← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1463

الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق

ابن تيمية

Полный текст (326 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

علمي قال كلٌّ ما خطر له وتخيله. وهؤلاء كثيرًا ما تخيلوا أشياء لا حقيقة لها يظنونها في الخارج (١)، ويسمي الخيالَ أرضَ الحقيقة، ويعظِّمُ أمرَه. ولعمري إن الخيال الباطل الواسع هو (٢) من إلقاء الشيطان، والوسواس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. ثم إنه انتقل من هذا الترتيب إلى أن جعل العقل أولًا، ثم الروح، ثم القلب، ثم النفس، وهذه أمور في الإنسان لا في الخارج، فجعل هذا مثل هذا، وهو كلامٌ باطل لا يدل عليه شرع ولا عقل، بل يعلم بطلانه بالشرع والعقل. وقد قدمنا الكلامَ في ذلك (٣)، وبينّا أن ذات الإنسان واحدة، ولكن لها صفات متعددة، فباعتبار كلِّ صفة يسمى باسم. فأمَّا أن يكون روح الإنسان أو بدنه أعيانًا قائمة بأنفسها هي أجسام أو جواهر قائمة بأنفسها، إحداها: العقل، والثاني: الروح، والثالث: النفس= فهذا باطلٌ قطعًا. وأيضًا فقول القائل: «ظهر» يُفهم منه في اللغة المعروفة أنه ظهر لغيره فعرفه، أو رآه بعد أن لم يكن كذلك، مع كونه كان موجودًا في نفسه، كما يقال: ظهر الهلالُ وظهرت الشمس ونحو ذلك. وهؤلاء قد يريدون بالظهور نفس الوجود ويقولون عن الموجودات: مظاهر الحق ومَجَالِيْه، وليس مرادهم أنه عُرِف بها ودلَّت عليه وشهدت له [م ٨٦] بل مرادهم أنه انكشف موجودًا فيها، وهو لم يزل فيها عندهم، لكنه ظهر للسالك ما لم يكن ظاهرًا له.

стр. 282

وكانوا أخذوا عن مشكاة صاحب «الأنوار» (١) لمّا سمى الحقَّ نورًا بما يناسب هذا، وتبعه عليه ابنُ رشد الحفيد، فاختار له من الأسماء اسم النور، والنور يُقال فيه: أشرق وظهر ونحو ذلك. فيقال: إن أُريد بظهور الحق في هذه الأمور نفس وجود ذاته فيها، فهذا صريح الحلول والاتحاد. وإن أُريد به أنه عُرِف وعُلِم، فكلُّ ما في الوجود من شواهد الحقِّ وأعلامه ودلائله وآياته، وهذا حكمٌ يَعُمُّ المخلوقات، ويتناول جميع المصنوعات، سواء سُمِّيت مُحْدَثات أو ممكنات، أو غير ذلك. فكل ما سوى الله فقير إليه من كل وجه، محتاج إليه حاجةً مطلقة عامة، فلا وجود لذاته ولا شيء من أحواله وأوصافه إلا بالله، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فوجود كل منها مستلزمٌ لوجود الحقِّ، وكلُّ ملزومٍ فهو دليلٌ على اللازم، كما أن كل دليل فهو ملزومٌ لمدلوله. وكون هذه الموجودات محتاجةً إلى الله، ودليلًا عليه، أمر ذاتيٌّ لها لازم، لا يمكن أن تكون إلا كذلك، فكما أن الخالق غنيٌّ بذاته عن كل شيء يمتنع لذاته أن يكون فقيرًا بوجهٍ من الوجوه، فما سواه فقير لذاته يمتنع أن يكون غنيًّا عن الله بوجهٍ من الوجوه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. والموجود إما قديم وإما محدَث، والمحدَث لا يكون محدَثًا إلا بقديم. وكذلك الموجود إما واجب لنفسه وإما ممكن، والممكن لا يكون موجودًا إلا بواجب لنفسه. وكذلك الموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق، والمخلوق لا بدَّ له من

стр. 283

خالق غير مخلوق، فلا بدَّ من الموجود الذي ليس بمخلوق. وكذلك الموجود إما غنيّ وإما فقير، والفقير لا يوجد إلا بالغني، فلابدَّ من الغَنِيّ على كل حال وتقدير. وهذا لأن تقدير مخلوقات أو مُحْدَثات أو فُقراء أو ممكنات ليس فيها خالق قديم غنيّ واجب بنفسه= أفسد من تقدير مُحْدَث بلا مُحْدِث، ومخلوق بلا خالق، وفقير بلا غني، وممكن موجود بغيره بلا واجب موجود بنفسه. فإنه كلما كَثُرت المحدَثات والممكنات والمخلوقات كان افتقارها إلى المحْدِث الواجب الخالق أعظم من افتقار الواحد، فإذا لم يكن فيها موجود بنفسه لم يكن فيها موجود، فتكون كلها معدومات، وكثرة المعدومات التي ليس موجود فيها بنفسه يوجب كثرة حاجتها إلى الموجِد (١). [م ٨٧] وهذا مع أنه من الضروريات المتفق عليها بين العقلاء فهو مبسوط في غير هذا الموضع (٢). ولهذا اتفق العقلاء على امتناع التسلسل والدور في المؤثِّر، سواء سُمِّي فاعلًا أو خالقًا أو موجبًا أو علة أو غير ذلك. ولكن تنازعوا في التسلسل في الآثار كما بسطناه في موضعه (٣). والدور نوعان: فالدَّور القَبْلي كالدور في المؤثِّرات والعلل والفاعل،

стр. 284

متفقٌ بين العقلاء على امتناعه. وأما الدور المعيّ الاقتراني: وهو أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا، فهذا ليس ممتنعًا لذاته، بل ممكن في الجملة، كمَعْلولي العلة كالأبوَّة مع البُنوَّة، وكذلك إذا كانا غنيين عن الفاعل، كصفات الرب الأزلية مع ذاته المقدسة، فإنه لا يوجد شيء من ذلك إلا مع الآخر، وهو سبحانه بصفاته الأزلية غني عن الفاعل والمؤثِّر، وهذا كله مبسوط في موضعه (١). والمقصود أن كون المخلوقات آيات للرب ﵎ ودلائل وشواهد ومظاهر، بمعنى أنها تدلُّ وتعرِّف وتشهد بما شهد به القرآن، واتفق عليه أهل الإيمان، وعُلِمَ ثبوته بالبُرهان. بل آياته المخلوقة دلت على صِدْق آياته المتلوَّة، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] حتى يتبين لهم أن القرآن حَقٌّ، فالضمير عائد على ما تقدم وهو الذي قيل فيه: إن كان من عند الله ثم كفرتم به، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] أي: شهادته بما أنزله من القرآن كافية، وهو مع هذا أظهر للعيان في الأنفس والآفاق ما بَيَّن أن القرآن حق، فيتفق السماع والعيان، وبرهان القرآن والغيب، وبُرهان الحق والشهادة، ويتفق علمه وعلم الله الذي أنزله على الرسول، وعالمه الذي تستدل به العقول، ويتصادق العقل والشرع والرأي والسمع.

стр. 285

وأما كون ذاته ــ سبحانه ــ نفسها تحلّ في مخلوقاته، فهذا هو الباطل، سواء سُمِّي ذلك ظهورًا وتجليًا أو لم يُسَمَّ، فكثيرًا ما يتكلم فيه أهلُ الضلال بالألفاظ التي فيها إجمال، إمَّا ضلالًا وإما إضلالًا، وقد يتكلم بالمجمل من لا يَضِل ولا يُضِل، لكن مع ما يُبيّن (١) به المراد، فالذين في قلوبهم زيغٌ يتبعون المتشابه ويَدَعُون المُحْكم، كفِعْل النصارى وأمثالهم من أهل الضلال الذين نزل بسببهم ما أنزل الله في كتابه في آل عمران (٢). * * * *

стр. 286

[م ٨٨] فصل ورد عن عمر بن الخطاب ﵁: «لا تظنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من مسلم شرًّا وأنت تجدُ لها في الخير مَحْملًا» (١). وقال: «احمل أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه» (٢)، وقد قال الله: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. ونحن لا نحمل كلامَ رجلٍ على ما لا يسوغ إذا وجدنا له مساغًا، ولولا ما أوجبه الله نصيحةً للخلق (٣) ببيان الحق لمَا كان إلى بيان كلام هذا وأمثاله حاجة، ولكن كثيرٌ من الناس يأخذون الكلام الذي لا يعلمون ما اشتمل عليه من الباطل، فيقتدون بما فيه اعتقادًا وعملًا، ويَدعُون الناسَ إلى ذلك. وقد يرى بعض المؤمنين ما في ذلك من الخطأ والضلال لكن يهاب ردَّه، إما خوفًا أن يكون حقًّا لا يجوز رَدُّه، وإما عجزًا عن الحجة والبيان، وإما خوفًا من المنتصرين له، فيجب نصح المسترشد، ومعونة المستنجد، ووعظ المتهوِّر والمتلدِّد (٤)، وبيان الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله

стр. 287

عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فلهذا وغيره نذكر ما تحتمله الكلمة من المعاني، لاحتمال أن يكون قصَدَ بها صاحبُها حقًّا، ما لم يتبين مرادُه، فإذا تبين مراده لم يكن بنا حاجة إلى توجيه (١) الاحتمالات. فقد يقال: هذا الشيخ لم يقصد بكلامه الحلول والاتحاد لا مطلقًا ولا معينًا، وإنما تكلم في المقام الذي يسمونه: مقامَ الفناء والاصطلام، وهو أن يغيب السالك بمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعبوده عن عبادته، وبموجوده عن وجوده. كما يقال: إن شخصًا كان يحب آخر، فألقى المحبوبُ نفسَه في اليمِّ، فألقى المُحِبُّ نفسه، فقال: أنا وقعتُ فما أوقعك؟ فقال: غبتُ بكَ عني، فظننتُ أنَّك أنِّي (٢). وهذه الحال تعرض لطائفة من أهل سلوك طريق الله وعبادته ومحبته، وتعرض ــ أيضًا ــ لمن يحب غير الله، فيغلب ذكر المحبوب على القلب، حتى لا يخطر للمحب تلك الساعة لا نفسه ولا غيره، ثم لقوة استيلاء ذلك على قلبه، واستتباع قلبه لحواسه، يخيل إليه أنما يسمع هو كلام ذلك المحبوب الذي في قلبه، وما يراه هو هو، وقد يظن أن الذي في قلبه هو في الخارج، وليس ذلك إلا في قلبه.

стр. 288

وما يُذكر عن بعض (١) النُّساك والزهاد أنهم يقولون: إنهم يرون الله بأعينهم في الدنيا= هو من هذا الباب .... [م ٨٩] ... (٢) ولهم صدق في العبادة والزهد (٣). وكثير من الشيوخ والمتكلمين في المعرفة، ومنازل السائرين، وحقائق التوحيد= يظنون أن هذا المقام ــ مقام الفناء ــ هو غاية السالكين، وهو منتهى الواصلين. وكذلك المتفلسفة الذين تكلموا في مقامات العارفين، كابن سينا في «الإشارات»، وأبي بكر بن الطفيل صاحب «رسالة حي بن يقظان»، وغيرها (٤) = عندهم أن هذا هو غاية العارفين. وهؤلاء المتفلسفة أمرهم على أصلين فاسدين: أحدهما: أن كمال الإنسان ونهايته هو مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه، وجعلوا جنس الأخلاق والعبادات والأعمال ونحو ذلك، إنما يُطْلَب لكونه وسيلة إلى المعرفة فقط، فهي تُقْصَد قَصْد الوسائل فقط، كما تُركَب الإبل وتُقطع المسافة لأجل الحج، ولهذا استخفَّ هؤلاء بجنس المحبة

стр. 289

والإرادة والعبادة والعمل، لكون ذلك عندهم إنما مقصوده (١) تهذيب النفس وإعدادها لحصول ما هو عندهم العلم. والأصل الثاني الفاسد الذي بنوا عليه أمرَهم، فإنهم لما رأوا أن مجَرَّد العلم هو الغاية والكمال الذي يحصل للإنسان، لم يكن عندهم علم إلا ما علموه من العلم الذي يسمونه هم: الإلهي، وذلك العلم منتهاه هو العلم بالوجود المطلق الكلي، وهو [ما] يسمونه: العلم الأعلى، والفلسفة الأولى، ويقولون: هو النظر في الوجود ولواحقه، ويقولون: موضوع العلم الأعلى هو الوجود، ومعلومٌ أن مُسمى الوجود المشترك من الموجودات إنما هو في الذهن، وإنما العلم الأعلى هو العلم بالله، والله هو الأعلى على كلِّ شيء مِن كلِّ وجهٍ، كما قال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فالعلم به أعلى العلوم، وإرادة وجهه أفضل الإرادات، ومحبته أفضل المحبات. وهؤلاء يتكلمون في الوجود المطلق، وانقسامه إلى واجب وممكن، وعلة ومعلول، وانقسام العلة إلى العلل الأربعة (٢): المادة والصورة، وهما عِلَّتا ماهية الشيء في نفسه. والفاعل والغاية، وهما عِلتا وجود ذلك. وانقسامه (٣) إلى جوهر وعرض، وانقسام الجوهر إلى خمسة أقسام: العقل، والنفس، والمادة، والصورة، والجسم. وانقسام الأعراض إلى تسعة،

стр. 290

وهذه التسعة مع الجوهر هي المسمَّاة بالمقولات (١) العشر عندهم، وهي الأجناس العالية للموجودات. ثم الأعراض هل هي [م ٩٠] تسعة، أو خمسة، أو ثلاثة؟ في ذلك نزاع ليس هذا موضعه، وهي: الكم، والكيف، والأين، ومتى، والوضع، والإضافة، والملك، وأن يفعل، وأن ينفعل، وقد جمعها بعضهم في بيتين، فقال (٢): زيد الطويل الأسود بن مالك ... في داره بالأمس كان يتَّكِي في يده سيف نَضَاه فانتضى ... فهذه عشرة مقالات (٣) سوا وكلامهم في هذه الأمور بعضه حق وبعضه باطل، ليس هذا موضع تفصيل ذلك. ولكنَّ المقصود أن غايتهم معرفة وجودٍ مطلق هو الأعلى عندهم، والوجود المطلق لا يكون مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان، فهذه العلوم العقلية الإلهية التي يجعلونها غاية كمال الإنسان، وبها ينال كمال السعادة، غاية معلوماتها أمور مطلقة، كُلِّيات لا توجد إلا في الأذهان لا في الأعيان، كالعلم بالعدد المجرَّد عن المعدودات. ويقولون: العلومُ ثلاثة:

стр. 291

علمٌ مُتعلق بالمادة في الذهن والخارج وهو العلم الطبيعي، وهو الكلام في الجسم وما يلحق ذلك من حده وأنواعه، وأنواع أنواعه، كالكلام في الجسم مطلقًا، ثم الكلام في السماء والعالم، ثم الكلام في الآثار العلوية، ثم الكلام في المولدات من الحيوان والنبات والمعادن وأنواع ذلك، وهو أوسع علومهم. وعلمٌ متعلق بالمادة (١) في الخارج لا في الذهن، وهو العلم الرياضي، كعِلْم العدد والمقدار، ومنه علم الهندسة. وعلمٌ لا يتعلق بالمادة لا في الذهن ولا في غيره، وهو علم ما بعد الطبيعة باعتبار العالِمين، وهو علم ما قبلها باعتبار الموجود المعين، وسماه متأخروهم الذين دخلوا في ملة الإسلام: العلم الإلهي. وهذا العلم إذا حُقّق (٢) عليهم لم يكن معلومه إلا أمور مطلقة تقوم في الأذهان لا حقيقة له في الخارج، فإن الوجود المطلق وأنواعه وأنواع أنواعه، هذا كله أمور مطلقة كلية لا توجد في الخارج، وإنما توجد مطلقة في الذهن. وأما العلم بواجب الوجود؛ فهو عندهم جزء من هذا العلم، مع أن واجب الوجود الذي يصفونه لا وجود له في الخارج، بل وجوده في الخارج ممتنع كما قد بُسِطَ في موضعه.

стр. 292

والعقول العشرة التي يثبتونها إذا حُقِّق الأمر فيها لم يكن لها ــ أيضًا ــ وجود إلا في الأذهان لا في الأعيان، [م ٩١] بل يسمونها: مجردات، هي عند التحقيق ما يُجَرِّده العقل من المعقولات الكلية التي انتزعها من المحسوسات. والمعقولات الكلية المنتزعة من المحسوسات هي أمور ثابتة في الذهن، وهي أمور كلية، سواء كانت شيئًا مفردًا أو كانت قضية مركَّبة من موضوع ومحمول. وإذا حُقِّق الأمرُ على القوم فلا يثبتون موجودًا في الخارج إلا الفلك وما حواه، وما يثبتونه من العقليات غير ذلك، فلا وجود لها في الحقيقة إلا في الذهن، وهذه جملة مختصرة مبسوطة في غير الموضع نَبَّهنا عليها هنا لارتباط الكلام بها (١). والذين تصوَّفوا وتألَّهوا وسلكوا مسلك التحقيق والعرفان على طريقة هؤلاء كان منتهاهم إثبات هذا الموجود (٢) المشهود، وهو الفلك وما حواه، وهذا غاية ابن سبعين وابن عربي والتلمساني وأمثالهم. وهو حقيقة قول فرعون، لكنَّ هؤلاء سموا هذا: الله، وظنوا أنه الله، وفرعون كان أحذقَ منهم وأخْبَر، فعَلِمَ أنه ليس هو الله، وكان يثبت صانع العالم، لكن جَحَده ظلمًا وعلوًّا، لهذا لمَّا قال لموسى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، قاله على طريق استفهام الإنكار، يقول: هذا الذي تقول إنه

стр. 293

أرسلك، ما هو؟ عَرِّفنا به؟ فأجابه موسى جوابَ من يعرف أنه يعرفه، ويظهر إنكاره، ويقول: هو أعْرَف من أن يُعَرَّف، وأبيَنُ من أن يحتاج إلى إظهار، وهو معروف عندك. كما لو جاء رجل برسالة من عند عمر بن الخطاب إلى بعض أعراب المدينة، فقال ذلك الأعرابي: ما هو هذا عمر؟ فقال له الرسول: هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي ولَّى عليكم فلانًا، وفعل بكم كذا وكذا، وذلك الأعرابيُّ يعلم ذلك لكن تجاهل. فهذه كانت حال فرعون مع موسى. وأما مَن يقول: إنه سأله طالبًا لتعريفه الحقيقة بالجنس والفصل، وأنَّ موسى عَدَل عن ذلك إلى التعريف بالأفعال، فهذا كلامُ طائفةٍ من المتأخرين الغالطين، فإنَّ فرعون كان منكرًا لوجوده، وهو القائل: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، والطالبُ لتعريف الحقيقة يكون مُقِرًّا بالوجود، على أن الجواب بذكر الماهية المركَّبة من الجنس والفصل قد تكلَّمنا عليها في غير هذا الموضع، وبيَّنا بعضَ ما وقع فيه من غلط المنطقيين (١). فهؤلاء المتفلسفة ضلالهم في كمال النفس وسعادتها مركَّبٌ من أصلين: ظَنُّهم أن الكمال هو [م ٩٢] مجرَّد العلم، وظنهم أن ذلك العلم هو ما عندهم من العلم الإلهي الذي ليس فيه علم بالإله، بل هو من أعظم الجهل بالإله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

стр. 294

ولهذا كان منتهى الفلاسفة الإلهيين هو بداية الداخلين في الملل دخولًا حقيقيًّا من اليهود والنصارى فضلًا عن المسلمين، لكن تسلطوا على كثير من المنتسبين إلى الملل، لِمَا فَرَّطوا فيه من معرفة ما جاءت به الرسل من العلم الإلهي الذي هو أشرف العلوم. فطائفة من الناس توافقهم على الأصل الأول دون الثاني، وهو مَن يظنُّ أن كمال النفس وغايته هو مجرّد العلم، لكن يعلم أنهم مُخَلِّطون في العلم الإلهي، فيطلب هو علم ذلك من الجهة التي نفوها (١). وهذا حال كثير من الناس. وفي كلام أبي حامد أحيانًا إشارة إلى ذلك، هو قريب من مذهب جَهْم بن صفوان ومَن وافقه، كالصالحي (٢)، والأشعري ــ في أحد قوليه ــ الذي جعل الإيمان مجرد العلم بالله. لكن جهمٌ وأتباعه خير من هؤلاء من جهتين (٣): من جهة أن ما عندهم

стр. 295

من العلم بالله أكثر وأصح مما عند هؤلاء، ومن جهة أن الأعمال عندهم لها ثواب وعقاب، ومن جهة أن لهم من المعرفة بكتاب الله وملائكته ورسوله وغير ذلك من معارف من جنسه (١) ما ليس لهؤلاء. وإذا كان جَهْمٌ خيرًا من هؤلاء من جهات كثيرة، وقد عُرِف كلام السلف والأئمة في جهم فكيف يكون هؤلاء عند سلف الأمة وأئمتها؟! ولهذا يوافقون جهمًا على نفي الصفات، وهم وجهمٌ في ذلك أشدّ من المعتزلة، وهم يميلون إلى الجبر والإرجاء كمذهب جهم، فهم بالجهمية أشبه منهم بالمعتزلة، وإن كانت الجهمية خيرًا منهم من وجوه كثيرة. وما يذكرونه من سعادة النفوس بعد الموت والطريق إلى ذلك= فيه من الجهل والضلال ما الله به عليم! ومن خبَرَ كلامَ أئمتهم كابن سينا عَلِم أنهم يعلمون من أنفسهم أنه ليس عندهم بذلك علم، وإنما يتكلمون فيما لا علم لهم به، كما تَمثَّل به الشهرستاني (٢) بقول القائل: فدَعْ عنك الكتابةَ لستَ منها ... ولو سَوَّدت وجهَك بالمِداد (٣) وأبو محمد بن حزم مع تعظيمه للفلاسفة ولعلومهم، وتصنيفه في المنطق وغيره، وتعظيمه للمنطق، وأن كلامهم (٤) وكلام المعتزلة والجهمية

стр. 296

عنده حتى نفى [م ٩٣] الصفات، وأراد أن يجمع بين ذلك وبين ما جاءت به الرسل، فقال ما لا حقيقة له ولا يعقل، وأثبت ألفاظًا لا معنى لها، وقال: وقف العلم عند معرفة الصفات، وكان هذا من تَحَمْيرهم وتَحَمْير الجهمية فيه= اعترف مع ذلك بأنه ليس عندهم علم بما يُنجي ويُسْعِد بعد الموت، فقال بعد تعديد علومهم؛ من المنطق والطبيعي والرياضي، وذِكر ما جاءت به النبوة: قال: «والوجه الثالث من منفعة ... (١) ما جاءت به النبوة هو التقديم بنجاة النفوس (٢) بعد خروجها من هذه الدار من الهَلَكة التي ليس معها ولا بعدها شيء من الخير، ولا بأقل ولا بأكثر (٣)، فلا سبيلَ إلى معرفة حقيقة مراد الخالق منا (٤)، ولا إلى معرفة طريق خلاصنا إلا بالنبوة. وأما بالعلوم الفلسفية التي قدمنا فلا أصلًا، ومن ادَّعى ذلك فقد ادَّعى الكذب؛ لأنه يقول بذلك بلا برهان البتة، وما كان هكذا فهو باطل، ولا يعجز أحد عن الدعوى، وليست دعوى أحد أولى من دعوى غيره بلا برهان. ثم البرهان قائم على بطلان هذه الدعوى؛ لأن الفلاسفة الذين يستند إليهم هذا المدَّعي مختلفون في أديانهم كاختلاف غيرهم سواء سواء، فوجب طلب الحقيقة من ذلك عند من قام البرهانُ (٥) على أنه إنما يخبر عن خالق

стр. 297

العالم ومدبره . قال: وهذا مكانٌ يُلزم العالمَ (١) الناصح لنفسه أن لا يجعل كدَّه ولا سعيه (٢) ولا اجتهاده إلا في الوقوف على حقيقته، وإلا فهو موبقٌ لنفسه، وأن لا يشتغل عن ذلك بعلمٍ يقلّ نفعه. ومن فَعَل ذلك فهو ضعيف العقل، فاسد التمييز، سيئ الاختيار، مستحقُّ الذم، جانٍ على نفسه أعظم الجنايات» (٣). قلت: وضلالهم نشأ من جهتين: من جهة كونهم لا يعقلون ولا يسمعون، كما قال تعالى في أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٨ - ١٠]. فإنَّ ما دخلوا فيه من العقليات في الإلهيات فيه ضلالٌ عظيم مخالف لصريح العقل. وأما السمعيات فقد عُلِمَ إعراضهم عنها مع جهلهم، وهم يدَّعون النجاة. والسعادةُ بعد الموت تُحَصَّل بما عندهم من العلوم والأعمال؛ من الأخلاق وسياسة المنزل والبدن (٤) [م ٩٤] وهذا باطل قطعًا، فإنه قد ثبت باليقين الذي لا يحتمل النقض: أن مَن لم يؤمن بالرسول فلا نجاة له ولا

стр. 298

سعادة، ولو حَصَّل جميعَ علومهم، واتصف بما يأمرون به من الأخلاق والتدبير والسياسة، حتى لو قُدِّر أن ما عَلَّقوا به النجاةَ والسعادةَ من العلوم والأخلاق بوحي من الله، كما كان ذلك معلقًا بما جاء به موسى وعيسى والنبيون= لكان بعضُ ذلك منسوخًا بما بعث الله به محمدًا ﷺ ، فكيف وليس الأمر كذلك؟! ولهذا كان مَن لم يعتصم بالملل منهم شرًّا من اليهود والنصارى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فقد بيَّن أن الموجب للنجاة والسعادة في الدار الآخرة هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وهؤلاء مقصِّرون غاية التقصير فيما عندهم من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، ولو قُدِّر أن الذي عندهم كافٍ في السعادة إذا كانوا صابئين فاليهود والنصارى خير منهم. ثم مَن لم يؤمن بما جاء به محمد ﷺ من اليهود والنصارى فهو كافر شقيٌّ مُعَذَّب في الآخرة، فكيف إذا كان من الصابئين الحنفاء؟! فكيف إذا كان من هؤلاء الفلاسفة الذين هم من الصابئة المشركين، وقد بيَّن الله سبحانه أن الدين عند الله الإسلام، وأنه لا يقبل دينًا غيره، ولهذا كان الإسلامُ دينَ جميع النبيين. و أصل دين الإسلام: أن يُعبد الله وحدَه لا شريك له (١). وهؤلاء

стр. 299

الفلاسفة لا يوجبون عبادة الله، ولا يحرِّمون عبادة ما سواه، فهم خارجون عن الإسلام العام الذي لا يَسْعَد أحدٌ إلا به، ولا يقبل الله دينًا سواه. فهذا أصلٌ يجب معرفته، وأنه في كل زمان ومكان إنما تَحْصُل السعادة بعد الموت بالإيمان والإسلام، لكن شرع بعض الشرائع تحت شرائع الأنبياء (١). وأما حصول السعادة بمجرد ما يدَّعيه هؤلاء من العلم، أو العلم والأخلاق، فهذا باطلٌ معلوم الفساد، مع أنه ليس لهم عليه دليل صحيح. ولمَّا كان أصل هؤلاء: أن العبادات والأخلاق إنما هي وسائل إلى مجرد العلم، كان المصنفون على طريقهم في الفلسفة كابن سينا والرازي في «المباحث المشرقية» (٢) وغيرها، يجعلون الكلام في الأخلاق والسياسات المنزلية والبدنية تنتظمُ الكلامَ في الشرائع الإلهية التي جاءت بها الأنبياء، كمباني الإسلام الخمس من الصلاة والزكاة والصيام والحج، فيجعلون هذه وأمثالها تتعلق [م ٩٥] بعلوم الأخلاق والسياسات. ومقصود ذلك إما سياسة الأخلاق وإما سياسة العالم للعدل في الدنيا ودفع ظلم بعضهم عن بعض، لا لأن ذلك يوجب السعادة في الآخرة، ولا جزء من الموجب للسعادة، ولا هو بنفسه كمالٌ للنفس، بل هو متعة (٣) للنفس، ووسيلة لها إلى كمالها.

стр. 300

ولهذا في كلام أبي حامد صاحب «الإحياء» ما يميل إلى هذا، كجعله منفعة علم الفقه في الدنيا فقط، وكما يذكره من أن مقصود علوم المعاملات تصفية النفس فيحصل لها علم المكاشفة (١). وتقسيم الأمر إلى ملك وملكوت وجبروت ــ وهي معاني الفلاسفة، وعُبِّر عنها بعبارات إسلامية ــ لم يقصد بها الرسول ما يقصده هؤلاء، فإن هؤلاء يعنون بالمُلك: الأجسام، وبالملكوت والجبروت: النفوس والعقول. والنبيُّ ﷺ قال في ركوعه وسجوده: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعَظَمة» (٢) لم يُرِد هذا ... (٣)، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣]، وقوله: ﴿(٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: ٧٥] لم يُرِد هذا ... (٤). ولهذا يفرقون، فطائفة منهم تقول: من حصل له العلم الذي هو عندهم الغاية لم يجب عليه ما يجب على الناس من الصلوات وغيرها، بل قد يُباح له ما لا يُباح لغيره من الفواحش والمظالم، ومن هنا دخلت القرامطة الباطنية، وصاروا يسقطون عن خواصهم واجبات الإسلام، ويبيحون لهم ما

стр. 301

حَرَّمه الله ورسوله. وكانوا في ذلك أسوأ حالًا من أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دينَ الحقِّ من الذين أوتوا الكتاب، ومن هنا دخل كثير من الفلاسفة. والمتكلمون والصوفية لا يرضون مذهب القرامطة الباطنية، بل منهم من يقول: إذا بلغ الإنسان الغاية في العلم أو المعرفة سقطت عنه الواجبات، وقد يتأوّل بعضُهم قولَه تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، وقد تقدم الكلامُ على هذه الآية (١). والمقصود هنا التنبيه على أصولِ أقوال الناس، ومنشأ ضلال الضالين، ليُعْرَف ذلك فيُزْهَد فيه، ويُرغَب في الصراط المستقيم، صراطِ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فأما الأصل ... (٢) فليُعْلَم أنه كما أن العلم بالله مقصود، فمحبة الله ــ أيضًا ــ مقصودة، فلا يكفي النفس مجرَّد أن تعرف الله دون أن تحبة وتعبده، وهذا أصل ملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء الذي اتخذه الله خليلًا. وقد ثبت في «الصحيح» (٣) عن النبي ﷺ [م ٩٦]: «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا»، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، والعبادةُ تتضمَّن كمالَ المحبة له، وكمال الذل له.

стр. 302

فلو قُدِّر أن الإنسان عَلِم كلَّ عِلْم، ولم يكن مُحِبًّا لله عابدًا له، كان شقيًّا معذَّبًا، ولم يكن سعيدًا في الآخرة، ولا ناجيًا من عذاب الله. والله تعالى أرسل جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادته تتضمن محبته وتعظيمه ومعرفته. وقد أنكرت الجهمية والمعتزلة والكُلَّابية وغيرهم، ومَن اتبع هؤلاء من الفقهاء محبةَ ذاتِ الله، وقالوا: إنَّ ذات الربِّ لا تُحَب، وإن ما ورد به الشرع من محبته فالمراد به محبَّة طاعته، ومحبة الربِّ للعباد معناها إثابته، أو إرادة إثابته. وعلى هذا القول قُتِلَ الجعدُ بن درهم حين ضَحَّى به خالد بن عبد الله القَسْري، والقصة مشهورة (١) ... (٢) والعلة هو إنكار المحبة والكلام ... (٣) ضلَّ من ضلَّ من طوائف أهل البدع والكلام. ومن أنكر أن الله يُحِبُّهُ عبادُه، ويُحِبُّ عبادَه، فقد أنكر أصل ملة إبراهيم، وهذا قد وقع فيه طوائف من المشهورين بالعلم في كتب أصول الدين وغيرها، وأضافوا فيه من الأصول الفاسدة التي تلقوها عن الجهمية. وهؤلاء الملاحدة من المتفلسفة وغيرهم موافقون لأعداء إبراهيم

стр. 303

وموسى، كفرعون ونمروذ، الذين لم يتبعوا الرسل فيما أمروهم به من عبادة الله وحده لا شريك له. وهذا هو دين الإسلام الذي لم يبعث الله نبيًّا إلا به، فهو الدين الذي لا يقبل الله ممن ابتغى دينًا غيره، ولا أن يُعبد الله ويُعبد (١) غيره، فمن عبد الله وغيرَه فهو مشرك، والله لا يغفرُ أن يُشْرَك به، ومن استكبر عن عبادته فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، ولهذا نجد هؤلاء الذين يستكبرون عن عبادة الله يُبتلون بمن يُذِلُّهم حتى يستعبدهم من الملوك ونحوهم، فهم يستكبرون عن عبادة الله ويعبدون ما سواه!! وكثير من المنتسبين إلى العلم يُبتلى بالكِبْر كما يُبتلى كثيرٌ من أهل العبادة بالشرك، ولهذا فإن آفة العلم الكِبْر، وآفة العبادة الرياء، وهؤلاء يُحْرَمون حقيقة العلم، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]. قال أبو قِلابة: منع قلوبَهم فهمَ القرآن (٢). ولهذا كان الكِبْر كثيرًا في اليهود وأشباه اليهود، الذين يعلمون الحقَّ ولا يتبعونه، والشرك كثير في النصارى [م ٩٧] وأشباه النصارى، الذين يعملون ويعبدون بغير علم.

стр. 304

والمهتدون (١) هم الذي يعلمون الحق ويعملون به، كما قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «اليهودُ مغضوبٌ عليهم والنصارى ضالون» (٢)، ولا يحصل اتباع الصراط المستقيم إلا بالعلم الواجب والعمل اللذين يُتَّبَع فيهما رسول الله ﷺ . فلابدَّ من عِلْم ولابدَّ من عمل، وأن يكون كلاهما موافقًا لما جاء به الرسول، فيجب العلم والعمل والاعتصام بالكتاب والسنة، ولهذا قال مَن قال مِن السلف: الدين قولٌ وعملٌ وموافقة السنة. ولفظ بعضهم: لا ينفع قولٌ إلا بعمل، ولا ينفع قولٌ وعملٌ إلا بمتابعة السنة (٣). وقد قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. ولهذا كان مذهب الصحابة وجماهير السلف من التابعين لهم بإحسان وعلماء المسلمين: أن الإيمان (٤) قولٌ وعمل، أي: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح. وأما من صدَّق بقلبه الرسولَ، وعرف أن ما جاء به حقٌّ، مع أنه يبغضه

стр. 305

ويستكبر عن عبادة الله وطاعته، كإبليس وفرعون والنمروذ واليهود، فهذا من أعظم الكافرين كفرًا. وقد كان جهم ومَن وافقه [يقولون: إن الإيمان] مجرَّد تصديق القلب أو مجرد معرفة القلب، [و] (١) أنَّ كل من يثبت أنه كافر في الباطن، فإنه لا يكون إلا لارتفاع ما بقلبه من التصديق والمعرفة. فعندهم يمتنع أن يبغضَ الرسولَ مَن عَرَف وصدَّق بقلبه أنه رسول الله. ومعلومٌ أن هذا مكابرة للحس والعقل والشرع، وهو من جنس أقوال الفلاسفة: إن كمال النفس في مجرد أن تعلم. بل من المعلوم بالضرورة بعد التجربة والامتحان أن الإنسان قد يعرف أن هذا رسول الله، وما في قلبه من محبة الرياسة والحسد له ونحو ذلك، يوجب أن يبغضه ويعاديه أعظم من معاداة من جهل أنه رسول الله. وقد قال تعالى في حق آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وإبليس لم يكن كفره بتكذيب، فإنه لم يُبعث إليه الرسول، بل أمره الله بالسجود فاستكبر عن ذلك، [م ٩٨] فكان كُفْره مِن (٢) تَرْك الخضوع والعبادة لله لا من باب التكذيب لخبره. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، ومعرفتها من أهم الأمور، فإنَّ بها يعرف الإيمان وسعادة الإنسان، وما بعث

стр. 306

الله به الرسل. والمقصود هنا أن هؤلاء كصاحب «الإشارات» ابن سينا وأتباعه، مثل صاحب «رسالة حي بن يقظان» وغيره، لمَّا اعتقدوا أن غاية الإنسان هو العلم، وهؤلاء علموا من العلم الإلهي الذي جاء به الرسول ما تميزوا به على سلفهم اليونان، فإن الذي عند أولئك من العلم الإلهي نَزْرٌ قليل مُخبط، فهو لحم جَملٍ غَثٍّ على رأس جَبَلٍ وَعْر، لا سَهلٌ فيُرتقى ولا سمين فيُنتقى. وكلام أرسطوا صاحب التعاليم في «علم ما بعد الطبيعة» كلام قليل ذكره في كتاب «أثولوجيا» (١) ونحوه، وأما كلامهم الكثير في العلم الطبيعي، وهو الكلام في أحوال الأجسام الفلكية والعنصرية والمولدات من النبات والمعادن والحيوان، فلهم في ذلك كلام كثير. وأما العلم الإلهي؛ فكلامهم فيه مع أنه قليل، ففيه خطأ كثير، وفيه من الجهل البسيط والمركَّب أعظم مما في كلام المبتدعة المنتسبة إلى الملة كالجهمية ونحوهم. وقد تكلم ابن سينا وأتباعه على مقامات العارفين (٢)، وأرادوا أن يجمعوا بين طريقة أهل البحث والنظر وأهل العبادة والتألُّه على أصولهم. تكلم ابن سينا في مقامات العارفين، وكذلك ابن (٣) الطفيل صاحب «رسالة حي بن يقظان»، وأبو عبد الله الرازي يقول: ليس في كتابه أفضل من كلامه في

стр. 307

مقامات العارفين، وما ذكره في ذلك فكلامه هو من أدنى كلام أهل المعرفة والتصوف، وقد جعل غايتهم فناء العارف حتى يغيب عن نفسه وغيره. وهذا قول طائفة من الصوفية جعلوا الفناء هو منتهى سلوك العارفين، وطائفة أخرى يجعلونه من اللوازم في طريق العارفين، وكلُّ ذلك خطأ، بل هذا الفناء أمر يعرض لبعض السالكين، ليس من لوازم الطريق فضلًا عن أن يكون هو منتهى سلوك السالكين، ليس من لوازم الطريق فضلًا عن أن يكون هو منتهى سلوك السالكين. ولهذا لم يقع هذا الفناء للصحابة الذين هم أفضل الخلق بعد الأنبياء، فضلًا أن يقع لرسول الله ﷺ ، وذلك أن مضمونه نقص المعرفة وعدم العلم، وليس هذا من صفات الكمال، بل إذا كان العبد يذكر الله ويعرفه معرفةً مفصلة، متناولةً لأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، وشهد المخلوقات يدبِّرها الخالق ويُصَرِّفها بمشيئته، كما هو الأمر عليه في نفسه، كان هذا المشهد أكمل [م ٩٩] وأتمّ من مشهد أهل الفناء والاصطلام. وقد قدَّمنا (١) أن لفظة الفناء تطلق على ثلاثة أمور: أحدها: أن يفنى العبد بعبادته عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حبِّ ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، فهذا حال أهل التوحيد والإخلاص كالرسل وأتباع الرسل، وهذا هو أصل ملة إبراهيم، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. وهذا الفناء مقرون بالبقاء، فإن نفي إلهيَّةِ ما سوى الله مقرون بإثبات

стр. 308

إلهيته . وفي هذا الفناء تكلم طائفةٌ من أكابر المشايخ كالشيخ عبد القادر وغيره, فيأمرون الإنسان أن يفنى عن هواه وعن الالتفات إلى الخلق، بالإخلاص لله، والعمل بما أمر به، ويبينون أن أصول السلوك ثلاثة أمور: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. والأمر الثاني: من المعاني التي يعبِّرون عنها بلفظ الفناء، هو الفناء عن شهود السِّوى، وهو أن يفنى بمعبوده عن عبادته، وبمعروفه عن معرفته، ويسمَّى الاصطلام والمَحْو، وهذا خيال يعرض لبعض السالكين، وهو حالٌ ناقِص ليس هو الغاية، ولا يعرض للكاملين كنبينا ﷺ ، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهذا كحال (١) الغَشْي وذهاب العقل يعرض لبعض السالكين. والثالث: هو الفناء عن وجود السِّوى، وهو أن يرى الوجود واحدًا، أو وجود الخالق وجود المخلوق، وهذا حال الفرعونية القائلين بوحدة الوجود، كابن سبعين وابن عربي وابن الفارض والقُونوي والتلمساني ونحوهم، وهؤلاء مع إلحادهم وجهلهم وتناقض أقوالهم شرعًا وعقلًا، يجعلون ما هم عليه هو غاية التحقيق والتوحيد والعرفان! ! وهم مع مَن قبلهم، ومَن هو أقرب إلى الإسلام منهم، .... (٢) مع من هو خير منهم كالشيعة والمعتزلة ونحوهم، فإنهم أخذوا ما في مذاهب هؤلاء من البدع الفاسدة كالتجَهُّم، ونفي الصفات، وادعاءِ باطنٍ للكتاب والسُّنَّة

стр. 309

يخالف ظاهرهما، وجعلوا ذلك حجَّةً عليهم فيما نازعوهم. فقالوا للجهمية والمعتزلة: أنتم توافقونا على نفي الصفات، وأن إثباتها يتضمَّن التشبيه والتجسيم والتركيب، وذلك باطلٌ، فيلزمكم نفي الأسماء [م ١٠٠] أيضًا، فإن الأسماء تتضمن الصفات؛ إذ الحي يتضمن الحياة، والعليم يتضمن العلم، والقادر يتضمن القدرة. فجعلوا موافقتهم لهم على نفي الصفات حجةً لهم على نفي الأسماء، فإن ما فَرُّوا منه بزعمهم من التشبيه والتركيب ثابت في المسمَّى بالأسماء، كما هو ثابت فيما هو متَّصِف بهذه الصفات. وأهل السُّنَّة المثبتون للأسماء والصفات يحتجون على المعتزلة بعكس هذه الطريقة، فإن المعتزلة نفاة الصفات لمَّا قالت لأهل السنة المثبتين للصفات: إن العلم والحياة والقدرة والكلام والإرادة أعراض لا تقوم إلا بجسم، فإنَّا لا نعقل موصوفًا بهذه الصفات إلا جسمًا، فإذا أثبتم الصفات لزم التجسيم. قال لهم أهل السنة المثبتون: أنتم قد وافقتمونا على أنه حيٌّ عليم قدير، مع أنكم لا تعقلون مُسَمًّى بهذه الأسماء إلا جسمًا، فما كان جوابكم عن الأسماء فهو جوابنا عن الصفات. وذلك أن كلَّ من نفى شيئًا من الأسماء والصفات التي نطق بها الكتاب والسنة فرارًا من محذور، فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما فرَّ منه فيما نفاهُ، فإذا نفى الغضبَ والمحبةَ وأثبت الإرادةَ والسمعَ والبصر، بناءً على أن الغضب والحبّ الذي يُعْقَل هو ما يتصف به العبد، وذلك ممتنع في حقِّ الله.

стр. 310

قيل له: الإرادة والسمع والبصر الذي يُعْقَل هو ما يتصف به الإنسان، وذلك ممتنع في حقِّ الله تعالى. فإذا قال: هذه الصفات ثابتة لله على ما يليق به من غير أن تماثل صفاته صفات المخلوقين. قيل له: وكذلك سائر الصفات هي ثابتةٌ لله على ما يليق به من غير أن تماثل صفات المخلوقين، فهو سبحانه مُتَّصفٌ بصفات الكمال مُنَزَّهٌ عن النقص بكل وجه، ومُنَزَّه عن أن يماثله غيره في شيء من صفاته. والتنزيه [ينبني على هذين الأصلين: الأول] (١): وهو تنزيهه تعالى عن النقص والعيب بكل وجه، وذلك داخل في معنى اسمه القدوس السلام؛ فإنه مستحق لصفات الكمال، وهي من لوازم ذاته، فكل ما نافى كماله اللازم له وجب نفيه عنه لامتناع اجتماع الضدَّين، وبهذا تبيَّن أن تنزيهه عن النقائص يُعْلَم بالعقل. فإن طائفةً من النُّظار كصاحب «الإرشاد» (٢) وشيعته قالوا: إنما يُعْلَم نفي النقائص بالسمع، وهو مبسوط في موضعه (٣)، فإن الرب تعالى مستحق لصفات الكمال، وهي لازمة له، يمتنع وجوده بدونها، كالحياة والقيومية والعلم والقدرة. والحياةُ والقيومية تنافي السِّنَة والنوم. والعلمُ [م ١٠١] ينافي

стр. 311

النسيان والجهل. والقدرةُ تنافي العجز واللغوب، وأمثال ذلك. والأصل الثاني: أنه ليس له كفوًا أحد في شيء من صفاته، فلا يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته. فمن نفى صفاته كان معطِّلًا، ومن مثَّلها بصفات خلقه كان ممثِّلًا، ولهذا كان مذهب السلف والأئمة: إثبات الصفات على وجه التفصيل، ونفي النقص والتمثيل (١)، إثباتٌ بلا تمثيل، وتنزيهٌ بلا تعطيل، فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ على الممثِّلة، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [الشورى: ١١] ردٌ على المعطِّلة. ومَن فَرَّق بين صفة وصفة من صفات الكمال كان قوله متناقضًا. فإن قال النافي: أنا أنفي جميع الأسماء والصفات، كما يقوله غلاة الجهمية والباطنية والقرامطة والاتحادية. قيل له: إمَّا أن تُثبت موجودًا واجبًا قديمًا خالقًا، وإما أن لا تثبته، فإن أثبتَّه فقد أثبتَّ واجبًا وممكنًا، وقديمًا وحادثًا، وخالقًا ومخلوقِيْن، وهما يتفقان في مسمَّى الوجود والشيء والذات، وأحدهما متميز عن الآخر بما يخصه، وهذا هو الذي فررتَ منه. وإن نفيت الوجود الواجب القديم، قيل لك: أنت تعلم أن ثَمَّ موجودًا، وكل موجودٍ فإما ممكن، وهو ما قَبِل العدم، ويكون وجوده بغيره، وإمَّا واجب الوجود، وهو الموجود بنفسه الذي لا يفتقر إلى غيره. وهو أيضًا إما حادث ــ وهو ما كان بعد أن لم يكن ــ وإما قديم ــ وهو ما لم يزل ــ. وهو

стр. 312

أيضًا إمَّا مخلوق ــ وهو ما خَلَقه غيره ــ وإمَّا غير مخلوق. وهو أيضًا إما فقير إلى غيره، وإما غني ليس فقيرًا (١) إلى غيره، وكل ممكن فلابد له من واجب، وكل مُحْدَث فلابد له من قديم، وكل مخلوق فلابد له من خالقٍ غير مخلوق، وكل فقير فلابد له من غنيّ. فإنَّ وجود الممكن بدون الواجب ممتنع، وكذلك وجود المُحْدَث بدون المُحْدِث، والمخلوق بدون الخالق، والفقير بدون الغنيّ. فثبت أنه لابد في الوجود من موجِد غنيّ قديم خالق واجب بنفسه. فإن قال: أنا أجعله وجود جميع الموجودات، كما يقول أهل وحدة الوجود. قيل له: نحن بالمشاهدة والضرورة نعلم أن من الموجودات ما يوجد بعد عدمه، ويعدم بعد وجود، كما نشاهده من أنواع الحيوانات والنباتات والمعادن والسحاب والمطر وغير ذلك مما يحدث بعد عدمه ويُعدم بعد وجوده. والإنسان [م ١٠٢] يعلم أنه كان بعد أن لم يكن، ويعلم أن بدنه يستحيل، وأمثال ذلك كثير، وكلُّ من عُدِمَ مُدَّة فليس بواجب الوجود ولا قديم، فإن واجب الوجود لا يقبل العدم بوجهٍ من الوجوه. فقد عُلِمَ بالحسِّ وضرورة العقل، أن الموجود ينقسم إلى واجب وإلى ممكن، وقديم ومُحْدَث، وخالق ومخلوق، وغني بنفسه وفقير إلى غيره. وعُلِمَ أيضًا أنهما متفقان في مسمّى الوجود والثبوت والشيء والحقيقة

стр. 313

وغير ذلك، ويمتاز كلٌّ منهما عن الآخر بخصائصه. وليس اتفاقهما في ذلك بمعنى أن في الخارج عن العلم والذهن معنًى واحدًا يشتركان فيه، بل كل ما في الخارج من الموجودات فهو مختص بما هو موجود في الخارج، فصفات كل موصوف قائمة به، لا يَشْركه فيها غيره، ولكن يتفقان في معنًى عامّ كلّي لا يوجد مطلقًا كلِّيًّا إلا في الذهن، والكُلِّي لا يكون كليًّا إلا في الأذهان لا في الأعيان. ولكنْ طائفةٌ من النُّظار غَلِطوا في هذا الموضع، فظنوا أنه إذا قيل: هذان يتفقان في مسمى الوجود، ففي الخارج وجود هو بعينه ثابتٌ لكل منهما. وظنوا أن من قال ذلك فإنه يقول: وجود الشيء زائد على ماهيته التي هي حقيقته. وأن من قال: إن لفظ الوجود والشيء والثابت يُقال بالتواطؤ العام، سواء كان المعنى العام يتفاضل يسمى مشكَّكًا أو لم يكن كذلك= فإن مذهبهم أن وجود كل شيء زائدٌ على ماهيته. ومَن قال: إن وجود الشيء في الخارج هو حقيقته الخارجة، فإنه يجعل لفظ الوجود مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا، وهو غلط؛ فإن مذاهب أئمة النظار والمتكلمين: أن لفظ الوجود والشيء ونحوهما من الأسماء العامة التي تسمَّى متواطئة ليس من الأسماء المشتركة لفظيًّا كلفظ «المشتري» الذي يُقال على قابل البيع وعلى كوكب في السماء. ثم إن مذهب نُظَّار أهل الإثبات كالأشعري وغيره: أن وجود كل شيء هو حقيقته الموجودة في الخارج، مع قولهم بأن اسم الوجود عام على كل متواطئ، ومن نَقَل عن هؤلاء أنهم قالوا: لفظ الوجود مشترك اشتراكًا لفظيًّا فقد غَلِط عليهم، كما يوجد ذلك في كلام أبي عبد الله الرازي، وأبي الحسن الآمدي، وغيرهما ممن تبع الشهرستاني في ذلك.

стр. 314

فإن قالوا ذلك لِمَا ظنوه لازمًا له، حيث كان من نفاة الأحوال، وممن يقول: [م ١٠٣] المعدوم ليس بشيء، ووجود كل شيء عنده عين حقيقته الموجودة في الخارج= فظنَّ هؤلاء أن هذا يلزمه أن يجعل لفظ الوجود مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا، إذ لو كان عامًّا متواطئًا للزم اشتراك الموجودات في مسمَّى الوجود، وامتياز كلِّ واحد عن الآخر بما يخصه، فتكون الحقيقة زائدة على الوجود. وهذا غلط منهم، فإن نُظَّار أهل الإثبات لا يجعلون في الخارج كليًّا مشتركًا، وإذا قالوا: إن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود لم يقولوا: إن في الخارج موجودًا يشترك فيه هذا وهذا. [وكذلك إن] (١) قالوا: إن الأشياء تشترك في مسمَّى الشيء، والذات تشترك في مسمَّى الذات، والحقائق تشترك في مسمَّى الشيء والذات والحقيقة. وكذلك إذا قيل: الماهية (٢) فإنها تشترك في مسمى الماهية. ومن المعلوم أن الاشتراك في هذه الأسماء لا يوجب أن يكون بين ذات هذا المعيَّن وذات هذا المعيّن في الخارج شيئًا مشتركًا فيه، إذ لو كان كذلك لما كان لشيء من الأشياء شيء يختصُّ به، فإن أخصَّ الأشياء به نفسه وذاته. فإذا قيل: الذات مشترك لم يختص به شيء، وإذا قيل: الذاتان يشتركان في مسمى الذات وإحداهما مختصَّة عن الأخرى بما تختص فيها من مسمَّى الذات، فذلك المختص فيه أيضًا لفظ الذات ... (٣) كل شيء فإنه يتميز عن

стр. 315

الآخر بنفسه، لا يفتقر إلى متميز عن غيره بشيء آخر، فإن ذلك الشيء إن تَمَيَّز بنفسه فقد ثبت أن الشيء متميز بنفسه، وإن كان بشيء آخر لزم التسلسل في المتميزات في آنٍ واحد، وهو من جنس التسلسل في المؤثرات، وهو باطل باتفاق العقلاء. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (١). والمقصود هنا التنبيه على أنه لابد من الاعتراف بموجودَيْن قديم وحادث، واجب وممكن، خالق ومخلوق، وأنْ لا بُدَّ من اتفاقهما في بعض الأسماء والصفات، وذلك لا يوجب تماثلهما في شيء من الأشياء، فإنه إذا قيل: هذا شيء موجود قائم بنفسه، وهذا شيء موجود قائم بنفسه، لم يكن بينهما تماثُل في شيء من الأشياء، بمعنى أن ما ثبت لأحدهما في الخارج لا يماثل ما ثبت للآخر، لكن اتفقا في مسمَّى القَدْر المشترك. فإن قال القائل: قد تماثلا فيه بمعنى أنهما متماثلان في الكلِّيّ الذهني دون الموجود الخارجي، لم يُنازع في ذلك [م ١٠٤] فإن المقصود أن ما ثبت لأحدهما لا يماثله فيه الآخر, وأما في الذهن فليس مختصًا بأحدهما، بل ولا هو قائمًا بأحدهما. فإذا قيل: لفظ الوجود أو العلم أو الحياة أو القدرة أو العليم أو الحكيم أو غير ذلك، فله ثلاثة (٢) اعتبارات. أحدها: أن يختص بالمخلوق، فيقال: وجود العبد أو علمه أو قدرته، أو يقال: هذا الإنسان العالم أو الحكيم. فالرب تعالى مُنَزَّهٌ عن كلِّ ما يختص بالمخلوقين، وليس الربُّ متصفًا بشيء من ذلك، فضلًا عن أن يماثل ذلك.

стр. 316

الثاني: أن يختصَّ بالخالق، فيقال: وجوده وذاته وعلمه وقدرته، أو يقال: إن الله عليم حكيم، ونحو ذلك، فهذا مختصٌّ بالرب تعالى لا يَشْركه فيه المخلوق بوجهٍ من الوجوه. وبهذا يتبين امتناع التشبيه فيما وَصَفَ اللهُ به نفسَه، فإنه لم يذكر من ذلك شيئًا إلا مضافًا إلى نفسه بما يوجب اختصاصه، ويمنع مشاركة غيره له فيه كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ونحو ذلك، فأضافَ العلمَ والقوة واليد إلى الله إضافةً توجب اختصاصه بذلك، وتمنع مشاركة غيره له فيه بوجه من الوجوه، فإذا كان الموصوف لا يماثل الموصوفات وجب أن تكون صفته لا تماثل الصفات، ودل على ذلك نفس اختصاصه بجهة الإضافة. ومَن قال حينئذ: إن العلم والقوة واليد لا يفهم منه إلا ما يقوم بالمخلوقين= كان جاهلًا أو متجاهلًا، فإن ذلك إنما يكون عند الإضافة إلى المخلوق، فأما عند الإضافة الموجبة لتخصيص الخالق فهذا كلام باطل. الاعتبار الثالث: أن يقال: اللفظ إذا كان مطلقًا عامًّا لا يختصُّ بخالق ولا مخلوق، كما يقول: موجودٌ وذاتٌ وقدرةٌ ويدٌ، ونحو ذلك، فهذا المطلق لا يختص بالخالق ولا بالمخلوق، بل اللفظ يتناول الاثنين، لكن هذا المشترك لا وجود له في الخارج عقلًا، ولا لَفْظه موجودٌ في الكلام سمعًا، بل موجود مطلق يتناولهما جميعًا، لا يختص بخالق ولا مخلوق، ولا يوجد في الخارج، ولا هو موجود في كلام الله ورسوله، وإنما [م ١٠٥] يجرّد (١) لفظًا ومعنى، إذا

стр. 317

قيل: الموجود ينقسم إلى قديم ومحْدَث، وواجب وممكن، ونحو ذلك، فيجرِّد العقلُ المعنى المطلقَ العامَّ المشترك، ويجرد من اللغة لفظًا مطلقًا (١)، ثم نقول: ما كان من لوازم هذا المشترك فإنه لا نقص فيه ولا محذور، وإنما النقائص من لوازم المختص بالمخلوقات، والربُّ تعالى مُنَزَّه عن كل ما يختص بالمخلوقات، فأما ما كان مختصًّا به أو كان من لوازم هذه الأمور العامة الكلية، فإنه صفة كمال. فما كان من لوازم الوجود القديم الواجب الخالق، أو كان من لوازم مطلق الوجود فإنه صفة كمال لا نقص فيه، وإنما النقص فيما كان من لوازم الوجود المخلوق. [وإذا عرف] (٢) العاقل هذه الأمور، فإنه يزول بها عنه شبهات كثيرة، وقد بُسِطَ الكلام عليها في غير هذا الموضع. وإنما نبهنا هنا على بعض ما يتعلق بكلام هؤلاء ــ أهل الوحدة ــ. والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (٣). * * * *

стр. 318

- فهرس المراجع - أبو الحسن الشاذلي: عصره، تاريخه، علومه، تصوفه، لعلي سالم عمار، مطبعة دار التأليف، ط الأولى، ١٩٦٢. - أبو الحسن الشاذلي: عصره، تاريخه، علومه، تصوفه، لعلي سالم عمار، دار رسائل الجيب الإسلامية، ط الأولى، ١٩٥١. - إتحاف السادة المتقين، للزبيدي، دار إحياء التراث العربي. - الإجماع في التفسير، محمد الخضيري، دار الوطن، ط الأولى. - الإحاطة في أخبار غرناطة، للسان الدين ابن الخطيب، ت محمد عنان، دار الخانجي، ط ٣، ١٣٩٣. - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، لابن بلبان، ت شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط الأولى. - إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٦. - إخبار العلماء بأخبار الحكماء، للقفطي، ت عبد المجيد دياب، دار ابن قتيبة، بدون تاريخ. - الأدب المفرد، للبخاري، ت رفعت فوزي، دار الخانجي، ط الأولى، ١٤٢٢. - الأذكار، للنووي، ت عبد القادر الأرناؤوط، دار الهدى، ط ٢، ١٤٠٩. - الاستقامة، لابن تيمية، ت محمد رشاد سالم، طبع جامعة الإمام، تصوير مكتبة ابن تيمية. - الإشارات، لابن سينا، ت سليمان دنيا، ط المعارف، ١٩٥٧ - ١٩٦٠. - الاعتصام، للشاطبي، ت رشيد رضا، وأحمد عبد الشافي، دار الكتب، ط ١، ١٤٠٨. - الاعتقاد، للبيهقي، ت أحمد أبو العينين، دار ابن حزم، ط الأولى، ١٤٢٠. - الأعلام، للزركلي، دار العلم للملايين، ط الثامنة، ١٤٠٨. - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، ت مشهور سلمان، دار ابن عفان، ط الأولى، ١٤٢٥.

стр. 319

- أعيان العصر وأعوان النصر، للصفدي، ت جماعة، مركز جمعة الماجد بدبي، ط ١، ١٤١٨. - إغاثة اللهفان، لابن القيم، ت عفيفي، المكتب الإسلامي والخاني، ط الثانية، ١٤٠٩. - اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية، ت ناصر العقل، وزارة الشؤون الإسلامية، ط ٧، ١٤١٩. - الأمالي، للمحاملي، ت القيسي، المكتبة الإسلامية، ط ١، ١٤١٢. - بدائع الفوائد، لابن القيم، ت علي العمران، دار عالم الفوائد، ط الأولى، ١٤٢٤. - البداية والنهاية، لابن كثير، ت عبد الله التركي، دار هجر، ط الأولى، ١٤١٨. - بغية المرتاد، لابن تيمية، ت موسى الدويش، مكتبة العلوم والحكم، ط الثالثة، ١٤٢٢. - بيان الدليل على بطلان التحليل، لابن تيمية، ت الخليل، دار ابن الجوزي، ط الأولى، ١٤٢٥. - بيان تلبيس الجهمية، لابن تيمية، ت محمد بن قاسم، دار القاسم، وأخرى طبع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، تحقيق جماعة، ط الأولى، ١٤٢٧. - البيان والتحصيل، لابن رشد، ت جماعة، دار الغرب الإسلامي، ط الثانية، ١٤٠٨. - تاج التراجم، لابن قطلوبغا، ت محمد خير رمضان، دار القلم، ط ١، ١٤١٣. - تاج العروس، للزبيدي، ت علي شيري، دار الفكر، ١٤١٤. - تاريخ الإسلام، للذهبي، ت عمر تدمري، دار الكتاب العربي. - تاريخ بغداد، للخطيب البغداي، دار الكتب العلمية. - تاريخ دمشق، لابن عساكر، دار الفكر، تحقيق العمروي. - التبيان في آداب حملة القرآن، للنووي، ت الأرناؤوط، مكتبة دار البيان. - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، للمزي، ت عبد الصمد شرف الدين، الدار القيمة، ١٤٠٠. - التدوين في أخبار قزوين، للرافعي، ت العطاردي، المطبعة العزيزية، ١٤٠٤.

стр. 320

- التعريفات، للجرجاني، دار الكتب العلمية، ط ٣، ١٤١٠. - التعقبات على الموضوعات، للسيوطي. - تفسير ابن أبي حاتم، ت أسعد طيب، مكتبة نزار الباز، ط الثالثة، ١٤٢٤. - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ت إبراهيم البناء، دار ابن حزم، ط ١، ١٤١٨. - تنزيه الشريعة المرفوعة، لابن عراق، دار الكتب العلمية. - تهافت الفلاسفة، للغزالي، ت سليمان دنيا، دار المعارف. - تهذيب التهذيب، لابن حجر، صورة عن الهندية. - تهذيب الكمال في معرفة الرجال، للمزي، ت بشار عواد، مؤسسة الرسالة، ط الأولى، ١٤١٨. - التوبيخ والتنبيه، لأبي الشيخ، ت حسن المندوه، مكتبة التوعية الإسلامية، ١٤٠٨. - التوحيد، لابن خزيمة، ت الشهوان، دار طيبة. - التوقيف على شارع النجاة، لابن حزم، ضمن رسائل ابن حزم، ت إحسان عباس، المؤسسة العربية للنشر. - التوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي، ت محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، ط ١، ١٤٠٨. - الثقات، لابن حبان، دائرة المعارف العثمانية. - جامع أبي عيسى الترمذي، ت أحمد شاكر، دار الكتب العلمية. - جامع البيان في تفسير القرآن، لابن جرير، ت عبد الله التركي، دار هجر، ط الأولى. - جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ت شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس. - جامع المسائل، لابن تيمية، ت محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد، ط الأولى، ١٤٢١. - جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ت الزهيري، دار ابن الجوزي، ط الثالثة، ١٤١٨.
следующие страницы →