* ولا بينَ التجارةِ بالتصديرِ والتوريدِ من محلٍّ إلى آخرَ.
* ولا بينَ التجارةِ والتكسبِ أفرادًا ومشتركينَ.
فكلُّ هذهِ الأنواعِ وما يتبعُها قدْ أباحَها الشارعُ وأطلقَها لعبادهِ؛ رحمةً بهم، وقيامًا لمصالِحهم، ودفعًا للأضرارِ عنهم.
وكلُّها جائزةٌ بما يقترنُ بها ويتبعُها من شروطٍ ووثائقَ ونحوِها، إذا سلمَتْ من المحاذيرِ الشرعيةِ التي نبَّهَ اللهُ عليها ورسولُهُ، ويدخلُ في هذا العمومِ جميعُ أجناسِ المبيعاتِ وأنواعِها وأفرادِها: من عقاراتٍ، وحيواناتٍ، وأمتعةٍ، وأطعمةٍ، وأوانٍ، وأشربةٍ، وأكسيةٍ، وفرشٍ، وغيرِها.
وكلُّها لابدَّ أنْ تقترنَ بهذا الشرطِ الذي ذكرَهُ اللهُ وهوَ: التراضِي بينَ المتعاوضَينِ، الرضا الصادرُ عن معرفةٍ، وأمَّا السفيهُ والمجنونُ ومَن لا يُعتبرُ كلامُهُ فوليُّهُ يقومُ مقامَهُ في معاملاتهِ.
* وأعظمُ المحاذيرِ المانعةِ من صحةِ المعاملاتِ: الرِّبا والغَرَرُ والظلمُ:
* فالرِّبا الذي حرَّمَهُ اللهُ ورسولهُ يدخلُ فيه:
• رِبا الفَضْلِ: وهوَ بيعُ المكيلِ بالمكيلِ من جنسهِ متفاضِلًا، وبيعُ الموزونِ بالموزونِ من جنسهِ متفاضلًا.
ويُشترطُ في هذا النوعِ في حِلِّهِ ما شَرَطَ (١) الشارعُ، وهوَ:
- التماثلُ بينَ المبيعَينِ بمعيارهِ الشرعيِّ، مكيلًا كان أو موزونًا.
стр. 153
- والقبضُ للعِوضَينِ قبلَ التفرقِ.
• ورِبا النَّسِيئَةِ: وهوَ بيعُ المكيلِ بالمكيلِ إلى أجلٍ، أو غيرِ مقبوضٍ، ولوْ من غيرِ جنسهِ، وبيعُ الموزونِ بالموزونِ إلى أجلٍ، أو بلا قبضٍ، ويُستثنَى من هذا السَّلَمُ.
وأشدُّ أنواعِ هذا النوعِ: قلبُ الديونِ في الذممِ، وهوَ الذي ذكرَهُ بقولهِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وذلكَ إذا حلَّ ما في ذمةِ المدينِ، قالَ لهُ الغريمُ: «إما أنْ تقضينَي دَيني، وإما أنْ تزيدَ ما في ذمتِكَ»، فيتضاعفُ ما في ذمةِ المعسرِ أضعافًا مضاعفةً بلا نفعٍ ولا انتفاعٍ، وذلكَ أنَّ المعسرَ قدْ أوجبَ اللهُ على غريمهِ إنظارَهُ كما قالَ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وسواءٌ كان قلبُ الدَّينِ المذكورِ صريحًا، أو يتحيَّلُ عليهِ بحيلةٍ ليستْ مقصودةً، وإنما يُرادُ بها التوصلُ إلى مضاعفةِ ما في ذمةِ الغريمِ.
فهذا الذي قدْ توعدَهُ اللهُ بهذا الوعيدِ الشديدِ، وأنَّ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا (١) لَا يَقُومُونَ﴾ من قبورِهم إلى بعثِهم ونشورِهم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: من الجنونِ، فيقومونَ مرعوبينَ منزعجينَ، قدْ اختلَتْ حركاتُهم؛ لما يعلمونَ ما أمامَهم من القلاقلِ والأهوالِ المزعجةِ والعقوباتِ لأكلةِ الرِّبا، وقدْ آذَنَهم اللهُ بمحاربتهِ ومحاربةِ رسولهِ إذا لم يتوبُوا، ومَن كان محاربًا للهِ ورسولهِ فإنهُ مخذولٌ، وإنَّ عواقبَهُ وخيمةٌ، وإنْ استُدرِجَ في وقتٍ فآخرُ أمرهِ المَحْقُ والبَوارُ، قالَ تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩].
стр. 154
فالمرابِي يأخذهُ الأمنُ والغرورُ الحاضرُ، ولا يدرِي ما خبِّئَ لهُ في مستقبلِ أمرهِ، وأنَّ اللهَ سيجمعُ لهُ بينَ عقوباتِ الدنيا والآخرةِ، إلا إنْ تابَ وأنابَ، فإذا تابَ فلهُ ما سلفَ.
وأما العقودُ الحاضرةُ فالزيادةُ لا تحلُّ (١)، وعليهِ أنْ ينزلَ على رأسِ مالهِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]: بأخذِ الزيادةِ، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] بأخذِ بعضِ رؤوسِ أموالِكم.
• ومن أنواعِ الرِّبا: القرضُ الذي يجرُّ نفعًا؛ فإنَّ القرضَ من الإحسانِ والمرافقِ بينَ العبادِ، فإذا دخلَتْهُ المعاوضةُ، وشَرَطَ المقرضُ على المقترضِ ردَّ خيرٍ منهُ بالصفةِ أو المقدارِ، أو شَرَطَ نفعًا أو محاباةً في معاوضةٍ أخرى؛ فهوَ من الرِّبا؛ لأنهُ في الحقيقةِ دراهمُ بدراهمَ مؤخرةٍ، والربحُ ذلكَ النفعُ المشروطُ.
فاللهُ تعالى وَعَظَ المؤمنينَ عن تعاطِي الرِّبا كلِّهِ، والمعاملةِ بهِ، وأنْ يكتفُوا بالمكاسبِ الطيبةِ التي فيها البركةُ وصلاحُ الدينِ والدنيا، وفيها تزكُو الأخلاقُ، ويحصلُ الاعتبارُ، وحسنُ المعاملةِ، والصدقُ، والعدلُ، وأداءُ الحقوقِ، والسلامةُ من جميعِ التبعاتِ.
* ومن المحاذيرِ في المعاملاتِ: محذورُ الميسرِ والغَرَرِ؛ فإنَّ اللهَ حَرَّمَ في كتابهِ الميسرَ، وقرنَهُ بالخمرِ، وذكرَ مضارَّ ذلكَ ومفاسدَهُ، والميسرُ يدخلُ في المعاملاتِ كما يدخلُ في المغالباتِ، فكما أنَّ المراهناتِ والمقامراتِ وتوابعَها مِنْ الميسرِ، فالبيوعُ التي فيها غررٌ ومخاطراتٌ وجهالاتٌ داخلةٌ في الميسرِ؛ ولهذا قالَ ﷺ كلمةً جامعةً: «نَهَى عن بيعِ الغَرَرِ» (٢)، فيدخلُ في ذلكَ:
стр. 155
• بيعُ الحملِ في البطنِ.
• وبيعُ الآبقِ والشاردِ.
• والشيءُ الذي لم يُرَ ولم يوصَفْ.
• ودخَلَ فيه بيعُ الملامسةِ والمنابذةِ.
• وجميعُ العقودِ التي فيها جهالةٌ بينةٌ؛ وذلكَ لأنَّ أحدَ المتعاملينِ إما أنْ يغنمَ، وإما أنْ يغرمَ، وهذا مخالفٌ لمقاصدِ المعاوضاتِ التي يقصدُ أنْ يكونَ العِوضُ في مقابلةِ المعوضِ على وجهٍ يستوِي فيه علمُ المتعاوضَينِ، فإذا جُهِلَ الثمنُ أو المثمنُ، أو كان الأجلُ في الديونِ غيرَ مسمًّى ولا معلومٍ؛ دخَلَ هذا في بيعِ الغررِ والميسرِ الذي زجرَ اللهُ عنهُ.
* ومن المحاذيرِ المنهيِّ عنها في المعاملاتِ:
• الظلمُ.
• والغشُ.
• والتدليسُ.
• وبخسُ المكاييلِ والموازينِ، وبخسُ الحقوقِ أخذًا وإعطاءً، بأنْ يأخذَ أكثرَ مما لهُ، أو يُعطيَ أقلَّ مما عليهِ، فهذا من أعظمِ المحرماتِ، وقدْ توعَّدَ اللهُ عليهِ بالعقوباتِ في الدنيا والآخرةِ، وأهلكَ أمةً عظيمةً بسببِ هذهِ المعاملةِ الخبيثةِ.
وهذهِ المعاملاتُ المحرمةُ تدخُلُ في قولهِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، كما يدخلُ فيه الغَصْبُ والسرقةُ ونحوُهما.
стр. 156
* وفي آيةِ الدَّينِ من الفوائدِ سوى ما تقدَّمَ:
* الأمرُ بكتابةِ المعاملاتِ، والإشهادِ عليها، وأنْ يكونَ الكاتبُ عدلًا عارفًا بالكتابةِ، وبما ينبغِي أنْ يكتبَ.
وهذا الأمرُ للندبِ والاستحبابِ عندَ جمهورِ العلماءِ، إلا إذا وجبَ حفظُ المالِ، وكان على دَينٍ مؤجلٍ أو غيرِ مقبوضٍ، فإنهُ لا يتمُّ حفظهُ إلا بذلكَ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا بهِ فهوَ واجبٌ.
* وفيها: أنَّ الكاتبَ لا يكتبُ إلا ما أملاهُ مَنْ عليهِ الحقُّ إنْ كان رشيدًا، ووليُّهُ إنْ كان عاجزًا ضعيفًا، كالمجنونِ والصغيرِ والسفيهِ، وأنَّ على صاحبِ الحقِّ أنْ يقرَّ بالحقِّ كلِّهِ من غيرِ بخسٍ، أي: نقصٍ لعددهِ أو صفتهِ.
وتدلُّ الآيةُ أنَّ الإقرارَ من أعظمِ الطرقِ التي تثبتُ بها الحقوقُ في الذممِ، كما يثبتُ فيها براءةُ الذممِ المشتغلةِ بالحقوقِ إذا أقرَّ مَنْ لهُ الحقُّ بالإقباضِ أو الإبراءِ المعتبرِ، وأنهُ لا يُعذرُ مَنْ أقرَّ لوْ ادَّعَى الغلطَ أو الكذبَ ونحوَه.
* وفيها: الإرشادُ إلى حفظِ الحقوقِ بالإشهادِ والكتابةِ والرهنِ، إذا احتيجَ إليهِ في سفرٍ أو غيرهِ، وأنَّ نصابَ الشهادةِ في المعاملاتِ كلِّها: من عقودٍ، وفسوخ، وثبوتٍ، وشروطٍ، وإبراءٍ ونحوِها؛ رجلانِ مرضيانِ إنْ أمكنَ، وإلَّا فرجلٌ واحدٌ وامرأتانِ، وثبتَ في السنةِ قبولُ شهادةِ الواحدِ معَ يمينِ صاحبِ الحقِّ.
* وفيها: أنَّ شهادةَ الفساقِ والمجهولينَ غيرُ مقبولةٍ، وأنَّ الاعتبارَ بمَن يرضاهُ الناسُ ويعتبرونَهُ.
* وفيها: أنَّ شهادةَ المرأتينِ تقومُ مقامَ شهادةِ الرجلِ؛ لكمالِ حفظِ الرجلِ وقوةِ ذاكرتهِ، كما نبَّهَ عليهِ بقولهِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
стр. 157
* وفيها: دلالةٌ أنَّ مَنْ نسيَ شهادةً فتذكَّرَها، أو ذُكِّرَها فذَكَرَها؛ أنَّ شهادتَهُ صحيحةٌ.
* وفيها: أنهُ لا يحلُّ أنْ يشهدَ إلا بما علمَهُ وتيقنَهُ، فإنْ شَكَّ فيه لم يحلَّ لهُ أنْ يشهدَ.
* وفيها: بيانُ الحكمةِ العظيمةِ في هذهِ الإرشاداتِ من الربِّ في حفظِ المعاملاتِ، وأنَّ ذلكَ صلاحٌ للعبادِ في معاملاتِهم، وأنْ تكونَ جاريةً على القسطِ، وأنها تقطعُ الخصوماتِ والمنازعاتِ، وتُبرئُ الذممَ، وتمنعُ الظالمَ من ظلمهِ؛ فلهذا قالَ: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فكم حصلَ بهذهِ الوثائقِ التي أرشدَ اللهُ إليها مِنْ مصالحَ عظيمةٍ! وكمَ اندفعَ بها من مفاسدَ وشرورٍ كثيرةٍ! فسبحان مَنْ جعَلَ شرعَهُ صلاحًا لدينِ العبادِ ودنياهم!
* وفيها: أنَّ التجارةَ الحاضرةَ لا بأسَ بتركِ كتابتِها؛ لكونِ التقابضِ يغنِي غالبًا عن ذلكَ، ولمشقةِ كثرةِ ذلكَ، وأما الشهادةُ فلا ينبغِي تركُها خصوصًا في الأمورِ المهمةِ.
* وقولهُ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يحتملُ أنهُ مبنيٌ للفاعلِ أو للمفعولِ، والمعنى يشملُ الأمرينِ:
• فالكاتبُ والشهيدُ يجبُ عليهِ أنْ يعدلَ في كتابتهِ وشهادتهِ، ولا يحلُّ لهُ أنْ يميلَ معَ أحدِهما لغرضٍ من أغراضهِ، ولا يُضارُّهما بأخذِ أجرةٍ لا تحلُّ لهُ على شهادتهِ، أو يماطِلُ في شهادتهِ وكتابتهِ مماطلةً تضرُّهما أو أحدَهما.
• وكذلكَ المعاملانِ لا يحلُّ أنْ يُضارَّا الكاتبَ والشهيدَ؛ بأنْ يكلفاهُ ما لا يطيقهُ، أو يتضررُ بهِ؛ لأنَّ الشاهدَ والكاتبَ محسنانِ، حقُّهما أنْ يُشكرا على ذلكَ، فمضارُّتهما تنافِي ذلكَ.
стр. 158
* وفيها: أنَّ تعلمَ الكتابةِ من الأمورِ المحبوبةِ للهِ، وأنهُ نعمةٌ مِنْ اللهِ على مَنْ علَّمَهُ اللهُ الكتابةَ، فمِن شُكْرِ هذهِ النعمةِ ألَّا يأبَى كاتبٌ أنْ يكتبَ كما علَّمَهُ اللهُ.
* ويُستفادُ من المعنى المقصودِ أنَّ اللهَ شرعَ هذهِ الأمورَ حفظًا للحقوقِ: أنه ينبغِي تعلمُ كتابةِ الوثائقِ والاصطلاحاتِ الجاريةِ بينَ الناسِ في المعاملاتِ؛ حتى يكونَ الكاتبُ بهذهِ الصفةِ التي يحررُ فيها المعاملاتِ، فينتفعُ الناسُ بحفظِ حقوقِهم، فلا يكفِي مجردُ الكتابةِ من غيرِ معرفةٍ بهذهِ الأمورِ، كما أنهُ لابدَّ أنْ يكونَ الكاتبُ معتبرًا ثقةً؛ ليحصلَ الاعتمادُ على كتابتهِ والطمأنينةُ إليها.
* ويُستفادُ من هذا: أنَّ الخطَّ المعروفَ صاحبُهُ وثِقتُهُ أنهُ معتبرٌ معمولٌ بهِ؛ ليتمَّ المقصودُ من الكتابةِ في حياةِ الكاتبِ وبعدَ موتهِ.
* وفيها: وجوبُ أداءِ الشهادةِ، وتعينُها على مَنْ تحمَّلَها، وأنَّ كتمانَ الشهادةِ من كبائرِ الذنوبِ، وكما أنَّ شهادةَ الزورِ بأنْ يشهدَ بثبوتِ ما ليسَ بثابتٍ، أو بالبراءةِ من الحقِّ الثابتِ وهوَ كاذبٌ؛ من أكبرِ الكبائرِ، فكذلكَ السكوتُ عن أداءِ الشهادةِ، وكلا الأمرينِ ظلمٌ لصاحبِ الحقِّ بتفويتِ حقهِ، وظلمٌ أيضًا للنفسِ بوقوعِ الإثمِ، وظلمٌ للظالمِ لإعانتهِ على الإثمِ والعدوانِ.
* وفيها: مشروعيةُ الوثائقِ بالحقوقِ، وهيَ أربعةٌ:
• الشهادةُ والرهنُ، كما هوَ مذكورٌ في هذا الموضعِ.
• والضمانُ والكفالةُ، يُؤخذُ من الاعتبارِ على هذا المعنى، ومِن قولهِ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أي: كفيلٌ وضامنٌ.
* وشرعُ مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا، ما لم يرِدْ شرعُنا بخلافهِ.
стр. 159
* وتقييدُ الرهنِ بالسفرِ لا يدلُّ على أنهُ لا يكونُ رهنٌ في الحضرِ، بلْ قُيِّدَ لأجلِ الحاجةِ إليهِ لعدمِ الكاتبِ غالبًا.
* وفيها: ثبوتُ الولايةِ على القاصرينَ؛ لجنونٍ أو صغرٍ أو سفهٍ، لقولهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأقامَهُ في التصرفاتِ في مالهِ مقامَ المالكِ الرشيدِ، وعليهِ أنْ يفعلَ في أموالِهم ما هوَ الأصلحُ، قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ولا يدفعُ إليهم [مالَهم] (١) حتى يرشدُوا، ويعرفُ ذلكَ بالاختبارِ والتجربةِ كما قالَ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
* وفيها -في قولهِ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]- من الفوائدِ:
• التنبيهُ على أنَّ كلَّ مَنْ فعَلَ إحسانًا ومعروفًا، أنَّ عليهِ أنْ يتمِّمَهُ ويكملَهُ بالتسهيلِ والتيسيرِ وعدمِ المضارةِ.
• وأنَّ للمحسنينَ على الناسِ أنْ يَشكروا لهم معروفَهم، وألَّا يكلفُوهم الضررَ والمشقةَ؛ جزاءً لهم على إحسانِهم، وترغيبًا في الإحسانِ.
* واستُدِلَّ بقولهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أنَّ تقوى اللهِ وسيلةٌ إلى حصولِ العلمِ، كما أنَّ العلمَ سببٌ للتقوى، وأوضحُ مِنْ هذا قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] أي: علمًا تفرقونَ بهِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وبينَ الحقائقِ المحتاجِ إليها.
فصل في آيات المواريث
قالَ اللهُ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إلى قولهِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ [النساء: ١٣] الآية، والتي في آخرِ السورةِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخرِها.
* تضمنَتْ هذهِ الآياتُ الكريماتُ أحكامَ المواريثِ في غايةِ البيانِ والتفصيلِ والإيضاحِ، وفي غايةِ الحكمةِ، فتوصيتهُ للعبادِ بأولادِهم من كمالِ رحمتهِ وعنايتهِ، وأنهُ أرحمُ بهم مِنْ والدَيْهم؛ ولذلكَ وصَّى الوالدينِ بالأولادِ، فالأولادُ عندَ والدَيْهم وصايا من اللهِ وأماناتٌ عندَهم؛ على الوالدينِ أنْ يربُّوهم تربيةً نافعةً لدينِهم ودنياهم، فإنْ فعلُوا فقدْ قامُوا بهذهِ الأمانةِ، وإلا فقدْ ضيَّعُوها، وباؤُوا بإثمِها وخسرانِها.
* فذَكَرَ اللهُ ميراثَ الأولادِ، وأنَّ لهم ثلاثَ حالاتٍ:
* إما أنْ يجتمعَ الذكورُ والإناثُ، فحينئذٍ يتقاسمونَ المالَ، أو ما أبقَتِ الفروضُ، على عددِ رؤوسِهم، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، سواءٌ كانوا أولادَ صلبٍ أو أولادَ ابنٍ، ويُؤخَذُ مِنْ هذا:
* الحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ الأولادُ ذكورًا فقطْ، فإنهم يتقاسمونَهُ متساوينَ، ومَنْ ارتفعَتْ درجتهُ حجبَ مَنْ دونَهُ مِنْ الأولادِ، إذا كان الرفيعُ من الذكورِ.
стр. 163
* الحالةُ الثالثةُ: إذا كُنَّ إناثًا، فإن كانتْ واحدةً فلها النصفُ، سواءٌ كانتْ بنتَ صلبٍ أو بنتَ ابنٍ، وإنْ كانتا اثنتينِ فأكثرَ فلهما الثلثانِ.
ومِن الحكمةِ في الإتيانِ بقولهِ: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]: التنبيهُ على أنهُ لا يزيدُ الفرضُ -وهوَ الثلثانِ- بزيادتهنَّ على الثنتينِ، كما زادَ فرضُ النصفِ لما صِرْنَ أكثرَ من واحدةٍ.
وقدْ نصَّ اللهُ على أنَّ الأختينِ فرضُهما الثلثانِ، فالبنتانِ من بابِ أولى وأحرَى.
فإنْ كان البنتانِ بناتِ صلبٍ لم يبقَ لبناتِ الابنِ شيءٌ، وصارَ البقيةُ بعدَ فرضِ البناتِ للعاصبِ، وإن كانتِ العاليةُ واحدةً أخذتِ النصفَ، وباقي الثلثينِ -وهوَ السدسُ- لبنتٍ أو بناتِ الابنِ.
هذا ميراثُ الأولادِ قدْ استوعبَتْهُ الآيةُ استيعابًا، وقدْ عَلِمْنا من ذلكَ أنَّ لفظَ الولدِ يشملُ: الذكرَ والأنثى من أولادِ الصلبِ، وأولادَ الابنِ وإنْ نزلَ؛ وأمَّا أولادُ البناتِ فلا يدخلونَ في إطلاقِ اسمِ الأولادِ في المواريثِ.
* ثم ذكَرَ اللهُ ميراثَ الأبوينِ: الأمِّ والأبِ، فجعَلَ اللهُ للأمِّ سدسًا وثلثًا:
* جعَلَ لها السدسَ معَ وجودِ أحدٍ من الأولادِ مطلقًا، منفردينَ أو متعددينَ، أولادَ صلبٍ أو أولادَ ابنٍ.
* وكذلكَ جعَلَ لها السدسَ بوجودِ جمعٍ من الإخوةِ والأخواتِ اثنينِ فأكثرَ.
* وجعَلَ لها الثلثَ إذا فُقِدَ الشرطانِ المذكورانِ.
* وأمَّا ثلثُ الباقي في زوجٍ أو زوجةٍ وأبوينِ:
* فقيلَ: إنهُ يُؤخذُ من قولهِ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١]، فإذا كان معهما أحدُ الزوجينِ خرجَتْ عن هذا؛ فلم يكنْ لها ثلثٌ كاملٌ.
стр. 164
* أو يقالُ: إنَّ اللهَ أضافَ الميراثَ للأبوينِ -وهوَ الأبُ والأمُّ- فيكونُ لها ثلثُ ما ورثَهُ الأبوانِ، ويكونُ ما يأخذهُ الزوجُ أو الزوجةُ بمنزلةِ ما يأخذهُ الغريمُ، فاللهُ أعلمُ.
* وأمَّا الأبُ فقدَ فرضَ اللهُ لهُ السدسَ معَ وجودِ أحدٍ من الأولادِ، فإنْ كان الأولادُ ذكورًا لم يزدِ الأبُ على السدسِ، وصارَ الأبناءُ أحقَّ بالتقديمِ من الأبِ بالتعصيبِ بالإجماعِ.
وإنْ كان الأولادُ إناثًا واحدةً أو متعدداتٍ فُرِضَ لهُ السدسُ، ولهنَّ أو لها الفرضُ، فإنْ بقيَ شيءٌ فهوَ لأولى رجلٍ، وهوَ الأبُ هنا؛ لأنهُ أقربُ من الإخوةِ وبنِيهم، ومن الأعمامِ وبنِيهم، فجُمِعَ لهُ في هذهِ الحالِ بينَ الفرضِ والتعصيبِ.
وإنْ استغرقَتِ الفروضُ التركةَ لم يبقَ للأبِ زيادةٌ عن السدسِ، كما لوْ خلَّفَ أبوينِ وابنتينِ؛ فلكلِّ واحدٍ من الأبوينِ السدسُ، وللبنتينِ الثلثانِ.
ومفهومُ الآيةِ الكريمةِ أنهُ إذا لم يكنْ أولادٌ ذكورٌ ولا إناثٌ، أنَّ الأبَ يرثُ بغيرِ تقديرٍ، بلْ بالعَصبِ، بأنْ يأخذَ المالَ كلَّهُ إذا انفردَ، أو ما أبقَتِ الفروضُ إنْ كان معهُ أصحابُ فروضٍ، وهوَ إجماعٌ.
وحكمُ الجَدِّ حكمُ الأبِ في هذهِ الأحكامِ، إلَّا في العُمَرِيَّتَينِ (١)؛ فإن الأمَّ ترثُ ثلثًا كاملًا معَ الجَدِّ.
وأما ميراثُ الجَدَّةِ السدسُ عندَ عدمِ الأمِّ فهوَ في السنةِ.
стр. 165
* ثم ذكَرَ اللهُ ميراثَ الزوجينِ:
* وأنَّ الزوجَ لهُ نصفُ ما تركَتْ زوجتُهُ إنْ لم يكنْ لها ولدٌ، فإنْ كان لها ولدٌ فلهُ الربعُ.
* وأنَّ الزوجةَ واحدةً أو متعدداتٍ لها الربعُ مما تركَ الزوجُ إنْ لم يكنْ لهُ ولدٌ، فإن كان للزوجِ ولدٌ منها أو من غيرِها، ذكرٌ أو أنثَى، ولدُ صلبٍ أو ولدُ ابنٍ؛ فلها أو لهنَّ الثمنُ.
* ثم ذكَرَ اللهُ ميراثَ الإخوةِ من الأمِّ، وأنهم لا يرثونَ إلا إذا كانت الورثةُ كَلالةً: ليسَ فيهم أحدٌ من الفروعِ ولا الأبُ والجَدُّ؛ فللواحدِ من الإخوةِ من الأمِّ أو الأخواتِ السدسُ، وللاثنَين فأكثرَ الثلثُ، يستوِي فيه ذكرُهم وأنثاهم.
* وهذهِ الفروضُ كلُّها ذكَرَ اللهُ أنها من بعدِ الوصيةِ إذا حصلَ الإيصاءُ بها، ومن بعدِ الدَّينِ، وقدْ قضَى النبيُّ ﷺ أنَّ الدَّينَ قبلَ الوصيةِ، وقدْ اتفقَ العلماءُ على ذلكَ، وشرَطَ اللهُ في الوصيةِ ألَّا تكونَ على وجهِ المضارةِ بالورثةِ، فإنْ كانتْ كذلكَ فإنها وصيةُ إثمٍ وجَنَفٍ، يجبُ تعديلُها، وردُّ الظلمِ الواقعِ فيها.
* وأخبَرَ تعالى أنَّ هذهِ التقديراتِ والفرائضَ حدودُ اللهِ قدَّرَها وحدَّدَها، فلا يحلُّ مجاوزتُها، ولا الزيادةُ فيها والنقصانُ: بأنْ يُعطَى وارثٌ فوقَ حقهِ، أو يُحرَمَ وارثٌ أو ينقصَ عن حقهِ.
* ثم ذكَرَ في آخرِ السورةِ ميراثَ الإخوةِ لغير أمٍّ وأخواتِهم:
* بأنَّ الأنثى الواحدةَ لها النصفُ.
* وللثنتينِ فأكثرَ الثلثانِ.
стр. 166
* وإن اجتمَعَ رجالٌ ونساءٌ فللذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيينِ.
ويُقالُ فيهم كما يُقالُ في الأولادِ: إذا كانوا ذكورًا تساوَوا، إذا كانوا أشقاءَ أو لأبٍ، فإن وُجِدَ هؤلاءِ وهؤلاءِ حجَبَ الأشقاءُ الإخوةَ للأبِ، وإنْ كنَّ نساءً شقيقاتٍ وأخواتٍ لأبٍ، واستغرقَ الشقيقاتُ الثلثينِ؛ لم يبقَ للأخواتِ للأبِ شيءٌ؛ فإنْ كانتِ الشقيقةُ واحدةً أخذَتْ نصفَها، وأُعطِيتِ الأختُ للأبِ أو الأخواتُ السدسَ تكملةَ الثلثينِ.
* وما سوَى هذهِ الفروضِ فإنَّ الورثةَ من إخوةٍ لغيرِ أمٍّ وبنِيهم، وأعمامٍ وبنِيهم، وولاءٍ؛ يدخلونَ في قولهِ ﷺ في حديثِ ابنِ عباسٍ الصحيحِ: «ألحِقُوا الفرائضَ بأهلِها، فما بقِيَ فهوَ لأَوْلَى رجلٍ ذكرٍ» رواهُ مسلمٌ (١)، فيقدَّمُ الإخوةُ، ثم بنُوهم، ثم الأعمامُ ثم بنُوهم، ثم الولاءُ؛ ويقدَّمُ منهم الأقربُ منزلةً، فإنْ استوَتْ منزلتُهم قُدِّمَ الأقوَى وهوَ الشقيقُ على الذي لأبٍ. واللهُ أعلمُ.
* ويُقصدُ بهِ: إحصانُ الفرجِ، والسرورُ في الحياةِ، وعمدةُ هذا: حسنُ الأخلاقِ الظاهرةِ، وحسنُ الخلائقِ الباطنةِ.
* ويُقصدُ بهِ: نجابةُ الأولادِ وشرفُهم؛ وأساسُهُ: الحسبُ والنسبُ الرفيعُ؛ ولهذا أباحَ الشارعُ بلْ أمَرَ بالنظرِ لمن يخطِبُها؛ ليكونَ على بصيرةٍ من أمرهِ.
* ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] أي: مَنْ أحبَّ أنْ يتزوجَ اثنتينِ فليفعَلْ، أو ثلاثًا أو أربعًا فليفعَلْ، ولا يزيدُ على الأربع؛ لأنَّ الآيةَ سيقَتْ للامتنانِ، فلا يجوزُ الزيادةُ على غيرِ ما سمَّى اللهُ إجماعًا؛ وذلكَ أنَّ الرجلَ قدْ لا تندفعُ شهوتهُ بالواحدةِ، أو لا يحصلُ مقصودهُ أو مقاصدهُ بها، كما تقدَّمَ أنَّ النكاحَ لهُ عدةُ مقاصدَ؛ فلهذا أباحَ اللهُ لهُ هذا العددَ؛ لأنَّ في الأربعِ غنيةً لكلِّ أحدٍ، إلا ما ندرَ، ومعَ هذا فإذا خافَ من نفسهِ الجورَ والظلمَ بالزيادةِ على الواحدةِ؛ فليقتصِرْ على الواحدةِ، أو على ملكِ يمينهِ التي لا يجبُ عليهِ لها قسمٌ كالزوجاتِ.
* ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الاقتصارُ على واحدةٍ من الزوجاتِ، أو ما ملكَتِ اليمينُ، ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: تظلمُوا وتجورُوا.
ويُستفادُ من هذا المعنى: أنَّ تعرُّضَ العبدِ للأمرِ الذي يخافُ منهُ الجور والظلم، وعدم القيامِ بالواجبِ ولوْ كان مباحًا؛ لا ينبغِي لهُ أنْ يتعرَّضَ لهُ، بلْ يلزمُ السعةَ والعافيةَ؛ فإنَّ العافيةَ خيرُ ما أُعطِيَ العبدُ.
* ولما كان كثيرٌ من الناسِ يظلمونَ النساءَ، ويهضمونهنَّ حقوقهنَّ، وخصوصًا الصَّدَاقَ الذي يكونُ شيئًا كثيرًا دفعةً واحدةً يشقُّ عليهم - حَثَّهم على إيتاءِ النساءِ ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أي: مهورهنَّ، ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عن حالِ طمأنينةٍ وطيبِ نفسٍ، من غيرِ مَطلٍ ولا بخسٍ منهُ شيئًا. وفيهِ:
стр. 169
* أنَّ المهرَ للمرأةِ.
* وأنهُ يُدفَعُ إليها أو إلى وكيلِها إنْ كانتْ رشيدةً، أو إلى وليِّها إنْ لم تكنْ رشيدةً.
* وأنها تملكُهُ بالعقدِ؛ لأنهُ أضافَهُ إليها وأمَرَ بإعطائهِ لها، وذلكَ يقتضي الملكَ.
* ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٤] أي: من الصَّداقِ، ﴿نَفْسًا﴾ بإسقاطِ شيءٍ منه، أو تأخيرهِ، أو المحاباةِ في التعوُّضِ عنه، ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ لا تبعةَ عليكم فيه ولا حرجَ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ للمرأةِ الرشيدةِ التصرفَ في مالِها، ولوْ بالتبرعِ، وأنهُ ليسَ لوليِّها من الصَّدَاقِ شيءٌ، إلا ما طابَتْ نفسُها بهِ إذا كانتْ رشيدةً.
* ويؤخَذُ من الأمرِ بنكاحِ ما طابَ من النساءِ: تحريمُ نكاحِ الخبيثةِ التي لا يحلُّ للمسلمِ نكاحُها، وهيَ الكافرةُ غيرُ الكتابيةِ، وكذلكَ الزانيةُ حتى تتوبَ كما نصَّ اللهُ على الثنتينِ.
* وفي هذهِ الآيةِ: دليلٌ على أنهُ لابدَّ في النكاحِ من صَداقٍ، وأنهُ يجوزُ في الكثيرِ واليسيرِ؛ للعمومِ، وأنهُ لا يباحُ لأحدٍ أنْ يتزوجَ بدونِ صَداقٍ، وإنْ لم يُسمَّ فمهرُ المثلِ، إلا النبيَّ ﷺ فإنَّ لهُ ذلكَ خاصةً، كما قالَ تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
* وفي قولهِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]: دليلٌ على اعتبارِ الوليِّ في النكاحِ، وهوَ العاصبُ، ويقدَّمُ منهم الأقربُ فالأقربُ، فإنْ تعذَّرَ الوليُّ القريبُ والبعيدُ؛ لعدمٍ، أو جهلٍ، أو غيبةٍ طويلةٍ؛ قامَ الحاكمُ مقامَ الوليِّ، فالسلطانُ والحاكمُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لها مِنْ النساءِ.
стр. 170
٢ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] إلى قولهِ: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].
* كان أهلُ الجاهليةِ إذا ماتَ أحدُهم وُرِثَتْ زوجتهُ عنهُ كما يُورَثُ مالهُ، فرأى قريبهُ -كأخيهِ وابنِ عمهِ- أنهُ أحقُّ بها من نفسِها، ويحجرُها عن غيرهِ، فإنْ رضِيَ بها تزوَّجَها على غيرِ صَداقٍ، أو على صَداقٍ يحبهُ هوَ دونَها، وإنْ لم يرضَ بزواجِها عضَلَها ومنعَها من الأزواجِ إلا بعِوضٍ من الزوجِ أو منها.
وكان منهم أيضًا مَنْ يعضلُ زوجتَهُ التي هيَ في حبالهِ، فيمنعُها من حقوقِها، ومن التوسعةِ لها؛ لتفتديَ منهُ.
فنهَى اللهُ المؤمنينَ عن هذهِ الأحوالِ القبيحةِ الجائرةِ، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] كالزِّنَى والكلامِ الفاحشِ وأذيتِها لزوجِها ومَن يتصلُ بهِ؛ فيجوزُ في هذهِ الحالِ أنْ يعضلَها مقابلةً لها على فعلِها؛ لتفتديَ منهُ؛ فإنَّ هذا الافتداءَ بحقٍّ لا بظلمٍ.
* ثم قالَ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهذا يشملُ المعاشرةَ القوليةَ والفعليةَ، فعلى الزوجِ أنْ يعاشرَ زوجتَهُ ببذلِ النفقةِ والكسوةِ والمسكنِ اللائقِ بحالهِ، ويصاحبُها صحبةً جميلةً؛ بكفِّ الأذَى، وبذلِ الإحسانِ، وحسنِ المعاملةِ والخلقِ، وألَّا يمطُلَها بحقِّها، وهيَ كذلكَ عليها ما عليهِ من العشرةِ.
وكلُّ ذلكَ يتبعُ العرفَ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ وحالٍ ما يليقُ بهِ، قالَ تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
стр. 171
* وقولهُ: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أي: ينبغِي لكم -يا معشرَ الأزواجِ- أنْ تمسكُوا زوجاتِكم ولوْ كرهتموهنَّ؛ فإنَّ في ذلكَ خيرًا كثيرًا:
* منها: امتثالُ أمرِ اللهِ ورسولهِ الذي فيه سعادةُ الدنيا والآخرةِ.
* ومنها: أنَّ إجبارَهُ نفسَهُ، ومجاهدتَهُ إياها، معَ عدمِ محبةِ زوجتهِ؛ تمرينٌ على التخلقِ بالأخلاقِ الجميلةِ.
* وربما زالتِ الكراهةُ، وخلفَتْها المحبةُ.
* وربما زالتِ الأسبابُ التي كرهَها لأجلِها.
* وربما رُزِقَ منها ولدًا صالحًا نفعَ اللهِ بهِ والدَيْهِ في الدنيا والآخرةِ.
ولابدَّ لهذهِ الكراهةِ من أسبابٍ من الزوجةِ.
فينبغِي إذا كرِهَ منها خُلقًا لَحِظَ بقيةَ أخلاقِها، وما فيها من المقاصدِ الأخرِ، ويجعلُ هذا في مقابلةِ هذا، وهذا عنوانُ الإنصافِ والرأيِ الأصيلِ؛ فإنَّ النَّزِقَ الطائشَ الذي ليسَ عندهُ إنصافٌ يلاحظُ بعضَ أغراضهِ النفسيةِ، فإذا لم يأتِ على ما يريدُ أهدرَ المحاسنَ والمناقبَ الأخرَ، وهذا لا يكادُ يصفُو لهُ خِلٌّ في حياتهِ؛ لا زوجةٌ، ولا صاحبٌ، ولا حبيبٌ؛ بلْ هوَ سريعُ التقلبِ.
أمَّا الرجلُ الحازمُ الوفيُّ الذكيُّ فإنهُ يوازِنُ بينَ الأمورِ، ويقدِّمُ الحقَّ السابقَ، ويفِي بالسوابقِ، ويكون نظرُهُ للمحاسنِ أرجحَ من نظرهِ للمساوئِ.
فإنْ وصَلَ إلى الدرجةِ العاليةِ التي لا يصلُ إليها إلا أفرادٌ من كُمَّلِ الرجالِ؛ جعَلَ المحاسنَ نصبَ عينيهِ، وأغضَى عن المساوئِ بالكليةِ، وعفا عنها للهِ ولحقِّ صاحبِ
стр. 172
الحقِّ، فهذا قدْ كسبَ الأجرَ والراحةَ والخلقَ الذي لا يُلحَقُ، وذلكَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاءُ.
* وهذا الصبرُ المأمورُ بهِ إنما هوَ معَ الإمكانِ، فإنْ كان لابدَّ من الفراقِ، ولم يبقَ للصبرِ والإمساكِ موضعٌ؛ فاللهُ قدْ أباحَ الفراقَ؛ فلهذا قالَ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] أي: فلا حرجَ عليكم، ولكن إذا آتيتُم ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ أي: الزوجةَ السابقةَ أو اللاحقةَ، ﴿قِنْطَارًا﴾ وهو المالُ الكثيرُ، ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ بلْ وفِّروهُ لهنَّ، ولا تمطلوهنَّ.
وهذا يدلُّ على جوازِ إعطاءِ النساءِ من المهورِ وغيرِها المالَ الكثيرَ، وأنها بذلكَ تملكُهُ، ولكنَّ الأكملَ والأفضلَ التساهلُ في المهورِ؛ اقتداءً بالنبيِ ﷺ ، وتسهيلًا للنكاحِ ولطرقهِ، وبراءةً للذممِ.
* ثم ذكَرَ الحكمةَ في تحريمِ أخذِ الزوجِ ما أعطاه لزوجتهِ، فقال: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١].
وبيان ذلكَ: أنَّ الأنثَى قبلَ عقدِ النكاحِ محرمةٌ على الزوجِ، وهيَ لم ترضَ بهذا الحلِّ إلا بالعقدِ والميثاقِ الغليظِ الذي عُقِدَ على ذلكَ العِوضِ المشروطِ، فإذا دخَلَ عليها وباشرَها، وأفضَى إليها وأفضَتْ إليهِ، وباشرَها المباشرةَ التي كانتْ قبلَ هذهِ الأمورِ حرامًا؛ فقدْ استوفَى المعوَّضَ؛ فثبتَ عليهِ العِوضُ تامًّا، فكيفَ يستوفِي المعوَّضَ ثم يرجعُ على العِوضِ؟! لا ريبَ أنَّ هذا من المنكراتِ القبيحةِ شرعًا وعقلًا وفطرةً.
стр. 173
٣ - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، ثم عدَّدَ المحرماتِ إلى أنْ قالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
* قدْ استوفَى البارِي المحرماتِ في النكاحِ في هذهِ الآياتِ في النسبِ والرضاعِ والمصاهرةِ:
* أمَّا المحرماتُ بالمصاهرةِ: فإذا تزوجَ الرجلُ امرأةً ترتبَ على هذا الزواجِ أربعةُ أحكامٍ:
• تحريمُ هذهِ الزوجةِ على أولادهِ وإنْ نزلوا نسبًا ورضاعًا.
• وتحريمُها على آبائهِ وإنْ علَوا نسبًا ورضاعًا.
• وحرمَتْ عليهِ أمُّها في الحالِ.
• وأمَّا بنتُها فإن كان قدْ دخَلَ بزوجتهِ حرمَتْ أيضًا، وصارَتْ ربيبةً، لا فرقَ بينَ بنتِها من زوجٍ سابقٍ لهُ، أو من زوجٍ خلفَهُ عليها.
* وأمَّا المحرماتُ بالنسبِ:
• فتحرمُ الأمهاتُ، وهنَّ كلُّ أنثَى لها عليكَ ولادةٌ، وهيَ التي تخاطبُها بالأمِّ والجدةِ وإنْ علَتْ من كلِّ جهةٍ.
• وتحرمُ البناتُ، وهنَّ كلُّ أنثى تخاطبُكَ بالأبوةِ أو بالجدودةِ من بناتِ الابنِ وبناتِ البناتِ وإنْ نزلْنَ.
• وتحرمُ الأخواتُ شقيقاتٍ كنَّ أو لأبٍ أو لأمٍّ.
• وبناتُ الإخوةِ وبناتُ الأخواتِ مطلقًا.
стр. 174
• وتحرمُ العمَّاتُ والخالاتُ، وهنَّ كلُّ أختٍ لأحدِ آبائِكَ وإنْ علا، أو أحدِ أمهاتِكَ وإنْ علوْنَ.
وما سوى ذلكَ من الأقاربِ حلالٌ: كبناتِ الأعمامِ، وبناتِ العماتِ، وبناتِ الأخوالِ، وبناتِ الخالاتِ.
ولهذا ذكرَ اللهُ هذا الحلَّ والتحريمَ المهمَّ في موضعينِ:
- في هذا الموضعِ صرَّحَ بالمحرماتِ السبعِ وقالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
- وفي سورةِ (الأحزاب) أتَى بها بأسلوبٍ آخرَ، فقالَ في الحلِّ: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أي: فهنَّ حلالٌ، ومَن عداهنَّ من الأقاربِ حرامٌ.
* وأمَّا المحرماتُ بالرضاعِ: فإنهنَّ نظيرُ المحرماتِ بالنسبِ من جهةِ المرضعةِ وصاحبِ اللبنِ:
• فالمرضعةُ أمٌّ للرضيعِ، وأمهاتُها جداتُهُ، وإخوتُها وأخواتُها أخوالهُ وخالاتهُ، وأولادُها إخوتهُ وأخواتهُ، وهوَ عمٌّ لأولادِهم أو خالٌ؛ وكذلكَ صاحبُ اللبنِ.
• وأمَّا الانتشارُ من جهةِ الطفلِ الراضعِ فلا ينتشرُ التحريمُ لأحدٍ من أقاربهِ، إلا لذريتهِ فقطْ.
* وتقييدُ الآيةِ في الربيبةِ بقولهِ: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]: بيانٌ لأغلبِ أحوالِها، ولبيانِ أعلى حكمةِ تناسبُ حكمةَ التحريمِ، وأنها إذا كانتْ في حجرِكَ بمنزلةِ بناتِكَ لا يليقُ إلا أنْ تكونَ من محارمِكَ.
стр. 175
* وتقييدُها الآخرُ بقولهِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]: يخرِجُ ابنَ التبني، لا يخرِجُ ابنَ الرضاعِ في قولِ جمهورِ العلماءِ.
* ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ذوات الأزواجِ، فكلُّ أنثى في عصمةِ زوجٍ أو في بقيةِ عدتهِ لا تحلُّ لغيرهِ؛ لأنَّ الأبضاعَ ليستْ محلَّ اشتراكٍ، بلْ قُصِدَ تمييزُها التامُّ؛ ولهذا شرعَتِ العدةُ والاستبراءُ، ونحوُ ذلكَ.
* وقولهُ: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] المرادُ بهذا الملْكِ: ملكُ السَّبْيِ، إذا سُبيتِ المرأةُ ذاتُ الزوجِ من الكفارِ في القتالِ الشرعيِّ حلَّتْ للمسلمينَ، ولكنْ بعدَ الاستبراءِ أو العدةِ، فزوجُها الحربيُّ الذي في دارِ الحربِ لم يبقَ لهُ فيها حقٌّ، ولا لهُ حرمةٌ، فلهذا حلَّتْ للمسلمينَ كما حلَّ لهم مالهُ ودمهُ؛ لأنهُ ليسَ لهُ عهدٌ ولا مهادنةٌ.
* وقولهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ما سِوَى ما نصَّ اللهُ على تحريمهِ: سبعٌ بالنسبِ، وسبعٌ بالرضاعِ، وأربعٌ بالصهرِ؛ فما عداهنَّ فإنهُ حلالٌ، إلا أنهُ حرَّمَ تعالى الجمعَ بينَ الأختينِ، وحرَّمَ النبيُّ ﷺ الجمعَ بينَ المرأةِ وعمَّتِها، وحرَّمَ على الأحرارِ نكاحَ المملوكاتِ؛ لما فيه من إرقاقِ الولدِ، ولما فيه من الدناءةِ والضررِ العائدِ للأولادِ؛ لتنازعِ الملاكِ، وتنقلاتِ الأرقاءِ، لكنْ إذا رجحَتْ مصلحةُ الإباحةِ فقدْ أباحَهُ اللهُ بشرطِ:
* المشقةِ لحاجةِ متعةٍ أو خدمةٍ.
* وألَّا يقدرَ على الطَّولِ للحرةِ.
* وأنْ تكونَ الأمةُ مؤمنةً بإذنِ أهلِها.
فعندَ اجتماعِ هذهِ الشروطِ كلِّها يحلُّ للحرِّ نكاحُ الإماءِ.
стр. 176
٤ - وقولهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤].
* هذا خبرٌ وأمرٌ، أي: الرجالُ قوَّامونَ على النساءِ في أمورِ الدينِ والدنيا، يلزمونهنَّ بحقوقِ اللهِ، والمحافظةِ على فرائضهِ، ويكفونهنَّ عن جميعِ المعاصِي والمفاسدِ، وبتقويمهنَّ بالأخلاقِ الجميلةِ والآدابِ الطيبةِ، وقوَّامونَ أيضًا عليهنَّ بواجباتهنَّ: من النفقةِ، والكسوةِ، والمسكنِ، وتوابعِ ذلكَ.
* ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: ذلكَ بسببِ فضلِ الرجالِ عليهنَّ وإفضالِهم عليهنَّ، فتفضيلُ الرجالِ على النساءِ من وجوهٍ متعددةٍ:
* من كونِ الولاياتِ كلِّها مختصةً بالرجالِ، والنبوةِ والرسالةِ (١).
* وباختصاصِهم بالجهادِ البدنيِّ.
* ووجوبِ الجماعةِ والجمعةِ، ونحوِ ذلكَ.
* وبما تميزوا بهِ عن النساءِ: من العقلِ، والرزانةِ، والحفظِ، والصبرِ، والجلدِ، والقوةِ التي ليست للنساءِ.
* وكذلكَ يدهُ هيَ العليا عليها بالنفقاتِ المتنوعةِ، بلْ وكثيرٌ من النفقاتِ الأخرِ والمشاريعِ الخيريةِ، فإنَّ الرجالَ يفضلونَ النساءَ بذلكَ كما هوَ مشاهدٌ.
стр. 177
ولهذا حُذِفَ المتعلقُ في قولهِ: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ليدلَّ على هذا التعميمِ.
فعُلِمَ من ذلكَ أنَّ الرجلَ كالوالي والسيدِ على امرأتهِ، وهيَ عندَهُ أسيرةٌ عانيةٌ تحتَ أمرهِ وطاعتهِ؛ فليتقِ اللهَ في أمرِها، وليقوِّمْها تقويمًا ينفعهُ في دينهِ ودنياهُ، وفي بيتهِ وعائلتهِ؛ يجِد ثمراتِ ذلكَ عاجلًا وآجلًا، وإلَّا يفعل فلا يلومنَّ إلا نفسَهُ.
* وهنَّ قسمانِ:
* قسمٌ هنَّ أعلى طبقاتِ النساءِ، وخيرُ ما حازَهُ الرجالُ، وهنَّ المذكوراتُ في قولهِ: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] أي: مطيعاتٌ للهِ ولأزواجهنَّ، قدْ أدَّتِ الحقَّينِ، وفازَتْ بكفلَينِ من الثوابِ، حافظاتٌ أنفسهنَّ من جميعِ الريبِ، وحافظاتٌ لأمانتهنَّ ورعايةِ بيوتهنَّ، وحافظاتٌ للعائلةِ بالتربيةِ الحسنةِ، والأدبِ النافعِ في الدينِ والدنيا.
وعليهنَّ بذلُ الجهدِ والاستعانةُ باللهِ على ذلكَ؛ فلهذا قالَ: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: إذا وفقْنَ لهذا الأمرِ الجليلِ فليحمدْنَ اللهَ على ذلكَ، ويعلمْنَ أنَّ هذا من حفظهِ وتوفيقهِ وتيسيرهِ لها؛ فإنَّ مَنْ وُكِّلَ إلى نفسهِ فالنفسُ أمارةٌ بالسوءِ، ومَن شاهَدَ منةَ اللهِ، وتوكَّلَ على اللهِ، وبذلَ مقدورَهُ في الأعمالِ النافعةِ؛ كفاهُ اللهُ ما أهمَّهُ، وأصلحَ لهُ أمورَهُ، ويسَّرَ لهُ الخيرَ، وأجراهُ على عوائدهِ الجميلةِ.
* والقسمُ الثاني: هنَّ الطبقةُ النازلةُ من النساءِ، وهنَّ بضدِّ السابقاتِ في كلِّ خصلةٍ، اللَّاتي من سوءِ أخلاقهنَّ وقبحِ تربيتهنَّ تترفَّعُ على زوجِها، وتعصيهِ في الأمورِ الواجبةِ والمستحبةِ، فأَمَرَ اللهُ بتقويمهنَّ بالأسهلِ فالأسهلِ، فقالَ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] أي: بيِّنُوا لهنَّ حكمَ اللهِ ورسولهِ في وجوبِ طاعةِ الأزواجِ، ورغبوهنَّ في ذلكَ بما يترتبُ عليهِ من الثوابِ، وخوفوهنَّ معصيةَ الأزواجِ،
стр. 178
وذكروهنَّ ما في ذلكَ من العقابِ، وما يترتبُ عليهِ من قطعِ حقوقِها، وإباحةِ هجرِها وضربِها.
فإنْ تقومْنَ بالوعظِ والتذكيرِ فذلكَ المطلوبُ، وحصلَ الاتفاقُ الذي لا يشوبهُ مكدِّرٌ، فإنْ لم يفدِ التذكيرُ فاهجروهنَّ في المضاجعِ، بألَّا ينامَ عندَها، ولا يباشرَها بجماعٍ ولا غيرهِ؛ لعلَّ الهجرَ ينجعُ فيها، وذلكَ بمقدارِ ما يحصلُ بهِ المقصودُ فقطْ، فإنَّ القصدَ بالهجرِ نفعُ المهجورِ وأدبُهُ، ليسَ الغرضُ منهُ شفاءَ النفسِ كما يفعلهُ مَنْ لا رأيَ لهُ إذا خالفتْهُ زوجتُهُ أو غيرُها، ولم يحصِّلْ مقصودَهُ، هَجَرَ هجرًا مستمرًا، أي: بقِيَ متأثرًا بذلكَ، عاتبًا على مَنْ لم يواتِهِ على ما يحبُّ، ووصلَتْ بهِ الحالُ إلى الحقدِ الذي هوَ من الخصالِ الذميمةِ؛ فهذا ليسَ من الهجرِ الجميلِ النافعِ، وإنما هوَ من الحقدِ الضارِّ بصاحبهِ، الذي لا يحصلُ بهِ تقويمٌ ولا مصلحةٌ.
فإنْ نفَعَ الهجرُ للزوجةِ، وإلَّا انتقَلَ إلى ضربِها ضربًا خفيفًا غيرَ مبرحٍ، فإنْ حصلَ المقصودُ، ورجعَتْ إلى الطاعةِ، وتركَتِ المعصيةَ؛ عادَ الزوجُ إلى عشرتِها الجميلةِ، ولا سبيلَ لهُ إلى غيرِ ذلكَ من أذيتِها؛ لأنها رجعَتْ إلى الحقِّ. وهذا الدواءُ لكلِّ عاصٍ ومجرمٍ: أنَّ الشارعَ رغبَهُ إذا ترَكَ إجرامَهُ عادَ حقُّهُ الخاصُّ والعامُّ، كما في حقِّ التائبِ من الظلمِ وقطعِ الطريقِ وغيرِها، فكيفَ الزوجُ معَ زوجتهِ؟!
* وفي هذهِ الآيةِ ونحوِها فائدةٌ نافعةٌ: وهيَ أنهُ ينبغي لمنْ عادَ إلى الحقِّ ألَّا يذكرَ الأمورَ السالفةَ؛ فإنَّ ذلكَ أحرَى للثباتِ على المطلوبِ، فإنَّ تذكيرَ الأمورِ الماضيةِ ربما أثارَ الشرَّ؛ فانتكسَ المرضُ، وعادتِ الحالُ إلى أشدَّ من الأولى.
стр. 179
٥ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٥].
* هذهِ حالةٌ أخرى غيرُ الحالةِ السابقةِ التي يمكنُ الزوجُ معالجتَها، وهذهِ إذا استطارَ الشرُّ بينَ الزوجينِ، وبلغَتِ الحالُ إلى الخصامِ وعدمِ الالتئامِ، ولم ينفَعْ في ذلكَ وعظٌ ولا كلامٌ.
* ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾:
* عدلَينِ عاقلَينِ، يعرفانِ الجمعَ والتفريقَ، ويفهمانِ الأمورَ كما ينبغِي؛ فإنَّ الحَكَمَ لابدَّ أنْ يتصفَ بهذهِ الأوصافِ.
* فيبحثانِ في الأسبابِ التي أدَّتْ بهما إلى هذهِ الحالِ، ويسألانِ كلًّا منهما ما ينقمُ على صاحبهِ.
* ويزيلانِ ما يقدرانِ عليهِ من المعتبةِ؛ بترغيبِ الناقمِ على الآخرِ بالإغضاءِ عن الهفواتِ واحتمالِ الزلَّاتِ، وإرشادِ الآخرِ إلى الوعدِ بالرجوعِ، وإرشادِ كلٍّ منهما إلى الرضَا والنزولِ عن بعضِ حقهِ؛ فكم حصَلَ بهذا الطريقِ من المصالحِ شيءٌ كثيرٌ!
* وإنْ أمكنَهما إلزامُ المتعصبِ على الباطلِ منهما بالحقِّ فعلَا.
* ومهما وجدَا طريقًا إلى الإصلاحِ والاتفاقِ والملاءمةِ بينَهما لم يعدِلا عنها: إمَّا بتنازلٍ عن بعضِ الحقوقِ، أو ببذلِ مالٍ، أو غيرِ ذلكَ.
* فإنْ تعذرَتِ الطرقُ كلُّها، ورأيَا أنَّ التفريقَ بينَهما أصلحُ لتعذرِ الملاءمةِ؛ فرَّقَا بينَهما بما تقتضِيهِ الحالُ بعِوضٍ أو بغيرِ عِوضٍ، ولا يشترطُ في هذا رضا الزوجِ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهما حكمَينِ لا وكيلَينِ، ومَن قالَ إنهما وكيلانِ اشترطَ في التفريقِ رضا الزوجِ، ولكنَّ هذا القولَ ضعيفٌ.
стр. 180
* ولمحبة البارِي للاتفاقِ بينَهما وترجيحهِ على الآخرِ قالَ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: بسببِ الرأيِ الميمونِ، والكلامِ اللطيفِ، والوعدِ الجميلِ الذي يجذبُ القلوبَ، ويؤثرُ فيها.
* ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالسرائرِ والظواهرِ مطلعًا على الخفايا، فمن كمالِ علمهِ وحكمتهِ شرَعَ لكم هذهِ الأحكامَ الجليلةَ التي هيَ الطريقُ الوحيدُ إلى القيامِ بالحقوقِ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].