه الجوارح والأجناس) (٢) اهـ. وقال الذهبي في "العلو": (قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني الذي ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقاً في كتاب "الإبانة" من تأليفه: فإن قيل فما الدليل

стр. 687

على أن لله وجهاً؟ قيل: قوله ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧، وقوله ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً. فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذ كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب في كل شيء كان قديماً بذاته أن يكون جوهراً، لأنا وإياكم لم نجد قديماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك. وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضاً واعتلوا بالوجود. فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، وقال ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠، وقال ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦. قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئة قائله. إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضا.

стр. 688

وقال مثل هذا القول في كتاب "التمهيد" له. وقال في كتاب "الذب عن أبي الحسن الأشعري" كذلك: قولنا في جميع المروي عن رسول الله في صفات الله إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل إلى السماء الدنيا كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه). إلى أن قال: (وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل. قلت -أي الذهبي معلقاً-: فهذا النفس نفس هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل، فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب، ونفي الصفات وردها، صم بكم غتم عجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل) (١) اهـ. وقد قال الذهبي في بيان التغير الذي طرأ على الأشعرية لما

стр. 689

نقل كلام أبي الحسن الأشعري في الإبانة: (فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن هذه، ولزموها، لأحسنوا، ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء، ومشوا خلف المنطق فلا قوة إلا بالله) (١) اهـ.

стр. 690

المبحث الثاني بيان بطلان أن يكون للأشعري قولان في الصفات وبيان خطأ من حكى عنه ذلك

стр. 691

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أبو المعالي الجويني ونحوه ممن انتسب إلى الأشعري، ذكروا في كتبهم من الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله، فإن هؤلاء متفقون على إثبات الصفات الخبرية، كالوجه واليد والاستواء، وليس للأشعري في ذلك قولان، بل لم يتنازع الناقلون لمذهبه نفسه في أنه يثبت الصفات الخبرية التي في القرآن، وليس في كتبه المعروفة إلا إثبات هذه الصفات، وإبطال قول من نفاها وتأول النصوص، وقد رد في كتبه على المعتزلة الذين ينفون صفة اليد والوجه والاستواء، ويتأولون ذلك بالاستيلاء، ما هو معروف في كتبه لمن يتبعه، ولم ينقل عنه أحد نقيض ذلك، ولا نقل أحد عنه في تأويل هذه الصفات قولين. ولكن لأتباعه فيها قولان، فأما هو وأئمة أصحابه فمذهبهم إثبات هذه الصفات الخبرية، وإبطال ما ينفيها من الحجج العقلية، وإبطال تأويل نصوصها. وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات موافقة للمعتزلة والجهمية، ثم لهم قولان: أحدهما تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي كما ذكره في الإرشاد، والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي، كما ذكره في الرسالة النظامية، وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن

стр. 692

التأويل ليس بسائغ ولا واجب، ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات، ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي لا على إثباتها، ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي. وأبو حامد تارة يثبت الصفات العقلية متابعة للأشعري وأصحابه، وتارة ينفيها أو يردها إلى العلم، موافقة للمتفلسفة، وتارة يقف، وهو آخر أحواله، ثم يعتصم بالسنة ويشتغل بالحديث وعلى ذلك مات) (١) اهـ.

стр. 693

الفصل الخامس إبطال دعوى الأشاعرة أنهم أكثر الأمة لقد تكررت دعوى الأشاعرة بأنهم أكثر الأمة، وأصبح يتناقلها الكثير منهم في كتبهم ومحاضراتهم، يغرون بها الجهال ممن لا علم لهم بحقيقة الأمر. قال الأشعريان (ص٢٤٨): (ومذهب الأشاعرة ومن وافقهم من أهل السنة الذي عليه سواد الأمة، وأكابر أهل الفضل فيها) اهـ. وقالا (ص٣١): (هذا المذهب الذي يدين به تسعة أعشار أمة الإسلام، وسوادها الأعظم وعلماؤها ودهماؤها) اهـ. ولا ريب أنها دعوى مجردة عن الدليل، ويكذبها الواقع التاريخي، ويكفي في إبطالها ما سبق تفصيله في بيان مذهب السلف وطريقهم وبيان مخالفة الأشعرية له، وخروجهم عنه. وجميع من نقلنا نصوصهم في هذا الكتاب بدءاً من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة ﵃، ومن لم ننقل عنهم من السلف، جميعهم مخالفون للأشاعرة في أصول الاعتقاد،

стр. 694

ومبطلون لأقوالهم ومذهبهم، فضلاً عمن نقلنا عنهم الطعن في الأشاعرة، والتتصيص على خروجهم عن السنة والطريق. وحسبك من ذكرهم ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية"، والذهبي في "العلو" من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء، ممن نصوا في مسألة علو الله تعالى بنفسه على خلقه بما يخالف مذهب الأشاعرة، وهي واحدة من مسائل الاعتقاد، فكيف إذا أضيف لهم من نصوا في بقية مسائل الاعتقاد بما يخالف مذهب الأشاعرة؟.

стр. 695

فهل يمكن بعد ذلك أن يُدّعى أن الأشاعرة هم أكثر الأمة، وهم مخالفون للقرون المفضلة الأولى؟!! وإذا كان أبو الحسن الأشعري إنما ولد سنة ٢٦٠هـ، وقيل: ٢٧٠هـ، فما الذي كانت عليه الأمة قبله؟ أفتراها كانت على عقيدة الأشعري الذي لم يكن شيئاً مذكورا كما يزعم هؤلاء؟!! أم أن العقيدة كانت خافية عليهم، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري فأيقظ الأمة من سباتها؟

стр. 696

فإن قال قائل: إن الأشعري لم يأت بشيء جديد، ولكنه أبان أموراً وأوضحها في رده على المعتزلة حتى كشف عوارهم، وهذا سبب الانتساب إليه، لكونه صار علماً على السنة في مقابل المعتزلة. فالجواب أن هذا بلا ريب بعيد عن التحقيق، فضلاً عن الواقع والتاريخ، إذ أن ظهور المعتزلة كان متقدماً على ظهور الأشعري بأكثر من قرن ونصف من الزمان، فضلاً عن الجهمية التي كانت أسبق ظهوراً من المعتزلة. ومن المعلوم أن ظهور هاتين الفرقتين قد جوبه برد عنيف من السلف والأئمة، الذين أنكروا عليهم أعظم النكير، وحكموا بضلالهم، بل وكفر الجهمية منهم، فقام أئمة السنة ابتداءاً من الحسن البصري وإلى عصر الأشعري بالرد على شبهاتهم، وكشف عوارهم. وكتب السنة طافحة بآثار السلف في النكير على الجهمية والمعتزلة والرد على ما ابتدعوه، فانظر كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وأصول اعتقاد السنة لللالكائي، والإبانة لابن بطة وغيرها كثير. وقد نقلنا في ثنايا هذا الكتاب كثيراً من كلامهم. ولم يكتف السلف بمقولة أو مقولتين، بل إنهم قد كتبوا الكتب وصنفوا المصنفات في الرد عليهم، ككتب "الرد على الجهمية" للإمام أحمد، وابنه عبد الله، وابن أبي حاتم، وابن قتيبة، والدارمي، والكناني، وابن منده، وأبي العباس السراج وغيرهم كثير، فضلاً عما تضمنته كتب السنة من أبواب الرد على الجهمية، كما فعله البخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه، وغيرهما.

стр. 697

ناهيك عن كتب السنة الأخرى، والتي أُلّفت لبيان معتقد السلف والرد على أهل البدع والمخالفين من أصناف المعطلة والمشبهة (١). والمعلوم أن المعتزلة والجهمية قد قويت شوكتهم في أواخر القرن الثاني، لما تأثر بهم الخليفة المأمون، حتى حصلت تلك الفتنة العظيمة، التي امتُحن فيها العلماء، وأوذي فيها الإمام أحمد أذى عظيماً، وهي فتنة القول بخلق القرآن، وقد تتابع على هذه الفتنة ثلاثة خلفاء: المأمون، والواثق، والمعتصم، وهذا قد ساهم كثيراً في دفع عجلة السلف لكشف أباطيل هاتين الفرقتين، والجواب عن شبهاتهم، خشيةً من التباسها على الناس. ومع كل هذه الردود من السلف والأئمة على الجهمية والمعتزلة، وما حصل من الفتنة بهم، فإننا لم نجد أحداً من السلف قط يقرر ما قرره الأشعري في الاعتقاد، لا من حيث التأصيل والتقعيد، ولا من حيث الرد على المعتزلة والنكير، بل على العكس من ذلك: وجدنا نصوصهم صريحة في نقض أصوله الاعتقادية في أسماء الله وصفاته، كما سبق بيانه في الباب الأول، فضلاً عن سائر أبواب الاعتقاد كالإيمان والقدر والنبوات وغيرها من أبواب الاعتقاد التي لم نعرّج عليها في كتابنا هذا.

стр. 698

ومن ظن أن السلف كانوا عاجزين عن البيان والتوضيح لأصول المعتقد، والرد على المخالفين كالجهمية والمعتزلة، وكشف عوارهم، والجواب على شبهاتهم، ونقض أصولهم، حتى أتى الأشعري فأبان عما لم يعلموه، ورد على المعتزلة بما لم يستطيعوه؟! فقد ظن بهم ظن السّوْء، ونسبهم إلى الجهل والعجز. وكفى به ضلالاً وخسراناً. [قيام أهل الحديث بمن فيهم الخليفة ضد الأشعرية في القرنين الرابع والخامس] ومن المعلوم أن المسلمين كانوا على جادة السنة والطريق حتى ظهرت الفرق الكلامية، وحصلت الفتن وابتُلي المسلمون، فلما جاء أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس وقويت شوكة

стр. 699

الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، انتهض السلفيون لدحر هذه الفتنة، وكشف زيفها وأباطيلها، حتى كتب الخليفة العباسي القادر بالله تلك العقيدة المعروفة بالقادرية والتي سبق أن ذكرنا طرفاً منها، وأمر أن يُرسل بها إلى أنحاء الدولة العباسية وأطراف الأمة الإسلامية. قال ابن كثير في أحداث سنة ٤٣٣هـ: (وفيها قرئ الاعتقاد القادري الذي جمعه الخليفة القادر، وأخذت خطوط العلماء والزهاد عليه بأنه اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فسق وكفر، وكان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني ثم كتب بعده العلماء، وقد سرده الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي بتمامه في منتظمه، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف) (١) اهـ. وكان ممن وقّع عليه القاضي أبو يعلى كما سبق نقل كلام ابنه في الطبقات. وممن عمل بهذا الأمر من نشر العقيدة ودعوة الناس إليها أعظم ملوك الدولة الغزنوية وفاتح الهند العظيم محمود بن سبكتكين (٢)، وكان يحكم أكثر المشرق الإسلامي إلى الهند، فقد أمر بالسنة واتباعها، وأمر بلعن أهل البدع بأصنافهم على المنابر.

стр. 700

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اعتمد محمود بن سبكتكين نحو هذا - من فعل القادر من نشر السنة وقمع البدعة - في مملكته، وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر، فلعنت الجهمية والرافضة والحلولية والمعتزلة والقدرية، ولعنت أيضاً الأشعرية .. ) (١) اهـ. وقال أيضاً: (ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه حتى صاروا يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر، حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة، فلعنوا الكلابية والأشعرية كما كان في مملكة الأمير محمود بن سبكتكين .. ) (٢) اهـ. وقال الذهبي: (وامتثل ابن سبكتكين أمر القادر فبث السنة بممالكه، وتهدد بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة والمشبهة والجهمية والمعتزلة ولُعنوا على المنابر) (٣) اهـ. فانظر إلى هذه الانتهاضة في الإنكار على أهل البدع ومنهم الأشاعرة، ثم انظر إلى ما قاله الأشعريان (ص٢٥٢) عاكسَيْن للحال: (بل نزيد ونقول إنه لا يبعد أن يكون -أي ابن جرير- انتسب إليه - أي الأشعري - فيما لم يصلنا من كتبه، فقد ذكرت كتب التاريخ أنه انتهض لنصرة طريقة الإمام أبي الحسن والإمام أبي منصور جميع أهل السنة في العالم الإسلامي) اهـ. [أسباب انتشار المذهب الأشعري في القرنين السادس والسابع] وأما أسباب انتشار العقيدة الأشعرية في القرون المتأخرة، فهو ما ذكره المقريزي في خططه حيث قال ما نصه:

стр. 701

(فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعريّ في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس المارانيّ على هذا المذهب، قد نشآ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر وشدّوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام مواليهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك، واتفق مع ذلك توجه أبي عبد الله محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق، وأخذ عن أبي حامد الغزاليّ مذهب الأشعريّ، فلما عاد إلى بلاد المغرب وقّام في المصامدة يفقههم ويعلمهم، وضع لهم عقيدة لقفها عنه عامّتهم، ثم مات فخلفه بعد موته عبد المؤمن بن عليّ الميسيّ، وتلقب بأمير المؤمنين، وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعد مدّة سنين، وتسموا بالموحدين، فلذلك صارتّ دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المعلوم، المهديّ المعصوم، فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء

стр. 702

خلائق لا يحصيها إلاّ الله خالقها ، كما هو معروف في كتب التاريخ، فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعريّ وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نُسي غيره من المذاهب، وجُهل حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلاّ أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁، فإنهم كانوا على ماكان عليه السلف، لايرون تأويل ماورد من الصفات، إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحكم بن عبد السلام بن تيمية الحرّانيّ، فتصدّى للانتصار لمذهب السلف وبالغ في الردّ على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم وعلى الرافضة، وعلى الصوفية .. ) (١) اهـ. وكلام المقريزي هنا يبين وقت وسبب انتشار المذهب الأشعري، وأنه كان بسبب فرضه على الناس، إلى حد قد يصل في بعض الأحايين إلى القوة والقتل كما حصل من ابن تومرت لما حكم المغرب والأندلس. وحصل مثله لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أوذي وسجن بسبب تبيينه لمنهج أهل السنة والرد على المخالفين.

стр. 703

وأما ما يتعلق بعوام المسلمين، فلا ريب أنهم إن تُركوا من غير تلقين فإنهم على الفطرة السليمة، وعلى اعتقاد السلف وأهل الحديث، لا يعرفون أصول الكلام، ولا تأويل الصفات، ولا شيئاً من ذلك. ولا يمكن لأحد أن يدّعي خلاف ذلك إلا مكابرةً. فلا يعرف العامي إلا أن الله في السماء على عرشه فوق خلقه، لا يعرف ما يقوله الأشاعرة من أنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت. ولا يعرف العامي إلا أن الله يتكلم، وأنه كلم موسى فسمع موسى كلام الله، لا يعرف الكلام النفسي الذي هو: أمر ونهي وخبر واستخبار. ولا يعرف العامي إلا أن الله يحب التوابين، ويبغض الكافرين، ويرضى عن الطائعين، ويسخط على العاصين، لا يعرف أن هذه الصفات كلها راجعة إلى الإرادة. ولا يعرف العامي إلا أن الله أقدر العبد على الفعل، وجعل له إرادة لها تأثير فيه، لا يعرف الكسب الذي هو اقتران القدرة الحادثة بالقدرة القديمة، وأن الحادثة لا تأثير لها في الفعل البتة. وسل إن شأت جماعات المسلمين يخبروك بحقيقة الحال.

стр. 704

فدعوى أن الأشعرية هو المذهب الذي يدين به عامة الأمة ودهماؤها، دعوى باطلة جملة وتفصيلاً.

стр. 705

خلاصة الفصل: أولاً: أن أبا الحسن الأشعري قد رجع في آخر حياته إلى طريق أهل السنة، وترك ما كان عليه من مذهب ابن كلاب، وسطّر ذلك في كتبه الأخيرة. ثانياً: أن ابن كلاب والأشعري وكبار أصحابهما متفقون جميعاً على إثبات الصفات الخبرية التي في القرآن كالوجه واليدين والعينين والاستواء، فضلاً عن علو الله تعالى، وعلى إبطال تأويلها وإخراجها عن حقائقها، وأنه لم يُنقل عنهم فيها قولان البتة، ونصوصهم في كتبهم صريحة في هذا. ثالثاً: مخالفة الأشاعرة المتأخرين لطريق ابن كلاب وللأشعري قبل رجوعه إلى أهل السنة، ومخالفون أيضاً لكبار أئمة الأشاعرة من أصحاب الأشعري، وأن المتأخرين قد أدخلوا على طريق ابن كلاب والأشعري بعض أصول المعتزلة ووافقوهم عليها، كتأويل الصفات الخبرية، وإنكار علو الله تعالى على خلقه واستواءه على عرشه.
следующие страницы →