← Тафсир

Тафсир · id 1461

تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن - ت المزيد

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (426 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٤ - وقولهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤]. * هذا خبرٌ وأمرٌ، أي: الرجالُ قوَّامونَ على النساءِ في أمورِ الدينِ والدنيا، يلزمونهنَّ بحقوقِ اللهِ، والمحافظةِ على فرائضهِ، ويكفونهنَّ عن جميعِ المعاصِي والمفاسدِ، وبتقويمهنَّ بالأخلاقِ الجميلةِ والآدابِ الطيبةِ، وقوَّامونَ أيضًا عليهنَّ بواجباتهنَّ: من النفقةِ، والكسوةِ، والمسكنِ، وتوابعِ ذلكَ. * ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: ذلكَ بسببِ فضلِ الرجالِ عليهنَّ وإفضالِهم عليهنَّ، فتفضيلُ الرجالِ على النساءِ من وجوهٍ متعددةٍ: * من كونِ الولاياتِ كلِّها مختصةً بالرجالِ، والنبوةِ والرسالةِ (١). * وباختصاصِهم بالجهادِ البدنيِّ. * ووجوبِ الجماعةِ والجمعةِ، ونحوِ ذلكَ. * وبما تميزوا بهِ عن النساءِ: من العقلِ، والرزانةِ، والحفظِ، والصبرِ، والجلدِ، والقوةِ التي ليست للنساءِ. * وكذلكَ يدهُ هيَ العليا عليها بالنفقاتِ المتنوعةِ، بلْ وكثيرٌ من النفقاتِ الأخرِ والمشاريعِ الخيريةِ، فإنَّ الرجالَ يفضلونَ النساءَ بذلكَ كما هوَ مشاهدٌ.

стр. 177

ولهذا حُذِفَ المتعلقُ في قولهِ: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ليدلَّ على هذا التعميمِ. فعُلِمَ من ذلكَ أنَّ الرجلَ كالوالي والسيدِ على امرأتهِ، وهيَ عندَهُ أسيرةٌ عانيةٌ تحتَ أمرهِ وطاعتهِ؛ فليتقِ اللهَ في أمرِها، وليقوِّمْها تقويمًا ينفعهُ في دينهِ ودنياهُ، وفي بيتهِ وعائلتهِ؛ يجِد ثمراتِ ذلكَ عاجلًا وآجلًا، وإلَّا يفعل فلا يلومنَّ إلا نفسَهُ. * وهنَّ قسمانِ: * قسمٌ هنَّ أعلى طبقاتِ النساءِ، وخيرُ ما حازَهُ الرجالُ، وهنَّ المذكوراتُ في قولهِ: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] أي: مطيعاتٌ للهِ ولأزواجهنَّ، قدْ أدَّتِ الحقَّينِ، وفازَتْ بكفلَينِ من الثوابِ، حافظاتٌ أنفسهنَّ من جميعِ الريبِ، وحافظاتٌ لأمانتهنَّ ورعايةِ بيوتهنَّ، وحافظاتٌ للعائلةِ بالتربيةِ الحسنةِ، والأدبِ النافعِ في الدينِ والدنيا. وعليهنَّ بذلُ الجهدِ والاستعانةُ باللهِ على ذلكَ؛ فلهذا قالَ: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: إذا وفقْنَ لهذا الأمرِ الجليلِ فليحمدْنَ اللهَ على ذلكَ، ويعلمْنَ أنَّ هذا من حفظهِ وتوفيقهِ وتيسيرهِ لها؛ فإنَّ مَنْ وُكِّلَ إلى نفسهِ فالنفسُ أمارةٌ بالسوءِ، ومَن شاهَدَ منةَ اللهِ، وتوكَّلَ على اللهِ، وبذلَ مقدورَهُ في الأعمالِ النافعةِ؛ كفاهُ اللهُ ما أهمَّهُ، وأصلحَ لهُ أمورَهُ، ويسَّرَ لهُ الخيرَ، وأجراهُ على عوائدهِ الجميلةِ. * والقسمُ الثاني: هنَّ الطبقةُ النازلةُ من النساءِ، وهنَّ بضدِّ السابقاتِ في كلِّ خصلةٍ، اللَّاتي من سوءِ أخلاقهنَّ وقبحِ تربيتهنَّ تترفَّعُ على زوجِها، وتعصيهِ في الأمورِ الواجبةِ والمستحبةِ، فأَمَرَ اللهُ بتقويمهنَّ بالأسهلِ فالأسهلِ، فقالَ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] أي: بيِّنُوا لهنَّ حكمَ اللهِ ورسولهِ في وجوبِ طاعةِ الأزواجِ، ورغبوهنَّ في ذلكَ بما يترتبُ عليهِ من الثوابِ، وخوفوهنَّ معصيةَ الأزواجِ،

стр. 178

وذكروهنَّ ما في ذلكَ من العقابِ، وما يترتبُ عليهِ من قطعِ حقوقِها، وإباحةِ هجرِها وضربِها. فإنْ تقومْنَ بالوعظِ والتذكيرِ فذلكَ المطلوبُ، وحصلَ الاتفاقُ الذي لا يشوبهُ مكدِّرٌ، فإنْ لم يفدِ التذكيرُ فاهجروهنَّ في المضاجعِ، بألَّا ينامَ عندَها، ولا يباشرَها بجماعٍ ولا غيرهِ؛ لعلَّ الهجرَ ينجعُ فيها، وذلكَ بمقدارِ ما يحصلُ بهِ المقصودُ فقطْ، فإنَّ القصدَ بالهجرِ نفعُ المهجورِ وأدبُهُ، ليسَ الغرضُ منهُ شفاءَ النفسِ كما يفعلهُ مَنْ لا رأيَ لهُ إذا خالفتْهُ زوجتُهُ أو غيرُها، ولم يحصِّلْ مقصودَهُ، هَجَرَ هجرًا مستمرًا، أي: بقِيَ متأثرًا بذلكَ، عاتبًا على مَنْ لم يواتِهِ على ما يحبُّ، ووصلَتْ بهِ الحالُ إلى الحقدِ الذي هوَ من الخصالِ الذميمةِ؛ فهذا ليسَ من الهجرِ الجميلِ النافعِ، وإنما هوَ من الحقدِ الضارِّ بصاحبهِ، الذي لا يحصلُ بهِ تقويمٌ ولا مصلحةٌ. فإنْ نفَعَ الهجرُ للزوجةِ، وإلَّا انتقَلَ إلى ضربِها ضربًا خفيفًا غيرَ مبرحٍ، فإنْ حصلَ المقصودُ، ورجعَتْ إلى الطاعةِ، وتركَتِ المعصيةَ؛ عادَ الزوجُ إلى عشرتِها الجميلةِ، ولا سبيلَ لهُ إلى غيرِ ذلكَ من أذيتِها؛ لأنها رجعَتْ إلى الحقِّ. وهذا الدواءُ لكلِّ عاصٍ ومجرمٍ: أنَّ الشارعَ رغبَهُ إذا ترَكَ إجرامَهُ عادَ حقُّهُ الخاصُّ والعامُّ، كما في حقِّ التائبِ من الظلمِ وقطعِ الطريقِ وغيرِها، فكيفَ الزوجُ معَ زوجتهِ؟! * وفي هذهِ الآيةِ ونحوِها فائدةٌ نافعةٌ: وهيَ أنهُ ينبغي لمنْ عادَ إلى الحقِّ ألَّا يذكرَ الأمورَ السالفةَ؛ فإنَّ ذلكَ أحرَى للثباتِ على المطلوبِ، فإنَّ تذكيرَ الأمورِ الماضيةِ ربما أثارَ الشرَّ؛ فانتكسَ المرضُ، وعادتِ الحالُ إلى أشدَّ من الأولى.

стр. 179

٥ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٥]. * هذهِ حالةٌ أخرى غيرُ الحالةِ السابقةِ التي يمكنُ الزوجُ معالجتَها، وهذهِ إذا استطارَ الشرُّ بينَ الزوجينِ، وبلغَتِ الحالُ إلى الخصامِ وعدمِ الالتئامِ، ولم ينفَعْ في ذلكَ وعظٌ ولا كلامٌ. * ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾: * عدلَينِ عاقلَينِ، يعرفانِ الجمعَ والتفريقَ، ويفهمانِ الأمورَ كما ينبغِي؛ فإنَّ الحَكَمَ لابدَّ أنْ يتصفَ بهذهِ الأوصافِ. * فيبحثانِ في الأسبابِ التي أدَّتْ بهما إلى هذهِ الحالِ، ويسألانِ كلًّا منهما ما ينقمُ على صاحبهِ. * ويزيلانِ ما يقدرانِ عليهِ من المعتبةِ؛ بترغيبِ الناقمِ على الآخرِ بالإغضاءِ عن الهفواتِ واحتمالِ الزلَّاتِ، وإرشادِ الآخرِ إلى الوعدِ بالرجوعِ، وإرشادِ كلٍّ منهما إلى الرضَا والنزولِ عن بعضِ حقهِ؛ فكم حصَلَ بهذا الطريقِ من المصالحِ شيءٌ كثيرٌ! * وإنْ أمكنَهما إلزامُ المتعصبِ على الباطلِ منهما بالحقِّ فعلَا. * ومهما وجدَا طريقًا إلى الإصلاحِ والاتفاقِ والملاءمةِ بينَهما لم يعدِلا عنها: إمَّا بتنازلٍ عن بعضِ الحقوقِ، أو ببذلِ مالٍ، أو غيرِ ذلكَ. * فإنْ تعذرَتِ الطرقُ كلُّها، ورأيَا أنَّ التفريقَ بينَهما أصلحُ لتعذرِ الملاءمةِ؛ فرَّقَا بينَهما بما تقتضِيهِ الحالُ بعِوضٍ أو بغيرِ عِوضٍ، ولا يشترطُ في هذا رضا الزوجِ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهما حكمَينِ لا وكيلَينِ، ومَن قالَ إنهما وكيلانِ اشترطَ في التفريقِ رضا الزوجِ، ولكنَّ هذا القولَ ضعيفٌ.

стр. 180

* ولمحبة البارِي للاتفاقِ بينَهما وترجيحهِ على الآخرِ قالَ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: بسببِ الرأيِ الميمونِ، والكلامِ اللطيفِ، والوعدِ الجميلِ الذي يجذبُ القلوبَ، ويؤثرُ فيها. * ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالسرائرِ والظواهرِ مطلعًا على الخفايا، فمن كمالِ علمهِ وحكمتهِ شرَعَ لكم هذهِ الأحكامَ الجليلةَ التي هيَ الطريقُ الوحيدُ إلى القيامِ بالحقوقِ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].

стр. 181

٦ - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]. * هذهِ حالةٌ من أحوالِ الزوجينِ غيرُ الأحوالِ السابقةِ؛ لأنَّ الحالتينِ السابقتينِ: حالةُ نشوزِ الزوجةِ، وحالةُ وقوعِ الخصامِ واستطارةِ الشرِّ بينَهما؛ وهذهِ إذا كان الزوجُ هوَ الراغبُ عن زوجتهِ، إما عدمَ محبةٍ وإما طمعًا، فأرشدَ اللهُ في هذهِ الحالِ إلى الطريقِ الذي تستقيمُ بهِ الأمورُ، وهوَ طريقُ الصلحِ من المرأةِ أو وليِّها ليعودَ الزوجُ إلى الاستقامةِ، بأنْ تسمحَ المرأةُ عن بعضِ حقِّها اللازمِ لزوجِها على شرطِ البقاءِ معهُ، وأنْ يعودَ إلى مقاصدِ النكاحِ أو بعضِها، كأن ترضَى ببعضِ النفقةِ أو الكسوةِ أو المسكنِ، أو تُسقطُ حقَّها من القسمِ، أو تهبُ يومَها وليلتَها لزوجِها أو لضرتِها بإذنهِ. فمتى اتفقَا على شيءٍ من ذلكَ فلا حرجَ ولا بأسَ، وهوَ أحسنُ من [المقاضاةِ] (١) في الحقوقِ المؤديةِ إلى الجفاءِ أو إلى الفراقِ؛ ولهذا قالَ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وهذا أصلٌ عظيمٌ في جميعِ الأشياءِ، وخصوصًا في الحقوقِ المتنازعِ فيها، أنَّ المصالحةَ فيها خيرٌ من استقصاءِ كلٍّ منهما على حقهِ كلِّهِ؛ لما في الصلحِ من بقاءِ الألفةِ، والاتصافِ بصفةِ السماحِ، وهوَ جائزٌ بينَ المسلمينَ في كلِّ الأبوابِ، إلَّا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّمَ حلالًا. * واعلَمْ أنَّ كلَّ حكمٍ من الأحكامِ لا يتمُّ ولا يكملُ إلا بوجودِ مقتضيهِ وانتفاءِ موانعهِ، فمِن ذلكَ هذا الحكمُ الكبيرُ الذي هوَ الصلحُ:

стр. 182

* فذَكَر تعالى المقتضِي لذلك، فقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، والخيرُ كلُّ عاقلٍ يطلبهُ ويرغبُ فيه، فإنْ كان معَ ذلكَ قدْ أمرَ اللهُ بهِ وحثَّ عليهِ ازدادَ المؤمنُ طلبًا لهُ ورغبةً فيه. * وذكَرَ المانعَ بقولهِ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: جبلَتِ النفوسُ على الشحِّ، وهوَ: الاستئثارُ والتفردُ في الحقوقِ، وعدمُ الرغبةِ في بذلِ ما على الإنسانِ، والحرصُ على الحقِّ الذي لهُ. فالنفوسُ مجبولةٌ على ذلكَ طبعًا، أي: فينبغِي لكم أنْ تحرصُوا على قلعِ هذا الخلقِ الدنيءِ من نفوسِكم، وتقليلهِ وتلطيفهِ، وتستبدلُوا بهِ ضدَّهُ، وهوَ السماحةُ ببذلِ جميعِ الحقوقِ التي عليكَ، والاقتناعُ ببعضِ الحقِّ الذي لكَ، والإغضاءُ عن التقصيرِ. فمتى وُفِقَ العبدُ لهذا الخلقِ الطيبِ سَهُلَ عليهِ الصلحُ بينَهُ وبينَ كلِّ مَنْ بينَهُ وبينَهُ منازعةٌ ومعاملةٌ، وتسهلَتِ الطريقُ الموصلةُ إلى المطلوبِ، ومَن لم يكنْ بهذا الوصفِ تعسَّرَ الصلحُ أو تعذرَ؛ لأنهُ لا يرضيهِ إلا جميعُ ما لهُ كاملًا مكملًا، ولا يهونُ عليهِ أنْ يؤديَ ما عليهِ، فإنْ كان خصمُهُ مثلَهُ اشتدَ الأمرُ. * ثم قال: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: تحسنُوا في عبادةِ الخالقِ، والإحسانُ أنْ تعبدَ اللهَ كأنكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنهُ يراك؛ وتحسنوا إلى المخلوقينَ بكلِّ إحسانٍ قوليٍّ أو فعليٍّ، وتتقوا اللهَ بفعلِ جميعِ المأموراتِ، وتركِ جميعِ المحظوراتِ، أو تحسنُوا بفعلِ المأمورِ، وتتقوا بتركِ المحظورِ. * ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازِيكم على قيامِكم بالإحسانِ والتقوَى، أو على عدمِ ذلكَ بالجزاءِ بالفضلِ والعدلِ.

стр. 183

٧ - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]. * يخبرُ تعالى أنهُ ليسَ في قدرةِ الأزواجِ العدلُ التامُّ بينَ زوجاتِهم؛ فإنَّ العدلَ التامَّ يقتضي أنْ يكونَ الداعِي والحبُّ على السواءِ، والميلُ القلبيُّ على السواءِ، ويقتضي معَ ذلكَ الإيمانَ الصادقَ، والرغبةَ في مكارمِ الأخلاقِ؛ للعملِ بمقتضى ذلكَ، وهذا متعذرٌ غيرُ ممكنٍ؛ فلذلكَ عذرَ اللهُ الأزواجَ وعفا عنهم عما لا يقدرونَ عليهِ، ولكنهُ أمرَهُم بالعدلِ الممكنِ فقالَ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي: لا تميلُوا إلى إحداهنَّ عن الأخرى ميلًا كثيرًا، بحيثُ لا تؤدونَ حقوقهنَّ الواجبةَ، بل افعلُوا مستطاعَكم من العدلِ، فالنفقةُ والكسوةُ والقسمُ في المبيتِ والفراشِ ونحوُ ذلكَ مقدورٌ، فعليكم العدل فيها بينهنَّ، بخلافِ الحبِّ والوطءِ وتوابعِ ذلكَ؛ فالعبدُ لا يملكُ نفسَهُ؛ فعذرَهُ اللهُ. * وقولهُ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ يعني: أنَّ الزوجَ إذا مالَ عن زوجتهِ وزهدَ فيها ولم يقُمْ بحقوقِها الواجبةِ، وهيَ في حبالهِ أسيرةٌ عندَهُ؛ صارَتْ كالمعلقةِ التي لا زوجَ لها فتستريحُ، ولا ذاتَ زوجٍ يقومُ بحقوقِها. * ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾: فيما بينَكم وبينَ زوجاتِكم بوجهٍ من وجوهِ الصلحِ كما تقدَّمَ، وبمجاهدةِ أنفسِكم على فعلِ ما لا تهواهُ النفسُ؛ احتسابًا وقيامًا بحقِّ الزوجةِ، وتصلحُوا أيضًا فيما بينَكم وبينَ الناسِ فيما تنازعتُم بهِ من الحقوقِ، وتتقُوا اللهَ بامتثالِ أمرهِ واجتنابِ نهيهِ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]. * ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] يعني: إذا تعذَّرَ الاتفاقُ والالتئامُ فلا بأسَ بالفراقِ، فقالَ: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ أي: بفسخٍ أو

стр. 184

طلاقٍ أو خلعٍ أو غيرِ ذلكَ، ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ من الزوجَينِ، ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ أي: من فضلهِ وإحسانهِ العامِّ الشاملِ: * فيُغنِي الزوجَ بزوجةٍ خيرٍ لهُ منها. * ويُغنِيها من فضلهِ برزقٍ من غيرِ طريقهِ، فإنها وإنْ توهمَتْ أنهُ إذا فارقَها زوجُها المنفِقُ عليها القائمُ بمؤنتِها ينقطعُ عنها الرزقُ، فسوفَ يغنيها اللهُ من فضلهِ؛ فإنَّ رزقَها ليسَ على الزوجِ ولا على غيرهِ، بلْ على المتكفلِ القائمِ بأرزاقِ الخليقةِ كلِّها، وخصوصًا مَنْ تعلَّقَ قلبهُ بهِ ورجاهُ رجاءً قلبيًّا طامعًا في فضلهِ كلَّ وقتٍ؛ فإن اللهَ عندَ ظنِّ عبدهِ بهِ، ولعلَّ اللهَ يرزقُها زوجًا خيرًا لها منهُ وأنفعَ. * ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ أي: واسعَ الرحمةِ كثيرَ الإحسانِ، ﴿حَكِيمًا﴾ في وضعهِ الأمورَ مواضعَها. * وفي الآيةِ: تنبيهٌ على أنهُ ينبغِي للعبدِ أنْ يعلِّقَ رجاءَهُ باللهِ وحدَهُ، وأنَّ اللهَ إذا قدَّرَ لهُ سببًا من أسبابِ الرزقِ والراحةِ أنْ يحمدَهُ على ذلكَ، ويسألَهُ أنْ يباركَ فيه لهُ، فإنْ انقطعَ أو تعذَّرَ ذلكَ السببُ فلا يتشوشُ قلبُهُ، فإنَّ هذا السببَ من جملةِ أسبابٍ لا تُحصَى، لا يتوقفُ رزقُ العبدِ على ذلكَ السببِ المعينِ، بلْ يفتحُ لهُ سببًا غيرَهُ أحسنَ منهُ وأنفعَ، وربما فتَحَ لهُ عدةَ أسبابٍ، فعليه في أحوالهِ كلِّها أنْ يجعلَ فضلَ ربهِ، والطمعَ في برهِ نصبَ عينيهِ وقبلةَ قلبهِ، ويُكثرَ من الدعاءِ المقرونِ بالرجاءِ؛ فإن اللهَ يقولُ على لسانِ نبيهِ: «أنا عندَ ظنِّ عبدِي بي، فإنْ ظنَّ بي خيرًا فلهُ، وإنْ ظنَّ بي شرًّا فلهُ» (١)، وقالَ: «إنَّكَ ما دعوتَنِي ورجوتَنِي غفرتُ لكَ على ما كان منكَ ولا أبالي» (٢).

стр. 185

فصل ١ - قالَ اللهُ تعالى في أحكامِ الطلاقِ والعِدَدِ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قولهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الآيات. * ذكَرَ اللهُ أحكامَ الفراقِ كما ذكرَ أحكامَ النكاحِ والدخولِ فيه: تقدَّمُ أنهُ تعالى حثَّ الزوجَ على الصبرِ على زوجتهِ ما دامَ متمكنًا من الصبرِ، وفي هذا ذكَرَ اللهُ أنهُ إذا كان لابدَّ لهُ من الطلاقِ فعليهِ أنْ يطلقَ زوجتَهُ لعدتِها، أي: لتستقبِلَ عدَّتَها، وذلكَ أنْ يطلقَها مرةً واحدةً في طهرٍ لم يجامِعْها فيه، أو يطلقَها وهيَ حاملٌ قدْ تبيَّنَ حملُها، أو وهيَ آيسةٌ أو صغيرةٌ؛ لأنها في هذهِ الأحوالِ كلِّها تبتدئُ بالعدةِ البينةِ الواضحةِ. فمَن طلَّقَها أكثرَ من واحدةٍ، أو وهيَ حائضٌ أو نفساءُ، أو في طهرٍ قدْ وَطِئَ فيه، ولم يتبيَّنْ حملُها؛ فإنهُ آثمٌ متعدٍّ لحدودِ اللهِ. * وإذا طلَّقَها هذا الطلاقَ المشروعَ فلهُ أنْ يراجعَها ما دامَتْ في العدةِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وسواءٌ رضيَتْ أو كرهَتْ. * وهذا الطلاقُ الذي يتمكنُ فيه العبدُ من الرجعةِ هوَ الطلاقُ بواحدةٍ إلى ثنتينِ بلا عِوضٍ. فإنْ طلَّقَها الطلقةَ الثالثةَ فلا تحلُّ لهُ حتى تنقضيَ عدتُها، وتنكحَ زوجًا غيرَهُ نكاحَ رغبةٍ، لا نكاحَ تحليلٍ، ويطأَها ويطلقَها رغبةً في طلاقِها، وتنقضيَ عدتُها منهُ؛ فلهُ أنْ ينكحَها برضاها، وببقيةِ شروطِ النكاحِ مِنْ الوليِّ ومن الصداقِ وغيرهِ.

стр. 186

فإنْ طلقَها بعِوضٍ بلفظِ الطلاقِ أو الخلعِ أو الفداءِ، أو غيرِها من الألفاظِ، فقدْ أباحَ اللهُ هذا الفداءَ عندَ الحاجةِ، وهيَ التي نصَّ عليها بقولهِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وسواءٌ كان العِوضُ بقليلٍ أو كثيرٍ؛ لعمومِ الآيةِ، فإذا فارقَها على هذا الوجهِ حصلَ لها الفكاكُ منهُ، ولم يكنْ لهُ عليها رجعةٌ، إلا إذا شاءَتْ بنكاحٍ جديدٍ. * وعندَ التراجعِ بينَ الزوجينِ إذا رغبَ كلٌّ منهما في الآخرِ، فليسَ لوليِّ الأنثَى أنَّ يعضلَها ويمنعَها أنْ تراجِعَ بعلَها الأولَ أو الذي فارقَها؛ بغضًا لهُ أو نكايةً لهُ وغضبًا عليهِ، أو طمعًا في بذلِها أو بذلهِ لهُ شيئًا من المالِ؛ فكلُّ هذا لا يحلُّ للوليِّ أنْ يفعلَهُ، بلْ عليهِ أنْ يسعَى في التأليفِ بينَها وبينَ زوجِها، وأقلُّ ما عليهِ ألَّا يعارضَ في ذلكَ، وإذا كان منهيًا عن ذلكَ بعدَ الطلاقِ أو الفداءِ ونحوِهما فكيفَ في ابتداءِ الأمرِ؟! ولكنْ بشرطِ أنْ يكونَ الزوجُ كفئًا وترضَى المرأةُ فيه. وأمَّا إذا منعَها مِنْ تزوجِ مَنْ ليسَ كفئًا لها في دينهِ أو غيرهِ من الصفاتِ المعتبرةِ شرعًا؛ فهوَ محسنٌ؛ لأنَّ منعَها عما فيه ضررُها إحسانٌ عليها، وهذا أحدُ الأسبابِ في اعتبارِ الوليِّ للمرأةِ في النكاحِ. * وفي قولهِ في الرجعةِ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: ٣٥]، وفي التراجعِ: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] اعتبارُ هذا الشرطِ في الرجعةِ والتراجعِ، وإلَّا فلا يراجِعْ، ولا يتراجعَا؛ للضرارِ وللبقاءِ على غيرِ ما يحبهُ اللهُ. وفي هذا: أنَّ الأفعالَ مبنيةٌ على مقاصدِها، وأنَّ الأمرَ الذي يُقصدُ فيه الخيرُ والصلاحُ لابدَّ أنْ يجعلَ اللهُ فيه بركةً، كما أنَّ الذي يُقصدُ بهِ غيرُ ذلكَ -ولوْ مُكِّنَ منهُ العبدُ- فإنهُ ضررٌ حاضرٌ، ويُخشى أنْ تكونَ عواقبهُ ذميمةً.

стр. 187

ويُستفادُ من هذا معنًى كليٌّ نافعٌ: وهوَ أنهُ ينبغِي للعبدِ إذا أرادَ أنْ يدخلَ في أمرٍ من الأمورِ، مثلَ الأمورِ التي يترتبُ عليها حقوقٌ كثيرةٌ، ومثلَ الولاياتِ الكبارِ والصغارِ والأمورِ المهمةِ - أنْ يتأنَّى وينظرَ في نفسهِ وعاقبةِ أمرهِ، فإنْ رأى من نفسهِ قوةً على ذلكَ، ووثقَ بقيامهِ بما فيها من الحقوقِ؛ تقدَّمَ إليها، متوكلًا على اللهِ، وإلَّا أحجمَ، واغتنمَ السلامةَ عن الدخولِ في الأمورِ الخطرةِ. * وأمَرَ تعالى الأزواجَ أنْ يمسكُوا زوجاتِهم بمعروفٍ أو يسرحوهنَّ بمعروفٍ، فإن أمسكَها أمسكَها بعشرةٍ حسنةٍ، وإنْ فارقَها فليكنْ على وجهِ الشرعِ بطمأنينةٍ من غيرِ مغاضبةٍ ولا مشاتمةٍ ولا عداواتٍ تقعُ بينَهُ وبينَها، أو بينَهُ وبينَ أهلِها. ومِن التسريحِ بالمعروفِ: أنْ يعطيَها شيئًا من المالِ تتمتعُ بهِ، وينجبرُ بهِ خاطرُها، وتذهبُ عن زوجِها شاكرةً، ولا يكونُ لهذا الفراقِ على هذا الوجهِ إلَّا العواقبُ الطيبةُ للطرفَينِ. * ولما بيَّنَ البارِي هذهِ الأحكامَ الجليلةَ غايةَ التبيينِ، وكان القصدُ بها أنْ يَعْلَمَها العبادُ ويَعملُوا بها، ويقفُوا عندَها ولا يتجاوزُوها؛ فإنهُ لم ينزِلْها عبثًا، بلْ أنزلَها بالعلمِ والصدقِ والحقِّ النافعِ والجدِّ - نَهَى عن اتخاذِها ﴿هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: لعبًا بها، وهوَ التَّجَرِّي عليها، وعدمُ الامتثالِ لواجبِها، مثلَ المضارةِ في الإمساكِ والإرسالِ، أو كثرةِ الطلاقِ وجمعِ الثلاثِ. * وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣١] عمومًا باللسانِ حمدًا وثناءً، وبالقلبِ اعترافًا وإقرارًا، وبالأركانِ بأنْ يُستعانَ بنعمهِ على طاعتهِ، وخصوصًا ما أنزَلَ عليكم من الكتابِ والحكمةِ، فإنَّ في الكتابِ والسنةِ من بيانِ الحقِّ والهدَى من الضلالِ، والحلالِ من الحرامِ، وجميعِ ما يحتاجهُ العبادُ في أمورِ دينِهم ودنياهم - ما يوجِبُ للعبادِ أنْ يشكروهُ شكرًا كثيرًا، ويقوموا بحقِّهِ، ويخضعُوا لأحكامهِ.

стр. 188

* وخَتْمُ الآياتِ بعمومِ عِلْمهِ تنبيهٌ على أنَّ أحكامَهُ قدْ شرعَها العليمُ الحكيمُ صالحةً للعبادِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ. * وقدْ ذكَرَ عِدَّةَ المفارقةِ بحسبِ أحوالِها في كتابهِ: * فذكَرَ أنَّ المفارِقةَ بطلاقٍ إنْ كانتْ تحيضُ: باستكمالِ ثلاثةِ قرُوءٍ (١) مِنْ بعدِ وقوعِ الطلاقِ عليها. * وأنَّ الآيسةَ والتي لم تحِضْ لصغرٍ ونحوهِ: عدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ. * وأنَّ المفارِقةَ بموتِ زوجِها: تربُّصُ ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. * وأنَّ الحاملَ من المفارِقاتِ في الحياةِ وبعدَ المماتِ: عدُّتها بوضعِ الحملِ. وفي هذهِ العِدَدِ وتقديرِها من الأسرارِ والحكمِ والمنافعِ للزوجينِ وغيرِهما ما هوَ من آياتِ اللهِ للمتأملينَ المستبصرينَ.

стр. 189

٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. * ففي هذهِ الآيةِ: أنَّ المفارِقةَ في الحياةِ بطلاقٍ ونحوهِ ليسَ لزوجِها عليها عِدَّةٌ إذا لم يدخُلْ أو يَخْلُ بها، بلْ بمجردِ ما يطلقُها لها التزوجُ في الحالِ. وفي هذا: أنَّ العدةَ تثبتُ بالدخولِ، وكذلكَ الخلوةُ، كما ثبتَ عن الخلفاءِ الراشدينَ ﵃. ومفهومُ الآيةِ: أنَّ الفراقَ بالموتِ تعتدُّ لهُ الزوجةُ المعقودُ عليها ولوْ قبلَ الدخولِ، وكما يؤخذُ من مفهومِ هذهِ فإنهُ يؤخذُ من عمومِ قولهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية. * وفيها: أنَّ العدةَ من حقوقِ الزوجِ؛ لتمكنهِ من الرجعةِ، ولحفظِ فراشهِ ومائهِ من الاختلاطِ، وحقٌّ لها أيضا؛ فإنَّ المعتدةَ نوعانِ: * نوعٌ حاملٌ، لها النفقةُ بكلِّ حالٍ، قالَ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. * ونوعٌ غيرُ حاملٍ، وهيَ أيضًا نوعانِ: • مفارِقةٌ بائنةٌ؛ بموتٍ أو فسخٍ أو خلعٍ أو ثلاثٍ أو عِوضٍ، فهؤلاءِ كلهنَّ لا نفقةَ لهنَّ ولا كسوةَ ولا مسكنَ، إلا على وجهِ المعروفِ والإحسانِ. • ومفارِقةٌ رجعيةٌ، فما دامتْ في العدةِ فلها النفقةُ والكسوةُ والمسكنُ وتوابعُها على الزوجِ، وحكمُها حكمُ الزوجةِ التي في حبالهِ في كلِّ حالٍ، إلا في القسمِ فلا قسمَ لهُ؛ لأنَّ اللهَ سماهُ بعلًا لها في قولهِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولأنَّ لهُ أنْ يرجعَها إلى الزوجيةِ التامةِ رضيَتْ أو كرهَتُ ما دامَتْ في العدةِ.

стр. 190

* وفي قولهِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] دليلٌ على أمانتِها على نفسِها، وقبولِ قولِها في وجودِ الحيضِ وانقطاعهِ؛ لأنهُ توعدَها بكتمانِ ذلكَ، وهذا دليلٌ على أنَّ قولَها معتبرٌ. * وفي قولهِ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] دليلٌ على أنهُ لا يقعُ الطلاقُ إلَّا بعدَ النكاحِ، وأنَّ مَنْ علَّقَ طلاقًا بنكاحِ امرأةٍ لم ينعقِدْ هذا التعليقُ، ولم يقَعْ عليها شيءٌ إذا نكحَها؛ لأنَّ النكاحَ لا يُرادُ بهِ خلافُ مقصودهِ، وهذا بخلافِ تعليقِ عتقِ المملوكِ للغيرِ بملكهِ إياهُ، فإنهُ صحيحٌ ويُعتَقُ إذا ملكَهُ؛ لأنَّ تملكَ الرقيقِ يُقصَدُ بهِ العتقُ، وهوَ مقصودٌ شرعيٌ صحيحٌ. * وقولهُ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فيه الأمرُ بتمتيعِ المفارقةِ بالطلاقِ قبلَ المسيسِ مطلقًا، وفي آيةِ (البقرةِ) الأمرُ بالتمتيعِ إذا لم يسمِّ لها مهرًا، فإن سمَّى لها مهرًا فإنهُ يتنصفُ إذا طلقَها قبلَ الدخولِ، ويكون نصفُ الصداقِ هوَ المتعةُ كما قالَ تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧]. فحثَّ على العفوِ في هذا الموضعِ الخاصِّ؛ لنفعهِ وعظمِ موقعهِ، وقال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذا إرشادٌ عظيمٌ نافعٌ في جميعِ المعاملاتِ: أنهُ ينبغِي للعبدِ فيها ألَّا يستقصيَ في كلِّ شيءٍ، بلْ يجعلُ للفضلِ محلًّا من عفوٍ ومحاباةٍ وإعطاءٍ أزيدَ مما في الذمةِ قدرًا أو وصفًا، وقبولِ أدنى من الحقِّ كميةً وكيفيةً، فكم حصلَ بهذا الفضلِ -وإنْ كان طفيفًا- خيرٌ كثيرٌ، وأجرٌ كبيرٌ، ومعروفٌ، وبركةٌ، وراحةُ فكرٍ، وطمأنينةُ قلبٍ!

стр. 191

* وفي قولهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] وهذا العمومُ يقتضِي أنَّ كلَّ مطلقةٍ لها على زوجِها متعةٌ، لكنْ إنْ كانتْ غيرَ مدخولٍ بها ولم يُسَمَّ لها مهرٌ، فالمتعةُ واجبةٌ -كما تقدَّمَ- بحسبِ يسارِ الزوجِ وإعسارهِ، وإنْ كان قدْ سُمِّيَ لها مهرٌ تنصفَ المهرُ، وكان النصفُ الحاصلُ لها هوَ المتعةُ، فإنْ لم يكنْ الأمرُ كذلكَ كانتِ المتعةُ حقًّا معروفًا وإحساناً جميلًا: * لما فيها مِنْ جبرِ خاطرِها، وقضاءِ نوائبِها التي هيَ مظنةُ الحاجةِ إليها في تلكَ الحالِ. * وكونِ ذلكَ عنوانًا على التسريحِ بالمعروفِ. * ودفعًا للمشاغباتِ والعداواتِ التي تحدثُ لكثيرٍ من الناسِ عندَ الطلاقِ. * واحتياطًا لبراءةِ ذمتهِ مما لعلَّهُ لحقَهُ لها من الحقوقِ. * وتسهيلًا للرجعةِ أو للمراجعةِ إذا تغيرتِ الحالُ وأحدثَ اللهُ بعدَ ذلكَ أمرًا. ولها من الفوائدِ شيءٌ كثيرٌ. * ومدَحَ اللهُ هذهِ الأحكامَ الجليلةَ بقولهِ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، فسمَّى هذهِ الأحكامَ آياتٍ؛ لأنها تدلُّ أكبرَ دلالةٍ على عنايتهِ ولطفهِ بعبادهِ، وأنهُ شرَعَ لهم من الأحكامِ الأحكامَ الصالحةَ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، ولا يُصلِحُ العبادَ غيرُها.

стр. 192

فصل في آيات في الإيلاء والظهار واللعان ١ - قالَ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، وقالَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] الآيات، وقالَ في اللعانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيات. * من جملةِ الأحكامِ المنتشرةِ المتعلقةِ بالزوجةِ: أنهُ قدْ يُؤلِي منها أو يظاهِرُ منها. والفرقُ بينَ الإيلاءِ والظهارِ: * أنَّ الإيلاءَ هوَ الحلفُ باللهِ على تركِ وطءِ زوجتهِ أبدًا، أو مدةً طويلةً تزيدُ على أربعةِ أشهرٍ، إذا كان قادرًا على الوطءِ. فإذا فعلَ ذلكَ وحلفَ هذا الحلفَ فلا يخلُو: إما أنْ تطالبَهُ الزوجةُ بحقِّها من الوطءِ أو لا تطالبهُ: • فإنْ لم تطالبْهُ تُرِكَ وشأنَهُ، فإنْ وَطِئَ في هذهِ المدةِ فقدْ حنثَ، وعليهِ كفارةُ يمينٍ، وإلا فلا كفارةَ عليهِ. • وإنْ طالبَتْهُ بالوطءِ أُمِرَ بذلكَ وجُعِلَ لهُ أربعةُ أشهرٍ، فإنْ فاءَ ورجعَ إلى الوطءِ فذلكَ هوَ المطلوبُ منهُ، وهوَ أحبُّ الأمرينِ إلى اللهِ، وإنْ أبَى وامتنعَ، ومضَتِ الأربعةُ الأشهر وهوَ مصرٌّ على عدمِ وطئِها، وهيَ مقيمةٌ على طلبِ حقِّها؛ أُجبِرَ على أحدِ أمرينِ:

стр. 193

- إما أنْ يفيءَ ويكفِّرَ كفارةَ يمينٍ. - وإما أنْ يطلقَ. فإنِ امتنعَ من كلٍّ منهما طلَّقَ الحاكمُ عليهِ. * وأمَّا الظِّهارُ: فأنْ يحرِّمَ زوجتَهُ ويقولَ لها: أنتَ عليَّ كظهرِ أمِّي، أو نحوه من ألفاظِ التحريمِ الصريحةِ؛ فهذا قدْ أتَى منكرًا من القولِ وزورًا، وكذَبَ أعظمَ كذبٍ؛ إذْ شبَّهَ مَنْ هيَ حلالٌ بمَن هيَ أعظمُ المحرماتِ وهيَ الأمُّ؛ ولهذا قالَ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]. ثم عرَضَ التوبةَ فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢]، ثم ذكَرَ طريقَها بالكفارةِ، فأمَرَ المُظاهِرَ أنْ يعتقَ رقبةً مِنْ قبلِ أنْ يمسَّها، فإنْ لم يجدْ صامَ شهرَينِ متتابعَينِ من قبلِ المسيسِ أيضًا، فإنْ لم يستطِعْ أطعمَ ستينَ مسكينًا، فبعدَ هذهِ الكفارةِ تحلُّ لهُ الزوجةُ وتنحلُّ يمينهُ. * وأمَّا اللعانُ: فإنَّ الزوجَ إذا رمَى زوجتَهُ بالزِّنى، ولم يكنْ لهُ على ذلكَ أربعةُ شهودٍ، ولم تعترِفْ بلْ أقامَتْ على الإنكارِ؛ فعليه ما على مَنْ قذَفَ المحصناتِ مِنْ جلد ثمانينَ جلدةً، إلا أنْ يلاعنَها، وذلكَ بأنْ يشهدَ أربعَ مراتٍ إنهُ لمن الصادقينَ فيما رماها بهِ من الزِّنى، ويقولَ في الخامسةِ داعيًا على نفسهِ: وأنَّ لعنةَ اللهِ عليهِ إنْ كان من الكاذبينَ؛ فحينئذٍ يترتبُ عليها الحدُّ أو الحبسُ حتى تقرَّ، إلا أنْ تقابلَهُ بلعانٍ يدرأُ عنها العذابَ، بأنْ تقولَ أربعًا: أشهدُ باللهِ إنهُ لمن الكاذبينَ فيما رماني بهِ من الزِّنى، وتزيدَ في الخامسةِ: وأنَّ غضبَ اللهِ عليها إنْ كان مِنْ الصادقينَ؛ فعندَ ذلكَ يحصلُ الفراقُ الأبديُّ بينَهُ وبينَها.

стр. 194

والحكمةُ في تخصيصِ الزوجِ بسقوطِ حدِّ القذفِ عنهُ إذا لاعَنَ: أنَّ الزوجَ محتاجٌ -وربما كان مضطرًّا- إلى رميِها؛ لنفيِ ما يلحقهُ من أولادِ غيرهِ، ولحقِّهِ، وإفسادِ فراشهِ. وأمَّا القاذفُ إذا كان غيرَ زوجٍ، إذا قذفَ غيرَهُ بالزِّنى فإنَّ اللهَ قالَ في حدِّهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية [النور: ٤ - ٥].

стр. 195

فصل في آيات الحدود ١ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى آخرِها. * يمتنَّ اللهُ على عبادهِ بأنهُ فرَضَ عليهم ﴿الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي: المساواةُ فيه، وأنْ يُقتلَ القاتلُ عمدًا على الصفةِ التي قتلَ عليها المقتول؛ إقامةً للعدلِ بينَ العبادِ. * وتوجيهُ الخطابِ لعمومِ المؤمنينَ فيه دليلٌ على أنهُ يجبُ عليهم كلِّهم -حتى أولياءِ القاتلِ، حتى القاتلِ بنفسهِ- إعانةُ وليِّ المقتولِ إذا طلبَ القصاصَ، وتمكينهُ من القاتلِ، وأنهُ لا يحلُّ لهم أنْ يحولُوا بينَهُ وبينَ القاتلِ إذا تمَّتِ الشروطُ، كما يفعلهُ أهلُ الجاهليةِ ومَن أشبهَهُم من إيواءِ المحدِثينَ. * ثم فصَّلَ ذلك بقولهِ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، يدخلُ في منطوقِها وفي منطوقِ قولهِ: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]: أنَّ الذَّكرَ يُقتلُ بالأنثى، كما تُقتلُ الأنثى بالذكرِ، فيكونُ هذا المنطوقُ مقدمًّا على مفهومِ قولهِ: ﴿الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، معَ دلالةِ صريحِ السنةِ الصحيحةِ في قتلِ النبيِّ ﷺ اليهوديَّ بالجاريةِ. * وخرَجَ من هذا العمومِ: الأبوانِ وإنْ علَوا، فلا يُقتلانِ بالولدِ؛ لورودِ السنةِ بذلكَ، معَ أنَّ في لفظِ القصاصِ ما يدلُّ على أنهُ ليسَ من العدلِ أنْ يُقتلَ الوالدُ بولدهِ، ولأنَّ ما في قلبِ الوالدينِ من الرحمةِ المانعةِ من صدورِ هذهِ الجريمةِ منهما على ولدِهما؛

стр. 196

ما يحدِثُ الشبهةَ: إمَّا أنهُ لابدَّ أنَّ في عقلِهما اختلالًا أو أذيةً شديدةً أحرجَتْهُ إلى قتلِ ولدهِ، أو لم يُحرَّرْ أنَّ القتلَ عمدُ محضٍ. وخرَجَ من هذا العمومِ: أنَّ المسلمَ لا يُقتلُ بالكافرِ؛ لثبوتِ السنةِ بذلكَ، معَ أنَّ الآيةَ في خطابِ المؤمنينَ خاصةً، وليسَ أيضًا من العدلِ أنْ يُقتلَ وليُّ اللهِ بعدوهِ. * ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ذكرًا كان أو أنثى، تساوَتْ قيمتُهما أو اختلفَتْ، ودلَّ مفهومُها على أنَّ الحرَّ لا يُقتلُ بالعبدِ؛ لكونهِ غيرَ مساوٍ لهُ. * وفي هذهِ الآيةِ: دليل على أنَّ الأصلَ وجوبُ القوَدِ في العمدِ العدوانِ، وأنَّ الدِّيةَ بدلٌ عنهُ؛ فلهذا قالَ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي: عفا وليُّ المقتولِ عن القاتلِ إلى الدِّيةِ، أو عفا بعضُ الأولياءِ؛ فإنهُ يسقطُ القصاصُ وتجبُ الدِّيةُ. * وتكونُ الخِيرَةُ في القوَدِ واختيارِ الدِّيةِ إلى الوليِّ، فإذا عفا عنهُ وجبَ على وليِّ المقتولِ أنْ يتبعَ القاتلَ بالمعروفِ من غيرِ أنْ يشقَّ عليهِ، ولا يحملَهُ ما لا يطيقُ، بلْ يحسنُ الاقتضاءَ والطلبَ ولا يحرجهُ. وعلى القاتلِ أداءٌ إليهِ بإحسانٍ، من غيرِ مطلٍ ولا نقصٍ، ولا إساءةٍ فعليةٍ أو قوليةٍ، فهلْ جزاءُ الإحسانِ إليهِ بالعفوِ إلا الإحسانُ بحسنِ القضاءِ؟! وهذا مأمورٌ بهِ في كلِّ ما ثبتَ في ذممِ الناسِ للإنسانِ: * مأمورٌ مَنْ لهُ الحقُّ بالاتباعِ بالمعروفِ. * ومَن عليهِ الحقُّ بالأداءِ بإحسانٍ.

стр. 197

كما قالَ ﷺ : «رحمَ اللهُ عبدًا سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى» (١). * وفي قولهِ: ﴿عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾: ترقيقٌ وحثٌّ على العفوِ إلى الدِّيةِ؛ وأكملُ مِنْ ذلكَ العفوُ مجانًا. * وفي قولهِ: ﴿أَخِيهِ﴾: دليلٌ على أنَّ القاتلَ عمدًا لا يَكفرُ؛ لأنَّ المرادَ بالأخوةِ هنا أخوةُ الإسلامِ، فلم يخرُجْ بالقتلِ عنها؛ ومن بابِ أولى سائرُ المعاصِي التي هيَ دونَ القتلِ، فإنَّ صاحبَها لا يَكفرُ، ولكنهُ يستحقُّ العقابَ، وينقصُ بذلكَ إيمانهُ إنْ لم يتُبْ. * وإذا عفا أولياءُ المقتولِ أو بعضُهم احتقنَ دمُ القاتلِ، وصارَ معصومًا منهم ومِن غيرِهم؛ فلهذا قالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعدَ العفوِ، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرةِ. وأما قتلهُ وعدمهُ فيُؤخذُ مما تقدَّمَ؛ لأنهُ قَتَلَ مكافئًا لهُ فيجبُ قتلهُ بذلكَ. * ثم بيَّنَ تعالى حكمتَهُ العظيمةَ في مشروعيةِ القصاصِ، فقالَ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] أي: تنحقنُ بذلكَ الدماءُ، وتنقمعُ بهِ الأشقياءُ؛ لأنَّ مَنْ عرَفَ أنهُ إذا قَتَلَ قُتِلَ لا يكادُ يصدرُ منهُ قتلٌ، وإذا رُئِيَ القاتلُ مقتولًا انزجرَ غيرهُ بذلكَ؛ فلو كان عقوبةُ القاتلِ غيرَ القتلِ لم يحصُلْ مِنْ انكفافِ الشرِّ ما يحصلُ بالقتلِ. وهكذا سائرُ الحدودِ الشرعيةِ: فيها من النكايةِ والانزجارِ ما يدلُّ على حكمةِ الحكيمِ الغفارِ. ونكَّرَ (الحياةَ) لإفادةِ التعظيمِ.

стр. 198

* ولما كان هذا الحكمُ لا يعرفهُ حقيقةَ المعرفةِ إلا أهلُ العقولِ الكاملةِ قالَ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وهذا يدلُّ على أنهُ يحبُّ من عبادهِ أنْ يُعمِلوا أفكارَهم وعقولَهم في تدبرِ ما في أحكامهِ من الحكمِ والمصالحِ الدالةِ على كمالهِ، وكمالِ حكمتهِ، وحمدهِ، وعدلهِ، ورحمتهِ الواسعةِ، وأنَّ مَنْ كان بهذا الوصفِ فقدْ استحقَّ الثناءَ والمدحَ بأنهُ مِنْ ذوي الألبابِ، الذينَ وُجِّهَ إليهم الخطابُ، وكفَى بذلكَ فضلًا وشرفًا! * وقولهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] وذلكَ أنَّ مَنْ عرَفَ ربَّهُ، وعرَفَ ما في دينهِ وشرعهِ من الأسرارِ العظيمةِ، والحكمِ البديعةِ، والآياتِ الرفيعةِ؛ أوجَبَ لهُ أنْ ينقادَ لأمرِ اللهِ، ويخضعَ لشرعهِ؛ طاعةً للهِ ولرسولهِ.

стр. 199

٢ - قولهُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. * هذا حدُّ الزاني غيرِ المحصنِ من ذكرٍ أو أنثى، يُجلَدُ مائةَ جلدةٍ، جلداتٍ تؤلِمهُ وتزجرهُ ولا تهلكهُ، ويتعيَّنُ أنْ يكونَ ذلكَ علنًا لا سرًّا، بحيثُ يشهدهُ طائفةٌ من المؤمنينَ؛ لأنَّ إقامةَ الحدودِ من الضرورياتِ لقمعِ أهلِ الجرائمِ، واشتهارُها هوَ الذي يحصلُ بهِ الردعُ والانزجارُ وإظهارُ شعائرِ الدينِ؛ والاستتارُ بهِ أو على أحدٍ دونَ أحدٍ فيه مفاسدُ كثيرةٌ. ووردَتِ السنةُ بتغريبِ عامٍ كاملٍ عن وطنهِ معَ الجلدِ، كما تواترَتِ السنةُ وأجمعَ المسلمونَ على رجمِ الزاني المحصنِ، يرجمُ بالحجارةِ حتى يموتَ.

стр. 200

٣ - ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. * السارقُ: هوَ مَنْ أخَذَ مالَ غيرهِ المحترمَ بغيرِ رضاهُ. وهوَ من كبائرِ الذنوبِ الموجبةِ لترتبِ هذهِ العقوبةِ، وهوَ أنهُ يجبُ قطعُ يدهِ اليمنَى كما هيَ قراءةُ بعضِ الصحابةِ، واليدُ إذا أطلقَتْ فهيَ الكفُّ إلى الكوعِ فقطْ، فإذا قطعَتْ حسمَتْ وجوبًا في زيتٍ أو وَدَكٍ (١) مغليٍّ لتنسدَّ العروقُ؛ فيقفُ الدمُ. * ولكنَّ السنةَ قيدَتْ عمومَ الآيةِ الكريمةِ بأمورٍ كلِّها ترجعُ إلى تحقيقِ السرقةِ للأموالِ: * فمنها: لابدَّ أنْ يكونَ المسروقُ نصابًا، وهوَ ربعُ دينارٍ، أو ثلاثةُ دراهمَ، أو ما يساوِي ذلكَ. * ومنها: لابدَّ أنْ يكونَ المأخوذُ منهُ حِرزًا، وحِرْزُ كلِّ مالٍ ما يُحفظُ بهِ عادةً، فلو سرقَ مِنْ مالٍ غيرِ محرزٍ فلا قطعَ عليهِ، ويُؤخذُ هذا من لفظِ السارقِ؛ فإنهُ الذي يأخذُ المالَ على وجهٍ لا يمكنُ التحرزُ منهُ. * فإنْ عادَ السارقُ قطعَتْ رجلهُ اليسرَى، فإن عادَ فقيلَ: تقطعُ يدهُ اليسرَى، ثم إنْ عادَ قطعَتْ رجلهُ اليمنَى، وقيلَ: يُحبسُ حتى يموتَ، ووردَ في ذلكَ آثارٌ عن السلفِ مختلفة. * وقولهُ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ من التجرِّي على أموالِ الناسِ، ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ترهيبًا منهُ للسراقِ؛ ليرتدِعُوا إذا علموا أنهم يقطعونَ، وهذا نظيرُ قولهِ في القتلِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].

стр. 201

* ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزَّ وحَكَمَ، فقطَعَ بحكمتهِ يدَ السارقِ؛ تنكيلًا للمجرمينَ، وحفظًا للأموالِ. * وقدْ ذكرَ اللهُ قبلَ هذا حدَّ قطاعِ الطريقِ المحاربِينَ في قولهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]: * فقيلَ: إنَّ الإمامَ مخيرٌ فيهم بينَ هذهِ الأمورِ، وعليهِ أنْ يفعلَ ما تقتضيهِ المصلحةُ، ويحصلُ بهِ النكايةُ (١). * وقيلَ (٢): إنَّ هذهِ العقوبةَ مرتبةٌ بحسبِ الجريمةِ: • فإنْ جَمعُوا بينَ القتلِ وأخذِ المالِ جُمِعَ لهم بينَ القتلِ والصَّلبِ. • وإنْ قَتلُوا ولم يأخذُوا مالًا قُتِلُوا ولم يُصْلبوا. • وإنْ أخذوا مالًا ولم يَقتُلوا قُطعَتْ أيدِيهم وأرجلُهم من خلافٍ. • وإنْ أخافوا الناسَ ولم يَقتلوا ولا أخذوا مالًا نُفُوا من الأرضِ، فلا يتركونَ يأوونَ إلى بلدٍ، أو يحبسونَ، كما قالهُ بعضُهم.

стр. 202

فصل في الأيمان ونحوها ١ - قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٩]. * يقولُ البارِي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعملُوا بمقتضَى أيمانِكم في تحليلِ ما أحلَّ اللهُ، وتحريمِ ما حرَّمَ اللهُ، فلا تحرِّمُوا ما أحلَّ اللهُ لكم من المطاعمِ والمشاربِ وغيرِها؛ فإنها نعمٌ تفضَّلَ اللهُ بها عليكم، فاقبلُوها واشكرُوا اللهَ عليها؛ إذْ أحلَّها شرعًا ويسَّرَها قدرًا، ولا تردُّوا نعمةَ اللهِ بكفرِها، أو عدمِ قبولِها، أو اعتقادِ تحريمِها، أو الحلفِ على عدمِ تناولِها؛ فإن ذلكَ كلَّهُ من الاعتداءِ؛ ولهذا قالَ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ بلْ يبغضُهم ويمقتُهم على ذلكَ. * ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨] أي: كلُوا مِنْ رزقهِ الذي ساقَهُ إليكم، ويسَّرَهُ لكم بأسبابهِ المتنوعةِ، إذا كان حلالًا، لا سرقةً ولا غصبًا، ولا حصلَ في معاملةٍ خبيثةٍ، وكان أيضًا طيبًا نافعًا لا خبثَ فيه. * ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في امتثالِ أوامرهِ، واجتنابِ نواهيهِ، ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فإنَّ الإيمانَ لا يتمُّ إلا بذلكَ، وهوَ يدعو إلى ذلكَ.

стр. 203

* ودلَّتِ الآيةُ الكريمةُ أنَّ العبدَ إذا حرَّمَ حلالًا عليهِ من طعامٍ وشرابٍ وكسوةٍ واستعمالٍ وسريةٍ ونحوِ ذلكَ؛ فإن هذا التحريمَ منهُ لا يحرِّمُ ذلكَ الحلالَ، لكنْ إذا فعلَهُ فعليهِ كفارةُ يمينٍ؛ لأنَّ التحريمَ يمينٌ كما قالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]. وهذا عامٌّ في تحريمِ كلِّ طيبٍ، إلا أنَّ تحريمَ الزوجةِ يكونُ ظهارًا فيه كفارةُ الظهارِ السابقةِ. وكما أنهُ ليسَ لهُ أنْ يحلفَ على تركِ الطيباتِ، فليسَ لهُ أنْ يمتنعَ من أكلِها، ولوْ بلا حلفٍ تنسكًا وغلوًّا في الدينِ، بلْ يتناولُها مستعينًا بها على طاعةِ ربهِ. * ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ويشملُ هذا: الأيمانَ التي حلفَ بها من غيرِ نيةٍ ولا قصدٍ، أو عقدَها يظنُّ صدقَ نفسهِ فبَانَ بخلافِ ذلكَ. * ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: بما عقدَتْ عليهِ قلوبُكم، كما قالَ في الآيةِ الأخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. * فإذا عقدَ العبدُ اليمينَ وحنَثَ، بأنْ فعَلَ ما حلفَ على تركهِ، أو ترَكَ ما حلفَ على فعلهِ؛ خُيِّرَ في الكفارةِ بينَ: * ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وذلكَ يختلفُ باختلافِ الناسِ والأوقاتِ والأمكنةِ. * ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ بما يعدُّ كسوةً، وقُيِّدَ ذلكَ بكسوةٍ تُجزئُ في الصلاةِ.

стр. 204

* ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ صغيرٍ أو كبيرٍ، ذكرٍ أو أنثَى، بشرطِ أنْ تكونَ الرقبةُ مؤمنةً، كما في الآيةِ المقيدةِ بالإيمانِ (١)، وأنْ تكونَ تلكَ الرقبةُ سليمةً من العيوبِ الضارةِ بالعملِ. فمتى كفَّرَ بواحدٍ من هذهِ الثلاثةِ انحلَّتْ يمينهُ؛ وهذا من نعمةِ اللهِ على هذهِ الأمَّةِ أنهُ فرَضَ لهم تَحِلَّةَ أيمانِهم، ورفَعَ عنهم الإلزامَ والجناحَ. * ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ واحدًا من هذهِ الثلاثةِ فعليهِ ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: متتابعةً معَ الإمكانِ، كما قُيدَتْ في قراءةِ بعضِ الصحابةِ. * ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ عن أنْ تحلفوا باللهِ وأنتم كاذبونَ، وعن كثرةِ الأيمانِ، لاسيما عندَ البيعِ والشراءِ، واحفظُوها إذا حلَفْتم عن الحنثِ فيها، إلا إذا كان الحنثُ خيرًا من المضيِّ فيها، كما قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أي: لا تقولُوا: إنَّنا قدْ حلَفْنا على تركِ البرِّ، وتركِ التقوى، وتركِ الإصلاحِ بينَ الناسِ؛ فتجعلُوا أيمانَكم مانعةً لكم من هذهِ الأمورِ التي يحبُّها اللهُ ورسولهُ، بلْ احنَثُوا وكفِّرُوا وافعلُوا ما هوَ خيرٌ وبرٌّ وتقوى. واحفظُوا أيضًا أيمانَكم إذا حلَفْتم وحنَثْتم بالكفارةِ؛ فإنَّ الكفارةَ بها حفظُ اليمينِ الذي معناهُ تعظيمُ المحلوفِ بهِ، فمَن كان يحلفُ ويحنثُ ولا يكفِّرُ فما حفظَ يمينَهُ، ولا قامَ بتعظيمِ ربهِ. * ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ المبيِّنةِ للحلالِ من الحرامِ، الموضحةِ للأحكامِ. * ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فعلى العبادِ أنْ يشكرُوا ربَّهم على بيانهِ وتعليمهِ لهم ما لم يكونُوا يعلمونَ؛ فإنَّ العلمَ أصلُ النعمِ وبهِ تتمُّ.

стр. 205

فصل في آيات في الأطعمة ونحوها والصيود وتوابعها ١ - قالَ اللهُ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآية، وبعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]. * دلَّتْ هذهِ الآياتُ الكريماتُ على أنَّ الأصلَ في الأشياءِ الحلُّ، من طعامٍ وشرابٍ وغيرِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى خلَقَ لنا ما في الأرضِ جميعًا، ننتفعُ بهِ بكلِّ وجوهِ الانتفاعاتِ، من أكلٍ وشربٍ واستعمالٍ، وفصَّلَ لنا ما حرَّمَ علينا، فما لم يُذكَرْ في الكتابِ والسنةِ تحريمهُ فهوَ حلالٌ، وأباحَ لنا كلَّ طيبٍ، وحرَّمَ علينا كلَّ خبيثٍ.

стр. 206

* فمِن الخبائثِ المحرمةِ: * الميتةُ، سوى ميتةِ الجرادِ والسمكِ، وهيَ: ما ماتَ حتفَ أنفهِ، أو ذُكِّيَ ذكاةً غيرَ شرعيةٍ. * والدمُ المسفوحُ، كما قيدَتْهُ الآيةُ الأخرى، وأمَّا الدمُ الذي يبقَى في اللحمِ والعروقِ بعدَ الذبحِ فإنهُ طيبٌ حلالٌ. * ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] بأنْ ذُبِحَ لغيرِ اللهِ: من أصنامٍ أو ملائكةٍ، أو إنسٍ، أو جنٍّ، أو غيرِها من المخلوقاتِ. * ومِن الخبائثِ: كلُّ ذي نابٍ من السباعِ، وكلُّ ذي مخلبٍ من الطيرِ، كما صحَّ بذلكَ الحديثُ عن النبيِّ ﷺ (١). * ومن الميتةِ: ﴿المُنْخَنِقَةُ﴾ أي: التي تُخنقُ بالحبالِ أو غيرِها، أو تختنقُ فتموتُ. * ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ وهيَ التي تُضربُ بالحصى أو بالعصا حتى تموتَ، ومِن هذا إذا رمَى صيدًا فأصابَ الصيدَ بعرضِهِ فقتلَهُ. * ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ وهيَ التي تسقطُ من موضعٍ عالٍ كسطحٍ وجبلٍ؛ فتموتُ. * ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي تنطحُها غيرُها فتموتُ بذلكَ. * وما أكلَهُ ذئبٌ أو غيرُهُ من السباعِ.

стр. 207

وكلُّ هذهِ المذكوراتِ إذا لم تدرَكْ ذكاتُها (١)، فإنْ أدرَكَها حيةً فذكَّاها حلَّتْ؛ لقولهِ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وسواءٌ غلَبَ على الظنِّ بقاؤهُ أو تلفهُ إذا لم يُذكَّ أم لا. * ومن المحرماتِ: الحشراتُ، وخَشاشُ الأرضِ من فأرةٍ وحيةٍ ووزَغٍ، ونحوها من المستخبثةِ شرعًا وطبًّا. * ومن المحرماتِ: ما ذُكِّيَ ذكاةً غيرَ شرعيةٍ: • إما أنَّ الذابحَ غيرُ مسلمٍ ولا كتابيٍّ. • وإما أنْ يذبحَها في غيرِ محلِّ الذبحِ وهيَ مقدورٌ عليها. • وإما ألَّا يقطعَ حلقومَها ومَرِيَّها. • وإما أنْ يذبحَها بغيرِ ما ينهرُ الدمَ، أو بعظمٍ أو ظُفُرٍ. * وما أمَرَ الشارعُ بقتلهِ أو نهَى عن قتلهِ دلَّ على تحريمهِ وخبثهِ. * وكلُّ هذهِ الأشياءِ تحريمُها في حالِ السعةِ، وأما إذا اضطرَّ إليها غيرَ باغٍ لأكلِها قبلَ أنْ يضطرَّ، ولا متعدٍّ إلى الحرامِ، وهوَ يقدرُ على الحلالِ؛ فإنهُ إذا اضطرَّ إليها ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]، مِنْ رحمتهِ أباحَ المحرماتِ في حالِ الضرورةِ. * ومن رحمتهِ وسَّعَ لعبادهِ طرقَ الحلالِ: * فأباحَ الصيدَ إذا جُرِحَ في أيِّ موضعٍ من بدنهِ. * وأباحَ صيدَ السهامِ إذا سمَّى الرامِي عندَ رميِها.

стр. 208

* وأباحَ أيضًا صيدَ الكلابِ المعلَّمةِ والطيورِ المعلَّمةِ؛ والتعليمُ يختلفُ باختلافِ الحيواناتِ، قالَ العلماءُ: تعليمُ الكلبِ: • أنْ يَسترسِلَ إذا أُرسِلَ. • ويَنزجِرَ إذا زُجِرَ. • وإذا أمسكَ لم يأكلْ من صيدهِ؛ لقولهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] أي: عندَ إرسالِها لقصدِ الصيدِ.

стр. 209

فصل في جوامع الحكم والقضايا (١) في الأصول والفروع ١ - قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. * الحكمُ بينَ الناسِ بالحقِّ والقسطِ هوَ الحكمُ بما أنزلَ اللهُ، وهوَ الردُّ إلى اللهِ ورسولهِ (٢)؛ فإنَّ هذهِ الآياتِ يصدِّقُ بعضُها بعضًا، وتدلُّ على: * أنَّ الحقَّ والعدلَ لا يخرجُ عما جاءَ بهِ الرسولُ. * وأنَّ حكمَ اللهِ ورسولهِ أحسنُ الأحكامِ على الإطلاقِ، أي: أعدلُها وأقومُها وأصلحُها وأحسمُها للشرورِ، وأعظمُ أحكامٍ تُوسِّلَ بها إلى تحصيلِ المصالحِ، ودرءِ المفاسدِ. * وأنَّ ردَّ مسائلِ النزاعِ والاختلافاتِ الدينيةِ والدنيويةِ إلى اللهِ والرسولِ خيرٌ في الحالِ، وأحسنُ عاقبةً.

стр. 210

* وأنَّ كلماتِ اللهِ تمَّتْ وكملَتْ من كلِّ وجهٍ، صدقًا في أخبارِها، عدلًا في أحكامِها وأوامرِها ونواهِيها؛ فكلُّ مسألةٍ خارجةٍ عن العدلِ إلى الظلمِ، وعن الصلاحِ إلى الفسادِ؛ فليسَتْ من الشرعِ. وقدْ جاءَ شرعُ اللهِ محكمَ الأصولِ والفروعِ، موافقًا للمعقولِ الصحيحِ والاعتبارِ والميزانِ العادلِ. * وقدْ حكمَ اللهُ ورسولهُ بأحكامٍ متنوعةٍ متفرعةٍ عن هذا الأصلِ العظيمِ، وتفصيلٍ لمجملهِ: * فحَكَمَ اللهُ بأنَّ إقرارَ مَنْ عليهِ الحقُّ معتبرٌ في القليلِ والكثيرِ، كما تقدَّمَ التنبيهُ عليهِ في آيةِ الدَّينِ. * وحكَمَ بأنَّ البينةَ على المدَّعي لإثباتِ حقٍّ، أو المدِّعِي براءةَ الذمةِ من الحقوقِ الثابتةِ، وأنَّ اليمينَ على مَنْ أنكرَ. وهاتانِ القاعدتانِ عليهما مدارُ جمهورِ القضايا: • اعتبارُ إقرارِ مَنْ عليهِ الحقُّ إذا كان جائزَ التصرفِ. • وتكليفُ المدعينَ كلِّهم بالبيناتِ. والبينةُ شرعًا: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما بيَّنَ الحقَّ. والبيانُ مراتبُ، بعضُها يصلُ إلى درجةِ اليقينِ، وبعضُها كالقرائنِ وشواهدِ الأحوالِ توصلُ إلى غلبةِ الظنِّ. والترجيحاتُ كثيرةٌ جدًّا، وعندَ تساوي الترجيحاتِ ومقاديرِ الأشياءِ وكمياتِها بالتوسطِ بينَها؛ إما بقسمتِها متساويةً، وجعلِ الزيادةِ والنقصِ بحسبِ ذلكَ، وإلَّا بالقرعةِ إذا تعذرَتِ القسمةُ.

стр. 211

* ومن أحكامِ الشارعِ العادلةِ: إلغاؤهُ المعاملاتِ الظالمةَ الجائرةَ: كأنواعِ الغَرَرِ والظلمِ والميلِ على أحدِ المتعاملَينِ بغيرِ حقٍّ. * ومن أحكامهِ الكليةِ: اعتبارهُ التراضيَ بينَ المتعاملين في عقودِ المعاوضاتِ، وفي عقودِ التبرعاتِ، وأنهُ لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ أو معاهدٍ إلا بطيبِ نفسهِ. * ومن أحكامهِ الكليةِ: منعُ الضررِ والإضرارِ بغيرِ حقٍّ في كلِّ معاملةٍ وخلطةٍ وجوارٍ واتصالٍ. * ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ على العمَّالِ تكميلَ أعمالِهم بغيرِ نقصٍ، وعلى مَنْ عُمِلَ لهم تكميلَ أجورِهم. * ومن أحكامهِ الكليةِ: إيجابهُ الوفاءَ بالعقودِ والشروطِ التي يشترطها أحدُ المتعاقدينِ على الآخرِ في أبوابِ العقودِ كلِّها، مما لكلٍ منهما أو لأحدِهما فيه مصلحةٌ، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّمَ حلالًا، فهذا قدْ أهدرَهُ الشارعُ وألغاهُ وقالَ: «مَنْ عَمِلَ عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فهوَ ردٌّ» (١). * ومن أحكامهِ الكليةِ: اعتبارُ المقاصدِ والنياتِ في أبوابِ المعاملاتِ والأعمالِ، كما تُعتبرُ في بابِ العباداتِ، وبهذا الأصلِ أُبطِلَ جميعُ الحيلِ التي يُتوسَّلُ بها إلى فعلِ محرمٍ، أو إسقاطِ حقِّ مسلمٍ ونحوِها. * ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ جميعَ العقودِ اللازمةِ والجائزةِ: عقودِ المعاوضةِ، وعقودِ التبرعِ، وكذلكَ الفسوخُ؛ تنعقدُ بما دلَّ عليها مِنْ الألفاظِ التي يتعارفُها المتعاقدانِ، ومِن الأفعالِ الدالةِ على ذلكَ.

стр. 212

* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ تلفَ الشيءِ بيدِ الظالمِ -كالغاصبِ ونحوهِ- فيه الضمانُ، فرَّطَ أو لم يفرِّطْ؛ فإنَّ ثبوتَ يدهِ على وجهِ الظلمِ والعدوانِ، وأنَّ تلفَ الشيءِ تحتَ يدِ الأمينِ لا ضمانَ فيه إنْ لم يفرِّطْ أو يتعدَّ. * ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ الشيءَ المشكوكَ فيه يُرجَعُ فيه إلى اليقينِ في العباداتِ والمعاملاتِ، فمَن ادَّعى الأصلَ فقولهُ مقبولٌ، ومَن ادَّعى خلافَ الأصلِ لم يُقبَلْ إلا ببينةٍ. وأنَّ الأصلَ بقاءُ ما كان على ما كان، والأصل براءةُ الذمةِ حتى يتيقنَ اشتغالُها، كما أنَّ الأصلَ بقاءُ ما كان ثابتًا في الذمةِ حتى يُتيقَّنَ البراءةُ بوفاءٍ أو إسقاطٍ أو سقوطٍ. وأنَّ الأصلَ في عقودِ المسلمينَ الصحةُ والسلامةُ حتى نعرفَ أنهُ جرَى ما يفسدُها. * ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ جميعَ الأحكامِ -من أصولٍ وفروعٍ- لا تتمُّ وتكملُ ويحصلُ مقتضاها إلا باجتماعِ شروطِها وأركانِها ومقوماتِها، وانتفاءِ موانعِها ومفسداتِها. * ومن أحكامهِ الكليةِ: وجوبُ المماثلةِ في المتلفاتِ والمضموناتِ بمثلِها إنْ أمكنَ المثلُ، وبالقيمةِ إنْ تعذَّرَ المثلُ. وكذلكَ الأعمالُ، فمَن عَمِلَ لغيرهِ عملًا بعِوضٍ لم يسمَّ، أو سُمِّيَ تسميةً فاسدةً، أو جهلَتِ التسميةُ، أو عاوضَهُ معاوضةً تعذَّرَ معرفةُ الِعوضِ فيها؛ فإنهُ يُرجَعُ في ذلكَ إلى أجرةِ المثلِ، وعِوضِ المثلِ. * ومن أحكامهِ الكليةِ: وجوبُ العدلِ بينَ الأولادِ والزوجاتِ، ووجوبُ العدلِ بينَ ذوِي الحقوقِ الذينَ لا مزيةَ لواحدٍ منهم على الآخرِ: • كالعولِ الداخلِ على أهلِ الفروضِ بالسويةِ.

стр. 213

• وكقسمةِ المالِ بينَ الغرماءِ إذا لم يفِ بحقوقِهم، يُعطونَ على قدرِ حقوقِهم إذا لم يكنْ لأحدِهم مزيةُ رهنٍ ونحوهِ. • وكاشتراكِ الملَّاكِ في الزيادةِ المترتبةِ عليها على قدرِ أملاكِهم، والنقصِ على قدرِ أملاكِهم إذا اعتراها نقصٌ، وسواءٌ كان النقصُ بحقٍّ تعلَّقَ بها، أو بتلفٍ، أو خسارةٍ، أو وقعَ ظلمًا؛ فإنهم يشتركونَ في الزيادةِ والنقصِ على قدرِ أملاكِهم. * ومن أحكامهِ الكليةِ: إثباتُ الخيارِ في كلِّ عقدٍ ظهَرَ في العِوضِ المعينِ أو المعوَّضِ عيبٌ ينقصهُ؛ وأنهُ إذا لم يمكن الردُّ تعيَّنَ الأَرْشُ (١) وإسقاطُ النقصِ. وعلى الصحيحِ لا فرقَ بينَ البيوعِ وغيرِها؛ فإنَّ هذا من قاعدةِ العدلِ. * ومن أحكامهِ الكليةِ: جَعْلُ المجهولِ كالمعدومِ. ويندرجُ تحتَ هذا الأصلِ: • الأموالُ التي جهلَ ملاكُها أنهُ يتصدَّقُ بها عنهم، أو تُبذلُ في المصالحِ نيابةً عنهم. • وتملكُ اللقطةِ. • ومن ماتَ لا وارثَ لهُ بفرضٍ ولا تعصيبٍ ولا رحمٍ؛ تَرِكَتُهُ (٢) في بيتِ المالِ للمصالحِ العامةِ؛ جعلًا للمجهولِ في ذلكَ كالمعدومِ. * ومن أحكامهِ الكليةِ: الرجوعُ إلى العرفِ إذا تعذرَ التعيينُ شرعًا ولفظًا، كالرجوعِ للعرفِ في نفقةِ الزوجاتِ والأقاربِ والأُجَراءِ، وكالشروطِ العرفيةِ في المعاملاتِ إذا اطردَتْ بينَ الناسِ، وكالقبضِ والحرزِ ونحوِها مما لا يعدُّ ولا يُحصَى.

стр. 214

* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ الأصلَ في العباداتِ الحظرُ؛ فلا يشرعُ منها إلا ما شرعَهُ اللهُ ورسولهُ. والأصلَ في المعاملاتِ والاستعمالاتِ كلِّها الإباحةُ؛ فلا يحرمُ منها إلا ما حرمَهُ اللهُ ورسولهُ. وعلى هذا جميعُ أحكامِ العباداتِ والمعاملاتِ وغيرِها مما لا يمكنُ إحصاؤهُ؛ ولهذا مَنْ شرَعَ في (١) عبادةٍ لم تنقَلْ عن الشارعِ فهوَ مبتدعٌ، ومَن حرَّمَ من العاداتِ شيئًا لم يرِدْ عن الشارعِ فهوَ مبتدعٌ. * ومن أحكامهِ الكليةِ: حثُّهُ على الصلحِ والإصلاحِ بينَ مَنْ بينَهم حقوقٌ، وخصوصًا عندَ اشتباهِها، أو عندَ تناكرِهما، وإذا تعذَّرَ استيفاءُ الحقِّ كلِّهِ أو تعسَّرَ؛ فقدْ شُرِعَ في ذلكَ كلِّهُ الصلحُ بالعدلِ، وسلوكُ الحالةِ المناسبةِ لتلكَ القضيةِ بما تقتضيهِ الحالُ، وفيهِ من الفوائدِ والثمراتِ الطيبةِ ما لا يعدُّ ولا يُحصَى. * ومن أحكامهِ الكليةِ: اعتبارُ العدالةِ في الشهودِ، وأنْ يكونُوا ممنْ يُرضَى مِنْ الشهداءِ، وذلكَ يختلفُ باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ، فالشارعُ اعتبرَ شهادةَ العَدْلِ المَرْضيِّ من الشهداءِ، وأسقطَ شهادةَ الكاذبِ والقاذفِ قبلَ التوبةِ، وأمَرَ بالتثبتِ في خبرِ الفاسقِ، وكذلكَ المجهولُ؛ لأنهُ اعتبرَ المَرْضيَّ العَدْلَ عندَ الناسِ، فلابدَّ من تحقيقِ هذا الوصفِ. وأما عددُ الشهودِ ونصابُها فذلكَ يختلفُ باختلافِ المشهودِ بهِ، كما فصَّلَهُ أهلُ العلمِ.

стр. 215

* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ مَنْ سبَقَ إلى مباحٍ فهوَ أحقُّ بهِ؛ فيدخلُ في هذا: • السبقُ إلى الجلوسِ في المساجدِ والأسواقِ والأفنيةِ. • ويدخلُ فيه: السبقُ إلى النزولِ في المساكنِ والأوقافِ التي لا تتوقفُ على نظرِ ناظرٍ. • ويدخلُ في ذلكَ: السبقُ إلى المباحاتِ من الصيودِ البريةِ والبحريةِ، وإلى ما يستخرجُ من البحارِ والمعادنِ، وإلى الاحتشاشِ والاحتطابِ وغيرِ ذلكَ، وإلى إحياءِ المواتِ وغيرِها من المسائلِ المتنوعةِ الداخلةِ في هذا الأصلِ. * ومن أحكامهِ الكليةِ: قبولُ قولِ الأمناءِ على ما في أيدِيهم مما هم عليهِ أولياءُ مِنْ قِبلِ الشارعِ، أو قِبلِ المالكِ بالوكالةِ أو الوصايةِ أو النظارةِ للأوقافِ، فكلُّ هؤلاءِ مقبولٌ قولُهم فيما يدَّعونَهُ من داخلٍ وخارجٍ ومصرفٍ ونحوهِ، إذا كان ذلكَ ممكنًا، وهذا معنى تأمينِهم وتولِّيهم وولايتِهم. واعلَمْ أنَّ قبولَ قولِ هؤلاءِ في هذهِ الأمورِ لا يمنعُ محاسبتَهم، وطلبَ الوقوفِ على كيفيةِ تلكَ المصارفِ الداخليةِ والخارجيةِ، وتبيينَ وجهِ النقصِ والتلفِ ونحوِ ذلكَ؛ ليستظهِرَ بذلكَ على صدقِهم وكذبِهم. وأما تمكينُهم من إطلاقِ سراحِهم بحجةِ أنهم أمناءُ مقبولٌ قولُهم؛ فهذا غلطٌ على الشريعةِ، وعلى الحقيقةِ؛ فالشارعُ حاسَبَ عمَّالَهُ واستدرَكَ عليهم، والحقيقةُ والوقوفُ عليها مطلوبٌ باتفاقِ أهلِ الاعتبارِ؛ فكم من أمينٍ ظهرَتْ خيانتهُ يقينًا حينَ استدرِكَ عليهِ! * ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ الواجبَ يُسقطُ بالعجزِ عنهُ بالكليةِ، وأنهُ إذا قدرَ على بعضِ الواجبِ وجبَ عليهِ ما يقدرُ عليهِ منهُ، وسقطَ عنهُ ما يعجزُ عنهُ، وهذا مطردٌ في العباداتِ والحقوقِ الواجبةِ وغيرِها، كما أنَّ الضرورةَ تبيحُ المحظورَ وتُقدرُ بقدرِها.
следующие страницы →