← Тафсир

Тафсир · id 1461

تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن - ت المزيد

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (426 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

* ومنها: أنَّ الإيمانَ الكاملَ يمنعُ من دخولِ النارِ بالكليةِ، كما منعَ صاحبَهُ في الدنيا من عملِ المعاصِي، ومن الإصرارِ على ما وقعَ منهُ منها. والإيمانُ الناقصُ يمنعُ الخلودَ في النارِ وإنْ دخَلَها، كما تواترَتْ بذلكَ النصوصُ: بأنهُ يخرجُ مِنْ النارِ مَنْ كانَ معهُ مثقالُ حبةِ خردلٍ من إيمانٍ. * ومنها: أنَّ الإيمانَ يوجِبُ لصاحبهِ أنْ يكونَ معتبَرًا عندَ الخلقِ أمينًا، ويوجِبَ للعبدِ العفةَ عن دماءِ الناسِ وأموالِهم وأعراضِهم، وفي الحديثِ «المؤمنُ من أمنَهُ الناسُ على دمائِهم وأموالِهم» (١). وأيُّ شرفٍ دنيويٍّ أبلغُ من هذا الشرفِ الذي يبلغُ بصاحبهِ أنْ يكونَ من الطبقةِ العاليةِ من الناسِ؛ لقوةِ إيمانهِ، وتمامِ أمانتهِ، ويكونَ محلَّ الثقةِ عندَهم، وإليهِ المرجعُ في أمورِهم! وهذا من ثمراتِ الإيمانِ الجليلةِ الحاضرةِ. * ومنها: أنَّ قويَّ الإيمانِ يجدُ في قلبهِ من ذوقِ حلاوتهِ ولذةِ طعمهِ واستحلاءِ آثارهِ، والتلذذِ بخدمةِ ربهِ، وأداءِ حقوقهِ وحقوقِ عبادهِ التي هيَ موجبُ الإيمانِ وأثرُهُ - ما يُزرِي بلذات الدنيا كلِّها بأسرِها: * فإنهُ مسرورٌ وقتَ قيامهِ بواجباتِ الإيمانِ ومستحباتهِ. * ومسرورٌ بما يرجوهُ ويأملهُ من ربهِ من ثوابهِ وجزائهِ العاجلِ والآجلِ. * ومسرورٌ بأنهُ ربحَ وقتَهُ الذي هوَ زهرةُ عمرِهِ وأصلُ مكسبهِ.

стр. 72

* ومحشوٌّ قلبُهُ أيضًا من لذةِ معرفتهِ بربهِ، ومعرفتهِ بكمالهِ وكمالِ برِّهِ، وسعةِ جودهِ وإحسانهِ، ولذةِ محبتهِ والإنابةِ إليهِ الناشئةِ عن معرفتهِ بأوصافهِ، وعن مشاهدةِ إحسانهِ ومننهِ. فالمؤمنُ يتقلبُ في لذاتِ الإيمانِ وحلاوتهِ المتنوعةِ؛ ولهذا كانَ الإيمانُ مسليًا عن المصيباتِ مهونًا للطاعاتِ، ومانعًا من وقوعِ المخالفاتِ، جاعلًا إرادةَ العبدِ وهواهُ تبعًا لما يحبهُ اللهُ ويرضاهُ، كما قالَ النبيُّ ﷺ : «لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ هواهُ تبعًا لما جئتُ بهِ» (١). * ومنها: أنَّ الإيمانَ هوَ السببُ الوحيدُ للقيامِ بذروةِ سنامِ الدينِ، وهوَ الجهادُ البدنيُّ والماليُّ والقوليُّ، جهادُ الكفارِ بالسيفِ والسنانِ، وجهادُ الكفارِ والمنافقينَ والمنحرفينَ في أصولِ الدينِ وفروعهِ بالحكمةِ والحجةِ والبرهانِ. فكلما قويَ إيمانُ العبدِ علمًا ومعرفةً وإرادةً وعزيمةً قويَ جهادُهُ، وقامَ بكلِّ ما يقدرُ عليهِ بحسبِ حالهِ ومرتبتهِ؛ فنالَ الدرجةَ العاليةَ والمنزلةَ الرفيعةَ. وإذا ضعفَ الإيمانُ تركَ العبدُ مقدورَهُ من الجهادِ القوليِّ بالعلمِ والحجةِ والنصيحةِ والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وضعفَ جهادُهُ البدنيُّ لعدمِ الحاملِ لهُ على ذلكَ؛ ولهذا قالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، فصادقُ الإيمانِ يحملهُ صدقهُ على القيامِ بهذهِ المرتبةِ التي هيَ مرتبةُ الطبقتينِ العاليتينِ بعدَ النبيِّينَ:

стр. 73

* طبقةِ الصديقينَ المجاهدينَ بالعلمِ والحجةِ والتعليمِ والنصيحةِ. * وطبقةِ الشهداءِ الذينَ قاتلوا في سبيلِ اللهِ ثم قتلوا أو ماتوا من دونِ قتلٍ. وهذا كلُّهُ من ثمراتِ الإيمانِ ومن تمامهِ وكمالهِ. وبالجملةِ: فخيرُ الدنيا والآخرةِ كلُّهُ فرعٌ عن الإيمانِ ومترتبٌ عليهِ، والهلاكُ والنقصُ إنما يكون بفقدِ الإيمانِ أو نقصهِ، واللهُ المستعانُ.

стр. 74

فصل في ذكر بعض الآيات الحاثة على القيام بحقوق الله وحقوق الخلق ١ - قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]، والآياتُ التي في سورةِ الإسراءِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قولهِ: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ [الإسراء: ٣٩]. * هذهِ الآياتُ الكريمةُ فيها: الأمرُ بعبادةِ اللهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، والدخولُ تحتَ رقِّ عبوديتهِ التي هيَ غايةُ شرفِ العبدِ، والانقيادُ لأوامرهِ، واجتنابُ نواهيهِ، محبةً لهُ وذلًّا لهُ، وإخلاصًا للهِ وإنابةً لهُ في جميعِ الحالاتِ، وفي جميعِ العباداتِ الظاهرةِ والباطنةِ. * وفيها: النهيُ عن الشركِ بهِ شيئًا: * سواءٌ كان أكبرَ: بأنْ يصرفَ نوعًا من أنواعِ العبادةِ لغيرِ اللهِ. * أو شركًا أصغرَ: مثلَ وسائلِ الشركِ، كالحلفِ بغير اللهِ والرياءِ، ونحوِ ذلكَ مما يتذرعُ بهِ إلى الشركِ. بلْ الواجبُ المتعينُ إخلاصُ العبادةِ لمن لهُ الكمالُ المطلقُ من جميعِ الوجوهِ، والتدبيرُ الكاملُ الشاملُ الذي لا يشركهُ ولا يعينهُ عليهِ أحدٌ.

стр. 75

* ثم بعدَ ما أمرَ بالقيامِ بحقِّ اللهِ المقدمِ على كلِّ حقٍّ، أَمَرَ بالقيامِ بحقوقِ ذوي الحقوقِ من الخلقِ، الأهمِّ فالأهمِّ، فقالَ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: أحسنُوا إليهم بالقولِ الكريمِ، والخطابِ اللطيفِ، وبالفعلِ: بالقيامِ بطاعتِهما، واجتنابِ معصيتِهما، والحذرِ من عقوقِهما، والإنفاقِ عليهما، وإكرامِ مَنْ لهُ تعلقٌ بهما، وصلةِ الرحمِ التي لا رحمَ لكَ إلا من جهتِهما، ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾. والأمرُ بالإحسانِ إلى الوالدينِ وإطلاقُهُ يدخلُ فيه كلُّ ما عدَّهُ الناسُ إحسانًا، وذلكَ يختلفُ باختلافِ الأوقاتِ والأحوالِ والأشخاصِ. وفيهِ: النهيُ عن ضدِّ الإحسانِ إليهما، وهوَ أمرانِ: * الإساءةُ والعقوقُ الذي هوَ: إيصالُ الأذَى القوليِّ والفعليِّ إليهما، وتركُ القيامِ ببعضِ حقوقِهما الواجبةِ. * والأمرُ الثاني: تركُ الإحسانِ وتركُ الإساءةِ، فإنَّ ذلكَ داخلٌ في العقوقِ، فلا يسعُ الولدُ أنْ يقولَ: إذا قمتُ بواجبِ والديَّ وتركتُ معصيتَهما فقد قمتُ بحقِهما، فيقال: بلْ عليكَ أنْ تبذلَ لهما من الإحسانِ الذي تقدرُ عليهِ ما يجعلُكَ في مرتبةِ الأبرارِ البارِّينَ بوالدَيْهم. * وقولُهُ: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ بيانٌ لبعضِ الأسبابِ الموجبةِ للبرِّ، وأنَّ الوالدينِ اشتركَا في تربيةِ بدنِكَ وروحِكَ بالتغذيةِ والكسوةِ والحضانةِ والقيامِ بكلِّ المؤنِ، وبالتعليمِ والإرشادِ والإلزامِ بطاعةِ اللهِ والآدابِ والأخلاقِ الجميلةِ.

стр. 76

وفي هذا دليلٌ على أنَّ كلَّ مَنْ لهُ عليكَ حقُّ تربيةٍ -بقيامٍ بمؤنةِ نفقةٍ وكسوةٍ وغيِرها- أنَّ لهُ حقًّا عليكَ بالإحسانِ والبرِّ والدعاءِ. وأعلى من ذلكَ: مَنْ لهُ حقٌّ عليكَ بتربيةِ عقلِكَ وروحِكَ تربيةً علميةً تهذيبيةً، أنَّ لهُ الحقَّ الأكبرَ عليكَ، وهذا من جملةِ فضائلِ أهلِ العلمِ المعلمينَ العاملينَ، ومن حقوقِهم على الناسِ، فإنهم ربما فاقُوا في هذهِ التربيةِ تربيةَ الوالدينِ بأضعافٍ مضاعفةٍ، وذلكَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاءُ. * وقولُهُ: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ أي: أحسنُوا إلى أقاربِكم القريبِ منهم والبعيدِ، بالقولِ والفعلِ، وأوصلُوا لهم من الهدايا والصدقاتِ والبرِّ والإحسانِ المتنوعِ ما يشرحُ صدورَهم، وتتيسرُ بهِ أمورُهم، وتكونوا بذلكَ واصلينَ، وللأجرِ من اللهِ حائزينَ. * ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم: الذينَ فُقِدَتْ آباؤُهم وهم صغارٌ، فمن رحمةِ أرحمِ الراحمينَ أمرَ الناسَ برحمتِهم، والحنوِّ عليهم، والإحسانِ إليهم، وكفالتِهم، وجبرِ خواطرِهم، وتأديبِهم، وأنْ يربُّوهم أحسنَ تربيةٍ كما يربُّونَ أولادَهم، سواءٌ كانَ اليتيمُ ذكرًا أو أنثى، قريبًا أو غيرَ قريبٍ. * ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم: الذينَ أسكنَتْهم الحاجةُ والفقرُ؛ فلم يحصلُوا على كفايتِهم ولا كفايةِ مَنْ يمونونَ، فأمرَ تعالى بسدِّ خلَّتِهم، ودفعِ فاقتِهم، والحضِّ على ذلكَ، وقيامِ العبدِ بما أمكنَهُ من ذلكَ من غيرِ ضررٍ عليهِ. * ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: الجارِ القريبِ الذي لهُ حقُّ الجوارِ وحقُّ القرابةِ. ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الذي ليس بقريبٍ. فعلى العبدِ القيامُ بحقِّ جارهِ مطلقًا، مسلمًا كانَ أو كافرًا، قريبًا أو بعيدًا، بكفِّ أذاهُ عنهُ، وتحملِ أذاهُ، وبذلِ ما يهونُ عليهِ ويستطيعهُ من الإحسانِ، وتمكينهِ من الانتفاعِ

стр. 77

بجدارهِ، أو طريقِ ماءٍ، على وجهٍ لا يضرُّ الجارَ، وتقديمِ الإحسانِ إليهِ على الإحسانِ على مَنْ ليسَ بجارٍ، وكلَّما كانَ الجارُ أقربَ بابًا كانَ آكدَ لحقِّهِ. فينبغي للجارِ أنْ يتعاهدَ جارَهُ: بالصدقةِ والهديةِ والدعوةِ، واللطافةِ بالأقوالِ والأفعالِ؛ تقربًا إلى اللهِ، وإحسانًا إلى أخيهِ صاحبِ الحقِّ. * ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قيلَ: هوَ الرفيقُ في السفرِ، وقيلَ: هوَ الزوجةُ، وقيلَ: هوَ الرفيقُ مطلقًا في الحضرِ والسفرِ، وهذا أشملُ؛ فإنهُ يشملُ القولينِ الأولينِ. فعلى الصاحبِ لصاحبهِ حقٌّ زائدٌ على مجردِ إسلامهِ: من مساعدتهِ على أمورِ دينهِ ودنياهُ، والنصحِ لهُ، والوفاءِ معهُ في [اليسرِ والعسرِ] (١) والمنشطِ والمكرهِ، وأنْ يحبَّ لهُ ما يحبُّ لنفسهِ، ويكرَهَ لهُ ما يكرَهُ لنفسهِ، وكلَّما زادتِ الصحبةُ تأكَّدَ الحقُّ وزادَ. * ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهوَ: الغريبُ في غيرِ بلدهِ، سواءٌ كانَ محتاجًا أو غيرَ محتاجٍ؛ فحَثُّ اللهُ على الإحسانِ إلى الغرباءِ؛ لكونِهم في مظنةِ الوحشةِ والحاجةِ، وتَعَذُّرِ ما يتمكنونَ عليهِ في أوطانِهم، فيُتَصَدَّقُ على محتاجِهم، ويُجْبَرُ خاطرُ غيرِ المحتاجِ بالإكرامِ والهديةِ والدعوةِ والمعاونةِ على سفرهِ. * ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من الرقيقِ والبهائمِ؛ بالقيامِ بكفايتِهم، وألَّا يُحمَّلُوا ما لا يطيقونَ، وأنْ يعاونُوا (٢) على مهماتِهم، وأنْ يقامَ بتقويمِهم وتأديبِهم النافعِ. فمَن قامَ بهذهِ المأموراتِ فهوَ الخاضعُ لربهِ، المتواضعُ لعبادِ اللهِ، المنقادُ لأمرِ اللهِ وشرعهِ، الذي يستحقُّ الثوابَ الجزيلَ والثناءَ الجميلَ؛ ومَن لم يقُمْ بذلكَ فإنهُ عبدٌ

стр. 78

معرضٌ عن ربهِ، عاتٍ على اللهِ، متكبرٌ على عبادِ اللهِ، معجبٌ بنفسهِ، فخورٌ بأقوالهِ على وجهِ الكبرِ والعجبِ واحتقارِ الخلقِ، وهوَ في الحقيقةِ السافلُ المحتقَرُ؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]، فهؤلاءِ ما بهم مِنْ الأوصافِ القبيحةِ تحملُهم على البخلِ بالحقوقِ الواجبةِ، ويأمرونَ الناسَ بأقوالِهم وأفعالِهم بالبخلِ. * ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧] أي: من العلمِ الذي يَهتدِي بهِ الضالونَ، ويسترشدُ بهِ الجاهلونَ، فيكتمونَهُ عنهم، ويظهرونَ لهم من الباطلِ ما يحولُ بينَهم وبينَ الحقِّ؛ فهؤلاءِ جمعُوا بينَ البخلِ بالمالِ والبخلِ بالعلمِ، وبينَ السعيِ في خسارةِ أنفسِهم والسعيِ في خسارةِ غيرِهم، وهذهِ هيَ صفاتُ الكافرينَ؛ ولهذا قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] أي: كما استهانُوا بالحقِّ، وتكبرُوا على الخلقِ، واستهانوا بالقيامِ بالحقوقِ؛ أهانَهم اللهُ بالعذابِ الأليمِ والخزيِ الدائمِ. * وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] أي: احذرْ هذينِ الخلُقينِ الرذيلينِ: * البخلَ بالواجباتِ، وفي بذلِ المالِ فيما ينبغِي بذلُهُ فيه. * والتبذيرَ: النفقةُ فيما لا ينبغِي، أو زيادةً على ما ينبغِي. * ﴿فَتَقْعُدَ﴾ إنْ فعلتَ ذلك ﴿مَلُومًا﴾ أي: تُلامُ على ما فعلتَ من الإسرافِ؛ لأنَّ كلَّ عاقلٍ يعرفُ أنَّ الإسرافَ منافٍ للعقلِ الصحيحِ، كما أنهُ منافٍ للشرعِ؛ فإنَّ اللهَ جعلَ الأموالَ قيامًا لمصالحِ الخلقِ؛ فكما أنَّ منعَها وإمساكَها عن وضعِها فيما جُعلَتْ لهُ مذمومٌ، فكذلكَ بذلُها في الأمورِ الضارةِ، أو الزيادةُ غيرُ اللائقةِ في الأمورِ العاديةِ وغيرِها مذمومٌ؛ لأنهُ إتلافٌ للمالِ بغيرِ مصلحةٍ، وانحرافٌ في حسنِ التصرفِ والتدبيرِ، وضعفُ التدبيرِ وعدمُ انتظامهِ مذمومٌ في كلِّ شيءٍ، كما أنَّ حسنَ التدبيرِ محمودٌ ونافعٌ لفاعلهِ ولغيرهِ.

стр. 79

* ﴿مَحْسُورًا﴾ أي: فارغَ اليدِ، فلا بقيَ ما في يدِكَ من المالِ، ولا خَلَفَهُ مدحٌ وثناءٌ. * وهذا الأمرُ بإيتاءِ ذي القربى وغيرِهم معَ القدرةِ، فأمَّا معَ العدمِ أو تعذرِ النفقةِ الحاضرةِ فأمَرَ تعالى أنْ يُرَدُّوا ردًّا جميلًا، فقالَ: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء: ٢٨] أي: تعرضَنَّ عن إعطائِهم حاضرًا، ولكنكَ ترجُو فيما بعدَ ذلكَ تيسيرَ الأمرِ من اللهِ، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] أي: لطيفًا برفقٍ ووعدٍ بالجميلِ عندَ الوجودِ، واعتذارٍ بعدمِ الإمكانِ في الوقتِ الحاضرِ؛ لينقلبُوا عنكَ مطمئنةً قلوبُهم، عاذرينَ راجينَ، كما قالَ تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣]. وهذا من لطفِ اللهِ بالعبادِ: أمرَهم بانتظارِ الرحمةِ والرزقِ منهُ؛ لأنَّ انتظارَ ذلكَ عبادةٌ، وسببٌ لحصولهِ؛ فإنَّ اللهَ عندَ ظنِّ عبدهِ بهِ. وكذلكَ وَعْدُهم أنْ يعطُوهم إذا وجدوا عبادةٌ حاضرةٌ لمن وَعَدُوا؛ لأنَّ الهمَّ بفعلِ الخيرِ والحسنةِ خيرٌ؛ ولهذا ينبغِي للعبدِ أنْ يفعلَ ما يقدرُ عليهِ من الخيرِ، وينوِيَ فعلَ ما لم يقدِرْ عليهِ إذا قدرَ؛ ليثابَ على ذلكَ، ولعلَّ اللهَ ييسرهُ لهُ. * وفي قولهِ: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء: ٢٨] فيه: الحثُّ على تعليقِ القلبِ والرجاءِ والطمعِ باللهِ، وصرف التعلقِ بالمخلوقينَ. فالموفقُ في حالِ الوجودِ والغنَى: قلبهُ متعلقٌ بحمدِ اللهِ وشكرهِ والثناءِ عليهِ، لا ينسى ولا يبطرُ النعمةَ، وفي حالِ الفقدِ والفقرِ: صابرٌ راضٍ، راجٍ من اللهِ فضلَهُ وخيرَهُ ورحمتَهُ، وهذا من أجلِّ عباداتِ القلوبِ المقرِّبةِ إلى علامِ الغيوبِ.

стр. 80

* ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ الآية [الإسراء: ٣١] وذلكَ أنَّ اللهَ أرحمُ بعبادهِ من الوالدةِ بولدِها، فنَهَى الوالدينِ عن هذا الخلُقِ الذي هوَ مِنْ أرذلِ الأخلاقِ وأسقطِها: قتلِ أولادِهم خشيةً من الفقرِ والإملاقِ؛ ففيهِ عدةُ جناياتٍ: * قتلُ النفسِ الذي هوَ من أعظمِ الفسادِ. * وأشنعُ من ذلكَ قتلُ الأولادِ الذينَ هم فلذُ الأكبادِ. * وسوءُ الظنِّ بربِّ العالمينَ. * وجهلُهم وضلالُهم البليغُ؛ إذْ ظنُّوا أنَّ وجودَهم يضيقُ عليهم الأرزاقَ، فتكفَّلَ لهم بقيامهِ برزقِ الجميعِ. فأينَ هذا الخلقُ الشنيعُ مِنْ أخلاقِ خواصِّ المؤمنينَ الذينَ كلَّما كثرتْ أولادُهم وعوائلُهم قويَ ظنُّهم باللهِ، ورجَوا زيادةَ فضلهِ، وقامُوا بمؤنتِهم مطمئنةً نفوسُهم، حامدينَ ربَّهم أنْ جعلَ رزقَهم على أيدِيهم، ومُثنينَ على ربِّهم إذْ أقدرَهم على ذلكَ، وراجينَ ثوابَ ذلكَ عندَهُ، ومشاهدينَ لمنةِ اللهِ عليهم بذلكَ؟! قالَ ﷺ : «هلْ تُنصرونَ وتُرزقونَ إلا بضعفائِكم (١): بدعائِهم ورغبتِهم إلى اللهِ» (٢). * والنهيُ عن قربانِ الزِّنَى يشملُ: النهيَ عنهُ، وعن جميعِ دواعيهِ ومقدماتهِ: كالنظرِ المحرمِ، والخلوةِ بالأجنبيةِ، وخطابِ مَنْ يُخشَى الفتنةُ بخطابهِ، ونحوِ ذلكَ. ووصَفَ الزِّنَى بأقبحِ الأوصافِ: بأنهُ ﴿فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] أي: جريمةً عظيمةً تُستفحشُ شرعًا وعقلًا؛ لأنَّ فيه انتهاكَ حرمةِ الشرعِ والتهاونَ بهِ، وفيهِ إفسادُ

стр. 81

المرأةِ، وإفسادُ الأنسابِ، واختلاطُ المياهِ، وفيهِ إضرارٌ بأهلِها وبزوجِها وبكلِّ مَنْ يتصلُ بها، وفيهِ من المفاسدِ شيءٌ كثيرٌ. * وأمَرَ تعالى بإيفاءِ المكاييلِ والموازينِ والمعاملاتِ كلِّها بالقسطِ، من غيرِ بخسٍ ولا نقصٍ ولا غشٍّ ولا كتمانٍ، وفي ضمنِ ذلكَ: الأمرُ بالصدقِ والنصحِ في جميعِ المعاملاتِ؛ فإنهُ بذلكَ يصلحُ الدينُ والدنيا؛ ولذلكَ قالَ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥] أي: هوَ خيرٌ في الحاضرِ، وأحسنُ عاقبةً في الآجلِ، يسلمُ بهِ العبدُ من التبعاتِ، وتحلُّ البركةُ في هذهِ المعاملةِ. * وقولُهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية [الإسراء: ٣٦] أي: ولا تتبعُ ما ليسَ لكَ بهِ علمٌ، بلْ تثبَّتْ في كلِّ ما تقولهُ وتفعلهُ؛ فإنَّ التثبتَ في الأمورِ كلِّها دليلٌ على حسنِ الرأيِ وقوةِ العقلِ، وبهِ تتوضحُ الأمورُ، ويُعرَفُ بعدَ ذلكَ هلْ الإقدامُ خيرٌ أم الإحجامُ؛ لأنَّ المتثبتَ لابدَّ أنْ يعملَ فكرَهُ ويشاورَ في الأمورِ التي عليهِ أنْ يتثبَّتَ فيها. والفكرُ والمشاورةُ أكبرُ الأسبابِ لإصابةِ الصوابِ والسلامةِ من التبعةِ، ومن الندمِ الصادرِ من العجلةِ، ومن عدمِ استدراكِ الفارطِ (١)؛ ولهذا قالَ: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] أي: لابدَّ أنْ تُسألَ عن حركةِ هذهِ الجوارحِ، وهلْ هيَ حركاتٌ نافعةٌ بأنْ وُضعَتْ فيما يقرِّبُ إلى اللهِ، أم ضارةٌ بأنْ وُجِّهَتْ لمعصية اللهِ؟

стр. 82

[فليتعاهدْها] (١) العبدُ بحفظِها عن الأمورِ الضارةِ؛ ليعدَّ لهذا السؤالِ جوابًا، فمَن استعملَها بطاعةِ اللهِ فقدْ زكَّاها ونمَّاها، وأثمرَتْ لهُ النعيمَ المقيمَ، ومَن استعملَها في ضدِّ ذلكَ فقدْ دسَّاها وأسقطَها، وأوصلَتْهُ إلى العذابِ الأليمِ. * وقولُهُ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] أي: لا تتكبَّرْ على الحقِّ، ولا على الخَلقِ؛ فإنَّ التكبرَ من أرذلِ الأخلاقِ، والمتكبرُ المُعجَبُ بنفسهِ لنْ يبلغَ ما يظنهُ وتطمحُ لهُ نفسهُ من الخيالاتِ الفاسدةِ، أنهُ في مقامٍ رفيعٍ على الخَلقِ، بلْ هوَ ممقوتٌ عندَ اللهِ وعندَ خلقهِ، مبغوضٌ محتقرٌ، قدْ نزلَ بخلُقهِ هذا إلى أسفلِ سافلينَ، ففاتهُ مطلوبُهُ؛ من كبرهِ وعُجْبهِ، وحصلَ على نقيضهِ. ومن مضارِّ الكبرِ: أنهُ صحَّ الحديثُ عن النبيِّ ﷺ أنهُ: «لا يدخلُ الجنةَ مَنْ كانَ في قلبهِ مثقالُ حبةِ خردلٍ من كبرٍ» (٢)، والنارُ مثوى المتكبرينَ. والكبرُ هوَ: «بطرُ الحقِّ وغمطُ الناسِ» (٣)، أي: احتقارُهم وازدراؤُهم. * وهذهِ الأوامرُ الحسنةُ والإرشاداتُ في هذهِ الآياتِ من الحكمةِ العاليةِ التي أوحاها اللهُ لرسولهِ ﷺ ، وهيَ من أعظمِ محاسنِ الدينِ، فالدينُ هوَ دينُ الحكمةِ التي هيَ معرفةُ الصوابِ والعملُ بالصوابِ، ومعرفةُ الحقِّ والعملُ بالحقِّ في كلِّ شيءٍ.

стр. 83

٢ - ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣] إلى آخر السورة. * العبوديةُ للهِ نوعانِ: * عبوديةٌ لربوبيةِ اللهِ ومُلكهِ: فهذهِ يشتركُ فيها سائرُ الخَلقِ، مسلمُهم وكافرُهم، فكلُّهم عبيدٌ للهِ مربوبونَ مدبَّرونَ. * وعبوديةٌ لألوهيتهِ ورحمتهِ: وهيَ عبوديةُ أنبيائهِ وأوليائهِ، وهيَ المرادُ هنا؛ ولهذا أضافها إلى اسمهِ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ تنبيهًا على أنهم إنما وصلُوا إلى هذهِ الحالِ برحمتهِ بهم ولطفهِ وإحسانهِ. فذكَرَ صفاتِهم أكملَ الصفاتِ، وبالاتصافِ بها يكونُ العبدُ متحققًا بعبوديتهِ الخاصةِ النافعةِ، المثمرةِ للسعادةِ الأبديةِ. * فوصَفَهم بأنهم: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أي: ساكنينَ متواضعينَ للهِ وللخَلقِ، فهذا وصفٌ لهم بالوقارِ والسكينةِ، والتواضعِ للهِ ولعبادهِ. * ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ أي: خطابَ جهلٍ، فإنهُ أضافَ الخطابَ لهذا الوصفِ. * ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: خاطبوهم خطابًا يَسلمونَ فيه من الإثمِ، ولا يقابلونَ الجاهلَ بجهلهِ، وهذا ثناءٌ عليهم بالرزانةِ والحلمِ العظيمِ، والعفوِ عن الجاهلِ، ومقابلةِ المسيءِ بالإحسانِ. * ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] أي: يُكْثِرونَ من صلاةِ الليلِ، مخلصينَ فيها لربِّهم، متذللينَ لهُ، كما قالَ تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الآية [السجدة: ١٦].

стр. 84

* ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٦٥] أي: ادفعْهُ عنَّا؛ بالعصمةِ من أسبابهِ، ومغفرةِ ما وقعَ منَّا مما هوَ مقتضٍ للعذابِ، ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] أي: ملازمًا لأهلِها ملازمةَ الغريمِ لغريمهِ، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]. وهذا (١) منهم على وجهِ التضرعِ لربِّهم، وبيانِ شدةِ حاجتِهم إليهِ، وأنهُ ليسَ في طاقتِهم احتمالُ هذا العذابِ، وليتذكَّرُوا منَّةَ اللهِ عليهم؛ فإنَّ صرفَ الشدةِ يَعْظمُ وقعهُ بحسبِ شدتِها وفظاعتِها. * ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] أي: النفقاتِ الواجبةَ والمستحبةَ، ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾ أي: يزيدُوا على الحدِّ؛ فيدخلُوا في قسمِ التبذيرِ وإهمالِ الحقوقِ الواجبةِ، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ فيدخلُوا في بابِ الشحِّ والبخلِ، وكان إنفاقُهم بين الإسرافِ والتقتيرِ، ﴿قَوَامًا﴾ تقومُ بهِ الأحوالُ، فإنهم يبذلونَ في الواجباتِ من الزكواتِ والكفاراتِ والنفقاتِ الواجبةِ، وفيما ينبغِي من الأمورِ النافعةِ على المحتاجينَ، وفي المشاريعِ الخيريةِ، وفي الأمورِ الضروريةِ والكماليةِ الدينيةِ والدنيويةِ، مِنْ غيرِ ضررٍ ولا إضرارٍ؛ وهذا من اقتصادِهم وعقلِهم وحسنِ تدبيرِهم. * ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] لا دعاءَ عبادةٍ، ولا دعاءَ مسألةٍ، بلْ يعبدونَهُ وحدَهُ مخلصينَ لهُ الدينَ حنفاءَ، مقبلينَ عليهِ، معرضينَ عما سواهُ.

стр. 85

* ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وهيَ نفسُ المسلمِ والكافرِ المعاهدِ، ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ كقتلِ النفسِ بالنفسِ، والزَّانِي المحصنِ، والتاركِ لدينهِ المفارقِ للجماعةِ، ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٦٨] المذكورَ، مِنْ الشركِ باللهِ وقتلِ النفسِ التي حرَّمَ اللهُ والزِّنى، ﴿يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ أي: العذابِ، ﴿مُهَانًا﴾. فالوعيدُ بالخلودِ لمنْ فعلَها كلَّها ثابتٌ في الكتابِ والسنةِ وإجماعِ الأمةِ، وكذلك لمن أشركَ باللهِ، وكذلكَ الوعيدُ بالعذابِ الشديدِ على كلِّ واحدٍ من هذهِ الثلاثةِ؛ لكونِها كلِّها من أكبرِ الكبائرِ. وأما خلودُ القاتلِ بغيرِ حقٍّ والزَّانِي في العذابِ فقدْ دلَّتْ النصوصُ القرآنيةُ وتواترَتِ الأحاديثُ النبويةُ أنَّ جميعَ المؤمنينَ وإنْ دخلُوا النارَ فسيخرجونَ منها، ولا يخلدُ فيها مؤمنٌ؛ فإنَّ الإيمانَ الكاملَ يمنعُ مِنْ دخولِها، ومطلقُ الإيمانِ ولو مثقالَ ذرةٍ يمنعُ من الخلودِ فيها كما تقدَّمَ. ونصَّ اللهُ على ثلاثةِ هذهِ الأشياءِ لأنها أكبرُ الكبائرِ، وفسادُها كبيرٌ: * فالشركُ فيه فسادُ الأديانِ بالكليةِ. * والقتلُ فيه فسادُ الأبدانِ. * والزِّنَى فيه فسادُ الأعراضِ. * ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] عن هذهِ المعاصي وغيرِها، بأنْ أقلعَ عنها في الحالِ، وندمَ على فعلِها، وعزمَ عزمًا جازمًا ألَّا يعودَ، ﴿وَآمَنَ﴾ باللهِ إيمانًا صحيحًا يقتضِي فعلَ الواجباتِ، وتركَ المحرماتِ، ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ فيدخلُ فيه جميعُ الصالحاتِ من واجبٍ ومستحبٍّ.

стр. 86

* ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ بأنْ يوفقَهم للخيرِ، [فتتبدَّلُ] (١) أقوالُهم وأفعالُهم التي كانتْ مستعدةً لفعلِ السيئاتِ، تتبدَّلُ حسناتٍ: فيتبدَّلُ شركُهم إيمانًا، ومعصيتُهم طاعةً، وتتبدَّلُ نفسُ السيئاتِ التي عملُوها، ثم أحدثُوا عن كلِّ ذنبٍ منها توبةً وندمًا وإنابةً وطاعةً، تبدَّلُ حسناتٍ كما هوَ ظاهرُ الآيةِ، ووردَ فيه حديثُ الرجلِ الذي حاسبهُ اللهُ ببعضِ ذنوبهِ، فعدَّدَها عليهِ، ثم أبدَلَ مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً … إلى آخرِ الحديثِ (٢). * ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لمن تابَ، يغفرُ ذنوبَهُ كلَّها، ﴿رَحِيمًا﴾ بعبادهِ؛ إذْ دعاهم إلى التوبةِ بعدَ مبارزتهِ بالعظائمِ، ثم وفقَهم لها، ثم قَبِلَها منهم. * ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان: ٧١] أي: فليعلَمْ أنَّ توبتَهُ في غايةِ الكمالِ؛ لأنها رجوعٌ إلى الطريقِ الموصلِ إلى اللهِ، الذي هوَ عينُ سعادةِ العبدِ وفلاحهِ، فليُخلِصْ فيها، وليُخلِّصْها من شوائبِ الأغراضِ الفاسدةِ. والمقصودُ من هذا: الحثُّ على تكميلِ التوبةِ، وأنْ تكونَ على أكملِ الوجوهِ وأجلِّها؛ لتحصلَ له ثمراتُها الجليلةُ. * ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: لا يحضرونَ الزورَ، أي: القولَ المحرمَ والفعلَ المحرمَ، فيجتنبونَ جميعَ المجالسِ المشتملةِ على كلِّ قولٍ وفعلٍ محرمٍ: كالخوضِ في آياتِ اللهِ بالباطلِ، والجدلِ الباطلِ، والغيبةِ والنميمةِ، والسبِّ والقذفِ، والاستهزاءِ وشربِ الخمرِ، والغناءِ المحرمِ، وفُرُشِ الحريرِ والصورِ، ونحوِ ذلكَ.

стр. 87

وإذا كانوا لا يشهدونَ الزورَ، فإنهم من بابِ أولى لا يفعلونَهُ ولا يقولونَهُ. وشهادةُ الزورِ داخلةٌ في قولِ الزورِ. * ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ [الفرقان: ٧٢] وهوَ: الكلامُ الذي لا فائدةَ فيه، دينيةً ولا دنيويةً، ككلامِ السفهاءِ ونحوِهم، ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ أي: نزَّهُوا أنفسَهم وأكرمُوها عن الخوضِ فيه، ورأَوهُ سفهًا منافيًا لمكارمِ الأخلاقِ. وفي قولهِ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾: إشارةٌ إلى أنهم لا يقصدونَ حضورَهُ، ولا سماعَهُ، ولكنْ يحصلُ ذلكَ بغيرِ قصدٍ، فيكرِمونَ أنفسَهم عنهُ. * ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الفرقان: ٧٣] التي أُمرُوا بالاستماعِ لها، والاهتداءِ بها، ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ أي: لم يقابلُوها بالإعراضِ عنها، والصممِ عن سماعِها، وصرفِ القلبِ عنها، كما يفعلهُ مَنْ لم يؤمِنْ بها ويصدِّقْ، وإنما حالُ هؤلاءِ الأخيارِ عندَ سماعِها كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] يقابلونَها بالقبولِ والافتقارِ إليها، والانقيادِ والتسليمِ لها؛ وتجدُ عندَهم آذانًا سامعةً، وقلوبًا واعيةً؛ فيزدادُ بها إيمانُهم، ويتمُّ بها يقينُهم، وتحدِثُ لهم فرحًا ونشاطًا واغتباطًا؛ لما يعلمونَ أنها أفضلُ المننِ الواصلةِ إليهم مِنْ ربِّهم. * ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ [الفرقان: ٧٤] أي: قُرَنائِنا: من أصحابٍ، وأخلاءَ، وأقرانٍ، وزوجاتٍ، ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ أي: تقرُّ بهم أعينُنا. وإذا استقرَأنا حالَهم وصفاتِهم عرَفْنا من علوِّ هممِهم ومراتبِهم أنَّ مقصودَهم بهذا الدعاءِ لذرياتِهم أنْ يطلبوا منهُ صلاحَهم؛ فإنَّ صلاحَ الذريةِ عائدٌ إليهم وإلى والدَيْهم؛ لأنَّ النفعَ يعودُ على الجميعِ، بلْ صلاحُهم يعودُ إلى نفعِ المسلمينَ عمومًا؛ لأنَّ بصلاحِ المذكورينَ صلاحًا لكلِّ مَنْ لهُ تعلُّقٌ بهم، ثم يتسلسلُ الصلاحُ والخيرُ.

стр. 88

* ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: أوصِلْنا -يا ربَّنا- إلى هذهِ الدرجةِ العاليةِ، درجةِ الصديقينَ والكُمَّلِ من عبادِ اللهِ الصالحينَ، وهيَ درجةُ الإمامةِ في الدينِ، وأنْ يكونوا قدوةً للمتقينَ في أقوالِهم وأفعالِهم، يُقتدَى بأقوالِهم وأفعالِهم ويُطمأنُّ إليها؛ لثقةِ المتقينَ بعلمِهم ودينِهم، ويهتدِي المهتدونَ بهم. ومِن المعلومِ أنَّ الدعاءَ بحصولِ شيءٍ دعاءٌ بهِ وبما لا يتمُّ إلا بهِ، وهذهِ الدرجةُ درجةُ الإمامةِ في الدينِ لا تتمُّ إلا بالصبرِ واليقينِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]، فهذا الدعاءُ يستلزمُ من حصولِ الأعمالِ الصالحةِ، والصبرِ على طاعةِ اللهِ، وعن معصيتهِ، وعلى أقدارهِ المؤلمةِ، ومن العلمِ النافعِ التامِّ الراسخِ الذي يوصلُ صاحبَهُ إلى درجةِ اليقينِ - خيرًا كثيرًا وعطاءً جزيلًا. * ولما كانتْ هممُهم وأعمالُهم عاليةً كان الجزاءُ من جنسِ العملِ، فجازاهم من جنسِ عملِهم فقالَ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥] أي: المنازلَ العاليةَ الرفيعةَ، الجامعةَ لكلِّ نعيمٍ روحيٍّ وبدنيٍّ؛ بسببِ صبرِهم على القيامِ بهذهِ الأعمالِ الجليلةِ، ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ من ربِّهم، ومن الملائكةِ الكرامِ، ومن بعضِهم على بعضٍ، ويَسلَمُونَ من جميعِ المنغضاتِ والمكدراتِ. * والحاصلُ: * أنَّ اللهَ وصفَهم بالوقارِ والسكينةِ، والتواضعِ لهُ ولعبادهِ، وحسنِ الأدبِ، والحلمِ وسعةِ الخلقِ، والعفوِ عن الجاهلينَ والإعراضِ عنهم، ومقابلةِ إساءتِهم بالإحسانِ.

стр. 89

* وقيامِ الليلِ والإخلاصِ فيه، والخوفِ من النارِ، والتضرعِ لربِّهم أنْ ينجيَهم منها. * وأنهم يخرجونَ الواجباتِ والمستحباتِ في النفقاتِ على وجهِ الاقتصادِ، وإذا كانوا مقتصدينَ في النفقاتِ التي جرَتْ عادةُ أكثرِ الخلقِ بالتفريطِ فيها أو الإفراطِ؛ فاقتصادُهم وتوسطُهم في غيرِها من بابِ أولى. * ووصَفَهم بالسلامةِ من كبائرِ الذنوبِ وفواحشِها، وبالتوبةِ مما يصدرُ منهم (١). * ومنها (٢): الإخلاصُ للهِ في عبادتهِ. * وأنهم لا يحضرونَ مجالسَ المنكرِ والفسوقِ، القوليةِ والفعليةِ، ولا يفعلونَها، وأنهم يتنزهونَ عن اللغوِ والأقوالِ الرديئةِ التي لا خيرَ فيها ولا نفعَ، وذلكَ يستلزمُ كمالَ إنسانيتِهم ومروءتِهم، وكمالَهم، ورفعةَ نفوسِهم عن كلِّ أمرٍ رذيلٍ. * وأنهم يقابلونَ آياتِ اللهِ بالقبولِ لها، والتفهمِ لمعانيها، والعملِ بها، والاجتهادِ في تنفيذِ أحكامِها. * وأنهم يدعونَ ربَّهم بأكملِ دعاءٍ ينتفعونَ بهِ، وينتفعُ بهِ مَنْ يتعلَّقُ بهم، وينتفعُ بهِ المسلمونَ، من صلاحِ أزواجِهم وذريتِهم، ومن لوازمِ ذلكَ سعيُهم في تعليمِهم، ووعظِهم ونصحِهم؛ لأنَّ مَنْ حَرَصَ على شيءٍ ودعا اللهَ في حصولهِ لابدَّ أنْ يكونَ مجتهدًا في تحصيلهِ بكلِّ طريقٍ؛ مستعينًا بربهِ في تسهيلِ ذلكَ.

стр. 90

* وأنهم دَعَوا اللهَ في حصولِ أعلى الدرجاتِ الممكنةِ لهم، وهيَ درجةُ الإمامةِ والصديقيةِ. فللهِ ما أعلى هذهِ الصفاتِ، وأرفعَ هذهِ الهممَ، وأجلَّ هذهِ المطالبَ، وأزكَى تلكَ النفوسَ! وللهِ فضلُ اللهِ عليهم، ولطفهُ بهم، الذي أوصلَهم إلى هذهِ المقاماتِ والمنازلِ، وللهِ الحمدُ من جميعِ عبادهِ؛ إذْ بيَّنَ لهم أوصافَهم وحثَّهم عليها، وأعانَ السالكينَ ويسَّرَ الطريقَ لمن سلكَ رضوانَهُ، واللهُ الموفقُ المعينُ.

стр. 91

٣ - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. * هذهِ الآيةُ الكريمةُ جامعةٌ لمعانِي حسنِ الخُلقِ معَ الناسِ، وما ينبغي للعبدِ سلوكهُ في معاملتِهم ومعاشرتِهم. * فأمرَ تعالى بأخذِ ﴿الْعَفْوَ﴾ وهوَ: ما سمحَتْ بهِ أنفسُهم، وسهلَتْ بهِ أخلاقُهم، من الأعمالِ والأخلاقِ؛ بلْ يقبلُ (١) ما سهلَ، ولا يكلفُهم ما لا تسمحُ بهِ طبائعُهم، ولا ما لا يطيقونَهُ، بلْ عليهِ أنْ يشكرَ من كلِّ أحدٍ ما قابلَهُ بهِ من قولٍ وعملٍ وخلقٍ جميلٍ، وما هوَ دونَ ذلكَ، ويتجاوزَ عن تقصيرِهم، ويغضَّ طرفَهُ عن نقصِهم، وعما أتَوا بهِ وعاملُوه بهِ من النقصِ، ولا يتكبرُ على صغيرٍ لصغرهِ، ولا ناقصِ العقلِ لنقصهِ، ولا الفقيرِ لفقرهِ، بلْ يعاملُ الجميعَ باللطفِ، وما تقتضيهِ الحالُ الحاضرةُ، وبما تنشرحُ لهُ صدورُهم، ويوقرُ الكبيرَ، ويحنو على الصغيرِ، ويجاملُ النظيرَ. * ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وهوَ: كلُّ قولٍ حسنٍ، وفعلٍ جميلٍ، وخلقٍ كاملٍ، للقريبِ والبعيدِ. فاجعَلْ ما يأتي إلى الناسِ منكَ: إمَّا تعليم علمٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ، أو نصيحةٌ، أو حثٌّ لهم على خيرٍ: من عبادةِ اللهِ، وصلةِ رحمٍ، وبرِّ الوالدينِ، وإصلاحٍ بينَ الناسِ؛ أو رأيٌ مصيبٌ، أو معاونةٌ على برٍّ وتقوى، أو زجرٌ عن قبيحٍ، أو إرشادٌ إلى مصلحةٍ دينيةٍ أو دنيويةٍ، أو تحذيرٌ من ضدِّ ذلكَ.

стр. 92

* ولما كان لابدَّ للعبدِ من أذيةِ الجاهلينَ لهُ بالقولِ أو بالفعلِ أمرَ اللهُ بالإعراضِ عنهم، وعدمِ مقابلةِ الجاهلينَ بجهلِهم، فمَن آذاكَ بقولهِ أو فعلهِ فلا تؤذهِ، ومَن حرمَكَ فلا تحرِمْهُ، ومَن قطعَكَ فصِلْهُ، ومَن ظلمَكَ فاعدِلْ فيه؛ فبذلكَ يحصلُ لكَ من الثوابِ من اللهِ، ومن راحةِ القلبِ وسكونهِ، ومن السلامةِ من الجاهلينَ، ومن انقلابِ العدوِّ صديقًا، ومن التبوءِ من مكارمِ الأخلاقِ أعلاها- أكبرُ حظٍّ وأوفرُ نصيبٍ، قالَ تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا (١) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. ولنقتصِرْ في هذا الموضوعِ على هذهِ الآياتِ؛ ففيها الهدَى والشفاءُ والخيرُ كلُّهُ.

стр. 93

فصل في أحكام الشرع الفروعية المتنوعة في الصلاة والزكاة مع ما ينضم إليهما من المعاني الأخرى ١ - قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٨ - ٧٩]. * هذا الأمرُ من اللهِ لعبادهِ بالصلاةِ التي أمرَ بها في آياتٍ متعددةٍ، ويأتِي الأمرُ بها في القرآنِ بلفظِ الإقامةِ كهذهِ الآيةِ، ومثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ونحوها، وهوَ أبلغُ من قولهِ: (افعلوها)؛ فإنَّ هذا أمرٌ بفعلِها وبتكميلِ أركانِها وشروطِها ومكملاتِها، ظاهرًا وباطنًا، وبجعلِها شريعةً ظاهرةً قائمةً من أعظمِ شعائرِ الدينِ. * وفي هذهِ الآيةِ: زيادةٌ عن بقيةِ الآياتِ، وهيَ الأمرُ بها لأوقاتِها الخمسةِ أو الثلاثةِ، وهذهِ هيَ الفرائضُ، وإضافتُها إلى أوقاتِها من بابِ إضافةِ الشيءِ إلى سببهِ الموجبِ لهُ: * ف (دلوك الشمس) أي: زوالها واندفاعها من المشرقِ نحوَ المغربِ، فيدخلُ في هذا: صلاةُ الظهرِ وهوَ أولُ الدلوكِ، وصلاةُ العصرِ وهوَ آخرُ الدلوكِ. * ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أي: ظلمتهِ؛ فدخَلَ في ذلكَ: صلاةُ المغربِ وهوَ ابتداءُ الغسقِ، وصلاةُ العشاءِ الآخرةِ وبها يتمُّ الغسقُ والظلمةُ. * ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: صلاةَ الفجرِ، وسمَّاها قرآنًا لمشروعيةِ إطالةِ القراءةِ فيها، ولفضلِ قراءتِها؛ لكونها مشهودةً، يشهدُها اللهُ، وتشهدُها ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ.

стр. 94

* ففي هذهِ الآيةِ الكريمةِ فوائدُ: * منها: ذكرُ الأوقاتِ الخمسةِ صريحًا؛ ولم يُصرَحْ بها في القرآنِ في غيرِ هذهِ الآيةِ، وأتتْ ظاهرةً في قولهِ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم: ١٧] الآية. * وفيها: أنَّ هذهِ المأموراتِ كلَّها فرائضُ؛ لأنَّ الأمرَ بها مقيَّدٌ في أوقاتِها، وهذهِ هيَ الصلواتُ الخمسُ، وقدْ تستتبعُ ما يتبعُها من الرواتبِ ونحوِها. * ومنها: أنَّ الوقتَ شرطٌ لصحةِ الصلاةِ، وسببٌ لوجوبِها؛ ويُرجَعُ في مقاديرِ الأوقاتِ إلى تقديرِ النبيِّ ﷺ ، كما يُرجَعُ إليهِ في تقديرِ ركعاتِ الصلاةِ وسجداتِها وهيئاتِها. * وفيها: أنَّ العصرَ والظهرَ يُجمعانِ للعذرِ، وكذلكَ المغربُ والعشاءُ؛ لأنَّ اللهَ جمعَ وقتَهما فهو وقتٌ واحدٌ للمعذورِ، ووقتانِ لغيرِ المعذورِ. * وفيها: فضيلةُ صلاةِ الفجرِ، وفضيلةُ إطالةِ القرآنِ فيها، وأنَّ القراءةَ فيها ركنٌ؛ لأنَّ العبادةَ إذا سُميتْ ببعضِ أجزائِها دلَّ ذلكَ على فضيلتهِ وركنيتهِ، وقدْ عبَّرَ اللهُ عن الصلاةِ بالقراءةِ وبالركوعِ وبالسجودِ وبالقيامِ، وهذهِ كلُّها أركانُها المهمةُ. * قولهُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] أي: صلِّ به في أوقاتهِ، ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ أي: لتكونَ صلاةُ الليلِ زيادةً لكَ في علوِّ المقاماتِ، ورفعِ الدرجاتِ، بخلافِ غيرِكَ فإنها تكونُ كفارةً لسيئاتهِ. ويُحتملُ أنْ يكونَ المعنى: أنَّ الصلواتِ الخمسَ فرضٌ عليكَ وعلى المؤمنينَ، وأمَّا صلاةُ الليلِ فإنها فرضٌ عليكَ وحدَكَ دونَ المؤمنينَ؛ لكرامتِكَ على اللهِ؛ إذْ جعلَ وظيفتَكَ أكثرَ من غيرِكَ، ومَنَّ عليكَ بالقيامِ بها؛ ليكثرَ ثوابُكَ، ويرتفعَ مقامُكَ، وتنالَ

стр. 95

بذلكَ المقامَ المحمودَ، وهوَ المقامُ الذي يحمدهُ فيه الأولونَ والآخرونَ؛ مقامُ الشفاعةِ العظمى حينَ يستشفعُ الخلائقُ بأكابرِ الأنبياءِ: آدمَ ونوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى ﵈، وكلُّهم يعتذرُ ويتأخرُ عنها، حتى يستشفعوا بسيدِ ولدِ آدمَ؛ ليرحمَهم اللهُ من همِّ الموقفِ وكربهِ، ويفصلَ بينَهم، فيشفِّعُهُ اللهُ، ويقيمُهُ مقامًا يغبطهُ بهِ الأولونَ والآخرونَ، وتكونُ لهُ اليدُ البيضاءُ على جميعِ الخلقِ، ﷺ تسليمًا كثيرًا، وأدخَلَنا في شفاعتهِ، ومَنَّ علينا بالسعيِ في أسبابِ شفاعتهِ التي أهمُّها: إخلاصُ الأعمالِ للهِ، وتحقيقُ متابعتهِ في هديهِ وقولهِ وعملهِ.

стр. 96

٢ - ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨]. * لما أمرَ اللهُ تعالى رسولَهُ خصوصًا، والمؤمنينَ عمومًا، باستقبالِ بيتهِ الحرامِ؛ أخبرَ أنَّ كلَّ أهلِ دينٍ لهم وجهةٌ يتوجهونَ إليها في عباداتِهم، وليسَ الشأنُ في القِبَلِ والوجهاتِ المعينةِ، فإنها من الشرائعِ التي تختلفُ باختلافِ الأزمنةِ، ويدخلها النسخُ والنقلُ من جهةٍ إلى أخرى، ولكنَّ الشأنَّ كلَّ الشأنِ في امتثالِ طاعةِ اللهِ على الإطلاقِ، والتقربِ إليهِ، وطلبِ الزلفى عندَهُ، فهذا هوَ عنوانُ السعادةِ ومنشورُ الولايةِ، وهوَ الذي إذا لم تتصفْ بهِ النفوسُ حصلتْ لها الخسارةُ في الدنيا والآخرةِ، كما أنها إذا اتصفتْ بهِ فهيَ الرابحةُ على الحقيقةِ، وهذا أمرٌ متفقٌ عليهِ في جميعِ الشرائعِ، وهوَ الذي خلقَ اللهُ لهُ الخلقَ وأمَرَهم بهِ. * والأمرُ بالاستباقِ إلى الخيراتِ قدرٌ زائدٌ على الأمرِ بفعلِها؛ فإنَّ الاستباقَ إليها يتضمَّنُ: الأمرَ بفعلِها، وتكميلِها، وإيقاعِها على أكملِ الأحوالِ، والمبادرةِ إليها. ومَن سبَقَ في الدنيا إلى الخيراتِ فهوَ السابقُ في الآخرةِ إلى الجناتِ، فالسابقونَ أعلى الخَلقِ درجةً. * والخيراتُ تشملُ جميعَ الفرائضِ والنوافلِ: من صلاةٍ، وصيامٍ، وزكاةٍ، وصدقةٍ، وحجٍّ، وعمرةٍ، وجهادٍ، ونفعٍ متعدٍّ وقاصرٍ. فهذهِ الآيةُ تحثُّ على الإتيانِ بكلِّ ما يكملُ هذهِ العباداتِ: من ركنٍ، وواجبٍ، وشرطٍ، ومستحبٍّ، ومكملٍ ومتممٍ، ظاهرًا وباطنًا؛ كالمبادرةِ في أولِ الوقتِ، وفعلِ السننِ المكملاتِ، والمبادرةِ إلى إبراءِ الذممِ من الواجباتِ، وفعلِ جميعِ الآدابِ المتعلقةِ بالعباداتِ. فللهِ ما أجمعَها من آيةٍ وأنفعَها!

стр. 97

* ولما كان أقوى ما يحثُّ النفوسَ إلى المسارعةِ إلى الخيراتِ ما رتبَ اللهُ عليها من الثوابِ، وما يُخشى بتفويتِها من الحرمانِ والعقابِ؛ قالَ: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ فيجمعُ اللهُ العبادَ يومَ القيامةِ بقدرتهِ، ويجازِيهم بما أسلفوهُ من الأعمالِ خيرِها وشرِّها.

стр. 98

٣ - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨ - ٢٣٩] إلى آخرِ الآيةِ. * يأمرُ تعالى بالمحافظةِ على الصلواتِ عمومًا، وعلى الصلاةِ الوسطَى -وهيَ صلاةُ العصرِ- خصوصًا؛ لفضلِها وشرفِها، وحضورِ ملائكةِ الليلِ والنهارِ فيها، ولكونِها ختامَ النهارِ. * والمحافظةُ على الصلواتِ: عنايةُ العبدِ بها من جميعِ الوجوهِ التي أمرَ الشارعُ بها وحثَّ عليها: من مراعاةِ الوقتِ، وصلاةِ الجماعةِ، والقيامِ بكلِّ ما بهِ تكملُ وتتمُّ، وأنْ تكونَ صلاةً كاملةً تنهَى صاحبَها عن الفحشاءِ والمنكرِ، ويزدادُ بها إيمانهُ، وذلكَ إذا حصلَ فيها حضورُ القلبِ وخشوعُهُ الذي هوَ لبُّها وروحُها؛ ولهذا قالَ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: مخلصينَ خاشعينَ للهِ، فإنَّ القنوتَ هوَ دوامُ الطاعةِ معَ الخشوعِ؛ ومنْ تمامِ ذلكَ سكونُ الأعضاءِ [والسكوتُ] (١) عن كلِّ كلامٍ لا تعلُّقَ لهُ بالصلاةِ. * وفيها: أنَّ القيامَ في صلاةِ الفريضةِ ركنٌ إنْ كان المرادُ بالقيامِ هنا الوقوفَ، فإنْ أُريدَ بهِ القيامُ بأفعالِ الصلاةِ عمومًا دلَّ على الأمرِ بإقامتِها كلِّها، وأنْ تكونَ قائمةً تامةً غيرَ ناقصةٍ. * ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] أي: فصلُّوا الصلاةَ رِجالًا، أي: ماشينَ على أرجلِكم أو ساعينَ عليها، أو ركبانًا على الإبلِ وغيرِها من المركوباتِ.

стр. 99

وحذَفَ المتعلقَ ليعمَّ الخوفُ من العدوِ والسبعِ، ومن فواتِ ما يتضررُ بفواتهِ أو تفويتهِ. وفي هذهِ الحالِ لا يلزمهُ استقبالُ القبلةِ، بلْ قبلتهُ حيثُما كان وجههُ، ومثلُ ذلكَ إذا اشتبهَتِ القبلةُ في السفرِ، ومثلُ ذلكَ صلاةُ النافلةِ في السفرِ على الراحلةِ، وكلُّ هذا داخلٌ في قولهِ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥]. فهذهِ صلاةُ المعذورِ بالخوفِ، فإذا حصلَ الأمنُ صلَّى صلاةً كاملةً. * ويدخلُ في قولهِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣٩] تكميلُ الصلواتِ، ويدخلُ فيه أيضًا الإكثارُ من ذكرِ اللهِ؛ شكرًا لهُ على نعمةِ الأمنِ، وعلى نعمةِ التعليمِ. * وفي الآيةِ الكريمةِ: فضيلةُ العلمِ، وأنَّ على مَنْ علَّمَهُ اللهُ ما لم يكنْ يعلمُ الإكثارَ من ذكرِ اللهِ. وفيهِ: تنبيهٌ على أنَّ الإكثارَ من ذكرِ اللهِ سببٌ لنيلِ علومِ أُخَرَ لم يكُنِ العبدُ ليعرفَها؛ فإنَّ الشكرَ مقرونٌ بالمزيدِ. * وقدْ ذكرَ اللهُ صلاةَ الخوفِ في سورةِ النساءِ في قولهِ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] (١)، فأمرَ بها على تلكَ الصفةِ تحصيلًا للجماعةِ لها، وقيامًا للألفةِ، وجمعًا بينَ القيامِ بالصلاةِ والجهادِ حسبَ الإمكانِ، وبالقيامِ بالواجباتِ معَ التحرزِ من شرورِ الأعداءِ؛ فسبحان مَنْ جعَلَ في كتابهِ الهدَى والنورَ والرشادَ، وإصلاحَ الأمورِ كلِّها.

стр. 100

فصل ٤ - قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] (١). * قدْ جمعَ اللهُ في كتابهِ في آياتٍ كثيرةٍ بينَ الأمرِ بإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ؛ لأنهما مشتركتانِ في أنهما مِنْ أهمِّ فروضِ الدينِ، ومبانِي الإسلامِ العظيمةِ، والإيمانُ لا يتمُّ إلا بهما، ومَن قامَ بالصلاةِ وبالزكاةِ كان مقيمًا لدينهِ، ومَن ضيعَهما كان لما سواهما مِنْ دينهِ أضيعَ. فالصلاةُ فيها الإخلاصُ التامُّ للمعبودِ، وهيَ ميزانُ الإيمانِ، والزكاةُ فيها الإحسانُ إلى المخلوقينَ، وهيَ برهانُ الإيمانِ؛ ولهذا اتفقَ الصحابةُ على قتالِ مانعِي الزكاةِ، وقالَ أبو بكر ﵁: «لأقاتلنَّ مَنْ فرَّقَ بينَ الصلاةِ والزكاةِ» (٢). * فقولهُ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] هذا الأمرُ موجَّهٌ للنبيِّ ﷺ ، ومنْ قامَ مقامَهُ، أنْ يأخذَ من أموالِ المسلمينَ صدقةً، وهيَ الزكاةُ، وهذا شاملٌ لجميعِ الأموالِ المتمولةِ: من أنعامٍ، وحروثٍ، ونقودٍ، وعُرُوضٍ؛ كما صرحَ بهِ في الآيةِ الأخرى: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] من النقودِ والعروضِ والماشيةِ المنماةِ، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ من الحبوبِ والثمارِ.

стр. 101

وقدْ وضحَ النبيُّ ﷺ النُّصُبَ في هذهِ الأنواعِ كلِّها، وبيَّنَ مقدارَ الواجبِ منها، وأنها عُشرُ الخارجِ من الأرضِ مما يُسقى بلا مؤنةٍ، ونصفُ عُشرهِ فيما سُقِيَ بمؤنةٍ، وربعُ العُشرِ من أموالِ التجارةِ، وذلكَ إذا حالَ الحولُ في أموالِ التجارةِ، وحصلَ الحصادُ والجذاذُ وقتَ حصولِ الثمارِ، كما هوَ صريحُ الآيةِ المذكورةِ. وأمرَ تعالى بإخراجِ الوسطِ، فلا يُظلمُ ربُّ المالِ فيؤخذُ العالي من مالهِ، إلا أنْ يختارَ هوَ ذلكَ، ولا يحلُّ لهُ أنْ يتيممَ الخبيثَ -وهوَ الرديءُ من مالهِ- فيخرجُهُ، ولا تبرأُ بذلكَ ذمتهُ إنْ كانتْ فرضًا، ولا يتمُّ لهُ الأجرُ والثوابُ إنْ كانتْ نفلًا. وبيَّنَ تعالى الحكمةَ في ذلكَ، وأنها حكمةٌ معقولةٌ: فكما أنكم لا ترضونَ ممن عليهِ حقٌّ لكم أنْ يعطيَكم الرديءَ من مالهِ الذي هوَ دونَ حقِّكم، إلا أنْ تقبلوهُ على وجهِ الكراهةِ والإغماضِ؛ فكيفَ ترضونَ لربِّكم ولإخوانِكم ما لا ترضونَهُ لأنفسِكم؟! فليسَ هذا من الإنصافِ والعدلِ. * وبيَّنَ تعالى الحكمةَ في الزكاةِ، وبيانِ مصالِحها العظيمةِ، فقالَ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فهذهِ كلمةٌ جامعةٌ، يدخلُ فيها من المنافعِ للمُعطِي والمعطَى والمالِ والأمورِ العموميةِ والخصوصيةِ شيءٌ كثيرٌ: * فقولُهُ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أي: من الذنوبِ، ومن الأخلاقِ الرذيلةِ؛ فإنَّ مِنْ أعظمِ الذنوبِ وأكبرِها منعَ الزكاةِ، وأيضًا إعطاؤُها سببٌ لمغفرةِ ذنوبٍ أخرَى، فإنها من أكبرِ الحسناتِ، والحسناتُ يذهبنَ السيئاتِ. ومن أشنعِ الأخلاقِ الرذيلةِ البخلُ، والزكاةُ تطهرهُ من هذا الخلقِ الرذيلِ، ويتصفُ صاحبُها بالرحمةِ والإحسانِ، والشفقةِ على الخلقِ.

стр. 102

* وتطهرُ المالَ من الأوساخِ والآفاتِ؛ فإنَّ للأموالِ آفاتٍ مثلَ آفاتِ الأبدانِ، وأعظمُ آفاتِها أنْ تخالطَها الأموالُ المحرمةُ؛ فهيَ للأموالِ مثلُ الجربِ تَسْحَتُهُ، وتُحلُّ بهِ النكباتِ والنوائبَ المزعجةَ، فإخراجُ الزكاةِ تطهيرٌ لهُ من هذهِ الآفةِ المانعةِ لهُ من البركةِ والنماءِ، فيستعدُّ بذلكَ للنماءِ والبركةِ، وتوجيههِ للأمورِ النافعةِ. * وأمَّا قولهُ: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فالزكاةُ هيَ النماءُ والزيادةُ: • فهيَ تنمِّي المؤتِيَ للزكاةِ: تنمِّي أخلاقَهُ، وتحلُّ البركةُ في أعمالهِ، ويزدادُ بالزكاةِ ترقيًا في مكارم الأخلاقِ ومحاسنِ الشيمِ، وتنمِّي المالَ بزوالِ ما بهِ ضررهُ، وحصولِ ما فيه خيرهُ، وتحلُّ فيه البركةُ من اللهِ؛ ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ : «ما نقصَتْ صدقةٌ من مالٍ» (١)، بلْ تزيدهُ. • وتنمِّي أيضًا المخرجَ إليهِ؛ فتسدُّ حاجتَهُ (٢). * وتقومُ المصلحةُ الدينيةُ التي تُصرفُ فيها الزكاةُ: كالجهادِ، والعلمِ، والإصلاحِ بينَ الناسِ، والتأليفِ، ونحوِها. * وأيضًا تَدفعُ عاديةَ الفقرِ والفقراءِ؛ فإنَّ أربابَ الأموالِ إذا احتكرُوها واحتجزُوها ولم يؤدُّوا منها شيئًا للفقراءِ اضطرَّ الفقراءُ وهم جمهورُ الخَلقِ، وثارُوا بالشرِّ والفسادِ على أربابِ الأموالِ؛ وبهذا ونحوهِ تسلطَتِ البلاشفةُ (٣) على الخَلقِ.

стр. 103

فالقيامُ بالدينِ الإسلاميِّ على وجههِ -بعقائدهِ وحقائقهِ وأخلاقهِ وأداءِ حقوقهِ- هوَ السدُّ المانعُ شرعًا وقدرًا لهذهِ الطائفةِ، التي بها فسادُ الأديانِ والدنيا والآخرةِ. * وأمرَ تعالى الآخِذَ منهم الزكاةَ أنْ يصليَ عليهم؛ فيدعُوَ لهم بالبركةِ؛ فإنَّ في ذلكَ تطمينًا لخواطرِهم، وتسكينًا لقلوبِهم، وتنشيطًا لهم، وتشجيعًا على هذا العملِ الفاضلِ. وكما أنَّ الإمامَ والساعيَ مأمورٌ بالدعاءِ للمزكِّي عندَ أخذِها، فالفقيرُ المحتاجُ إذا أُعطيَها من بابِ أولى أنْ يُشرعَ لهُ الدعاءُ للمعطِي؛ تسكينًا لقلبهِ، وفي هذا إعانةٌ على الخيرِ. * ودلَّ تعليلُ الآيةِ الكريمةِ أنَّ كلَّ ما أعانَ على فعلِ الخيرِ، ونشطَ عليهِ، وسكنَ قلبَ صاحبهِ؛ أنهُ مطلوبٌ ومحبوبٌ للهِ، وأنهُ ينبغِي للعبدِ مراعاتهُ وملاحظتهُ في كلِّ شأنٍ من شؤونهِ، فإنَّ مَنْ تفطنَ لهُ فتحَ لهُ أبوابًا نافعةً لهُ ولغيرهِ بلا تعبٍ ولا مشقةٍ، وأنهُ ينبغِي إدخالُ السرورِ على المؤمنينَ. * ولما أمرَ في آيةِ (البقرةِ) بالنفقاتِ قالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] غنيٌّ بذاتهِ عن جميعِ المخلوقينَ، وهوَ الغنيُّ عن نفقاتِ المنفقينَ وطاعاتِ الطائعينَ، وإنما أمرَهم بها وحثَّهم عليها لمحضِ مصلحتِهم ونفعِهم، وبمحضِ فضلهِ وكرمهِ عليهم؛ إذْ تفضَّلَ عليهم بالأمرِ بهذهِ الأعمالِ، والتوفيقِ لفعلِها التي توصلُ أصحابَها إلى أعلى المقاماتِ، وأفضلِ الكراماتِ. ومعَ كمالِ غناهُ وسعةِ عطاياهُ فهوَ الحميدُ فيما يشرعهُ لعبادهِ من الأحكامِ الموصلةِ لهم إلى دارِ السلامِ، وحميدٌ في أفعالهِ التي لا تخرجُ عن الفضلِ والعدلِ والحكمةِ، وحميدُ الأوصافِ؛ لأنَّ أوصافَهُ كلَّها محاسنُ وكمالاتٌ، لا يدركُ العبادُ كنهَها، ولا يَقْدُرُونها حقَّ قدرِها.

стр. 104

* فلما حثَّهم على الإنفاقِ النافعِ نهاهم عن الإمساكِ الضارِّ، وبيَّنَ لهم أنهم بينَ داعيينِ: * داعِي الرحمنِ: يدعُوهم إلى الخيرِ، ويعدُهم عليهِ الفضلَ والثوابَ العاجلَ والآجلَ، وخلفَ ما أنفقوا. * وداعي الشيطانِ: الذي يحثُّهم على الإمساكِ، ويخوِّفُهم إنْ أنفقُوا افتقرُوا. فمَن كان مجيبًا لداعِي الرحمنِ وأنفقَ مما رزقَهُ اللهُ فليَبْشَرْ بمغفرةِ الذنوبِ، وحصولِ كلِّ مطلوبٍ. ومَن كان مجيبًا لداعِي الشيطانِ فإنهُ إنما يدعُو حزبَهُ ليكونُوا مِنْ أصحابِ السعيرِ. فليختَرْ العبدُ أيَّ الأمرينِ أليقَ بهِ. * وختمَ الآيةَ بالإخبارِ بأنهُ: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي: واسعُ الصفاتِ، كثيرُ الهباتِ، عليمٌ بمن يستحقُّ المضاعفةَ من العاملينَ المخلصينَ الصادقينَ، وعليمٌ بمن هوَ أهلٌ لذلكَ؛ فيوفقهُ لفعلِ الخيراتِ، وتركِ المنكراتِ.

стр. 105

٥ - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]. * المرادُ بالصدقاتِ هنا: الزكاةُ، فهؤلاءِ الثمانيةُ هم أهلُها، إذا دُفعَتْ إلى جهةٍ من هذهِ الجهاتِ أجزأَتْ ووقعَتْ موقعَها، وإنْ دُفعَتْ في غيرِ هذهِ الجهاتِ لم تَجُزْ. * وهؤلاءِ المذكورونَ فيها قسمانِ: * قسمٌ يأخذُ لحاجتهِ: كالفقراءِ، والمساكينِ، والرقابِ، وابنِ السبيلِ، والغارمِ لنفسهِ. * وقسمٌ يأخذُ لنفعهِ العموميِّ والحاجةِ إليهِ، وهم البقيةُ. * فأمَّا الفقراءُ والمساكينُ فهم خلافُ الأغنياءِ، والفقيرُ أشدُّ حاجةً من المسكينِ؛ لأنَّ اللهَ بدأَ بهِ، والأهمُّ مقدمٌ في الذكرِ غالبًا، ولكنَّ الحاجةَ تجمعُ الصنفينِ. * ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم: السعاةُ الذينَ يَجْبُونها ويكتبونَها ويحفظونَها، ويقسمونَها على أهلِها، فهم يُعطَونَ ولو كانوا أغنياءَ؛ لأنها بمنزلةِ الأجرةِ في حقِّهم. * ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم: ساداتُ العشائرِ والرؤساءُ، الذينَ إذا أُعطوا حصلَ في إعطائِهم مصلحةٌ للإسلامِ والمسلمينَ: إمَّا دفعُ شرِّهم عن المسلمينَ، وإمَّا رجاءُ إسلامِهم وإسلامِ نظرائِهم، أو جبايتِها ممن لا يُعطِيها، أو يُرجَى قوةُ إيمانهم. * ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي: في فكِّها من الرقِّ: كإعانةِ المكاتبينَ، وكبذِلها في شراءِ الرقابِ لعتقِها، وفي فكِّ الأسارى من المسلمينَ عندَ الأعداءِ.

стр. 106

* ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ للإصلاحِ بينَ الناسِ، إذا كان الصلحُ يتوقفُ على بذلِ مالٍ، فيُعانونَ على القيامِ بهذهِ المهمةِ والمصلحةِ العظيمةِ، وهيَ الإصلاحُ بينَ الناسِ، ولو أغنياءَ. ومِن الغارمينَ: مَنْ ركبَتْهم ديونٌ للناسِ، وعجزوا عن وفائِها، فيُعانونَ من الزكاةِ لوفائِها. * ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: بذِلها في إعانةِ المجاهدينَ بالزادِ والمزادِ والمركوبِ والسلاحِ، ونحوِها مما فيه إعانةُ المجاهدينَ. ومن الجهادِ: التخلِّي لطلبِ العلمِ الشرعيِّ، والتجردُ للاشتغالِ بهِ. * ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهوَ: الغريبُ المنقطعُ بهِ في غيرِ بلدهِ، فيُعانُ على سفرهِ من الزكاةِ. * فاللهُ تعالى فرضَها لهؤلاءِ الأصنافِ بحسبِ حكمتهِ وعلمهِ، ووضعهِ الأشياءَ مواضعَها، فإنَّ سدَّ الكفاياتِ وقيامَ المصالحِ العموميةِ النافعةِ من الفروضِ على المسلمينَ، وهيَ على أهلِ الأموالِ شكرٌ منهم للهِ تعالى على نعمتهِ بالمالِ، وتطهيرٌ لهم ولها، ونماءٌ وبركةٌ، واتصافٌ بصفاتِ الأخيارِ، وسلامةٌ من نعوتِ الأشرارِ.

стр. 107

فصل في الطهارة بالماء والتيمم ١ - قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قولهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]. * هذهِ الآياتُ جمعَ اللهُ فيها أحكامَ طهارةِ الماءِ وطهارةِ التيممِ، والتنبيهَ على شروطِهما، وبيانَ كيفياتِهما، وذكْرَ فوائدِ ذلكَ، وثمراتهِ الطيبةِ؛ فبيَّنَ فيها الأحكامَ وحِكَمَها وأسرارَها، وهيَ أحكامٌ كثيرةٌ تُستفادُ من هذا الموضعِ. * منها: أنَّ الطهارةَ من الحدثينِ شرطٌ لصحةِ الصلاةِ؛ لقولهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ إلخ. * ومنها: أنَّ ذلكَ عامٌّ للفرائضِ من الصلواتِ والنوافلِ، فكلُّ ما يُسمَّى صلاةً فلابدَّ فيه من هذهِ الطهارةِ. * ومنها: اشتراطُ النيةِ للطهارةِ؛ لقولهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: لأجلِ الصلاةِ، فإنَّ المتطهرَ إما أنْ ينويَ رفعَ ما عليهِ من الأحداثِ، أو ينويَ الصلاةَ ونحوَها مما يَحتاجُ إلى الطهارةِ، أو ينويَهما. * ومنها: أنَّ غسلَ هذهِ الأعضاءِ لابدَّ منهُ في الحدثِ الأصغرِ: * فحدُّ الوجهِ ما يدخلُ في مسماهُ، وما تحصلُ بهِ المواجهةُ، وذلكَ من الأذنِ إلى الأذنِ عرضًا، ومن منابتِ شعرِ الرأسِ إلى ما انحدرَ من اللحيينِ والذقنِ طولًا معَ مسترسلِ اللحيةِ؛ لأنَّ هذا هوَ الذي تحصلُ بهِ المواجهةُ.

стр. 108

* وأمَّا اليدانِ فقدْ حدَّهما اللهُ إلى المرفقينِ، فقالَ العلماءُ: إنَّ ﴿إِلَى﴾ بمعنى: معَ المرفقينِ، وأيَّدوا هذا بأنَّ النبيَّ ﷺ أدارَ الماءَ على مرفقيهِ، وكذلكَ يُقالُ في الرجلينِ: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. * وأمَّا الرأسُ فإنهُ يتعينُ استيعابُ مسحهِ؛ فإنَّ اللهَ أمَرَ بمسحهِ، والباءُ للإلصاقِ الذي يقتضِي إلصاقَ المسحِ بهذا الممسوحِ، وليستِ للتبعيضِ. * ومنها: أنَّ الترتيبَ بينَ هذهِ الأعضاءِ الأربعةِ شرطٌ؛ لأنَّ اللهَ رتبَها، وأدخلَ عضوًا ممسوحًا بينَ الأعضاءِ المغسولةِ، ولا يُعلمُ لهذا فائدةٌ سوى الترتيبِ، وعمومِ قولهِ ﷺ : «أبدأُ بما بدأَ اللهُ بهِ» (١)، فهوَ وإنْ كان واردًا في الحجِّ فإنهُ يعمُّ كلَّ شيءٍ، معَ أنَّ جميعَ الواصفينَ لوضوئهِ ﷺ ذكروهُ مرتبًا. * ومنها: أنَّ الموالاةَ شرطٌ أيضًا، ووجْهُ ذلكَ أنَّ اللهَ تعالى ذكَرَ الوضوءَ مقترنًا بعض الأعضاءِ ببعضٍ بالواوِ الدالةِ على اجتماعِ هذهِ العبادةِ بوقتٍ واحدٍ، فإذا فرَّقها في وقتينِ لم تكن عبادةً واحدةً، كما لو فرَّق الصلاةَ؛ وبفعلِ النبيِّ ﷺ الدائمِ الذي كأنكَ تشاهدهُ أنهُ كان يوالِي بينَ أعضاءِ وضوئهِ، وهذا أولى من استدلالِ كثيرٍ من أهلِ العلمِ بقصةِ صاحبِ اللُمْعةِ الذي أمرَهُ النبيُّ ﷺ أنْ يعيدَ الوضوءَ كلَّهُ، فهوَ وإنْ كان فيه بعضُ الدلالةِ على هذهِ المسألةِ، لكنْ يحتملُ أنَّ أَمْرَهُ بالإعادةِ كأمرِ المسيءِ في صلاتهِ أنْ يعيدَ؛ لأنهُ رآهُ مخلًّا بوضوئهِ غيرَ متممٍ لهُ.

стр. 109

* ومنها: بيانُ الطهارةِ الكبرى، كيفيتِها وذكرِ سببِها. فكيفيتُها: أنْ يطهرَ العبدُ جميعَ ظاهرِ بدنهِ بالماءِ؛ لقولهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فلم يخصَّهُ بعضوٍ أو بأعضاءٍ معينةٍ، بلْ جعلَ اللهُ التطهيرَ لجميعِ البدنِ، فعلى المتطهرِ أنْ يعمِّمَ التطهيرَ لجميعِ ظاهرِ بدنهِ وما تحتَ الشعورِ، خفيفةً أو كثيفةً، وأنْ يكونَ ذلكَ غسلًا لا مسحًا. * ومنها: أنَّ طهارةَ الحدثِ الأكبرِ لا ترتيبَ فيها، ولا موالاةَ. * ومنها: أنَّ من أسبابِها الجنابةَ، والجنابةُ قدْ عرَفَها المسلمونَ عن نبيِّهم ﷺ أنها: إنزالُ المنيِّ يقظةً أو منامًا وإنْ لم يكنْ جماعٌ، أو الجماعُ وإنْ لم يحصُلْ إنزالٌ، أو وجودُ الأمرينِ كليهما. وقدْ بيَّنَ اللهُ أيضًا في (سورةِ البقرةِ) سببًا آخرَ للاغتسالِ، وهوَ الحيضُ، في قولهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأضافَ التطهيرَ فيها إلى البدنِ كلهِ كالجنابةِ، ويشملُ ذلكَ النفاسَ. وأمَّا التطهيرُ من إسلامِ الكافرِ وتطهيرِ الميتِ فإنهُ يُؤخذُ من السنةِ. * ومنها: ما استدلَّ بهِ كثيرٌ من أهلِ العلمِ في قراءةِ الجرِّ (١) في قولهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ أنها تدلُّ على مسحِ الخفينِ الذي بينَتْهُ السنةُ وصرحَتْ بهِ، وأمَّا قراءةُ النصبِ (٢) في ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ فإنها معطوفةٌ على المغسولاتِ.

стр. 110

* ومنها: مشروعيةُ التيممِ، وأنَّ سببَهُ أحدُ أمرينِ: * إمَّا عدمُ الماءِ؛ لقولهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. * أو التضررُ باستعمالهِ؛ لقولهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾، فكلُ ضررٍ يعترِي العبدَ إذا استعملَ الماءَ فإنهُ يسوِّغُ لهُ العدولَ إلى التيممِ، وأنواعُ الضررِ كثيرةٌ. وأمَّا ذكرُ السفرِ فلأنهُ مظنةُ الحاجةِ إلى التيممِ لفقدِ الماءِ، كتقييدِ الرهنِ في السفرِ، لا لأنَّ السفرَ وحدَهُ مسوغٌ للتيممِ كما ظنهُ بعضُ الناسِ، وهوَ منافٍ لقولهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. * ومنها: أنَّ التيممَ بكلِّ ما تصاعدَ على وجهِ الأرضِ، سواءٌ كان لهُ غبارٌ أم لا، إذا كان طيبًا غيرَ خبيثٍ، والخبيثُ هوَ: النجسُ، في هذا الموضعِ. * ومنها: أنَّ التيممَ خاصٌ بعضوينِ: بالوجهِ، واليدينِ. * وأنَّ اليدينِ عندَ الإطلاقِ وعدمِ التقييدِ هما الكفَّانِ، كما في آيةِ السرقةِ، وإذا قُيدَتْ -كما في آيةِ الوضوءِ إلى المرفقينِ- تَقيدَتْ بذلكَ. * ومنها: التنبيهُ على ما يوجِبُ الطهارةَ الصغرى وهوَ: * الإتيانُ من الغائطِ، يعني: خروج الخارجِ مِنْ أحدِ السبيلينِ. * وملامسةُ النساءِ لشهوةٍ. * والسنةُ بينَتِ الوضوءَ من النومِ الكثيرِ، ولمسِ الفرجِ، وأكلِ لحومِ الإبلِ على اختلافٍ من أهلِ العلمِ في ذلكَ.
следующие страницы →