← Тафсир

Тафсир · id 1461

تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن - ت المزيد

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (426 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٦ - ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. * هذهِ الآياتُ الكريمةُ قدْ اشتملَتْ على كثيرٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى التي عليها مدارُ التوحيدِ والاعتقادِ. * فأخبرَ أنهُ المألوهُ الذي لا يستحقُّ العبادةَ سواهُ؛ وذلكَ لكمالهِ العظيمِ، وإحسانِهِ الشاملِ، وتدبيرهِ العامِّ، وحِكَمِهِ الشاملةِ؛ فهوَ الإلهُ الحقُّ، وما سواهُ فعبوديتهُ باطلةٌ؛ لأنهُ خالٍ من الكمالِ، ومن الأفعالِ التي فيها النفعُ والضرُّ. * ووصَفَ نفسَهُ بالعلمِ المحيطِ بما حضرَ وغابَ، وما مضَى وما يستقبلُ وما هوَ حاضرٌ، وما في العالمِ العلويِّ وما في العالمِ السفليِّ، وما ظهرَ وما بطنَ، فلا تخفَى عليهِ خافيةٌ في مكانٍ من الأمكنةِ، ولا زمانٍ من الأزمنةِ. ومن كمالِ علمهِ وقدرتهِ: أنهُ يعلمُ ما تنقصُ الأرضُ من الأمواتِ، وما تفرَّقَ من أجزائِهم، وما استحالَ من حالٍ إلى حالٍ، أحاطَ علمًا بذلكَ على وجهِ التفصيلِ، فلا يعجزُهُ إعادتُهم للبعثِ والجزاءِ. * ووصَفَ نفسَهُ بأنه: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ الذي وسعَتْ رحمتهُ الخليقةَ بأسرِها، وملأَتِ الوجودَ كلَّهُ. * ووصَفَ نفسَهُ بأنه: ﴿الْمَلِكُ﴾: وهوَ الذي لهُ الملكُ التامُّ المطلقُ، لهُ صفاتُ الملكِ التي هيَ نعوتُ العظمةِ والكبرياءِ والعزِّ والسلطانِ، ولهُ التصرفُ المطلقُ في جميعِ

стр. 37

الممالكِ، الذي لا ينازِعهُ فيه منازعٌ، والموجوداتُ كلُّها عبيدهُ وملكهُ، ليسَ لهم من الأمرِ شيءٌ. * وأخبَرَ أنه: ﴿الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ أي: المُقَدَّسُ المُعَظَّمُ، السالمُ من جميعِ العيوبِ والنقائصِ المنافيةِ لكمالهِ. * ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: المُصَدِّقُ لرسلهِ وأنبيائهِ بما جاؤُوا بهِ من الآياتِ البيناتِ، والبراهينِ القاطعاتِ، والحججِ الواضحاتِ، الذي لهُ العلمُ كلُّهُ، ويَعلمُ مِنْ أوصافهِ المقدسةِ، ونعوتهِ العظيمةِ، ما لا يعلمهُ بشرٌ ولا مَلَكٌ، ويُحِبُّ نفسَهُ وما هوَ عليهِ من الجلالِ والجمالِ. * ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي له العزةُ كلُّها: * عزةُ القوةِ والقدرةِ، فهوَ القويُّ المتينُ. * وعزةُ القهرِ والغلبةِ لكلِّ مخلوقٍ؛ فكلُّهم نواصِيهم بيدهِ، وليسَ لهم من الأمرِ شيءٌ. * وعزةُ الامتناعِ، الذي تَمَنَّعَ بعزتهِ عن كلِّ مخلوقٍ، فلا يُعارَضُ ولا يُمانَعُ، وليسَ لهُ نديدٌ ولا ضديدٌ. * ﴿الْجَبَّارُ﴾ الذي قهرَ جميعَ المخلوقاتِ، ودانَتْ لهُ الموجوداتُ، واعتلَى على الكائناتِ، وجبرَ بلطفهِ وإحسانهِ القلوبَ المنكسراتِ. * ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ عن النقائصِ والعيوبِ، وعن مشابهةِ أحدٍ مِنْ خلقهِ ومماثلتِهم؛ لعظمتهِ وكبريائهِ.

стр. 38

* ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: وهذا تنزيهٌ عامٌّ عن كلِّ ما وصَفَهُ به مَنْ أَشركَ بهِ ولم يقدرْهُ حقَّ قدرهِ. * ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ لجميعِ المخلوقاتِ. * ﴿الْبَارِئُ﴾ بحكمتهِ ولطفهِ لجميعِ البرياتِ. * ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ بحُسْنِ خَلْقِهِ لجميعِ الموجوداتِ، أعطَى كلَّ شيءٍ خلقَهُ، ثم هدَى كلَّ مخلوقٍ وكلَّ عضوٍ لما خُلِقَ لهُ وهُيِّئَ لهُ. * فاللهُ تعالى قدْ تفرَّدُ بهذهِ الأوصافِ المتعلقةِ بخلقهِ، لم يشارِكْهُ في ذلكَ مشاركٌ، وهذا من براهينِ توحيدهِ، وأنَّ مَنْ تفرَّدَ بالخلقِ والبَرْءِ والتصويرِ فهوَ المستحقُّ للعبوديةِ ونهايةِ الحبِّ وغايةِ الخضوعِ. * ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: وقدْ وردَ في الحديثِ الصحيحِ: «إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، مائةً إلا واحدًا، مَنْ أَحْصاها دَخَلَ الجنةَ» (١) يعني: أحصَى ألفاظَها، وحَفِظَها، وعَقَلَها، وتعبَّدَ للهِ بها. فهوَ تعالى الذي لهُ كلُّ اسمٍ حسنٍ، وكلُّ صفةِ جلالٍ وكمالٍ؛ فيستحقُّ مِنْ عبادهِ كلَّ إجلالٍ وتعظيمٍ وحبٍّ وخضوعٍ. * ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: مِنْ المكلفينَ، والحيواناتِ، والأشجارِ، والجماداتِ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. * ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في خلقهِ وشرعهِ.

стр. 39

٧ - بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. * أي: ﴿قُلْ﴾ قولًا جازمًا فيه، معتقدًا لهُ، عارفًا بمعناهُ، عاملًا بمقتضاهُ من الإيمانِ باللهِ، والتعظيمِ والخضوعِ. * ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: الذي انحصرَتْ فيه الأَحَدِيَّةُ، وهيَ: التفرُّدُ بكلِّ صفةِ كمالٍ، الذي لا يشاركهُ في ذلكَ مشاركٌ، الذي لهُ الأسماءُ الحسنى والصفاتُ العُلَى، والأفعالُ المقدسةُ، والتصرفُ المطلقُ. * ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أي: السيدُ الذي قدْ انتهَى سؤددُهُ، العليمُ الذي قدْ كملَ علمهُ، الحليمُ الذي قدْ كملَ في حلمهِ وفي قدرتهِ وفي جميعِ أوصافِ كمالهِ؛ ولأجلِ هذا صمدَتْ لهُ المخلوقاتُ كلُّها، وقصدَتْهُ في كلِّ حاجاتِها، وفزعَتْ إليهِ الخليقةُ في مهماتِها ومُلِمَّاتِها. * فالصمدُ هوَ: الذي صمدَتْ لهُ المخلوقاتُ؛ لما اتصفَ بهِ من جميعِ الكمالاتِ، ومِن كمالهِ أنهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾؛ لأنهُ الغنيُّ المالكُ، فاتخاذُ الولدِ ينافِي ملكَهُ وغناهُ. * ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: ليسَ لهُ مكافئٌ ولا مثيلٌ في أسمائهِ وصفاتهِ وأفعالهِ، ﵎. * فهذهِ السورةُ أصلٌ عظيمٌ من أصولِ الإيمانِ، وقدْ تضمنَتْ توحيدَ الأسماءِ والصفاتِ، ومِن لوازمِ ذلكَ توحيدُ الإلهيةِ، وأنَّ المتفردَ بالوحدانيةِ من كلِّ وجهٍ، الذي ليسَ لهُ مثيلٌ بوجهٍ من الوجوهِ؛ هوَ الذي لا تنبغِي العبادةُ إلا لَهُ، لا إلهَ إلا هوَ.

стр. 40

٨ - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. * يخبرُ تعالى -وهو أصدقُ القائلينَ- أنه: ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: متوحدٌ منفردٌ في ذاتهِ وأسمائهِ وصفاتهِ وأفعالهِ؛ فليسَ لهُ شريكٌ، ولا سَمِيَّ لهُ، ولا كفوَ ولا مثلَ ولا نظيرَ ولا خالقَ ولا مدبرَ غيرُهُ. * فإذا تقررَ أنهُ كذلكَ فهوَ المستحقُّ لأنْ يُؤلهَ ويعبدَ بجميعِ أنواعِ العبادةِ، ولا يُشركَ بهِ أحدٌ من خلقهِ؛ لأنهُ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: المتصفُ بالرحمةِ العظيمةِ، التي لا يماثلُها رحمةُ أحدٍ؛ فقدْ وسعَتْ كلَّ شيءٍ، وعمَّتْ كلَّ حيٍّ: * فبرحمتهِ وُجدَتِ المخلوقاتُ. * وبرحمتهِ حصلَتْ لها أنواعُ الكمالاتِ. * وبرحمتهِ اندفعَ عن العبادِ كلُّ نقمةٍ. * وبرحمتهِ عَرَّفَ عبادَهُ نفسَهُ بصفاتهِ وآلائهِ. * وبيَّنَ لهم كلَّ ما يحتاجونَهُ من أمورِ دينِهم، ومصالحِ دنياهم؛ بإرسالِ الرسلِ وإنزالِ الكتبِ. * فإذا عُلِمَ أنَّ ما بالعبادِ من نعمةٍ دقَّتْ أو جلَّتْ فمن اللهِ، وأنَّ أحدًا من المخلوقينَ لا ينفعُ أحدًا؛ عُلِمَ أنهُ لا يستحقُّ العبادةَ إلا المتفردُ بالنعمِ، الدافعُ للمكارهِ، وتعيَّنَ على العبادِ أنْ يفردوهُ بالمحبةِ والخوفِ والرجاءِ والتعظيمِ والتوكلِ، وغيرِ ذلكَ من أنواعِ الطاعاتِ. * وإنَّ مِنْ أظلمِ الظلمِ وأقبحِ القبيحِ وأعظمِ الضلالِ: أنْ يعدلَ عن عبادتهِ إلى عبادةِ العبيدِ، وأنْ يُشركَ المخلوقينَ من ترابٍ بالربِّ العظيمِ، وأنْ يُسوَّى المخلوقُ

стр. 41

العاجزُ القاصرُ الناقصُ من كلِّ وجهٍ، بالربِّ الخالقِ المدبرِ القويِّ، الذي قهرَ كلَّ شيءٍ، وخضعَتْ لهُ الرقابُ. * ففي هذهِ الآيةِ: إثباتُ وحدانيةِ البارئِ وإلهيتهِ وتقريرُها بنفيها عن غيرهِ من المخلوقينَ، والاستدلالُ على ذلكَ بتفردهِ بالرحمةِ، التي من آثارِها جميعُ البرِّ والإحسانِ في الدنيا والآخرةِ، ثم ذكرَ اللهُ الأدلةَ التفصيليةَ بقولهِ:

стр. 42

٩ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]. * أخبرَ تعالى أنَّ في هذهِ المخلوقاتِ العظيمةِ آياتٍ -أي: أدلةً- على وحدانيةِ البارِي وإلهيتهِ، وعظيمِ سلطانهِ ورحمتهِ، وسائرِ صفاتهِ، وآيةً على البعثِ والجزاءِ. * ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لهم عقولٌ يُعملونَها فيما خُلقَتْ لهُ، فعلى حسبِ ما مَنَّ اللهُ على عبدِهِ من العقلِ، وصرفَهُ في التفكرِ في الآياتِ؛ ينتفعُ بها ويعرفُها ويعقلُها بعقلهِ وفكرهِ وتدبرهِ. * ففي خلقِ السمواتِ: في ارتفاعِها واتساعِها وإحكامِها وإتقانِها، وما جعلَ اللهُ فيها من الشمسِ والقمرِ والنجومِ، وجريانِها بانتظامٍ عجيبٍ لمصالحِ العبادِ؛ وفي خلقِ الأرضِ وجعلِها مهادًا للخلقِ يمكنُهم القرارُ عليها، والانتفاعُ بما عليها والاعتبارُ - ما يدلُّ ذلكَ على انفرادِ اللهِ بالخلقِ والتدبيرِ، وبيانِ قدرتهِ العظيمةِ التي بها خلَقَها، وحكمتهِ التي بها أتقنَها وأحسنَها ونظمَها، وعلمهِ ورحمتهِ التي بها أودَعَ ما أودعَ فيها من منافعِ الخلقِ ومصالحِهم وضروراتِهم وحاجاتِهم؛ وفي ذلكَ أبلغُ دليلٍ وبرهانٍ على كمالهِ من كلِّ وجهٍ، وأنْ يُفرَدَ بالعبادةِ؛ لانفرادهِ بالخلقِ والتدبيرِ والقيامِ بشؤونِ عبادهِ. * وفي اختلافِ الليلِ والنهارِ: وهوَ: تعاقبُهما على الدوامِ، إذا ذهبَ أحدُهما خلفَهُ الآخرُ، وفي اختلافِهما في الحرِّ والبردِ والتوسطِ، وفي الطولِ والقصرِ والتوسطِ، وما ينشأُ عن ذلكَ من الفصولِ، التي بها انتظامُ مصالحِ الآدميينَ وحيواناتِهم وأشجارِهم وزروعِهم والنوابتِ كلِّها، كلُّ ذلكَ بتدبيرٍ وتسخيرٍ تَحيرُ في حسنهِ العقولُ، ويَعجزُ

стр. 43

عن إدراكِ كنههِ الرجالُ الفحولُ، وذلكَ يدلُّ على قدرةِ مصرفِها، وسعةِ علمهِ، وشمولِ حكمتهِ، وعمومِ رحمتهِ ولطفهِ الشاملِ، وعظمتهِ وكبريائهِ وسلطانهِ العظيمِ، يضطرُّ (١) العباد إلى معرفةِ ربِّهم، وإخلاصِ العبادةِ لهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ. * وفي الفلكِ التي تجرِي في البحرِ: وهيَ: السفنُ والمراكبُ ونحوُها مما ألهمَ اللهُ عبادَهُ صنعتَها، وأقدرَهم عليها بتيسيرِ أسبابِها، ثم سخَّرَ لها هذا البحرَ العظيمَ، والرياحَ التي تحملها بما فيها من الركابِ والأموالِ والبضائعِ التي هيَ من منافعِ الناسِ، وبها تنتظمُ معائشُهم. فمَن الذي ألهمَهُم صنعتَها وأقدرَهم عليها، وخَلَقَ لهم من الآلاتِ المتنوعةِ ما بهِ يعملونَها؟! أمَّن الذي سخَرَ لها هذا البحرَ تجرِي فيه بإذنهِ وتسخيرهِ، والرياحَ؟! أمَّن الذي خلقَ للمراكبِ البريةِ والبحريةِ والهوائيةِ النارَ والمعادنَ المتنوعةَ المُعِيْنةَ على حملِها، وحملِ ما فيها من الأموالِ الثقيلةِ جدًّا؟! فهلْ هذهِ الأمورُ حصلَتْ صدفةً واتفاقًا؟! أم استقلَّ بعَمَلِها وخلقِ أسبابِها هذا المخلوقُ الضعيفُ العاجزُ، الذي خرجَ من بطنِ أمِّهِ لا يعلمُ شيئًا، وليسَ لهُ قدرةٌ على شيءٍ، ثم أعطاهُ خالقهُ القدرةَ، وعلَّمَهُ ما لم يكنْ يعلمُ؟! أم تقولُ -والحقَّ تقولُ-: بلْ المسخِّرُ لذلكَ الربُّ الواحدُ، العظيمُ العليمُ، الحكيمُ القديرُ، الذي لا يُعجزهُ شيءٌ، ولا يمتنعُ عليهِ شيءٌ، بلْ الأشياءُ كلُّها قدْ دانَتْ لربوبيتهِ، واستكانَتْ لعظمتهِ، وخضعَتْ لجبروتهِ.

стр. 44

وغايةُ العبدِ الضعيفِ أنْ جعلَهُ اللهُ جزءًا من أجزاءِ الأسبابِ التي بها وُجدَتْ هذهِ الأمورُ العظامُ. فهذا يدلُّ على رحمةِ اللهِ وعنايتهِ بعبادهِ، ويدعُو العبادَ إلى أنْ يعبدوهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وينيبُوا إليهِ في كلِّ حالٍ. * ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾: وهو المطرُ النازلُ من السحابِ. * ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: فأظهرَتْ أنواعَ الأقواتِ، وأصنافَ الأشجارِ والنباتاتِ، التي لا يمكنُ للعبادِ أنْ يعيشُوا بدونِها. أليسَ ذلكَ برهانًا على قدرةِ مَنْ أنزلَهُ، وأخرجَ بهِ ما أخرجَ، وعلى رحمتهِ ولطفهِ بعبادهِ، وشدةِ افتقارِ الخليقةِ إليهِ في كلِّ أحوالِهم، وهوَ يحدوُهم إلى إخلاصِ الدِّينِ لهُ، والإنابةِ إليهِ، والقيامِ بعبوديتهِ ظاهرًا وباطنًا؟! وكذلكَ هوَ دليلٌ على إحياءِ اللهِ للموتَى، كما قالَ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩]. وقدْ ذكرَ اللهُ هذا البرهانَ على البعثِ في عدةِ آياتٍ، كما ذكرَ ابتداءَ الخلقِ برهانًا على إعادتهِ، وكما ذكرَ كمالَ علمهِ وقدرتهِ، وخَلْقَ السمواتِ والأرضِ، وأنهُ جعلَ للعبادِ من الشجرِ الأخضرِ نارًا - برهانًا بيِّنًا على البعثِ. * وقولهُ: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي: نشَرَ في أقطارِ الأرضِ من الدوابِّ المتنوعةِ، وسخرَها للآدميينَ ينتفعونَ بها من وجوهٍ كثيرةٍ، ومعَ هذا فهوَ قائمٌ بأرزاقِها، متكفلٌ بأقواتِها، فما ﴿مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦].

стр. 45

* وفي تصريفِ الرياحِ: آياتٌ عظيمةٌ على وحدانيةِ اللهِ، وتفردهِ بالكمالِ المطلقِ؛ فتارةً تكون باردةً وحارةً وبينَ ذلكَ، وجنوبًا وشمالًا، وشرقًا ودَبُورًا (١) وبينَ ذلكَ، وتارةً تثيرُ السحابَ، وتارةً تؤلِّفُ بينَهُ، وتارةً تلقِّحهُ وتدرُّهُ، وتارةً تمزِّقُهُ وتزيلُ ضررَهُ، وتارةً تُرسَلُ بالرحمةِ، وتارةً تُرسَلُ بالعذابِ؛ فمَن الذي صرَّفَها هذا التصريفَ، ورتبَ عليها من المنافعِ للعبادِ شيئًا كثيرًا إلا العزيزُ الحكيمُ، الرحيمُ اللطيفُ بعبادهِ، المستحقُّ للمحبةِ والثناءِ والشكرِ والحمدِ من الخليقةِ. * وفي تسخيرِ السحابِ بينَ السماءِ والأرضِ: على خفتهِ ولطافتهِ، يحملُ الماءَ الكثيرَ، فيسوقهُ اللهُ إلى حيثُ يشاءُ، ويجعلُهُ حياةً للبلادِ والعبادِ، ويروِي بهِ التلولَ والوِهادَ، وينزلُهُ على الخلقِ وقتَ حاجتِهم إليهِ، ويصرفُ عنهم ضررَهُ، فينزلُهُ رحمةً ولطفًا، ويصرِّفهُ عنايةً وعطفًا، فما أعظمَ سلطانَهُ، وأغزرَ إحسانَهُ، وألطفَ امتنانَهُ! أليسَ من أقبحِ القبيحِ وأظلمِ الظلمِ: أنْ يتمتعَ العبادُ برزقهِ، ويعيشوا ببرِّهِ، وهم يستعينونَ بذلكَ على مساخطِهِ ومعاصيهِ؟! ومعَ ذلكَ -من كمالِ حلمهِ وعفوهِ وصفحهِ- يوالِي عليهم الإحسانَ، خيرُهُ إليهم على الدوامِ نازلٌ، وشرُّهم إليهِ في كلِّ وقتٍ صاعدٌ. * والحاصلُ: أنهُ كلَّما تدبَّرَ العاقلُ في هذهِ المخلوقاتِ، وتغلغلَ فكرهُ في بدائعِ الكائناتِ؛ عَلِمَ أنها خُلقَتْ للحقِّ وبالحقِّ، وأنها صحائفُ آياتٍ، وكتبُ براهينَ، ودلالاتٌ على جميعِ ما أخبرَ بهِ عن نفسهِ ووحدانيتهِ، وما أخبرَتْ بهِ الرسلُ مِنْ اليومِ الآخرِ، وأنها مدبَّراتٌ مسخراتٌ، ليسَ لها تدبيرٌ ولا استعصاءٌ على مدبِّرِها ومصرِّفِها؛ فتعرفُ أنَّ العالمَ العلويَّ والسفليَّ كلَّهم إليهِ مفتقرونَ، وإليهِ صامدونَ، وأنهُ الغنيُّ بالذاتِ عن جميعِ المخلوقاتِ، فلا إلهَ إلا هوَ، ولا ربَّ سواهُ.

стр. 46

* ولنقتصِرْ على هذا الأنموذجِ من الآياتِ المتعلقةِ بالتوحيدِ، معَ ما دخلَ في ضمنِها من الإيمانِ بالجزاءِ والبعثِ، وبالرسلِ والكتبِ، وقدْ قرَنَ اللهُ ذلكَ بأدلتهِ وبراهينهِ الموصلةِ إلى العلمِ التامِّ، واليقينِ الراسخِ. وبذلكَ يُعلمُ: أنَّ هذهِ الأصولَ الثلاثةَ متلازمةٌ: التوحيدَ، والرسالةَ، والمعادَ؛ كما أنَّ في ضمنِ الآياتِ المتعلقةِ بالجزاءِ [شيئًا كثيرًا] (١) من متعلقاتِ التوحيدِ والرسالةِ، فسبحانَ مَنْ جعلَ في كلامهِ الهدَى والرشادَ وإصلاحَ العبادِ!

стр. 47

فصل ١٠ - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. * هذهِ المنةُ التي امتنَّ اللهُ بها على عبادهِ المؤمنينَ أكبرُ المننِ، بلْ هيَ أصلُها، وهيَ الامتنانُ عليهم بهذا الرسولِ الكريمِ الذي جمعَ اللهُ بهِ جميعَ المحاسنِ الموجودةِ في الرسلِ. ومن كمالهِ العظيمِ: هذهِ الآثارُ التي جعلَها اللهُ نتيجةَ رسالتهِ، التي بها كمالُ المؤمنينَ علمًا وعملًا، وأخلاقًا وآدابًا، وبها زالَ عنهم كلُّ شرٍّ وضررٍ، فبعثهُ اللهُ من أنفُسِهم وأنفَسِهم وقبيلتِهم، يعرفونَ نسبَهُ أشرفَ الأنسابِ، وصدقَهُ وأمانتَهُ وكمالَهُ الذي فاقَ بهِ الأولينَ والآخرينَ، ناصحًا لهم مشفقًا، حريصًا على هدايتِهم. * ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ فيعلمُهم ألفاظَها، ويشرحُ لهم معانيَها. * ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يطهرُهم من الشركِ والمعاصِي والرذائلِ وسائرِ الخصالِ الذميمةِ، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أيضًا أي: ينمِّيهم، فيحثُّهم على الأخلاقِ الجميلةِ؛ فإنَّ التزكيةَ تتضمنُ هذينِ الأمرينِ: التطهيرَ من المساوئِ، والتنميةَ بالمحاسنِ. * ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهو القرآنُ، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ وهي السنةُ. فالكتابُ والسنةُ بهما أكملَ اللهُ للرسولِ وأمتهِ الدينَ، وبهما حصلَ العلمُ بأصولِ الدينِ وفروعهِ، وبهما حصلَتْ جميعُ العلومِ النافعةِ، وما يترتبُ عليها مِنْ الخيراتِ وزوالِ الشرورِ، وبهما حصلَ العلمُ اليقينيُّ بجميعِ الحقائقِ النافعةِ، وبهما الهدايةُ والصلاحُ للبشرِ.

стр. 48

فمحمدٌ ﷺ هوَ الإمامُ الأعظمُ المعلِّمُ لهذينِ الأمرينِ، اللذينِ ينابيعُ العلومِ كلها تتفجرُ من مَعِينِهما. فعَلَّمَ ﷺ أمتَهُ الكتابَ والحكمةَ، وأوقفَهم على حِكَمِ الأحكامِ وأسرارِها؛ فكانت حياتُهُ كلُّها -أقوالهُ وأفعالهُ وتقريراتهُ، وهديهُ، وأخلاقهُ الظاهرةُ والباطنةُ، وسيرتهُ الكاملةُ المتنوعةُ في كلِّ فنٍّ من الفنونِ- تعليمًا منهُ للمؤمنينَ، وشرحًا للكتابِ والحكمةِ. فجمعَ لهم بينَ تعليمِ الأحكامِ الأصوليةِ والفروعيةِ، وما بهِ تُدركُ وتُنالُ، والطرقِ التي تُفضِي إليها عقلًا ونقلًا وتفكيرًا وتدبرًا، واستخراجًا للعلومِ الكونيةِ من مظانِها وينابيعِها. وبيَّنَ لهم فوائدَ ذلكَ كلِّه وثمراتِه، وشَرَحَ لهم الصراطَ المستقيمَ -اعتقاداتِهِ وأخلاقَهُ وأعمالَهُ- وما لسالكهِ عندَ اللهِ من الخيرِ العاجلِ والآجلِ، وما على المنحرفِ عنهُ من العقابِ والضررِ العاجلِ والآجلِ. فكانَ خيارُ المؤمنينَ بهذا التعليمِ الصادرِ من النبيِّ الكريمِ مباشرةً وتبليغًا: من العلماءِ الربانيينَ الراسخينَ في العلمِ، ومن الهداةِ المهديينَ، ومن أكابرِ الصديقينَ. وحصلَ لسائرِ المؤمنينَ من هذا التعليمِ نصيبٌ وافرٌ من الخيرِ العظيمِ على حسبِ طبقاتِهم ومنازلِهم، وذلكَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاءُ، واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ. فخرجُوا بهذا التعليمِ من جميعِ الضلالاتِ، [وانجابَتْ] (١) عنهم الشرورُ المتنوعةُ والجهالاتُ، وتمَّ لهم النورُ الكاملُ، وانقشعَتْ عنهم الظلماتُ، فيا لها من نعمةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها، ولا يحصِي المؤمنونَ كُنْهَ شكرِها.

стр. 49

١١ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٤ - ٦]. * ذكرَ اللهُ تعالى في هذا: قَدْحَ المكذبينَ لمحمدٍ ﷺ ، وإدلاءَهم بهذهِ الشُّبهِ التي يعلمونَ ويعلمُ الناسُ بطلانَها: فزعمُوا أنهُ افترَى هذا القرآنَ (١)، وأنهُ ساعدَهُ على ذلكَ قومٌ آخرونَ؛ فردَّ اللهُ عليهم هذهِ المقالةَ المنتهيةَ في القبحِ بأنَّ هذا ظلمٌ عظيمٌ، وجراءةٌ يعجبُ السامعُ كيفَ سولَّتْ لهم أنفسُهم هذا القولَ الهراءَ، وأنهُ من الزورِ والظلمِ؛ فإنهُ قدْ كانوا يعرفونَ بلا شكٍّ صدقَهُ وأمانتَهُ التي لا يلحقُهُ فيها أحدٌ، وأنهُ لم يجتمِعْ بأحدٍ من أهلِ العلمِ، ولا رحلَ في طلبهِ، وقدْ نشأَ بينَ أمةٍ أميَّةٍ في غايةِ الجهلِ والضلالِ، وقدْ جاءَهم بهذا الكتابِ العظيمِ الذي لم يَطْرُقِ العالمَ أعظمُ منهُ، ولا أعلى معاني وأغزرُ علمًا، ولا أبلغُ من ألفاظهِ ومعانيهِ، وأتمُّ من حُكْمِهِ وحِكَمِهِ ومبانيهِ. * وقدْ تحدَّى أقصاهم وأدناهم، وأفرادَهم وجماعتَهم، وأولَهم وآخرَهم أنْ يأتيَ بمثلهِ، أو بعشرِ سورٍ من مثلهِ، أو بسورةٍ واحدةٍ من مثلهِ؛ وصرَّحَ لهم أنهم إنْ أَتَوا بشيءٍ من مثلهِ فهمَ صادقونَ، وهم أهلُ الفصاحةِ والبلاغةِ في الكلامِ؛ فعجزوا غايةَ العجزِ عن معارضتهِ والإتيانِ بمثلهِ، واتضحَ لهم ولغيرِهم عِيُّهم وعجزُهم، وتبيَّنَ بطلانُ دعواهم. وكلُّ مَنْ حاولَ أنْ يأتيَ بكلامٍ يُعارِضُ بهِ ما جاءَ بهِ الرسولُ صارَ كلامهُ ضحكةً للصبيانِ، فضلًا عن أهلِ النظرِ والعقولِ.

стр. 50

وكلُّ شبهةٍ يدلونَ بها في معارضةِ الرسولِ من حينِ يوجَّهُ لها النظرُ الصحيحُ تضمحلُّ وتزهقُ، ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. * ومن جراءتِهم أنهم قالوا: إنَّ هذا القرآنَ الذي جاءَ بهِ محمدٌ ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: ٥] من كتبِ الأولينَ المسطورةِ، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾، فيا ويحَهم! مَنْ الذي عندَهم في بطنِ مكةَ يُملِيها؟! وهلْ يوجدُ في ذلكَ الوقتِ في مكةَ أو ما حولَها كتبٌ تُملَى؟! ولو فُرِضَ وقُدِّرَ أنهُ يوجدُ أحدٌ، لِمَ يختصُّ محمدٌ وحدَهُ بالأخذِ عنهُ؟! * ولما كانتْ هذهِ مقالةَ زورٍ وافتراءٍ لا يخفى كذبُها على أحدٍ تشبَّثوا وقالوا: كانَ محمدٌ يجلسُ إلى قَيْنٍ حدَّادٍ في مكةَ فارسيٍّ فيتعلَّمُ منهُ؛ فلهذا قالَ اللهُ عنهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]: بالغٌ في البيانِ والبلاغةِ نهايتَها وغايتَها، فلا يمكنُ الجمعُ بينَ النقيضينِ: * أنْ يتعلمَهُ مِنْ هذا الأبكمِ أعجميِّ اللسانِ، الذي لم يُعرَفْ عنهُ علمٌ يُرجَعُ إليهِ، ولا معرفةٌ يَتميزُ بها. * وهذا القرآن الذي جاءَ بهِ معَ كمالِ بلاغتهِ حوَى علومَ الأولينَ والآخرينَ. * ولما كانَ هذا القولُ الذي قالوهُ والمكابرةُ التي تجرؤُوا عليها قدْ عَلِمَ الموافقُ والمخالفُ كذبَها وافتراءَها، وكانَ جميعُ أعداءِ الرسولِ لهم ورثةٌ يقومونَ بالعداوةِ للرسولِ والدينِ، ويعطونَها حقَّها ولوْ جلبَتْ عليهم ما جلبَتْ مِنْ الدخولِ في الكذبِ والافتراءِ والمكابرةِ، وقدْ عَرَفَ هؤلاءِ الأعداءُ المتأخرونَ مكابرةَ إخوانِهم الذينَ باشروا تكذيبَ الرسولِ، ورأَوا أنَّ مقالتَهم قدْ بطلَتْ واضمحلَّتْ، وبانَ زورُها لكلِّ أحدٍ؛

стр. 51

صاغَها هؤلاءِ المكذبونَ بعبارةٍ موَّهوها، وظنُّوا أنها بهذا التمويهِ تروجُ؛ فزعموا -وما أسمجَهُ وأكذبَهُ من زعمٍ! - أنَّ محمدًا كانَ يتعلَّمُ من نفسِهِ، وأنهُ كانَ يخلُو بالطبيعةِ: السماءِ والأرضِ والشمسِ والقمرِ والنجومِ، فيعطِيها لبَّهُ، ويناجِيها بقلبهِ، فيُخيَّلُ إليهِ أصنافُ التخاييلِ، فيأتِي بها إلى الناسِ زاعمًا أنها من وحيِ اللهِ على يدِ جبريلَ، وأنَ هذهِ التخيلاتِ من الأمورِ العاليةِ التي يعتادُ الإتيانُ بها أهلُ الرأيِ والحِجَا. ولما رأَوا آثارَها (١) الجليلةَ في الإسلامِ وأهلهِ، وتعاليمَهُ وتقويمَهُ للأممِ، وبهرَهم هذا النورُ العظيمُ لجاؤُوا إلى هذا التحذلقِ، الذي منتهاهُ وغايتهُ أنهم صوَّرُوا النبيَّ ﷺ ورقَّوهُ إلى رجلٍ من الطبيعيينَ، كما قالَ هذا القولَ الباطلَ أحدُ ملاحدةٍ الإفرنسيين، وتلقاها عنهُ بعضُ الملاحدةِ العصريينَ، وهوَ مبنيٌّ على إنكارِ وجودِ ربِّ العالمينَ، وأنهُ ما ثَمَّ إلا عملُ الطبيعةِ! وقدْ عَلِمَ الناسُ أنَّ هذا القولَ المزورَ أعظمُ مكابرةً ومباهتةً من قولِ الأولينَ، وأنَّ هذا الافتراءَ الذي ولَّدوهُ بعدَ مئاتِ السنينَ أوضحُ ضلالًا وظلمًا وجراءةً ووقاحةً من زُورِ الأولينَ، وأنَّ هؤلاءِ الأراذلَ الذينَ أُعجبُوا بآرائِهم وتاهُوا بعقولِهم قدْ بيَّنَ اللهُ كذبَهم فيما قالوهُ، وأنَّ عقولًا ولَّدتْ هذهِ الأقوالَ المؤتفكةَ، والخيالاتِ الفاسدةَ، والمقالاتِ الفاسدةَ - لعقولٌ سافلةٌ، وآراءٌ ساقطةٌ، يُعرَفُ فسادُها بنتائجِها، ومكابرتِها وإنكارِها أجلَى الحقائقِ؛ ولهذا قالَ تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]، فالربُّ القادرُ العظيمُ، الذي أحاطَ علمُهُ بجميعِ الأسرارِ، وعلمَ أحوالَ العبادِ حاضِرَها ومستقبلَها، فأنزلَهُ لهدايتِهم، وجعلَهُ منارًا وعلمًا يهتدِي بهِ المهتدونَ في كلِّ وقتٍ وحينٍ.

стр. 52

* فجميعُ الحقائقِ التي دعَا إليها هذا الرسولُ وهذا القرآنُ حقائقُ ثابتةٌ، نافعةٌ للعبادِ، لا يأتي من الحقائقِ ما يُغيِّرُها، ومحالٌ أنْ يأتيَ شيءٌ أصلحُ منها أو مثلُها أو يقاربُها: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. * ومن كمالِ علمهِ وقدرتهِ: أنهُ لوْ تقوَّلَ عليهِ أحدٌ بمثلِ هذهِ المقالةِ لعاجَلَهُ بالعقوبةِ، فلما أيَّدَ مَنْ جاءَ بها بنصرهِ وحججهِ، وأرَى العبادَ آياتهِ في الآفاقِ وفي أنفسِهم، التي يتبينُ بها أنهُ الحقُّ، وما سواهُ ضلالٌ - عُلِمَ بذلكَ أنَّ هذا الرسولَ أصدقُ الخلقِ وأنصحُهم وأبرُّهم وأعلمُهم وأخشاهم وأتقاهم لربِّهِ، وأنَّ أعداءَهُ المكذبينَ لهُ أكذبُ الخلقِ وأغشُّهم، وأعظمُهم جهلًا وضلالًا وغيًّا وفسادًا في كلِّ زمانٍ ومكانٍ. * ومن مكابرةِ أعداءِ الرسولِ: أنهم جعلُوا يتناقضونَ في مقالاتِهم، ويتفنَّنونَ في إفكِهم المكشوفِ كذبُهُ، فمنهم مَنْ قالَ: إنهُ مجنونٌ، ومنهم مَنْ قالَ: ساحرٌ وكاهنٌ، ومنهم مَنْ قالَ: مسحورٌ، ومنهم من قالَ: لوْ كانَ صادقًا لجاءَتِ الملائكةُ تؤيدهُ، ولوْ كانَ صادقًا لأغناهُ اللهُ عن المشيِ في الأسواقِ، وجعلَ لهُ جناتٍ وأنهارًا وأموالًا كثيرةً! وكلٌّ يعلمُ أنَّ هذهِ الأقوالَ -معَ تناقضِها- ليستْ من الشُّبهِ، فضلًا عن كونِها من الحججِ؛ ولهذا قالَ تعالى معجِّبًا: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)﴾ [الفرقان: ٩]. ومثلُ هذهِ الأقوالِ التي يذكرها اللهُ عن المكذبينَ للرسولِ هيَ بنفسِها تدلُّ على كذبِهم ومكابرتِهم قبلَ أنْ يُعرَفَ بطلانُها من الأدلةِ الأخرى، وإذا وَزنتَ هذهِ الأقوالَ الجاريةَ من الأولينَ رأيتَ نظيرَها وأقبحَ منها جاريةً من الملاحدةِ المتأخرينَ، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].

стр. 53

فما جاءَ بهِ الرسولُ من الهدَى في جميعِ أبوابِ العلومِ النافعةِ، والدينِ الحقِّ الذي هوَ الصلاحُ المطلقُ؛ أكبرُ الأدلةِ على أنهُ رسولُ اللهِ حقًّا، وأكبرُ الأدلةِ على إبطالِ كلِّ ما ناقضَهُ من أقوالِ المؤتفكينَ. والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

стр. 54

١٢ - بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ [القلم: ١ - ٧]. * يُقسِمُ تعالى ب (القلم)، وهوَ اسمُ جنسٍ شاملٌ للأقلامِ التي تُكتبُ بها أنواعُ العلومِ، ويُسطرُ بها المنثورُ والمنظومُ؛ وذلكَ أنَّ (القلمَ) وما يسطرُ بهِ من أنواعِ الكلامِ من آياتهِ العظيمةِ التي تستحقُّ أنْ يقسمَ بها على براءةِ نبيهِ محمدٍ ﷺ مما نسبَهُ إليهِ أعداؤهُ من الجنونِ، فنفى عنهُ ذلكَ، بنعمةِ ربهِ عليهِ وإحسانهِ؛ إذْ مَنَّ عليهِ بالعقلِ الكاملِ، والرأيِ السديدِ، والكلامِ الفصلِ الذي هوَ من أحسنِ ما جرَتْ بهِ الأقلامُ وسطرَهُ الأنامُ، وهذا هوَ السعادةُ في الدنيا. * ثم ذكَرَ سعادتَهُ في الآخرةِ فقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لأجرًا عظيمًا -كما يفيدهُ التنكيرُ- غيرَ مقطوعٍ، بلْ هوَ دائمٌ متتابعٌ مستمرٌّ؛ وذلكَ لِما أسلفَهُ ﷺ من المقاماتِ العاليةِ في الدينِ والأخلاقِ الرفيعةِ؛ ولهذا قالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فعَلَا ﷺ بخلُقهِ العظيمِ على جميعِ الخَلْقِ، وفاقَ الأولينَ والآخرينَ. * وكانَ خلُقُهُ العظيمُ -كما فسرَتْهُ بهِ عائشةُ ﵂ هذا القرآنَ الكريمَ، وذلكَ نحوُ قولهِ تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (١)، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، وما أشبهَهَا من الآياتِ الدالاتِ على اتصافهِ ﷺ

стр. 55

بمكارمِ الأخلاقِ، والآياتِ التي فيها الحثُّ على كلِّ خلُقٍ جميل، فكانَ أولَ الخلْقِ امتثالًا لها، وسبقًا إليها، وإلى تكميلِها، فكانَ لهُ منها أكملُها وأجلُّها وأعلاها، وهوَ في كلِّ خصلةٍ منها في الذروةِ العليا: * فكانَ سهلًا لينًا قريبًا من الناسِ. * مجيبًا لدعوةِ مَنْ دعاهُ. * قاضيًا لحاجةِ مَنْ استقضاهُ. * جابرًا لقلبِ مَنْ سألَهُ، لا يحرمهُ ولا يردهُ خائبًا. * وإذا أرادَ أصحابهُ أمرًا وافقَهم عليهِ، وتابعَهم فيه إذا لم يكنْ في ذلكَ محذورٌ. * وإنْ عزَمَ على أمرٍ لم يستبِدَّ بهِ دونَهم، بلْ يشاورُهم ويؤامرُهم. * وكانَ يقبلُ من محسنِهم، ويعفُو عن مسيئِهم. * ولم يكنْ يعاشرُ جليسًا إلا أتمَّ عشرةً وأحسنَها، فكانَ لا يعبسُ في وجههِ، ولا يغلظُ لهُ في كلامهِ، ولا يطوِي عنهُ بشرَهُ، ولا يمسكُ عليهِ فلتاتِ لسانهِ، ولا يؤاخذهُ بما يصدرُ منهُ مِنْ جفوةٍ، بلْ يحسنُ إليهِ غايةَ الإحسانِ، ويحتملهُ غايةَ الاحتمالِ، ﷺ . * فلما أنزلَهُ اللهُ بأعلى المنازلِ، وكانَ أعداؤهُ يقولونَ: إنهُ مجنونٌ مفتونٌ، قالَ: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾، وقدْ تبينَ أنهُ كانَ أهدَى الناسِ وأكملَهم وأنفعَهم لنفسهِ ولغيرهِ، وأنَّ أعداءَهُ أضلُّ الناسِ للناسِ، وأنهم هم الذينَ فتنُوا عبادَ اللهِ، وأضلُّوهم عن سبيلهِ، وكفى بعلمِ اللهِ بذلكَ، فإنه المحاسبُ المجازِي، و ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧]، وفيهِ تهديدٌ للضالينَ، ووعدٌ للمهتدينَ، وبيانٌ لحكمةِ اللهِ في هدايتهِ مَنْ يصلحُ للهدايةِ دونَ غيرهِ.

стр. 56

فصل ١٣ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨] إلى آخرِ السورةِ الكريمةِ. * مِنْ أهمِّ أصولِ الإيمانِ: الإيمانُ باليومِ الآخرِ، وهوَ الإيمانُ بكلِّ ما أخبرَ اللهُ بهِ ورسولُهُ بعدَ الموتِ: * من فتنةِ القبرِ ونعيمهِ وعذابهِ. * وأحوالِ يومِ القيامةِ (١) وما يكونُ فيه. * ومن صفاتِ الجنةِ والنارِ، وصفاتِ أهلِهما. فالإيمانُ باليومِ الآخرِ هوَ الإيمانُ بذلكَ كلِّهِ جملةً وتفصيلًا. * أمَّا أحوالُ القبرِ وفتنتُهُ وعذابُهُ ونعيمُهُ وتفاصيلُ ذلكَ فقدْ تواترَتْ بهِ الأحاديثُ الصحيحةُ والحسنةُ عن رسولِ اللهِ ﷺ كما هوَ معروفٌ، والقرآنُ أشارَ إليهِ في عدةِ آياتٍ. * وأمَّا ما يكونُ بعدَ ذلكَ فإذا أرادَ الملِكُ القادرُ بَعْثَ العبادِ وحَشْرَهم وجزاءَهم ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهوَ: قرنٌ عظيمٌ لا يعلمُ عظمَهُ إلا الذي خلقَهُ، كما وردَ في حديثِ الصورِ المشهورِ، أو (٢) نُفِخَ في الصورِ على وجهٍ لا يعلمُ كنهَهُ إلا اللهُ، نفخةَ الصعقِ والفزعِ؛ انزعجَ لهذا أهلُ السمواتِ والأرضِ وصَعِقُوا إلا مَنْ شاءَ اللهُ مِنْ خلقهِ.

стр. 57

* ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ نفخةُ البعثِ. * ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ من أجداثِهم، كاملي الخلقةِ، ينظرونَ ما يستقبلُهم من هذهِ الحياةِ الأخرويةِ التي يجازَى فيها العبادُ بأعمالِهم حسنِها وسيئِها: * أمَّا المؤمنونَ الطائعونَ: فيقومونَ مطمئنينَ طامعينَ في فضلِ ربِّهم ورحمتهِ، مستبشرينَ بثوابهِ وعفوهِ ومغفرتهِ، يُحشرونَ إلى موقفِ القيامةِ وفدًا مُكرمينَ. * وأمَّا المجرمونَ: فيقومونَ فزعينَ خائفينَ متحسرينَ، يدعونَ بالويلِ والثبورِ، يقولونَ: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]؟ فيُساقونَ إلى جهنمَ وردًا. * فحينئذٍ تكثرُ القلاقلُ والأهوالُ، ويشيبُ الولدانُ من هولِ ذلكَ اليومِ وفظاعتهِ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ٢]، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ [عبس: ٣٤ - ٤٢]، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٥ - ٢٦]، وتُكوَّرُ الشمسُ والقمرُ، وتَنْتَثِرُ النجومُ، فتذهبُ هذهِ الأنوارُ المشاهدَةُ، وتُشرِقُ الأرضُ بنورِ ربِّها، وينزلُ اللهُ لفصلِ القضاءِ بينَ عبادهِ، ومحاسبتِهم على أعمالِهم: * أمَّا المؤمنونَ: فيحاسبُهم حسابًا يسيرًا: يقررُهم بذنوبِهم، ثم يغفرُها ويسترُها عن الخلائقِ، ويضاعِفُ لهم الحسناتِ، ويعطِيهم من فضلهِ وإحسانهِ ما لا تبلغُهُ أعمالُهم، ويُعطونَ كتبَهم بأَيْمانِهم إكرامًا واحترامًا، كما تبيضُّ وجوهُهم، وتثقلُ موازينُهم.

стр. 58

• ويغتبطونَ بذلكَ، ويستبشرونَ بهِ، فيقولونَ لإخوانِهم ومعارفِهم ومحبِّيهم: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ أي: أيقنتُ، ﴿أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢١] الآيات. • ويُساقونَ إلى الجنةِ زمرًا، كلُّ طائفةٍ منهم معَ نظرائِهم في الخيرِ بحسبِ طبقاتِهم وسبقِهم، كما يَرِدُونَ في عرصاتِ القيامةِ حوضَ نبيِّهم، فيشربونَ منهُ شربةً هنيئةً لا يظمؤونَ بعدَها، ويمرُّونَ على الصراطِ على قدرِ أعمالِهم: كلمحِ البصرِ، وكالبرقِ الخاطفِ، وكأجاويدِ الخيلِ والإبلِ، وكسعيِ الرجالِ، وكمشيِهم، ودونَ ذلكَ. • فإذا عَبروا على الصراطِ وقفوا على قنطرةٍ بينَ الجنةِ والنارِ، فيَقتصُّ بعضُهم من بعضٍ مظالمَ وتبعاتٍ كانتْ بينَهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دخولِ الجنةِ، حتى إذا جاؤوها وفُتحتْ أبوابُها بشفاعةِ محمدٍ ﷺ ، فتلقاهم خزنةُ الجنةِ، يسلِّمونَ عليهم، ويهنونَهم بالنجاةِ من العذابِ وحصولِ الخيرِ والثوابِ والخلودِ الأبديِّ بسببِ طيبِهم؛ ولهذا قالوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] أي: طابتْ قلوبُكم بالعقائدِ الصحيحةِ الصادقةِ، والأخلاقِ الجميلةِ، وألسنتُكم بذكرِ اللهِ والثناءِ عليهِ، وجوارحُكم بخدمتهِ والقيامِ بطاعتهِ؛ ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. • فإذا دخلُوها ورَأَوا ما فيها من النعيمِ المقيمِ، «مما لا عينٌ رأَتْ، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ» (١)؛ حمدوا اللهَ على منَّتهِ عليهم بالسوابقِ والإيمانِ والأعمالِ الصالحةِ، وبإنجازِ ما وعدَهم بهِ على ألسنةِ رسلهِ، وعلى أنَّ اللهَ أورثَهم الجنةَ يتبوَّءونَ من خيراتِها حيثُ يشاؤونَ وأنَّى يشاؤونَ، مما تشتهيهِ الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ من نعيمِ القلوبِ والأرواحِ، ومن نعيمِ الأبدانِ والأجسامِ، ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا

стр. 59

مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ [الواقعة: ١٥ - ١٨]، ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢٣] خيِّراتِ الأخلاقِ، حسانِ الوجوهِ، قدْ جمعَ اللهُ لهنَّ حسنَ البواطنِ والظواهرِ، فهنَّ سرورُ النفسِ، وقرَّةُ النواظرِ. • وتمامُ ذلكَ أنَّ اللهَ يحلُّ عليهم رضوانَهُ فلا يسخطُ عليهم أبدًا، وأنهُ يقالُ لهم: «إنَّ لكم أنْ تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبدًا، وإنَّ لكم أنْ تَصِحُّوا فلا تَمْرَضُوا أبدًا، وإنَّ لكم أنْ تَنْعَمُوا فلا تَبْأَسُوا أبدًا، وإنَّ لكم أنْ تَحْيَوا فلا تَمُوتُوا أبدًا» (١)، فلهم كلُّ ما يشاؤونَ فيها وتتعلقُ بهِ أمانِيهم، ولهم فوقَ ذلكَ مما لم تبلغْهُ أمانِيهم، ولهم نعيمٌ أعلى من ذلكَ كلِّهِ، وهوَ التمتعُ بالنظرِ إلى وجههِ الكريمِ، وسماعِ خطابهِ، والابتهاجُ برضاهُ وقربهِ، والسرورُ بمحبتهِ، وذكره وحمده، والثناء عليهِ وشكره؛ مما يشاهدونَ من كثرةِ الخيراتِ، وسوابغِ النعمِ والهباتِ، وزيادةِ النعيمِ وتواصلهِ، ومما يزدادونَ من معرفتهِ والأنسِ بهِ، فتباركَ اللهُ ذو الجلالِ والإكرامِ. * وأمَّا الكافرونَ المجرمونَ: فيحاسبُهم اللهُ على ما أسلفوهُ من الجرائمِ، ويُقَرِّعُهم ويُخزِيهم بينَ الخلائقِ، ويُعطَونَ كتبَهم من وراءِ ظهورِهم بشمائلِهم، وتسودُّ منهم الوجوهُ، وتخفُّ موازينُهم، ويساقونَ إلى جهنمَ جياعًا عطاشًا منزعجينَ مرعوبينَ زمرًا، كلُّ طائفةٍ تُحشرُ معَ نظيرِها من أهلِ الشرِّ. • ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] في وجوهِهم، ففاجأَهم حرُّها المُفْظِعُ، وحلَّ بهم الفزعُ الأكبرُ الذي لا يشبههُ فزعٌ، وتلقَّتْهم خزنةُ الجحيمِ، يوبِّخونَهم على ما قدَّموهُ، وقالوا لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ

стр. 60

لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى﴾ [الزمر: ٧١] قدْ جاءَتْنا الرسلُ، وبلغَتْنا النذرُ، فما كانَ منَّا إليهم إلا الاستهزاءُ بهم والتكذيبُ، فلو كانَ لنا أسماعٌ واعيةٌ، وعقولٌ نافعةٌ ما وصَلْنا إلى هذهِ الدارِ، بلْ خالَفْنا المنقولَ والمعقولَ. • ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك: ١١] ما أشدَّ شقاءَهم وعناءَهم! يُنَوَّعُ عليهم العذابُ أنواعًا: فتارةً يُعذَّبونَ بالسعيرِ المحرقِ لظواهرِهم وبواطنِهم، كلَّما نضجَتْ جلودُهم بُدِّلوا جلودًا غيرَها، وتارةً بالزمهريرِ الذي قدْ بلغَ بردُهُ أنْ يهريَ اللحومَ ويكسرَ العظامَ، وتارةً بالجوعِ المفرطِ والعطشِ المفظعِ. • وإذا استغاثُوا لذلكَ أُغيثُوا بعذابٍ آخرَ، ولونٍ من الشقاءِ يُنسِي ما سبقَهُ، فيُغاثونَ بطعامٍ ذي غُصَّةٍ، بشجرةِ الزقومِ التي ﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤]، وثمرُها في غايةِ المرارةِ والنتنِ والحرارةِ، إذا وصلَتْ بطونَهم غلَتْ فيها ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ [الدخان: ٤٦] الذي يُوقدُ عليهِ في النارِ، ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ للشرابِ ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] إذا قُرِّبَ إليها، فلا يدعُهم العطشُ معَ ذلكَ أنْ يتناولُوها، فإذا وصلَتْ إلى بطونِهم قطَّعتْ أمعاءَهم، ولا يزالونَ في عذابٍ متنوعٍ شديدٍ، لا يفترُ عنهم العذابُ ساعةً، ولا يرجونَ رحمةً ولا فرجًا، يتمنونَ المماتَ ليستريحُوا. • فينادُونَ مالكًا -رئيس خزنة النار-: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، فيقولُ لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، فلا تلومُوا إلا أنفسَكم؛ لما أسلفتموهُ من الجرائمِ، ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨]. • وينادُونَ أهلَ الجنةِ مستغيثينَ بهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، فيقولُ لهم أهلُ الجنةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠].

стр. 61

• وينادُونَ ربَّهم فيقولونَ: يا ربَّنَا ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٧]، فيجيُبهم اللهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فحينئذٍ ييأسونَ مِنْ كلِّ خيرٍ، ومِن كلِّ فرجٍ وراحةٍ، ويتيقنونَ أنهُ الخلودُ الدائمُ والعذابُ الأبديُّ والشقاءُ المستمرُّ. فنسألُ اللهَ الجنةَ، وما قرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، ونعوذُ بهِ من النارِ، وما قرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ.

стр. 62

فصل ١٤ - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. * الإيمانُ بالملائكةِ أحدُ أصولِ الإيمانِ، ولا يتمُّ الإيمانُ باللهِ وكتبهِ ورسلهِ إلا بالإيمانِ بالملائكةِ، وقدْ وصفَهم اللهُ بأكملِ الصفاتِ، وأنهم في غايةِ القوةِ على عبادةِ اللهِ، والرغبةِ العظيمةِ فيها، وأنهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾، وأنهم ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾، بلْ يرونَها من أعظمِ نعمهِ عليهم، وأنهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. * ففي هذا: بيانُ كمالِ محبتِهم لربِّهم، وقوةُ إنابتِهم إليهِ، ونشاطُهم التامُّ في طاعتهِ، وأنهم لا يعصونَهُ طرفةَ عينٍ، وهم الوسائطُ بينَهُ وبينَ رسلهِ، وخصوصًا جبريلَ أفضلَهم وأعظمَهم وأقواهم وأرفعَهم عندَ اللهِ منزلةً؛ فإنهُ ذو قوةٍ ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ٢٠ - ٢١]، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ [التكوير: ٢٤]، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]. * وكما أنهم الوسائطُ بينَهُ وبينَ عبادهِ في تبليغِ الوحيِ والشرائعِ إلى الأنبياءِ، فهم الوسائطُ في التدبيراتِ القدريةِ؛ فإنَّ اللهَ وصفَهم بأنهم: ﴿المُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، فكلُّ طائفةٍ منهم قدْ وَكَّلَهُ على عملٍ هوَ قائمٌ بهِ بإذنِ اللهِ: * فمنهم الموكَّلونَ بالغيثِ والنباتِ. * والموكَّلونَ بحفظِ العبادِ مما يضرُّهم، وبحفظِ أعمالِهم وكتابتِها.

стр. 63

* والموكَّلونَ بقبضِ الأرواحِ. * وبتصويرِ الأجنةِ في الأرحامِ. * وكتابةِ ما يجرِي عليها في الحالِ والمآلِ. * والموكَّلونَ على الجنةِ والنارِ. * ومنهم حملةُ العرشِ، ومَن حولَهُ مِنْ الملائكةِ المقربينَ. إلى غيرِ ذلكَ مما وُصفُوا بهِ في الكتابِ والسنةِ. * فيجبُ الإيمانُ بهم إجمالًا وتفصيلًا، وكثيرٌ من سورِ القرآنِ فيها ذكرُ الملائكةِ والخبرُ عنهم، فعلينا أنْ نؤمنَ بذلكَ كلِّهِ. * ولا تكادُ تجدُ أحدًا ينكرُ وجودَ الملائكةِ إلا الزنادقةَ المنكرينَ لوجودِ ربِّهم، ومَن تستَّرَ بالإسلامِ منهم، فإنهُ ينكرُ الملائكةَ حقيقةً، وينكرُ خبرَ اللهِ ورسولهِ عنهم، ويفسرُ الملائكةَ تفسيرًا وتحريفًا خبيثًا، فيزعمُ أنَّ الملائكةَ هيَ القوَى الخيريةُ والصفاتُ الحسنةُ الموجودةُ في الإنسانِ، وأنَّ الشياطينَ هيَ القوَى الشريرةُ فيه، وغرضُهم من هذا التحريفِ دفعُ الشُّنعةِ عنهم، وقدْ ازدادُوا بهذا التحريفِ شرًّا إلى شرِّهم. وراجَ هذا التحريفُ الخبيثُ على بعضِ الذينَ يحسنونَ الظنَّ بهؤلاءِ الزنادقةِ، وليسَ عندهم بصيرةٌ في أديانِ الرسلِ وإنْ أظهرُوا تعظيمَهم، فإنَّ زنادقةَ الفلاسفةِ أعظمُ في قلوبِهم من الرسلِ، وكفَى بالعبدِ ضلالًا وغيًّا أنْ يصلَ إلى هذهِ الحالِ! ونعوذُ باللهِ من مضلَّاتِ الفتنِ. ولم تزَلْ بهم هذهِ الجرأةُ والخضوعُ لأقوالِ جهلةِ الزنادقةِ حتى فسَّروا الملائكةَ بذلكَ التحريفِ، وحتى زعمَ بعضُهم أنَّ سجودَ الملائكةِ لآدمَ ليسَ حقيقةً، وإنما ذلكَ

стр. 64

تسخيرُ اللهِ للآدميينَ جميعَ ما في الأرضِ من القوَى والمعادنِ وغيرِها، فأنكرَ ما هوَ معلومٌ بالضرورةِ بخبرِ اللهِ الصريحِ في كتابهِ وخبرِ رسولهِ، وقالَ هذهِ المقالةَ التي فيها -معَ تكذيبِ اللهِ ورسولهِ- تسويةُ كفارِ الآدميينَ وفجرتِهم وأولِهم وآخرِهم بآدمَ، ومضمونُ ذلكَ بلْ صريحُ قولِهم: إنَّ الملائكةَ سجدَتْ لجميعِ الآدميينَ برِّهم وفاجرِهم؛ فأينَ قولُ الناسِ في موقفِ القيامةِ: يا آدمُ، أنتَ الذي خلقَكَ اللهُ بيدهِ، ونفخَ فيكَ من روحهِ، وأسجدَ لكَ ملائكتَهُ؟! ولولا أنَّ مثلَ هذهِ التحريفاتِ والتكذيبِ للهِ ورسولهِ موجودٌ في كتبِ مَنْ يُشارُ إليهم بالعلمِ؛ لم يكنْ بنا حاجةٌ إلى دفعِ هذا القولِ الجريءِ، الذي يَعلَمُ كلُّ مسلمٍ لم تغيِّرْهُ العقائدُ الباطلةُ بطلانَهُ. * ولنقتصِرْ على هذا المقدارِ من الإشارةِ إلى العقائدِ المتعلقةِ بالتوحيدِ والرسالةِ واليومِ الآخرِ والجزاءِ، وإنْ كانَ القرآنُ معظمُهُ في تقريرِ هذهِ الأصولِ العظيمةِ؛ لشدةِ الحاجةِ والضرورةِ إليها في كلِّ وقتٍ وحالٍ، ولكنْ حصلَ - وللهِ الحمدُ- التنبيهُ الذي يحصلُ بهِ المقصودُ، ويعينُ على غيرهِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 65

فصل في ذكر الفوائد والثمرات المترتبة على التحقق بهذه العقائد الجليلة اعلَمْ أنَّ خيرَ الدنيا والآخرةِ من ثمراتِ الإيمانِ الصحيحِ، وبهِ يحيا العبدُ حياةً طيبةً في الدارينِ، وبهِ ينجو من المكارهِ والشرورِ، وبهِ تخفُّ الشدائدُ، وتُدركُ جميعُ المطالبِ. ولنُشِرْ إلى هذهِ الثمراتِ على وجهِ التفصيلِ؛ فإنَّ معرفةَ فوائدِ الإيمانِ وثمراتهِ من أكبرِ الدواعِي إلى التزودِ منه: * فمن ثمراتِ الإيمانِ: أنهُ سببُ رضا اللهِ الذي هوَ أكبرُ شيءٍ، فما نالَ أحدٌ رضا اللهِ في الدنيا والآخرةِ إلا بالإيمانِ وثمراتهِ، بلْ صرَّحَ اللهُ بهِ في كتابهِ في مواضعَ كثيرةٍ (١)، وإذا رضيَ اللهُ عن العبدِ قَبِلَ اليسيرَ من عملهِ ونماهُ، وغفَرَ الكثيرَ من زللِهِ ومحاهُ. * ومنها: أنَّ ثوابَ الآخرةِ، ودخولَ الجنةِ والتنعمَ بنعيمِها، والنجاةَ من النارِ وعقابِها؛ إنما يكون بالإيمانِ، فأهلُ الإيمانِ هم أهلُ الثوابِ المطلقِ، وهم الناجونَ من جميعِ الشرورِ. * ومنها: أنَّ اللهَ يدفعُ ويدافعُ عن الذينَ آمنوا شرورَ الدنيا والآخرةِ، فيدفعُ عنهم كيدَ شياطينِ الإنسِ والجنِّ؛ ولهذا قالَ تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٩]، ولما ذكَرَ إنجاءَهُ ذا النونِ قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] أي: من الشدائدِ والمكارهِ إذا وقعُوا فيها.

стр. 66

والإيمانُ -بنفسهِ وطبيعتهِ- يدفعُ الإقدامَ على المعاصِي، وإذا وقعَتْ من العبدِ دفعَ عقوباتِها بالمبادرةِ إلى التوبةِ، كما قالَ ﷺ : «لا يَزْنِي الزَّانِي حِيْنَ يَزْنِي وهوَ مُؤْمِنٌ … » إلى آخرِ الحديثِ (١)، فبيَّنَ أنَّ الإيمانَ يدفعُ وقوعَ الفواحشِ، وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]. * ومنها: أنَّ اللهَ وعدَ المؤمنينَ القائمينَ بالإيمانِ حقيقةً بالنصرِ، وأحقَّهُ على نفسهِ، فمَن قامَ بالإيمانِ ولوازمهِ ومتمماتهِ فلهُ النصرُ في الدنيا والآخرةِ، وإنما ينتصرُ أعداءُ المؤمنينَ عليهم إذا ضيَّعُوا الإيمانَ، وضيَّعُوا حقوقَهُ وواجباتهِ المتنوعةَ. * ومنها: أنَّ الهدايةَ من اللهِ للعلمِ والعملِ ولمعرفةِ الحقِّ وسلوكهِ هيَ بحسبِ الإيمانِ والقيامِ بحقوقهِ، قالَ تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، ومعلومٌ أنَّ اتباعَ رضوانِ اللهِ -الذي هوَ حقيقةُ الإخلاصِ- هوَ روحُ الإيمانِ وساقُهُ الذي يقومُ عليهِ. وقالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، فهذه هدايةٌ عمليةٌ، هدايةُ توفيقٍ وإعانةٍ على القيامِ بوظيفةِ الصبرِ عندَ حلولِ المصائبِ إذا عَلِمَ أنها مِنْ عندِ اللهِ؛ فرَضِيَ وسلَّمَ وانقادَ. * ومنها: أنَّ الإيمانَ يدعُو إلى الزيادةِ من علومهِ وأعمالهِ الظاهرةِ والباطنةِ، فالمؤمنُ بحسبِ إيمانهِ لا يزالُ يطلبُ الزيادةَ من العلومِ النافعةِ، ومنِ الأعمالِ النافعةِ ظاهرًا وباطنًا، وبحسبِ قوةِ إيمانهِ يزيدُ إيمانهُ ورغبتهُ وعملهُ، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ

стр. 67

الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥] الآية، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. * ومنها: أنَّ المؤمنينَ باللهِ وبكمالهِ وعظمتهِ وكبريائهِ ومجدهِ أعظمُ الناسِ يقينًا وطمأنينةً، وتوكلًا على اللهِ، وثقةً بوعدهِ الصادقِ، ورجاءً لرحمتهِ، وخوفًا من عقابهِ، وأعظمُهم إجلالًا للهِ ومراقبةً، وأعظمُهم إخلاصًا وصدقًا، وهذا هوَ صلاحُ القلوبِ، لا سبيلَ إليهِ إلا بالإيمانِ. * ومنها: أنهُ لا يمكنُ العبد أنْ يقومَ بالإخلاصِ للهِ ولعبادِ اللهِ ونصيحتِهم على وجهِ الكمالِ إلا بالإيمانِ؛ فإنَّ المؤمنَ تحملهُ عبوديةُ اللهِ، وطلبُ التقربِ إلى اللهِ، ورجاءُ ثوابهِ، والخشيةُ من عقابهِ؛ على القيامِ بالواجباتِ التي للهِ، والتي لعبادِ اللهِ. * ومنها: أنَّ المعاملاتِ بينَ الخلقِ لا تتمُّ وتقومُ إلا على الصدقِ والنصحِ وعدمِ الغشِّ بوجهٍ من الوجوهِ، وهلْ يقومُ بها على الحقيقةِ إلا المؤمنونَ! * ومنها: أنَّ الإيمانَ أكبرُ عونٍ على تحملِ المشقاتِ، والقيامِ بأعباءِ الطاعاتِ، وتركِ الفواحشِ التي في النفوسِ داعٍ قويٌّ إلى فعلِها، فلا تتمُّ هذهِ الأمورُ إلا بقوةِ الإيمانِ. * ومنها: أنَّ العبدَ لابدَّ أنْ يُصابَ بشيءٍ من الخوفِ، والجوعِ، ونقصٍ من الأموالِ والأنفسِ والثمراتِ، وهوَ بينَ أمرينِ: * إما أنْ يجزعَ ويضعفَ صبرُهُ؛ فيفوتُهُ الخيرُ والثوابُ، ويستحقُّ على ذلكَ العقابَ، ومصيبتُهُ لم تُقْلِعْ ولم تَخِفَّ، بلْ الجزعُ يزيدُها.

стр. 68

* وإمَّا أنْ يصبرَ؛ فيحظى بثوابِها، والصبرُ لا يقومُ إلا على الإيمانِ، وأمَّا الصبرُ الذي لا يقومُ على الإيمانِ -كالتجلدِ ونحوهِ- فما أقلَّ فائدتَهُ، وما أسرعَ ما يعقبُهُ الجزعُ! فالمؤمنونَ أعظمُ الناسِ صبرًا ويقينًا وثباتًا في مواضعِ الشدةِ. * ومنها: أنَّ الإيمانَ يوجِبُ للعبدِ قوةَ التوكلِ على اللهِ؛ لعلمِهِ وإيمانهِ أنَّ الأمورَ كلَّها راجعةٌ إلى اللهِ، ومندرجةٌ في قضائهِ وقدرهِ، وأنَّ مَنْ اعتمدَ عليهِ كفاهُ، ومَن توكَّلَ على اللهِ فقدْ توكَّلَ على القويِّ العزيزِ القهارِ. ومعَ أنهُ يوجِبُ قوةَ التوكلِ فإنهُ يوجِبُ السعيَ والجدَّ في كلِّ سببٍ نافعٍ؛ لأنَّ الأسبابَ النافعةَ نوعانِ: دينيةٌ، ودنيويةٌ: * فالأسبابُ الدينيةُ: هيَ إيمانٌ، وهيَ من لوازمِ الإيمانِ. * والأسبابُ الدنيويةُ قسمانِ: • سببٌ معينٌ على الدينِ، ويحتاجَ إليهِ الدينُ، فهوَ أيضًا من الدينِ، كالسعيِ في القوةِ المعنويةِ والماديةِ التي فيها قوةُ المؤمنينَ. • وسببٌ لم يوضَعْ في الأصلِ مُعينًا على الدينِ، ولكنَّ المؤمنَ -لقوةِ إيمانهِ ورغبتهِ فيما عندَ اللهِ من الخيرِ- يسلكُ إلى ربِّهِ وينفذُ إليهِ معَ كلِّ سببٍ وطريقٍ؛ فيستخرجُ من المباحاتِ بنيتهِ وصدقِ معرفتهِ ولطفِ علمهِ بابًا يكونُ بهِ مُعينًا على الخيرِ، مجمًّا للنفسِ، مساعدًا لها على القيامِ بحقوقِ اللهِ وحقوقِ عبادهِ الواجبةِ والمستحبةِ. فيكونُ هذا المباحُ حسنًا في حقِّهِ، عبادةً للهِ؛ لما صحبهُ من النيةِ الصادقةِ، حتى إنَّ بعضَ المؤمنينَ الصادقينَ في إيمانِهم ومعرفتِهم ربما نوَى في نومهِ وراحاتهِ ولذاتهِ التقوِّيَ على الخيرِ، وتربيةَ البدنِ لفعلِ العباداتِ، وتقويتَهُ على الخيرِ، وكذلكَ في أدويتهِ وعلاجاتهِ التي يحتاجُها، وربما نوَى في اشتغالهِ في المباحاتِ أو بعضِها الاشتغالَ عن

стр. 69

[الشرِّ، وربما] (١) نوَى بذلكَ جذبَ مَنْ خالطَهُ وعاشرَهُ بمثلِ الأمورِ (٢) على فعلِ خيرٍ، أو انكفافٍ عن شرٍّ، وربما نوَى بمعاشرتهِ الحسنةِ إدخالَ السرورِ والانبساطِ على قلوبِ المؤمنينَ؛ ولا ريبَ أنَّ ذلكَ كلَّهُ من الإيمانِ ولوازمهِ. ولما كانَ الإيمانُ بهذا الوصفِ قالَ تعالى في عدةِ آياتٍ من كتابهِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. * ومنها: أنَّ الإيمانَ يشجعُ العبدَ، ويزيدُ الشجاعَ شجاعةً؛ فإنهُ لاعتمادهِ على اللهِ العزيزِ الحكيمِ، ولقوةِ رجائهِ وطمعهِ فيما عندهُ؛ تهونُ عليهِ المشقاتُ، ويقدمُ على المخاوفِ، واثقًا بربهِ، راجيًا لهُ، راهبًا من نزولهِ من عينهِ لخوفهِ من المخلوقينَ. ومن الأسبابِ لقوةِ الشجاعةِ: أنَّ المؤمنَ يعرفُ ربَّهُ حقًا، ويعرفُ الخلقَ حقًّا، فيعرفُ أنَّ اللهَ هوَ النافعُ الضارُّ، المعطِي المانعُ، الذي لا يأتي بالحسناتِ إلا هوَ، ولا يدفعُ السيئاتِ إلا هوَ، وأنهُ الغنيُّ من جميعِ الوجوهِ، وأنهُ أرحمُ بعبادهِ من الوالدةِ بولدِها، وألطفُ بهِ من كلِّ أحدٍ، وأنَّ الخلقَ بخلافِ ذلكَ كلِّهِ؛ ولا ريبَ أنَّ هذا داعٍ قويٌ عظيمٌ يدعُو إلى قوةِ الشجاعةِ، وقصرِ خوفِ العبدِ ورجائهِ على ربهِ، وأنْ ينتزعَ من قلبهِ خوفَ الخلقِ ورجاءَهم وهيبتَهم. * ومنها: أنَّ الإيمانَ هوَ السببُ الأعظمُ لتعلقِ القلبِ باللهِ في جميعِ مطالبهِ الدينيةِ والدنيويةِ، والإيمانُ القويُّ يدعُو إلى هذا المطلبِ الذي هوَ أعلى الأمورِ على الإطلاقِ، وهوَ غايةُ سعادةِ العبدِ، وفي مقابلةِ هذا يدعُو إلى التحررِ من رقِّ القلبِ للمخلوقينَ، ومن التعلقِ بهم.

стр. 70

ومَن تعلقَ بالخالقِ دونَ المخلوقِ في كلِّ أحوالهِ حصلتْ لهُ الحياةُ الطيبةُ، والراحةُ الحاضرةُ، والتوحيدُ الكاملُ، كما أنَّ مَنْ عكسَ القضيةَ نقصَ إيمانهُ وتوحيدهُ، وانفتحَتْ عليهِ الهمومُ والغمومُ والحسراتُ. ولا ريبَ أنَّ هذينِ الأمرينِ (١) تبعٌ لقوةِ الإيمانِ وضعفهِ، وصدقهِ وكذبهِ، وتحققهِ حقيقةً، أو دعواهُ والقلبُ خالٍ منهُ. * ومنها: أنَّ الإيمانَ يدعُو إلى حسنِ الخلقِ معَ جميعِ طبقاتِ الناسِ، كما قالَ النبيُّ ﷺ : «أكملُ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهم خُلقًا» (٢). وجماعُ حسنِ الخُلقِ: * أنْ يتحملَ العبدُ الأذَى منهم. * ويبذلَ إليهم ما استطاعَ مِنْ المعروفِ القوليِّ والبدنيِّ والماليِّ. * وأنْ يخالقَهم بحسبِ أحوالِهم بما يحبونَ إذا لم يكنْ في ذلكَ محذورٌ شرعيٌّ. * وأنْ يدفعَ السيئةَ بالتي هيَ أحسنُ. ولا يقومُ بهذا الأمرِ إلا المؤمنونَ الكُمَّلُ؛ قالَ تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥]. وإذا ضعفَ الإيمانُ أو نَقُصَ أو انحرفَ أثَّرَ ذلكَ في أخلاقِ العبدِ انحرافًا بحسبِ بُعْدهِ عن الإيمانِ.

стр. 71

* ومنها: أنَّ الإيمانَ الكاملَ يمنعُ من دخولِ النارِ بالكليةِ، كما منعَ صاحبَهُ في الدنيا من عملِ المعاصِي، ومن الإصرارِ على ما وقعَ منهُ منها. والإيمانُ الناقصُ يمنعُ الخلودَ في النارِ وإنْ دخَلَها، كما تواترَتْ بذلكَ النصوصُ: بأنهُ يخرجُ مِنْ النارِ مَنْ كانَ معهُ مثقالُ حبةِ خردلٍ من إيمانٍ. * ومنها: أنَّ الإيمانَ يوجِبُ لصاحبهِ أنْ يكونَ معتبَرًا عندَ الخلقِ أمينًا، ويوجِبَ للعبدِ العفةَ عن دماءِ الناسِ وأموالِهم وأعراضِهم، وفي الحديثِ «المؤمنُ من أمنَهُ الناسُ على دمائِهم وأموالِهم» (١). وأيُّ شرفٍ دنيويٍّ أبلغُ من هذا الشرفِ الذي يبلغُ بصاحبهِ أنْ يكونَ من الطبقةِ العاليةِ من الناسِ؛ لقوةِ إيمانهِ، وتمامِ أمانتهِ، ويكونَ محلَّ الثقةِ عندَهم، وإليهِ المرجعُ في أمورِهم! وهذا من ثمراتِ الإيمانِ الجليلةِ الحاضرةِ. * ومنها: أنَّ قويَّ الإيمانِ يجدُ في قلبهِ من ذوقِ حلاوتهِ ولذةِ طعمهِ واستحلاءِ آثارهِ، والتلذذِ بخدمةِ ربهِ، وأداءِ حقوقهِ وحقوقِ عبادهِ التي هيَ موجبُ الإيمانِ وأثرُهُ - ما يُزرِي بلذات الدنيا كلِّها بأسرِها: * فإنهُ مسرورٌ وقتَ قيامهِ بواجباتِ الإيمانِ ومستحباتهِ. * ومسرورٌ بما يرجوهُ ويأملهُ من ربهِ من ثوابهِ وجزائهِ العاجلِ والآجلِ. * ومسرورٌ بأنهُ ربحَ وقتَهُ الذي هوَ زهرةُ عمرِهِ وأصلُ مكسبهِ.

стр. 72

* ومحشوٌّ قلبُهُ أيضًا من لذةِ معرفتهِ بربهِ، ومعرفتهِ بكمالهِ وكمالِ برِّهِ، وسعةِ جودهِ وإحسانهِ، ولذةِ محبتهِ والإنابةِ إليهِ الناشئةِ عن معرفتهِ بأوصافهِ، وعن مشاهدةِ إحسانهِ ومننهِ. فالمؤمنُ يتقلبُ في لذاتِ الإيمانِ وحلاوتهِ المتنوعةِ؛ ولهذا كانَ الإيمانُ مسليًا عن المصيباتِ مهونًا للطاعاتِ، ومانعًا من وقوعِ المخالفاتِ، جاعلًا إرادةَ العبدِ وهواهُ تبعًا لما يحبهُ اللهُ ويرضاهُ، كما قالَ النبيُّ ﷺ : «لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ هواهُ تبعًا لما جئتُ بهِ» (١). * ومنها: أنَّ الإيمانَ هوَ السببُ الوحيدُ للقيامِ بذروةِ سنامِ الدينِ، وهوَ الجهادُ البدنيُّ والماليُّ والقوليُّ، جهادُ الكفارِ بالسيفِ والسنانِ، وجهادُ الكفارِ والمنافقينَ والمنحرفينَ في أصولِ الدينِ وفروعهِ بالحكمةِ والحجةِ والبرهانِ. فكلما قويَ إيمانُ العبدِ علمًا ومعرفةً وإرادةً وعزيمةً قويَ جهادُهُ، وقامَ بكلِّ ما يقدرُ عليهِ بحسبِ حالهِ ومرتبتهِ؛ فنالَ الدرجةَ العاليةَ والمنزلةَ الرفيعةَ. وإذا ضعفَ الإيمانُ تركَ العبدُ مقدورَهُ من الجهادِ القوليِّ بالعلمِ والحجةِ والنصيحةِ والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وضعفَ جهادُهُ البدنيُّ لعدمِ الحاملِ لهُ على ذلكَ؛ ولهذا قالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، فصادقُ الإيمانِ يحملهُ صدقهُ على القيامِ بهذهِ المرتبةِ التي هيَ مرتبةُ الطبقتينِ العاليتينِ بعدَ النبيِّينَ:

стр. 73

* طبقةِ الصديقينَ المجاهدينَ بالعلمِ والحجةِ والتعليمِ والنصيحةِ. * وطبقةِ الشهداءِ الذينَ قاتلوا في سبيلِ اللهِ ثم قتلوا أو ماتوا من دونِ قتلٍ. وهذا كلُّهُ من ثمراتِ الإيمانِ ومن تمامهِ وكمالهِ. وبالجملةِ: فخيرُ الدنيا والآخرةِ كلُّهُ فرعٌ عن الإيمانِ ومترتبٌ عليهِ، والهلاكُ والنقصُ إنما يكون بفقدِ الإيمانِ أو نقصهِ، واللهُ المستعانُ.

стр. 74

فصل في ذكر بعض الآيات الحاثة على القيام بحقوق الله وحقوق الخلق ١ - قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]، والآياتُ التي في سورةِ الإسراءِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قولهِ: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ [الإسراء: ٣٩]. * هذهِ الآياتُ الكريمةُ فيها: الأمرُ بعبادةِ اللهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، والدخولُ تحتَ رقِّ عبوديتهِ التي هيَ غايةُ شرفِ العبدِ، والانقيادُ لأوامرهِ، واجتنابُ نواهيهِ، محبةً لهُ وذلًّا لهُ، وإخلاصًا للهِ وإنابةً لهُ في جميعِ الحالاتِ، وفي جميعِ العباداتِ الظاهرةِ والباطنةِ. * وفيها: النهيُ عن الشركِ بهِ شيئًا: * سواءٌ كان أكبرَ: بأنْ يصرفَ نوعًا من أنواعِ العبادةِ لغيرِ اللهِ. * أو شركًا أصغرَ: مثلَ وسائلِ الشركِ، كالحلفِ بغير اللهِ والرياءِ، ونحوِ ذلكَ مما يتذرعُ بهِ إلى الشركِ. بلْ الواجبُ المتعينُ إخلاصُ العبادةِ لمن لهُ الكمالُ المطلقُ من جميعِ الوجوهِ، والتدبيرُ الكاملُ الشاملُ الذي لا يشركهُ ولا يعينهُ عليهِ أحدٌ.

стр. 75

* ثم بعدَ ما أمرَ بالقيامِ بحقِّ اللهِ المقدمِ على كلِّ حقٍّ، أَمَرَ بالقيامِ بحقوقِ ذوي الحقوقِ من الخلقِ، الأهمِّ فالأهمِّ، فقالَ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: أحسنُوا إليهم بالقولِ الكريمِ، والخطابِ اللطيفِ، وبالفعلِ: بالقيامِ بطاعتِهما، واجتنابِ معصيتِهما، والحذرِ من عقوقِهما، والإنفاقِ عليهما، وإكرامِ مَنْ لهُ تعلقٌ بهما، وصلةِ الرحمِ التي لا رحمَ لكَ إلا من جهتِهما، ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾. والأمرُ بالإحسانِ إلى الوالدينِ وإطلاقُهُ يدخلُ فيه كلُّ ما عدَّهُ الناسُ إحسانًا، وذلكَ يختلفُ باختلافِ الأوقاتِ والأحوالِ والأشخاصِ. وفيهِ: النهيُ عن ضدِّ الإحسانِ إليهما، وهوَ أمرانِ: * الإساءةُ والعقوقُ الذي هوَ: إيصالُ الأذَى القوليِّ والفعليِّ إليهما، وتركُ القيامِ ببعضِ حقوقِهما الواجبةِ. * والأمرُ الثاني: تركُ الإحسانِ وتركُ الإساءةِ، فإنَّ ذلكَ داخلٌ في العقوقِ، فلا يسعُ الولدُ أنْ يقولَ: إذا قمتُ بواجبِ والديَّ وتركتُ معصيتَهما فقد قمتُ بحقِهما، فيقال: بلْ عليكَ أنْ تبذلَ لهما من الإحسانِ الذي تقدرُ عليهِ ما يجعلُكَ في مرتبةِ الأبرارِ البارِّينَ بوالدَيْهم. * وقولُهُ: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ بيانٌ لبعضِ الأسبابِ الموجبةِ للبرِّ، وأنَّ الوالدينِ اشتركَا في تربيةِ بدنِكَ وروحِكَ بالتغذيةِ والكسوةِ والحضانةِ والقيامِ بكلِّ المؤنِ، وبالتعليمِ والإرشادِ والإلزامِ بطاعةِ اللهِ والآدابِ والأخلاقِ الجميلةِ.
следующие страницы →