في «شرح قصيدة ابن الفارض» هو وأمثاله، والكلامُ على هؤلاء واسع، وإنما الغرض التنبيه على النُكَت.
قوله: «ثم أمدَّه الله بنور ذاته، فأحياه حياةً باقية لا غاية لها، فنظر جميع المعلومات بنور هذه (١) الحياة، فصار أصل الموجودات نور شائع في كل شيء، لا يُشهد غيره، فنودي من قُربٍ: لا تغتر بالله، فإنَّ المحجوب من حُجِبَ عن الله بالله، إذ محال أن يحجبه غيره، فجيء بحياة استودع الله فيه، فقال: أي ربي بك منك إليك أقِلْ عثرتي فإني أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك. فهذه سبيل الترقِّي إلى حضرة العَليِّ الأعلى، وهو طريق المحبين أبدال الأنبياء، والذي يُعْطى أحدُهم من بعد هذا لا يقدر أحدٌ أن يصف منه ذرّة» (٢).
فيقال: بل هذه سبيل هؤلاء أبدال الفراعنة والملاحدة، والعليُّ الأعلى هو عندهم الوجود مصنوع العلم الأعلى والفلسفة الأولى. والعلمُ الأعلى عندهم هو النظر في الوجود ولواحقه، فإن سيرهم ينتهي إلى وجودٍ مطلقٍ سارٍ في الجميع، والأنبياءُ وأتباعُهم من أعظم الناس مُبَاينةً لهؤلاء، كمباينة موسى لفرعون، وإبراهيم للنمروذ، ومسيح الهدى لمسيح الضلالة.
أما قوله: «فنظر جميع المعلومات» (٣) فهذا مطابق لما يقوله بعض
стр. 247
أتباعه: أن علم العبد يطابق علمَ الرب، فيعلم العبد ما يعلمه الرب، ويَدَّعون ذلك في النبي ﷺ ثم في ناسٍ بعده، وهذا أفسد من قول النصارى الذين يخصون بذلك المسيح.
وهذا من جنس ما يذكره ابن عربي في «سلوكه» (١): أن السالك يخاطبه جميعُ النبات وجميعُ الحيوانات، بجميع ما فيها من الطبائع والمنافع، وأمثال ذلك. وكذلك (٢) [م ٦٨] يقوله في غير ذلك من الموجودات، فهؤلاء يدَّعون أن أحدهم يعلم ما يعلمه الرب، وليس مع أحدهم إلا وهم كاذب وخيال فاسد، إن كان ممن لا يتعمَّد الكذب.
وبمثل هؤلاء ضلَّ من اتبعهم حتى يقول أحدهم: [أنا] (٣) القطب الغوث الفرد الجامع، ونواصي الملوك والأولياء بيدي أُوَلِّي مَن شئتُ وأعزل مَن شئتُ، وأن الله يناجيني على مر الأنفاس، وأن مدد الملائكة مني ومدد الحِيتان (٤) مني، كما كان يقوله المستسري (٥) الذي جرى له في القاهرة ما جرى.
стр. 248
وأما قوله: «فإن المحجوب من حُجِب بالله عن الله، إذ محال أن يحجبه غيره».
فيقال: هذا من جنس كلام أهل الوحدة والحلول، فإن الاحتجاب بالله عن الله، وحَجْب اللهِ لله محال عند المسلمين، وإنما يَحجب العبدَ عن الله غيرُ الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١].
وفي «الصحيح» (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، نادى مُنادٍ: يا أهل الجنة إنَّ لكم عند الله موعدًا يُريد أن يُنجِزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يُبيِّض وُجوهَنا، ويُثقِّل موازينَنا، ويُدخِلنا الجنَّة، ويُنجّنا من النار؟ قال: فيُكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النَّظر إليه» وهو الزيادة.
وفي «الصحيح» (٢) عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع (٣) كلمات، فقال: «إنَّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القِسط ويرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قَبل النهار وعملُ النهار قَبل الليل، حجابُه النور أو النار، لو كَشَفه لأَحرَقَت سُبحاتُ وجههِ ما انتهى ــ وفي رواية: ــ ما أدركه بصرُه من خَلقِه».
стр. 249
ثم الحُجُب عند السلف وأهل الحديث وغيرهم هي حُجب الله عن العبد، وعند من يثبت رؤية الله بلا مواجهةٍ الحُجُبُ عندهم ما يقوم بالعبد من موانع الرؤية، وهي أمر عَدَمي أو عَرَض وجودي.
وأما أن الله يحجب نفسه فهذا لا يقوله من يثبت خالقًا ومخلوقًا مباينًا له، وإنما يقوله مَن يجعل الوجود واحدًا، فالحاجب والمحجوب عنده واحد، وكذلك الآكل والمأكول، والشارب والمشروب، والضارب والمضروب، والشاتم والمشتوم، والعابد والمعبود، واللاعن والملعون، وهذا قول أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما.
وكذلك قوله: «بك منك إليك» من جنس قول [م ٦٩] ابن الفارض (١):
إليَّ رسولًا كنتَ مني مرسلًا ... وذاتي بآياتي عليَّ استدلَّت
وهم يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه بنفسه، فهو المُرْسِل والمُرْسَلُ إليه والرسول، وهو المُحِبّ والمحبوب، وهو المصلِّي والمصَلَّى له!
كما قال ابن الفارض:
لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهدُ فيها أنها ليَ صلَّتِ
كلانا مُصلٍّ واحدٌ ساجدٌ إلى ... حقيقته بالجمع في كلِّ سجدةِ
وما كان لي صَلَّى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كلِّ ركعة
إلى قوله:
стр. 250
وما زلتُ إيَّاها وإيَّايَ لم تزل ... ولا فَرْقَ بل ذاتي لذاتي أحبَّت
وقوله:
وقد رُفِعَت تاءُ المخاطَبِ بيننا ... وفي رَفْعها عن فرقة الفرق رِفْعتي
فإن دُعِيَتْ كُنْتُ المجيبَ وإن أكن ... منادًى أجابَتْ مَن دعاني ولبَّت
وأمثال هذه الأبيات التي يذكر فيها قولهم في وحدة الوجود.
وقال ابن عربي (١): «﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢]، لأن الدعوةَ إلى الله مكرٌ بالمدعوِّ، فإنه ما عدم من البداية فيدعَى إلى النهاية. ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ فهذا عين المكر ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] فنبه أن الأمر له كله، فأجابوه مكرًا كما دعاهم، فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هو من حيث هويته وإنما هو من حيث أسماؤه».
وقال شاعرهم (٢):
ما بالُ عِيْسك لا يقرّ قرارها ... وإلامَ ظلك لا يَنِي مُتنقِّلًا
فلسوف تعلم أن سَيْرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغتَ المنزلا
فعندهم السير: يسير منه إليه، من الله إلى الله. وقوله: «بك منك» مطابق
стр. 251
لهذا. ودينُ المسلمين: أن السير من المخلوقات إلى الخالق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨].
ولا ريب أن الجهمية الذين لا يثبتون للمخلوقات ربًّا مباينًا للمخلوقات غالبًا عليها، إذا سلكوا وتوجَّهوا انتهوا إلى القول بالوحدة، فيكون سيرهم من المخلوقات إلى المخلوقات. وهم يرون المخلوق هو الخالق، [فليس] (١) قولهم: إنه ما ثَمَّ موجودٌ إلا العالم كما قاله فرعون، لكن هم يقولون: العالم هو الله، وفرعون كان يُظهر إنكار وجود الله. ولهذا كان ابن عربي وغيره من أهل الوحدة يُعَظِّم فرعون.
ولقد سألني قديمًا عبد الله (٢) الذي كان قاضي اليهود ودعَوتُه إلى الإسلام، وبينتُ له أعْلامَه حتى أسلم وحَسُن إسلامه، سألني عن قول هؤلاء، وكان قد اجتمع [م ٧٠] بشيخ منهم يُقال له: حسن الشيرازي، فبينتُ له فساد قول هؤلاء، وأن حقيقته حقيقة قول فرعون. فقال: هكذا قال لي
стр. 252
الشيرازي لمَّا دعاني إلى هذا المذهب. فقلت له: هذا يشبه قول فرعون، فقال: نعم نحن على قول فرعون. قلت له: صرَّحَ لك بهذا؟ قال: نعم، فقلت: مع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة. وكان لم يُسْلِم بعد. قال: فقلتُ له: أنا لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون. فقال: لِمَ؟ قلتُ: لأنَّ موسى غرَّق فرعون. فقلت له: نفعَتْك اليهودية، يهوديٌّ خير من فرعوني (١).
وأما قوله: «أعوذ بك منك» فهذه الكلمة مأثورة عن النبي ﷺ (٢) لكنه لم يُرِد بها ما أراده النبي ﷺ ، بل هي كلمة حق أراد بها هذا القائل معنًى باطلًا حيث قال: «حتى لا أرى غيرك» ومراده: أنه ليس ثَمَّ غير.
كما قال: «محالٌ أن يحجبه غيره»، ثم إن هذا مذهب متناقض (٣)، فإنه إن كان ثَمَّ غير، فقد ثبت التعدُّد، وإن كان ما ثَمَّ غير، فلا يتصور أن يُحْجَب عن الله، حتى يقال له: المحجوب من حُجِبَ عن الله.
و هؤلاء يشهدون وحدة الوجود، وفطرتهم تشهد بتعدُّد الوجود ، فلهذا كلامهم دائر بين فطرتهم السليمة ومذاهبهم الذميمة.
ولقد حضر عندي منهم شيخ من شيوخهم وطلب مني شيئًا، فجعلتُ أستنطقه هذا المذهب ليسمعه الحاضرون، فإن من الناس من ينكر وجود هؤلاء ــ مع كثرتهم ــ لفساد مذهبهم في العقل، وكان قد طلب درهمًا، فقلتُ
стр. 253
له: مَن الطالب؟ فقال: هو الله، قلتُ: والمطلوب؟ قال: هو الله؟ قلت: والدرهم؟ قال: هو الله!!
وكان هناك فرُّوج وسكِّين، فقلت: والفرُّوج والسكين؟ فقال: هو الله! فجعل يقول: إني مريض فأعطني، فقلت له: المعطي غير المُعْطَى أم لا؟ من هو الذي يعطيك؟ وأمثال هذا الكلام الذي أُبيِّن به تناقض قولهم ليظهر له فساده، وتَوَّبْتُه بعد ذلك، فضجر في أثناء الكلام، ورفع بصرَه إلى السماء، وقال: يا الله، فقلت: إلى مَن ترفع؟ وعلى مذهب المحققين ــ أعني أصحابه ــ ما هناك شيء؟! فقال: أستغفرُ الله أخطأتُ، فصار بفطرته يُقرُّ بأن الله فوق، ومذهبه يأمرُهُ بأن ينكر أن يكون فوق العالم شيء، وهو حائر بين فطرته التي فُطِر عليها، ومذهبه الذي تلقَّاه من شيوخه. والكلام على هذا يطولُ وصفُه [م ٧١] وإنما المقصود التنبيه (١).
فصل
ثم قال: «وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين فهو منه إليه به، إذ مُحالٌ أن يتوصل إليه بغيره» (٢).
فيقال: لو قال: «هو به إليه» لكان حقًّا، فإن الله لا يُعبد إلا بإعانته، ولا
стр. 254
حول ولا قوة إلا بالله فـ ﴿(١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي (١) وَمَنْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
لكن قال: «فهو منه إليه» فقوله: «منه إليه» من جنس قول أهل الوحدة: بل هو من العبد المخلوق المُحْدَث إلى الرب الخالق القديم.
ولما كان كثير من السالكين يقعون في الحلول والاتحاد، وكَثُر ذلك في طريق مُتأخِّري الصوفية= [أجاب] (٢) الجُنَيد ــ قدَّسَ الله روحَه لمّا سُئل عن التوحيد ــ فقال: التوحيدُ إفرادُ الحُدوث عن القِدَم (٣). فرضي الله عن الجُنيد فإنه كان إمام هُدًى. وتكلَّم على المرض الذي يُبتلى به كثيرٌ من هؤلاء.
وقد أنكر ابن عربي على الجنيد وعلى غيره من الشيوخ، مثل سهل بن عبد الله التُّسْتَري وأمثاله في كتابه الذي سماه بـ «التجليات» (٤)، وادَّعى أن هؤلاء ماتوا وما عرفوا التوحيد، وأنه عَرَّفَهم إياه في هذا التجلِّي الذي له، وهو تجلٍّ خياليٌّ شيطانيٌّ من نفسه إلى نفسه في نفسه (٥).
стр. 255
وأوْرَدَ على الجُنيد: أنك إذا قلت: التوحيد تمييز المحدَث عن القديم، فالمميِّز بين الشيئين لابدَّ أن يكون غيرهما، وإذا كان ما ثَمَّ إلا مُحْدَث وقديم فمن الذي يُميِّز؟
[فيقال] (١): هذا ممنوع، فليس من شرط المميِّز بين الشيئين أن يكون غيرهما، بل العبد يفرِّق بين نفسِه وبين غيره من المخلوقات وليس هو غيرهما، وكذلك يميز بين نفسه وبين ربه، والرب تعالى يفرِّق بين نفسه المقدَّسة وبين مخلوقاته، وليس هو عين الشيئين. وما أكثر ما في كلامهم من هذه القضايا الحادثة الخيالية التي يُلَبِّسون بها على الناس، لا سيما على مَن يحسن بهم الظن.
وإنما كان الحلول يكثر في كثير من الصوفية، ذكر ذلك أبو نعيم الأصبهاني في أول «حلية الأولياء» (٢)، وذكره أبو القاسم القُشَيري في
стр. 256
«رسالته» (١) وغيرها، وحذَّروا منه ومِن أهله، وذموا هؤلاء، كما كان المشايخ العارفون الذين يُقتدى بهم يذمون هذا.
وأما قوله: «إذا ألبسهم ثوب العَدَم فنظروا فإذا هم بِلا هَمّ (٢) [م ٧٢] ثم أردف عليهم ظُلمةً غَيَّبتهم عن نظرهم، بل صار عدمًا لا علة له» (٣).
فيقال: هذا الكلام مجمل يحتمل شيئين (٤):
أحدهما: أن يغيب الإنسان عن ملاحظة نفسه وشهودِها وذِكْرها، وهذا هو الفناء عن رؤية السّوي، وهو الفناء الناقص الذي يغيب فيه بموجوده عن وجوده، وبمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره. فهذا أمر يعرض لبعض السالكين، فإن كان صاحبه مغلوبًا عليه، لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه، فحَسْبه أن يكون معذورًا. وأمَّا مَن كان يُمكنه الفرق بين الربِّ والعبد ولم يُفرِّق بينهما فهو من الملحدين.
والاحتمال الثاني: الفناء عن وجود السّوي ، وهو أن يشهد عين وجوده عين وجود الحق، فيرى ما سوى عين وجود الحق عدمًا، لا يرى موجودَين أحدهما خالق والآخر مخلوق. فهذا مشهد أهل الإلحاد مِن أهل الوحدة والاتحاد.
стр. 257
ثم إنه على هذا التقدير قد يشهد هذا في نفسه، فيكون من أهل الوحدة والحلول المعين الخاصّ كالنصارى، لكن هذا شرٌّ من النصارى، فإنَّ النصارى ادَّعوا ذلك في المسيح، وهؤلاء يجعلونه فيمن لا يُعلم إيمانه. وقد (١) يشهد ذلك في الوجود مطلقًا، فيكون من أهل الوحدة والاتحاد العام المطلق، فيقول في جميع المخلوقات شرًّا مما قالته النصارى في المسيح، فإن أولئك يقولون: كانا اثنين فاتحد أحدهما بالآخر. وهؤلاء ما عندهم تعدد، بل ما زال وجود ما يقال إنه المخلوقات عين وجود الخالق.
وكذلك قوله: «فانطمست جميع العلل، وزال كل حادث، فلا حادث ولا وجود، بل ليس إلا العدم الذي لا علة له، وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به، اضمحلَّت المعلومات، وزالت المرسومات زوالًا لا علة فيه» (٢).
فإن هذا الكلام مبالغة في الوحدة، فإن الزوال والعدم المحض المعلول ليس عدمًا محضًا وزوالًا صِرفًا، فإذا حصل العدم المحض، والزوال الصِّرف، لم يكن هناك حادث ولا موجود، بل ليس إلا وحدة الوجود.
ولهذا قال: «وبقي من أُشير إليه لا وصف له، ولا صفة، ولا ذات» (٣). فهذا مطابق لمذهب أهل الوحدة، فإنهم يقولون: الرب له تجلٍّ باعتبار ذاته، وتجلٍّ باعتبار أسمائه [م ٧٣] وصفاته.
فتجلِّي الذات: وجودٌ محضٌ مطلق، ليس فيه اسم ولا صفة، ولا يُرى ولا يُشهد، ولا يتميز فيه شيء عن شيء. ولا ريب أن الوجود المطلق الذي
стр. 258
يتصوره الإنسان في نفسه هو بهذا الاعتبار، فإن الوجود المطلق بشرط الإطلاق لا يقال فيه: ربٌّ ولا عبد، ولا قديمٌ ولا مُحْدَث، ولا خالق ولا مخلوق، ولا حي ولا عليم ولا قدير، ولا غير ذلك. فإنّ كل هذه الأمور فيها تخصيص وتقييد بموجود دون موجود. فالرب يُخرِج العبدَ، والقديم يُخرج المحدَث، والخالق يخرج المخلوق، والحي العليم القدير يخرج الميت الجاهل العاجز.
وأما التجلِّي الأسمائي عندهم فهو: ظهوره في الممكنات بحسب استعدادها، فيظهر في الكلب بصورة الكلب، وفي الإنسان بصورة الإنسان، وفي الفلك بصورة الفلك، ونحو ذلك.
وقد حكى بعض أصحابنا أنه وقع بين ابن عربي وبين الشيخ أبي حفص السَّهْرَوردي صاحب «عوارف المعارف»: في الحق إذا تجلَّى للعبد، هل يمكنه أن يسمع خطابه حين التجلِّي؟ فقال ابن عربي: لا يمكن ذلك، وقال السَّهْروردي: بل يمكن ذلك. قال ابن عربي: مسكينٌ هذا السَّهروردي، نحن نقول له عن تجلِّي الذات وهو يخبر عن تجلِّي الصفات (١).
فلمَّا عرفتُ هذا مِن هؤلاء قلتُ لأصحابنا: صدق على أصله الفاسد، فإن الذات عنده وجود مطلق لا كلام لها، فكيف يكون في حال تجليها سماع خطاب؟ ! لكن هذه الذات التي يعنيها إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان.
وأما السَّهْروردي فقوله قول المسلمين (٢): إن الله يتجلَّى لعباده يوم
стр. 259
القيامة، ويكلمهم في عرصات القيامة وفي الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ (١).
فقول القائل: «بقي من أشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا ذات، فاضمحلت النعوت والأسماء والصفات، فلا اسم ولا صفة ولا ذات» (٢) يطابق قول هؤلاء، وهذا إن أراد به أن الله نفسه تعدم صفاته، فهذا من أظهر الباطل، فإن صفاته القائمة بذاته لا تعدم. وإن أراد أني أشهده بلا صفة، فهذا شهودٌ ناقص، وهو نقص علمٍ وإيمان، وإن أراد أني أشهده بحقيقته وهي في نفس الأمر لا صفة لها ولا اسم، فهذا مذهب هؤلاء الملاحدة، وهو مذهب ملاحدة الإسماعيلية [م ٧٤] الذين هم شرٌّ من هؤلاء.
وقوله: «لا اسم ولا صفة ولا ذات» قد يُريد بالذات القائم بنفسه، فإنه يشهد وجودًا مطلقًا أطلسًا (٣)، ليس فيه شيء قائم بنفسه فيكون ذاتًا، ولا قائم بغيره فيكون صفة.
стр. 260
فهذا منتهى معرفة المحبوبين الذين هم أفضل من أبدال الأنبياء عند هؤلاء الضالين، وهذا الرب الذي ذكروه لا حقيقة له إلا في أنفسهم، هل هو إلا ما يتخيلونه، فـ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
وما كنتُ أظنُّ هذا الشيخ (١) وصل إلى هذا الحدِّ حتى رأيت هذا الكلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولعله قد تاب من ذلك، فإن الإنسان لا يدوم على حال واحدة.
وكذلك قوله: «فهناك يظهر من لم يزل ظهورًا لا علة له، بل ظهر بسرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أولية له، بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته، فحيي هذا العبدُ بظهوره حياةً لا علة لها، فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها، فصار أولًا في الظهور لا ظاهر قبله، فوجدت الأشياء بأوصافه، فظهرت بنوره في نوره» (٢).
فيقال: قد تقدم قوله: «إنه لا يبقى هناك ذات» (٣) فقوله: «نظر من ذاته لذاته» يناقض ما تقدم. مع أن هذا الإلحاد والاتحاد أعظم من أن يُقتصر على ذمِّه بمجرَّد التناقض، فقوله: «ظهر لذاته من ذاته في ذاته» يطابقُ مذهبَ أهل الوحدة الذين يقولون: هو الظاهر في جميع المخلوقات، وأن ذاته ظهرت لذاته.
стр. 261
وقول ابن عربي: «ومن أسمائه الحسنى: العَليّ، على من يكون عليًّا وما ثَمَّ إلا هو؟ وعن ماذا وما هو إلا هو؟ فعُلُوُّه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمَّى مُحْدَثات هي العَلِيَّة لذاتها، وليست إلا هو.
إلى أن قال: قال أبو سعيد الخَرَّاز (١) ــ وهو وجهٌ من وجوه الحقِّ ولسانٌ من ألسنته ينطق عن نفسه ــ: بأن الله لا يُعْرَف إلا بجمعه بين الأضداد. ثم قال: فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثَمَّ من يَراه غيره، وما ثَمَّ من يبطن (٢) عنه، فهو ظاهرٌ لنفسه باطن عنه، وهو المسمَّى أبو سعيد الخراز، وغير ذلك من الأسماء المحدثات» (٣).
وهذا الكلام ذكره القُشَيري (٤) وغيره عن أبي سعيد الخراز لمَّا قيل له: بمَ عرفتَ ربك؟ قال: بالجمع بين النقيضين [م ٧٥] وتلا قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
وأراد أبو سعيد أن المخلوق لا يكون هو الأول الآخر الظاهر الباطن، بل هذا متضادٌّ في حقِّه بخلاف الخالق، ولم يرد أبو سعيد مذهب الحلول والاتحاد، فإن أبا سعيد أعلى قدرًا من ذلك، وإن كان له في الفناء كلامٌ أُنكِر
стр. 262
بعضُه (١). وإن قُدِّر أن أبا سعيد وغيره أراد معنًى باطلًا فذلك المعنى مردود كائنًا مَن كان قائلُه.
ولما جرت (٢) بالديار المصرية من محنة هؤلاء الجهمية (٣) ما قد عرفه الناس، وظهر مذهبهم، وما قاله هذا وأمثاله= حدثني بعض الأكابر الذين لهم قدرٌ ومنزلة معروفة: أن النصارى لمَّا سمعوا هذا جعلوا يقولون: يا مسلمين أنتم أنكرتم علينا قولنا: إن المسيح هو الله، وهؤلاء شيوخكم يقولون: إن الله هو أبو سعيد الخرَّاز، فنحن خيرٌ منكم! !
ولقد صدق مَن قال: إن قول النصارى خير مِن قول مَن قال: إن الله هو أبو سعيد الخرَّاز، ثم لم يقتصر على ذلك، بل قال: هو أبو سعيد الخراز، وغير ذلك من الأسماء المحدثات! !
ولهذا قيل لبعض أكابرهم: ما الفرق بينكم وبين النصارى؟ فقال: النصارى خصَّصوا (٤).
стр. 263
وهذا موجود في كلام ابن عربي وغيره، وذكره في كتاب «الفصوص» (١) وغيره من كتبه، ينكرون على المشركين والنصارى تخصيصهم عبادة بعض الأشياء، والعارف عندهم من يعبد كلَّ شيء كما قال ابن عربي: «فقالوا في مكرهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣ - ٢٤]، لأنهم إذا تركوهم جَهِلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإنّ للحق في كلِّ معبودٍ وجهًا يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله. كما قال في المحمديين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي حكم، فالعالم يعلم مَن عَبَد، وفي أيِّ صورةٍ ظهر حتى عُبِد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء للصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبِد غير الله في كلِّ معبود» (٢).
فهذا وأمثاله من كلام الملحدين أهل الوحدة الذين يقولون: الوجود واحد، ولهم أشعار على هذا المذهب، كالقصيدة المسماة بـ «نظم السلوك» لابن الفارض (٣)، وشعر ابن إسرائيل (٤) [م ٧٦] والتِّلِمْساني صاحب «شرح
стр. 264
الأسماء الحسنى» و «شرح مواقف النفري» (١) على مذاهب هؤلاء.
وكما قال أيضًا: «وكان موسى أعلم بالأمر من هارون، لأنه علم ما عَبَدَه أصحاب العجل، لِعِلْمه بأن الله قد قضى أن لا يُعبد إلا إياه، وما قضى الله بشيء إلا وقع، فكان عَتَب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحقَّ في كل شيء، بل يراه عين كلِّ شيء» (٢).
وهذا من أعظم الناس تحريفًا للكَلِم عن مواضعه، يجمعون بين السَّفْسَطة في العقليات، والقَرْمطة (٣) في السمعيات، كإخوانهم الباطنية الإسماعيلية.
وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] معناه: أمَرَ ربُّك، باتفاق المسلمين، والله إذا أمر بأمرٍ فقد يُطاع وقد يُعصى، بخلاف ما قضاه بمعنى أنه قَدَّره وشاءه، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ومن المعلوم أن الله لم يجعل الواقع من جميع الخلق هو عبادته وحده لا شريك له، بل أوجب هذا عليهم، فمنهم من أخلص له الدين ومنهم من أشرك به.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
стр. 265
الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]. وذِكْر الشركِ والمشركين في القرآن وذَمِّهم أعظم من أن يُذكر هنا.
فدعوى المدَّعي أن كلَّ عابدٍ فما عبد إلا الله، وأن الله ذكر ذلك في كتابه= من أعظم الإفك والبهتان من طائفة تدَّعي أنها أفضل أرباب التحقيق والتوحيد والعرفان!! فهذا وأمثاله من علم الملحدين أهل الوحدة، الذين يقولون: الوجود واحد.
واعلم أن الحلول نوعان: حلول مطلق، وحلول مقيد (١).
ف الحلول المطلق ؛ قول الجهمية وأتباعهم من متصوفتهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان. وهم مضطربون (٢) في هذا الباب لتناقضه، وردُّ السلف والأئمة عليهم كثير.
وهؤلاء أهل الوحدة من شرِّ هؤلاء، فإنَّ هؤلاء جعلوا الوجود الخالق هو الوجود المخلوق، وإن أثبتوا تعدُّدًا وسموا ذلك المظاهر، وفرقوا بين [م ٧٧] الثبوت والظهور والوجود ونحو ذلك، فهو كلام متناقض لا حقيقة له، بل يجمعون بين النقيضين، كما يصنع إخوانهم المتفلسفة في واجب الوجود؛ إذ يصفونه بصفات الممتنع الوجود، فيجمعون بين النقيضين.
وكذلك إخوانهم النصارى؛ إذ قالوا: واحدًا بالذات ثلاثة بالأقنوم، ثم يقولون: إن المتحد بالمسيح هو أقنوم الابن فقط دون الأب وروح القدس،
стр. 266
ويقولون: المسيح إله يخلق ويرزق.
فإنَّ هذا من أعظم التناقض، فإن الأقانيم إن فسَّروها بالصفات، فالصفة لا تخلق ولا ترزق، ولا يمكن اتحادها بشيء دون (١) الموصوف، وإن فسروها بذوات تقوم بأنفسها لزم إثبات ثلاثة آلهة.
ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، وقد يمثلون (٢) هذا بقول القائل: فلان طبيب حاسب كاتب، فهو مع الطب له حكم، ومع الحساب له حكم، ومع الكتابة له حكم، لكن هذا التمثيل غير مطابق لمذهبهم؛ لأن هذا ذات واحدة لها ثلاث (٣) صفات، ويستحيل أنَّ صفةً من الصفات تتحد أو تحل في شيء آخر دون الذات، ودون غيرها من الصفات، فيلزمهم إما بطلان التثليث، وإما بطلان الحلول. وهم مُلحدون في أصلي الدين: الشهادة بالوحدانية وبالرسالة، أبطلوا التوحيد بالتثليث، والثاني بالحلول ودعوى إلهية المسيح.
وقد ذمهم يحيى بن عدي (٤) ونحوه، أنْ شَبَّهوا قولَهم هذا بقول الفلاسفة في العقل والعاقل والمعقول، وجعل مذهب الفلاسفة حُجَّةً له، وهذا من ضلالهم، فإن الفلاسفة أضل منهم، ومذهبهم أشد فسادًا في
стр. 267
المعقول والمنقول (١).
ثم إن الفلاسفة تقول: إنه عاقل ومعقول وعَقْل، ولذيذ ومُلتذٌّ ولذَّة، وعاشق ومعشوق وعشق، وتقول: ذلك كله واحد، ليس فيه معان متعددة أصلًا، بل العلم عين العالم، والعلم عين القدرة، وعين العناية التي هي الإرادة، والحب هو المحبوب وهو المحب، ومذهبهم ــ بعد التصور التام ــ أشدّ تناقضًا من قول النصارى بالتثليث.
فمن قال: [م ٧٨] إن العلم هو العالم، والقدرة هي القادر، واللذة هي الملتذ، والمحبة هي المحب، وقال: العلم هو القدرة، والقدرة هي المحبة واللذة= فقد جعل الصفات هي الموصوفات، وجعل كل صفة هي الأخرى، وهو كمن جعل الأعراض هي الجواهر، وجعل كل عَرَض هو الآخر، كمن جعل السواد هو الحركة، والحركة هي الطعم، والطعم هو الحياة، والحياة هي اللذة، وجعل الحركة هي المتحرك. وهذا من أعظم السفسطة، وأعظم الباطل! !
وهؤلاء كلهم قد يدخلون في معنى الاتحاد الباطل، فمن جعل حقيقتين متنوّعتين إحداهما هي الأخرى، فقد جعل الاثنين واحدًا، وهو اتحاد باطل، وهؤلاء يجعلون الاثنين واحدًا في الاتحاد، ويجعلون الواحد اثنين، فإن كلّ موجود (٢) هو ذلك الموجود بعينه، ليس له في الخارج حقيقة سوى الوجود الموجود في الخارج، فمن جعل حقيقته في الخارج غير الوجود الثابت في
стр. 268
الخارج، فقد جعل الواحد اثنين، وكذلك من جعل المعدومَ ثابتًا في الخارج، وجعل الوجودَ غير الثبوت في الخارج، كما يقوله من يقوله من المعتزلة والشيعة والاتحادية كابن عربي ونحوه، فهو أيضًا ممن جعل الواحد اثنين.
ومِن هؤلاء مَن يقول: إن معنى جميع التوراة، والإنجيل، والقرآن معنًى واحدٌ بالعين، وإن معنى آية الكرسي، وآية الدَّين، وآية التيمم هو معنًى واحدٌ بالعين، وإن الأمر والنهي ليست أنواعًا للكلام، بل كلها صفاتٌ لعينٍ واحدةٍ، أو لخمسة أعيان= فقوله أيضًا من جنس قول هؤلاء.
ولهذا اعترفَ حُذَّاق أهل هذا (١) القول بأنه يلزمهم القول باتحاد جميع الصفات وإلا تناقضوا، وهذه الأمور مبسوطة في موضعها، والمقصود هنا التنبيه على أصول الحلول والاتحاد العام.
وأما الحلول والاتحاد الخاص؛ فكقول النصارى (٢) بالحلول والاتحاد في المسيح، وقول طائفة من الغالية بالحلول في عليّ، أو في الاثني عشر، أو في أئمة الإسماعيلية كالمُعزِّ وأهل بيته، أو في الحاكم (٣)، أو في الحلَّاج، أو غير هؤلاء. فهذا الحلول الخاص موجود في طوائف متعددة.
ومن الحلول والاتحاد [م ٧٩] ما يكون في الصفات دون الذات، فالحلول في الصفات كقول طائفة: إن أصوات العباد بالقرآن أو بغير القرآن، أو أفعال العباد، أو كلام العباد، أو أرواح العباد، أو نحو ذلك= قديم.
стр. 269
ومن هؤلاء مَن يقول: نحن لا نقول بحلول القديم في المحْدَث، بل بظهوره فيه. ولكن إذا صَرَّح بأن الصوت المسموع من العبد قديم أزليّ، كان قوله بعد هذا بأنه ظهر فيه ولم يحل فيه= جمعًا (١) بين سفسطتين: دعوى قِدَم ما يُعلم حدوثه، وبين دعوى أن صوت العبد ليس هو حالًّا فيه.
وكثير من هؤلاء لا يفهم معنى القديم، بل إذا استفسرته عنه قال: يريد به أنه غير مخلوق، ويقولون: يريد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا ريب أن كلام الله غير مخلوق كما اتفق عليه السلف والأئمة، ولا ريب أن القرآنَ كلَّه كلامُ الله ليس شيء منه كلامًا لغيره، لا جبريل ولا غيره، والقرآن العربي كلام الله، والله نادى موسى بصوت، وينادي عبادَه يوم القيامة كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، لكن هؤلاء ظنوا أن السلف أرادوا بذلك أن ما ليس بمخلوق يكون قديم العين، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقُدرته، ولم يفرقوا بين قديم النوع وقديم العين.
وقد بسطنا الكلامَ على ذلك في غير هذا الموضع (٢)، وبينَّا جميعَ أقوال أهل الأرض في القرآن وكلام الله؛ قول الفيضية والخلقية والحدوثية والاتحادية والاقترانية والسلفية، والمقصود هنا التنبيه على مسمى الحلول والاتحاد، وأنه ينقسم إلى مطلق ومُعَيّن.
فالحلول والاتحاد المطلق، كقول الجهمية الذين يقولون: إنه بذاته في كل مكان، ومن يناسبهم من الاتحادية وأهل الوحدة.
стр. 270
وأما المقيد، فكقول النصارى بالحلول والاتحاد في المسيح، ولهذا قيل للتِلِمْساني ــ أكبر رؤوس هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة في زماننا، الذي قيل له: كلامكم مثل هذا من «الفصوص» ونحوه يُناقض القرآن، فقال: التوحيد في كلامنا، والقرآن كله شرك (١) ــ فقيل له: فإذا كان الوجود كله واحدًا فما الفرق بين الزوجة والأخت حتى تحرِّم هذه وتُحِلّ هذه؟ فقال: الجميعُ عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم.
[والتلمساني شَرَح مواقف النفري] (٢) وشرح الأسماء الحسنى (٣) على أصول هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة.
وقيل له: ما الفرق بينكم وبين النصارى؟ فقال: النصارى كفروا بالتخصيص، يعني أنهم لو قالوا بالاتحاد العام لما كفروا.
وهكذا يقول هؤلاء كابن عربي وغيره: إن المشركين إنما أخطؤوا في عبادة بعض المظاهر دون بعض، والعارف عندهم يعبد الموجودات، ولهذا
стр. 271
فإن في «فصوص الحكم» (١): «فكان موسى أعلم بالأمر من هارون، فإنه علم ما عَبَدَه أصحاب العجل، لِعِلمه بأنَّ الله قد قضى أن لا يُعبد إلا إيَّاه، وما قضى الله بشيء إلا وقع، وكان عَتَب موسى على أخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه. فإن العارف من يرى الحقَّ في كل شيء، بل من يراه عين كل شيء».
وذلك أنه حرَّف القرآن، وهُم دائمًا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ويُلحِدون في أسماء الله وآياته، كما يفعل إخوانهم من ملاحدة الشيعة الباطنية، كالقرامطة من الإسماعيلية وغيرهم، والله سبحانه قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي: أمر ربك بذلك، ففسروا هم ذلك المعنى أنه قدَّر أنه لا يُعبد إلا هو.
فكل ما عَبَده المشركون فهو عندهم الله، إذ ليس لغيره وجود، وهو عندهم العابد والمعبود، فلهذا زعم أن موسى أقَرَّهم على عبادة العجل.
فقد قلتُ لبعضِ من كان معظِّمًا لهم، وكان أبوه من شيوخهم وهو سعيد الفَرْغاني (٢) الذي شرح قصيدة «نظم السلوك» لابن الفارض، وكان قد قرأها على القُوْنَوي، وكان التِّلِمْساني أيضًا تلميذ القُوْنَوي، وكان القُوْنَوي قد جاء في رسالة إلى مصر، فاجتمع بابن سبعين لما قدِم من الغرب، وكان التِّلِمْساني مع شيخه القونوي، فقيل لابن سبعين: كيف وجدته ــ يعنون في العلم الذي هو عندهم علم التحقيق والتوحيد ــ؟ فذكر أنه من المحققين، لكن معه شابٌّ
стр. 272
هو أحذق منه، يعنون التِّلِمْساني.
فقلت لابن سعيدٍ هذا: الذي ذكره هذا عن موسى وهارون يوافق ما في القرآن أو يخالفه؟ فقال: بل يخالفه؟ فقلت: فاختر لنفسك: إن كان القرآن حقًّا فهذا باطل؛ وذلك أن الله أخبر عن موسى في القرآن بأنه أنكر عبادة العجل غاية الإنكار وقال: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ إلى قوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٢ - ٩٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ١٥٢]، وهذا مبسوط في موضعه.
والمقصود هنا أن الحلول الخاص أنواع:
منه: قول النصارى في المسيح، والغالية في عليّ، كالزنادقة الذين حرَّقهم بالنار لما ادعوا فيه الإلهية، وقد ادعاها قوم في طائفة من أهل بيته.
وكذلك ادعاها طائفة من أتباع العُبيدية الباطنية، الذين ادعوا أنهم علويون ومَلَكوا مصر نحوًا من مئتي سنة، وملكوا بعض المغرب والشام والحجاز مدة، كالحاكم ونحوه، وقد اعتقدَت طائفةٌ من أتباعهم فيهم الإلهية، كالدُّرْزية أتباع نُشْتِكيْن (١) الدُّرزي الذي كان من موالي الحاكم،
стр. 273
وأضلَّ قومًا بالشام في وادي تيم الله بن ثعلبة. ويقال: إنه رُفِع إليه أسماء بضعة عشر ألفًا يعتقدون فيه الإلهية.
وكذلك بعض الغلاة في المشايخ، فيهم مَن قد يعتقد الحلول والاتحاد في بعض المشايخ، ويحكون كلمات مجملة أو فاسدة عن أبي يزيد البسطامي وغيره (١) مضمونها الحلول، ويعتقدون أنها صحيحة، وتلك الكلمات بعضها كذب عمن نقلوها عنه، وبعضها مجملة لا تدل على ما قالوه، وبعضها خطأ وضلال ممن تكلَّم بها.
والحلول والاتحاد كثيرًا ما يقع في أقوال الغالطين من الصوفية، ولهذا أنكر عليهم أبو نعيم الأصبهاني في أول كتاب «حلية الأولياء» (٢)، وأنكره أيضًا أبو القاسم القُشيري في «رسالته» (٣).
ولهذا لما سُئل الجنيد عن التوحيد؟ فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القِدَم (٤). فأجاب الجُنيد بجواب يبين به أن القديم الخالق مُباينٌ للمخلوقات المحدَثة، يردُّ بذلك على من يذهب إلى الحلول والاتحاد من
стр. 274
جُهَّال النُّسَّاك والمتصوفة.
ولابن عربي كتابٌ في «التجلِّيات» و «الإسراء» (١) وهي تجليَّات خيالية في نفسه لا حقيقة لها، ومعراج خيالي في نفسه [م ٨٢] وأَخَذ ينكر فيه على المشايخ الأجلاء من الصوفية كالجنيد وسهل ونحوهما، وقد تقدم ذكر ذلك (٢).
وقول (٣) صاحب الحزب: «بل ظهر بسرِّه في ذاته ظهورًا لا أولية له، بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته» (٤).
قد يُراد به الحلول والاتحاد العام، وقد يُراد به الحلول والاتحاد الخاص، ومع هذا فبأيهما فُسِّر مراده تناقضَ كلامه، والذين يتكلَّمون بهذه الأمور يتخيلون أشياء لا حقيقة لها، ويتكلمون في كل موطن من مواطن الخيال بحسب ما تخيلوه في ذلك الموطن، فلهذا لا يجري كلامهم على قانون واحد، ولا يُحكَى لهم مذهب واحد بلوازمه، وينفون ما يناقضه.
ولهذا يقول أصحاب الوحدة ــ كما كان يقوله سعيد الفرغاني (٥) وغيره ــ: ينبغي لمن أراد الدخول في طريق التحقيق أن يُجَوِّز الجمعَ بين النقيضين (٦).
стр. 275
ولابن عربي:
عَقَد الخلائقُ في الإله عقائدًا ... وأنا اعتقدتُ جميعَ ما اعتقدوه (١)
فهم في جهل وضلال من جنس النصارى لهم عبادة وزهادة وأخلاق حسنة ولكنهم جُهَّال ضالون، لا يعرفون من يعبدون، ولا بماذا يعبدونه!
فالنصارى يعبدون غير الله بغير أمر الله، وأصل الدين الذي بَعَث الله به رسله، وأنزل به كتبه: أن لا يُعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع. فقول هذا القائل: «نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته»، وقوله: «ظهر بسرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أولية له» يطابق قول أهل الوحدة والاتحاد العام والحلول العام.
فإن من يقول بالحلول الخاص يحتاج أن يقول: إنه حلَّ في غير ذاته، أو اتحد بغير ذاته، أو نظر أو ظهر لغير ذاته، كما يقوله النصارى من اتحاد اللاهوت والناسوت.
ولا يقال في الحلول الخاص: قلم وعقل وكرسي وعرش، وغير ذلك مما سنذكره، فإنَّ هذا كلَّه إنما يطابق قولَ أهل الوحدة والاتحاد العام.
وإن حُمِل كلامه على الحلول العام؛ فذاك لا فرقَ فيه بين شيء وشيء، ولا طريق الخاصة والعامة، بل هو عند هؤلاء ما ثَمَّ إلا وجود الذات، لكن
стр. 276
هؤلاء يتناقضون أكثر من تناقض غيرهم؛ فإن الحس والعقل يشهد بتعدّد الموجودات، فمن أراد أن يجعل المتعددات شيئًا واحدًا فلابد أن يتناقض.
[م ٨٣] وكذلك أهل الاتحاد الخاص يتناقضون، وأن الاثنين لا يكونان واحدًا إلا إذا استحالا جميعًا فصارا شيئًا ثالثًا، كما يختلط الماء واللبن، والماء والخمر، فيصير ذلك أمرًا مختلطًا ممتزجًا ليس ماءً محضًا، ولا لبنًا محضًا.
ولهذا النصارى تارة تقول: إن اللاهوت والناسوت صارا كالماء واللبن، وهذا يقوله مَن يقوله مِن اليعاقبة (١). وتارة يقولون: صارا كالنار والحديد، كما يقوله مَن يقوله مِن الملكية (٢). وأما النسطورية (٣) فإنهم يقولون بالحلول كحلول الماء في الظرف، وهم أقل النصارى كفرًا وإلحادًا، وإن كان الجميع كفارًا ملحدين.
ومعلوم أن الرب تعالى يمتنع عليه أن تستحيلَ ذاتُه مع ذات بعض
стр. 277
المخلوقات شيئًا ثالثًا كالماء واللبن، فإن هذا إنما يكون في المخلوقين اللذين مخلطهما وممزجهما (١) ثالث غيرهما، فأما الخالقُ لكل ما سواه، الغنيّ عن كل ما سواه، الذي يستحيل أن يفتقر إلى شيء غنيٍّ عنه، أو يؤثر فيه ما هو غنيّ عنه، الذي كل ما سواه فقير إليه، وكل ما يحدث فيما سواه فبقدرته ومشيئته حَدَثَ وَوُجِد.
وإذا أمر الخلق بالدعاء وأجابهم، وأمرهم بالعمل وأثابهم، فهو الذي جعلهم يدعون ويعملون، وهو الذي جعلهم يتوبون، وهو سبحانه يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين، ويفرح بتوبة التائبين ويرضى عن المؤمنين، فهو الذي خلق الأمور التي ترتب عليها ما ترتب، فهو الخالق للأسباب والمسببات، والفاعل للبدايات والغايات.
فإذا فرح بتوبة التائب فهو الذي جعله تائبًا، وإذا رضي عن المؤمنين فهو الذي جعلهم يفعلون ما أرضاه، فما أرضاه إلا ما خلقه، وما أفرحه إلا ما شاءه، إذ لا يكون في مُلكه شيء بدون مشيئته وقدرته وخلقه سبحانه.
وقد بُسِط الكلام في هذه الأمور في غير هذا الموضع، فإنها مواضع شريفة تتعلق بمسائل الصفات والأفعال والشرع والقدر، وقيام الأمور الاختيارية، وهل رضاه وسخطُه وفرحُه مخلوقاتٌ منفصلة عنه، كما يقوله مَن يقوله من المعتزلة ومَن وافقهم من أصحاب الأئمة [م ٨٤] الأربعة وغيرهم؟
أو ذلك يرجع إلى صفة واحدة هي الإرادة، كما يقوله مَن يقوله من
стр. 278
الكُلَّابية ومَن تابعهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟
وإما ذلك كله صفاتٌ قديمةُ الأعيان تتَّحد متعلقاتها لا أنفسها كما يقول ذلك من يقوله من الكُلَّابية والسالمية ومَن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟
أم ذلك أمور تكون قائمةً بذاته، حاصلةً بقدرته ومشيئته، كما دلت عليه النصوص الثابتة في الكتاب والسنة، ودلت الأدلة العقلية على موافقة النصوص الإلهية وخطأ مخالفيها. وهذا كله مما بُسِط في غير هذا الموضع (١).
والمقصود هنا أن استحالةَ القديم الواجب لذاته، المستلزم صفات الكمال، التي صفاته من لوازم ذاته= ممتنع لذاته. فإن صفات الكمال واجبة له قديمة بقدمه، وما وجب قِدَمُه امتنع عَدَمُه، والاستحالةُ لا تكون إلا بِعَدَمِ ما كان موجودًا قبل ذلك.
وليس هذا موضع بَسْط هذا، وإنما المقصودُ هنا التنبيه على ما يقع في كلام طائفة من الشيوخ من معنى الحلول والاتحاد، سواء كان عامًّا أو خاصًّا، ليحترز عن ذلك ولا يقع فيه من حصل له؛ إما لموافقة ذلك القائل، وإما للجهل بما هو الأمر عليه في نفسه، وما جاء به الكتاب والسنة، وما دلَّ عليه صريحُ المعقول المطابق لصحيح المنقول.
وقوله: «فحَيِيَ هذا العبد بظهوره حياةً لا علة لها، فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها، فصار أولًا في الظهور لا ظاهر قبله، فوُجِدَت الأشياء
стр. 279
بأوصافه وظهرت بنوره في نوره، فأول ما ظهر سرُّه، وظهر قلمه ... » الفصل إلى آخره، وقد تقدم ذكره (١).
فيقال: هذا الكلام يشبه ترتيبَ الفلاسفة والباطنية القرامطة من الإسماعيلية ونحوهم، الذين يقولون: صدر عن الواجب عقول عشرة مرتبة، ونفوس سبعة للأفلاك. ويريدون أن يجمعوا بين ذلك وبين ما جاءت به الرسل، فيذكرون الحديثَ الموضوعَ: «أول ما خلق الله العقل»، وقد قدَّمنا (٢) أنه موضوع، وأن لفظَه مع ذلك حجة عليهم لا لهم، ويسمون العقلَ الأول: القلم، لما رُوِي: «إنَّ أولَ ما خلق الله القلم» (٣).
ويوجد نحوٌ من هذا في «رسائل إخوان الصفا»، وفي كلام أبي حامد، وكلام ابن عربي، وابن سبعين، [م ٨٥] وغيرهم. وقد بسطنا الكلام على فساد مذهب هؤلاء عقلًا ونقلًا في غير هذا الموضع (٤).
стр. 280
وطائفة من الذين تصوفوا على طريقة هؤلاء الفلاسفة كابن القَسِي، صاحب «خلع النعلين» (١)، وابن سبعين، وابن عربي، وابن أحْلَى (٢)، والبوني المتأخر، وابن (٣) الطفيل صاحب «رسالة حيّ بن يقظان»، ونحو هؤلاء= خَلَطوا كلام هؤلاء بشيء من كلام الصوفية وألفاظ القرآن والحديث.
وما ذكره ابن سينا في مقامات العارفين في «إشاراته» (٤)، هي من أسباب دعاء هؤلاء إلى ما هم عليه. وهم لا يتفقون على قولٍ واحد؛ لأن الأصل الذي بنوا عليه باطل، فتجدهم مختلفين، وكلٌّ منهم يدَّعي كشفًا وذوقًا ووجدًا يخالف الآخر، أو يَدَّعي عقلًا ونظرًا واستدلالًا يخالف الآخر، فكلٌّ لكلٍّ مناقض، وكلٌّ لكلٍّ معارض، فإنهم ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨ - ٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وهذا الرجل ذكر ظهور القلم، ثم ظهور الأمر، ثم ظهور العقل، وجمهور هؤلاء يجعلون العقل هو القلم. والكلامُ إذا لم يُبْنَ على أصلٍ
стр. 281
علمي قال كلٌّ ما خطر له وتخيله. وهؤلاء كثيرًا ما تخيلوا أشياء لا حقيقة لها يظنونها في الخارج (١)، ويسمي الخيالَ أرضَ الحقيقة، ويعظِّمُ أمرَه. ولعمري إن الخيال الباطل الواسع هو (٢) من إلقاء الشيطان، والوسواس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس.
ثم إنه انتقل من هذا الترتيب إلى أن جعل العقل أولًا، ثم الروح، ثم القلب، ثم النفس، وهذه أمور في الإنسان لا في الخارج، فجعل هذا مثل هذا، وهو كلامٌ باطل لا يدل عليه شرع ولا عقل، بل يعلم بطلانه بالشرع والعقل.
وقد قدمنا الكلامَ في ذلك (٣)، وبينّا أن ذات الإنسان واحدة، ولكن لها صفات متعددة، فباعتبار كلِّ صفة يسمى باسم. فأمَّا أن يكون روح الإنسان أو بدنه أعيانًا قائمة بأنفسها هي أجسام أو جواهر قائمة بأنفسها، إحداها: العقل، والثاني: الروح، والثالث: النفس= فهذا باطلٌ قطعًا.
وأيضًا فقول القائل: «ظهر» يُفهم منه في اللغة المعروفة أنه ظهر لغيره فعرفه، أو رآه بعد أن لم يكن كذلك، مع كونه كان موجودًا في نفسه، كما يقال: ظهر الهلالُ وظهرت الشمس ونحو ذلك.
وهؤلاء قد يريدون بالظهور نفس الوجود ويقولون عن الموجودات: مظاهر الحق ومَجَالِيْه، وليس مرادهم أنه عُرِف بها ودلَّت عليه وشهدت له [م ٨٦] بل مرادهم أنه انكشف موجودًا فيها، وهو لم يزل فيها عندهم، لكنه ظهر للسالك ما لم يكن ظاهرًا له.
стр. 282
وكانوا أخذوا عن مشكاة صاحب «الأنوار» (١) لمّا سمى الحقَّ نورًا بما يناسب هذا، وتبعه عليه ابنُ رشد الحفيد، فاختار له من الأسماء اسم النور، والنور يُقال فيه: أشرق وظهر ونحو ذلك.
فيقال: إن أُريد بظهور الحق في هذه الأمور نفس وجود ذاته فيها، فهذا صريح الحلول والاتحاد. وإن أُريد به أنه عُرِف وعُلِم، فكلُّ ما في الوجود من شواهد الحقِّ وأعلامه ودلائله وآياته، وهذا حكمٌ يَعُمُّ المخلوقات، ويتناول جميع المصنوعات، سواء سُمِّيت مُحْدَثات أو ممكنات، أو غير ذلك.
فكل ما سوى الله فقير إليه من كل وجه، محتاج إليه حاجةً مطلقة عامة، فلا وجود لذاته ولا شيء من أحواله وأوصافه إلا بالله، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فوجود كل منها مستلزمٌ لوجود الحقِّ، وكلُّ ملزومٍ فهو دليلٌ على اللازم، كما أن كل دليل فهو ملزومٌ لمدلوله.
وكون هذه الموجودات محتاجةً إلى الله، ودليلًا عليه، أمر ذاتيٌّ لها لازم، لا يمكن أن تكون إلا كذلك، فكما أن الخالق غنيٌّ بذاته عن كل شيء يمتنع لذاته أن يكون فقيرًا بوجهٍ من الوجوه، فما سواه فقير لذاته يمتنع أن يكون غنيًّا عن الله بوجهٍ من الوجوه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والموجود إما قديم وإما محدَث، والمحدَث لا يكون محدَثًا إلا بقديم.
وكذلك الموجود إما واجب لنفسه وإما ممكن، والممكن لا يكون موجودًا إلا بواجب لنفسه.
وكذلك الموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق، والمخلوق لا بدَّ له من
стр. 283
خالق غير مخلوق، فلا بدَّ من الموجود الذي ليس بمخلوق.
وكذلك الموجود إما غنيّ وإما فقير، والفقير لا يوجد إلا بالغني، فلابدَّ من الغَنِيّ على كل حال وتقدير.
وهذا لأن تقدير مخلوقات أو مُحْدَثات أو فُقراء أو ممكنات ليس فيها خالق قديم غنيّ واجب بنفسه= أفسد من تقدير مُحْدَث بلا مُحْدِث، ومخلوق بلا خالق، وفقير بلا غني، وممكن موجود بغيره بلا واجب موجود بنفسه. فإنه كلما كَثُرت المحدَثات والممكنات والمخلوقات كان افتقارها إلى المحْدِث الواجب الخالق أعظم من افتقار الواحد، فإذا لم يكن فيها موجود بنفسه لم يكن فيها موجود، فتكون كلها معدومات، وكثرة المعدومات التي ليس موجود فيها بنفسه يوجب كثرة حاجتها إلى الموجِد (١).
[م ٨٧] وهذا مع أنه من الضروريات المتفق عليها بين العقلاء فهو مبسوط في غير هذا الموضع (٢).
ولهذا اتفق العقلاء على امتناع التسلسل والدور في المؤثِّر، سواء سُمِّي فاعلًا أو خالقًا أو موجبًا أو علة أو غير ذلك. ولكن تنازعوا في التسلسل في الآثار كما بسطناه في موضعه (٣).
والدور نوعان: فالدَّور القَبْلي كالدور في المؤثِّرات والعلل والفاعل،
стр. 284
متفقٌ بين العقلاء على امتناعه.
وأما الدور المعيّ الاقتراني: وهو أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا، فهذا ليس ممتنعًا لذاته، بل ممكن في الجملة، كمَعْلولي العلة كالأبوَّة مع البُنوَّة، وكذلك إذا كانا غنيين عن الفاعل، كصفات الرب الأزلية مع ذاته المقدسة، فإنه لا يوجد شيء من ذلك إلا مع الآخر، وهو سبحانه بصفاته الأزلية غني عن الفاعل والمؤثِّر، وهذا كله مبسوط في موضعه (١).
والمقصود أن كون المخلوقات آيات للرب ﵎ ودلائل وشواهد ومظاهر، بمعنى أنها تدلُّ وتعرِّف وتشهد بما شهد به القرآن، واتفق عليه أهل الإيمان، وعُلِمَ ثبوته بالبُرهان.
بل آياته المخلوقة دلت على صِدْق آياته المتلوَّة، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] حتى يتبين لهم أن القرآن حَقٌّ، فالضمير عائد على ما تقدم وهو الذي قيل فيه: إن كان من عند الله ثم كفرتم به، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] أي: شهادته بما أنزله من القرآن كافية، وهو مع هذا أظهر للعيان في الأنفس والآفاق ما بَيَّن أن القرآن حق، فيتفق السماع والعيان، وبرهان القرآن والغيب، وبُرهان الحق والشهادة، ويتفق علمه وعلم الله الذي أنزله على الرسول، وعالمه الذي تستدل به العقول، ويتصادق العقل والشرع والرأي والسمع.
стр. 285
وأما كون ذاته ــ سبحانه ــ نفسها تحلّ في مخلوقاته، فهذا هو الباطل، سواء سُمِّي ذلك ظهورًا وتجليًا أو لم يُسَمَّ، فكثيرًا ما يتكلم فيه أهلُ الضلال بالألفاظ التي فيها إجمال، إمَّا ضلالًا وإما إضلالًا، وقد يتكلم بالمجمل من لا يَضِل ولا يُضِل، لكن مع ما يُبيّن (١) به المراد، فالذين في قلوبهم زيغٌ يتبعون المتشابه ويَدَعُون المُحْكم، كفِعْل النصارى وأمثالهم من أهل الضلال الذين نزل بسببهم ما أنزل الله في كتابه في آل عمران (٢).
* * * *