← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1463

الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق

ابن تيمية

Полный текст (326 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بحضور ترجمانه ولسان قلمه الشيخ شمس الدين أبي عبد الله بن رُشيِّق، والمقابلة عليه، وهو ممسك بأصل الشيخ ــ ﵀ ــ والشيخ سليمان (١) يقرأ، وذلك في ثالث شهر جمادى الأولى من سنة ست وثلاثين وسبع مئة». ويُفهم من بيتين كتبهما في بعض ما نسخَ أن حاله مثل حال ابن رُشيِّق في الإعواز وقلة ذات اليد، والبيتان هما: أيا قارئًا خطي سألتك دعوةً ... إلى الله في عبد مقرٍّ بذنبهِ عساه يسامحني ويغفر زلتي ... ويرزقني رزقًا مقيمًا بأهله وقد كان مهتمًّا بأخبار شيخ الإسلام، فقد ذكر في المجموع المشار إليه (ق ١٢٦): أن الشيخ المحدّث عبد الله الإسكندري حدَّثه غير مرة بقصته مع ابن تيمية لما رجع من الحج سنة (٧١٥)، وسؤال الشيخ عما قيل من عقيدة أهل كيلان. ويؤيد ما استظهرناه من كونه تلميذًا لأبي العباس ابن تيمية: ما كتبه على ظهر نسخته من (الحموية الكبرى) التي عنون لها بالقول: «المعارج الروحية القاصدة لمعرفة رب البرية، بالأدلة والنصوص القطعية والآثار السلفية، المودعة في الفتيا الحموية. إملاء الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية» وتاريخ الفراغ من نسخها السابع والعشرون من رجب (٧٣٠)، وقوله في آخرها: « ... غفر الله له ولمن أجاب بها، ولمن تأملها، وأنصف فيها، وامتثل منها ما يجب، وأعرض عن الأهواء والريب، ولسائر المسلمين آمين آمين آمين». _________ (١) لم أتبين من هو.

стр. 37

وما قاله قبل كتاب «شرح حديث النزول الإلهي»، من تعبيرات المديح التي يغلب على الظن أنها كلمات هذا التلميذ المحبّ لشيخه، إذ كانت النسخة التي استنسخ منها بخط المؤلف قال: «مسألة: سئلها الشيخ الإمام شيخ الإسلام بقية السلف الكرام، قدوة الخلف، فريد عصره ووحيد دهره، العالم الرباني، المقذوف في قلبه النور الإلهي، موضح المشكلات، مزيل الشبهات بما أيده الله من فهم الآيات البيّنات والبراهين القاطعات، تقي الدين ... فأجاب عن أسرار الحديث، وأقوال العلماء، وأزاح كل مشكل، وأبان الحق في ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الجهابذة الأئمة، وبيّن في ذلك غلط الغالطين، وحذر فيه من زيغ الزائغين، ونفَّر من تشكيك الشاكِّين، وحث على سلوك طريق السلف الصالح، من الصحابة ومَن بعدهم من التابعين، وقوَّى جانب الاتباع وزيَّفَ أقوالَ أهل الأهواء والابتداع، في سائر الأزمان والدهور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ﴾ [النور: ٤٠]» (١). ولا يفوتنا أن نشكر الشيخين جُديع الجديع وعبد العزيز البِدَاح؛ لسعيهما في تصوير هذه النسخة من المعهد المذكور أكثر من مرة. النسخة الثانية: محفوظة في دولة الإمارات العربية المتحدة، لجنة التراث والتاريخ (المكتبة) رقم ١٤٩ [٢١٧] تقع في ٢٨ ورقة، وهي قطعة من أول الكتاب نحو خُمُسه، تبدأ من أول الكتاب وفيه السؤال المعروض على شيخ الإسلام ثم الجواب إلى قوله: «فانصرنا على القوم الكافرين» وهو ينتهي في _________ (١) وقد سبقني إلى التعريف بأيوب العامري (ناسخ هذا الكتاب) الأستاذُ البحّاثة أبو الفضل محمد بن عبد الله القونوي في أوراق أرسلها إليَّ جزاه الله خيرًا، فما أثبته مستفاد منه مع بعض الإضافات.

стр. 38

مطبوعتنا إلى (ص ١٠٣)، وهي تكمل النقص الواقع في النسخة (م) من أول الكتاب إلى قوله: «والوجه الثاني بيان ما في هذا ... » (ص ٣٨) ثم تتفق معها إلى (ص ١٠٣). وخطها نسخيّ واضح، قليلة الخطأ، معتنى فيها بضبط ما يشكل في مواضع عدة، واضح على طررها أثر المقابلة. ويلاحظ على النسخة عدة أمور: الأول: أنها إلى ق ١٨ بخط، ثم من ق ١٩ إلى آخرها بخط مغاير، فهل تعاور على نسخها أكثر من ناسخ؟ أم أن الأوراق الأولى من المخطوط تعرضت للتلف فأعاد كتابة أوراقها ناسخ آخر متأخر؟ الذي يظهر الاحتمال الأول لقرائن: ١ - الورق فيما يظهر واحد لا يختلف في مقاسه ولا لونه ونوعه. ٢ - أن أول النسخة وقع فيه من اهتراء الورق وتآكله وعبث الأرضة به ما يدل على قدمه، إذ لو كان حديثًا لما وقعت فيه كل تلك العيوب. ٣ - على النسخة تصحيحات وإلحاقات ومقابلات بالأصل (ق ١٤) تدل على أنها قديمة، ويظهر لي أن هذه التصحيحات والمقابلات بخط ناسخ القطعة الثانية فالخط يشبهه جدًا وليس بخط ناسخ القطعة الأولى يقينًا. فمن المرجّح أن الناسخ الأول نسخ نصف (النسخة) (١٤ ق)، والناسخ الثاني نسخ باقيها وهي أيضًا (١٤ ق) ثم تكفّل بمقابلة النسخة كاملة. الأمر الثاني: في هذه النسخة زيادات متعددة في مواضع متفرقة منها، قد تبلغ نصف صفحة في بعض الأحيان، وكثير من الزيادات تكون في الآيات التي يستشهد بها المؤلف، فبينما تكتفي نسخة (م) بآيتين أو ثلاث تكون في

стр. 39

نسخة (ت) خمسًا أو ستًّا. ويكون مقابل هذه الآيات الزائدة في (م) عبارة «إلى غير ذلك من الآيات»، فهل هو اختصار من الناسخ أو هكذا كتبها المؤلف ثم بدا له الزيادة عليها في إخراج آخر؟ كلا الأمرين محتمل، وإن كنت أميل إلى الاحتمال الثاني بدليل الزيادات في النصوص التي أشرنا إليها قبل قليل. وهذا من فوائد هذه النسخة زيادة إلى كونها استدركت السقط الواقع في أول (م). الأمر الثالث: أن خاتمة النسخة تدل على اكتمالها وأنه لم يحدث فيها خرم من سقوط أوراق أو تلف أو نحوه، فقد ختمها بآخر آية في سورة البقرة، ثم قال: «سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين» في هامشها: «بلغت مقابلته على أصله». فلعل النسخة المنقول عنها لم يكن فيها إلا هذا القدر، والخاتمة المؤذنة بتمام النسخة من تصرف الناسخ. وكان من السائغ في النظر أن نظن أن نسخة (ت) كانت إلى تمام نقد المؤلف لحزب البحر وبه تمت النسخة، ثم ألحق ما يتعلق بحزب البر وآداب الطريق بعد ذلك، لكن النسخة (ت) لم تنته عند هذا الحد بل شرعت في نقد ما في الحزب الكبير (البر)، فمن الراجح أن النسخة الأم كانت ناقصة، فظن ناسخ (ت) تمام النسخة فختمها بما يؤذن باكتمالها. وفي تعليق في طرة إحدى أوراقها ما يدل على أنه قابلها بنسخة أخرى، ففي (ق ٢٩) هامش: «وفي نسخة: لعبده أجلًا دون الموت». وقد يكون نقلها من طرة النسخة الأصل المنقول عنها. * * * *

стр. 40

منهج التحقيق للكتاب نسختان ناقصتان تُكَمّل إحداهما الأخرى، الأولى (م) ناقصة من أولها أكثر من عشر ورقات، والثانية (ت) ناقصة نقصًا كبيرًا فلم نجد منها إلا ٣٠ ورقة من أول الكتاب، ولا يخفى ما يواجه المحقق من صعوبات إذا كانت عمدته نسخة فريدة، لاحتمال وقوع سقط أو بياض أو تشويش في النسخة أو تحريف، وكلّ ذلك وقع في كتابنا هذا، سواء في أوله حيث تنفرد به نسخة (ت) أو من أثنائه حيث تنفرد به نسخة (م)، أما القَدْر الذي اشتركت فيه النسختان فهو لا يتجاوز خمسين صفحة من المطبوع، إضافة إلى رداءة تصوير نسخة (م) عن طريق الميكروفلم الموجود بمعهد المخطوطات، وقد سلكت في إثبات نص الكتاب الخطوات الآتية: - أثبتّ النصَّ كما هو في نسخة (ت) و (م) فيما انفردت كل واحدة منهما به، إلا في الورقات التي اجتمعت للنسختين فإنا قد استفدنا منهما جميعًا على طريقة النص المختار، وأضفنا الزيادات التي في نسخة (ت) في مكانها مع التنبيه عليها، وأهملنا الاختلافات التي لا أثر لها في النص، ونبهنا على الإشكالات والتحريفات أو الأسقاط المحتملة في النسخة، وصححنا ما غلب على الظن من ذلك، مع الإشارة في الهامش إلى كل ذلك. وما لم نتمكن من إصلاحه أو كان غير محرر تركناه بياضًا أو أشرنا إلى احتمالات قراءته أو أثبتنا رسمه. وهي مواضع قليلة بحمد الله. - رجعت في النصوص التي ينقلها المصنف من أحزاب الشاذلي أو ما كتبه في آداب الطريق إلى أصولها، فرجعنا إلى أكثر من نسخة

стр. 41

مخطوطة ومطبوعة لحزب البحر، وإلى نسخة خطية وأخرى مطبوعة من حزب البر أو الحزب الكبير، وعدة مطبوعات في آداب الطريق، وقد أثبتنا الفروق المهمة في الهامش. - خرَّجت الأحاديث والآثار، وعزوت جميع نقول المؤلف من الكتب التي يصرح بها، أو التي يكتفي بعزوها إلى مؤلفيها، وعرَّفتُ بمن يحتاج إلى التعريف به من الأعلام والفرق ونحوها. - أحلت على كتب المؤلف الأخرى، سواء التي يشير إليها بقوله: «وقد بسطناه في غير هذا الموضع». أو نحوها من العبارات. أو لم يشر إليها، وكان في الإحالة زيادة فائدة للباحث. - كتبت مقدمة للكتاب عرَّفت فيها بالكتاب ومنهج المؤلف فيه ومتعلّقاته وغيرها من المباحث. وترجمت لأبي الحسن الشاذلي المردود عليه ترجمة مختصرة. - ختمت الكتاب بفهارس مفصلة؛ لفظية وعلمية. والحمد لله رب العالمين. كتبه في مكة المكرمة/في الثامن من رجب/ ١٤٢٨ ثم أعدت النظر في التحقيق ومقدمته في ٣٠/ربيع الثاني/١٤٣٧

стр. 42

نماذج من النسخ الخطية وخط الناسخ

стр. 43

الصفحة الأولى من نسخة (م)

стр. 44

الورقة الأخيرة من نسخة (م)

стр. 45

نموذج من كتاب آخر بخط ناسخ (م) ويظهر اسمه جليا (أيوب بن أيوب. . .)

стр. 46

صفحة الغلاف من نسخة (ت)

стр. 47

الورقة الأولى من نسخة (ت)

стр. 48

الورقة التي بدأ فيها خط الناسخ الثاني لنسخة (ت)

стр. 49

الورقة الأخيرة لنسخة (ت)

стр. 50

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله وسلَّم على سيدنا محمد وآله وصحبه. ما تقول السادةُ من العلماء ــ رضي الله تعالى عنهم أجمعين آمين ــ في الحزب المنسوب إلى الشيخ أبي الحسن الشاذليّ ﵁، المعروف بـ «حزب البحر»، وهو الآتي ذكرُه بلفظه، هل معانيه جميعها صحيحة أم (١) لا؟ وهل في كلماته ما يجب ردُّه وإنكارُه أم لا؟ وهل وَضْع الأحزاب على هذه الصورة موافق لطريق السلف الصالح أم هذا أمر مبتدَع؟ وابْسطوا القولَ في ذلك مثابين إن شاء الله تعالى. والحزب المذكور: (يا عليُّ يا عظيم، يا حليم يا عليم، أنتَ ربي وعلمُك حسبي، فنعم الربّ ربي، ونعم الحَسْب حسبي، تنصر من تشاء وأنت العزيز الرحيم. نسألك العصمةَ في الحركات والسّكَنات والكلمات والإرادات والخَطَرات، مِن الشكوك والظنون، والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب، فقد ﴿ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١١ ــ ١٢] فثبِّتنا، وانصرنا، وسخِّر لنا هذا البحر كما سخَّرت البحرَ لموسى، وسخّرتَ النارَ لإبراهيم، وسخرتَ الجبالَ والحديدَ لداود، وسخرتَ الريحَ والشياطينَ والجنَّ لسليمان، وسخِّر لنا كلَّ بحر هو لك في الأرض والسماء، والملك والملكوت، وبحر الدنيا وبحر الآخرة، وسخِّر لنا كلَّ شيء يا مَن بيده ملكوت [ت ٢] كل شيء، ﴿كهيعص﴾ ﴿كهيعص﴾ ﴿كهيعص﴾، انصرنا فإنك خير

стр. 51

الناصرين، وافتح لنا فإنك خير الفاتحين، واغفر لنا فإنك خير الغافرين، وارحمنا فإنك خير الراحمين، وارزقنا فإنك خير الرازقين، واهدنا ونجِّنا من القوم الظالمين، وهب لنا ريحًا طيبةً كما هي في علمك، وانشرها علينا من خزائن رحمتك، واحملنا بها حمل الكرامة مع السلامة والعافية في الدين والدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. اللهم يسّر لنا أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا، والسلامة والعافية في ديننا ودنيانا، وكن (١) لنا صاحبًا في سفرنا، وخليفةً في أهلنا، واطمس على وجوه أعدائنا، وامسخهم على مكانتهم فلا يستطيعون المُضيَّ ولا المجيء إلينا ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٦ - ٦٧]، ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ١ - ٩]. شاهت الوجوه، شاهت الوجوه، شاهت الوجوه، ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١]، ﴿طس﴾، ﴿حم (١) عسق﴾، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠]، ﴿حم﴾ ﴿حم﴾ ﴿حم﴾ ﴿حم﴾ ﴿حم﴾ ﴿حم﴾ ﴿حم﴾، حُمَّ الأمرُ، وجاء النصر، فعلينا لا ينصرون. ﴿(١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ

стр. 52

ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: ١ - ٣]. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بابنا، ﴿تَبَارَكَ﴾ حيطاننا، ﴿يس﴾ سقفنا، ﴿كهيعص﴾ كفايتنا، ﴿حم (١) عسق﴾ حمايتنا، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، ستر العرش مسبول علينا، وعين الله ناظرة إلينا، بحول الله لا يُقْدَر علينا، ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ ... قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٠ - ٢٢]، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ﴾ [يوسف: ٦٤]، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) (١). * * * * * أجاب الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية الحراني الحنبلي رحمه الله تعالى: الحمد لله ربّ العالمين، الكلام على هذه المسألة من وجهين: أحدهما: أنه ليس لأحدٍ من الناس أن يجمع الناسَ على عبادات غير شرعية، لاسيما إذا جُعِلَت معتادةً كالصلوات الخمس، فمن جمعَ الناسَ على أذكار ودعوات وضعَها بعضُ الشيوخ، وجعلهم يعتادون التعبُّد بها، فهو من أهل البدع، ففي الأذكار والأدعية والعبادات الشرعية غُنيَةٌ عن البدع.

стр. 53

وإذا كان العلماء كرهوا ما أُحْدِث من الصلوات المبتدَعَة التي يُجْتَمع عليها في أول رجب، وأول ليلة جمعة منه، وليلة سبع وعشرين من رجب، لاتفاق العلماء [ت ٣] على أن الأحاديث المروية في فضل صوم رجب أو شيءٍ منه أو صلاة تختصّ به كلّها كَذِب موضوعة (١). كالأحاديث المروية في صلوات الأيام والليالي، وصلاة يوم عاشوراء ونحو ذلك؛ فإن ذلك كلَّه كذب موضوع باتفاق أهل العلم، وليس في عاشوراء شيء مشروع إلا الصّيام، وما يروى في الاكتحال والخضاب والاغتسال والصلاة المختصّة به والتوسعة على العيال= فأحاديث موضوعة على النبي ﷺ عند علماء أهل الحديث، وإن كانت راجت على بعض الناس. وكذلك صلاة الألفية ليلة النصف من شعبان (٢). فإذا كان العلماء المتبعون للسلف يكرهون مثل صلاة الرغائب والألفية ونحوهما؛ لما في ذلك من الاجتماع المعتاد الذي لم يشرعه رسولُ الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون، وإن كان ما في ذلك من الذِّكْر مشروعًا، ولم يستحبّ هذه الصلوات المحدَثة أحدٌ من أئمة المسلمين، لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد ولا الثوري ولا إسحاق ولا غيرهم، فكيف بذِكْرٍ ودعاءٍ غير مشروع؟!

стр. 54

بل الأئمة العلماء الكبار كرهوا صلاة التسبيح (١) وضعّفوا حديثها كالإمام أحمد وغيره، بل قد بيَّن بعضُهم أنه موضوع، ولم يستحبّها على الصفة المأثورة أحدٌ من علماء المسلمين، لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا الثوري ولا الأوزاعي ولا غيرهم، ولكن نُقِل عن ابن المبارك (٢) أنه رخّص فيها على غير الصفة المأثورة، وذلك مِن فقه ابن المبارك؛ فإن فيها أنه يقول بعد السجدة الثانية قبل القيام: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر عشرًا». ومعلوم أن القعدة الطويلة في هذا الموضع مخالفة للصلاة المشروعة. وإنما تكلّم الناسُ في جلسة الاستراحة لما فيها من الحديث الصحيح (٣)،

стр. 55

وتنازعوا هل هي سنة راتبة أو تُفعَل للسنة إذا احتيج إليها لاحتمال أن يكون النبي ﷺ فعلها للحاجة لمّا بَدُن فلا تكون سنة، أو يكون فعَلَها لأنها من سنة الصلاة (١). وأما قعدة طويلة فلا تُشرَع، فرأى ابنُ المبارك ﵀ أنه لا يمكن إثبات سنة في الصلاة بمثل حديث صلاة التسبيح. وأما سائرها فليس فيها ما يخالف الصلاةَ الشرعية، فتُفْعَل لكونها من الصلوات التي عُلِم أنها مشروعة لا لأجل الحديث الخاصّ فيها، فإن إثبات علم شرعيّ في إيجاب أو استحباب لابدّ له من دليل شرعي، لا يجوز إثباته بحديث لا تقوم به الحجة باتفاق العلماء، بخلاف ما عُلِم أنه مشروع ورُوِيَت أحاديث في الترغيب فيه، فهذه تجوز روايتها إذا لم يُعلَم أنها كذب كما تروى الإسرائيليات على هذا الوجه. وهذا معنى ما رُوي عن بعض الأئمة ــ أحمد وغيره ــ من التساهل في أحاديث الفضائل (٢). فأما أن يقال: إن هذا مستحبّ من غير دليل شرعي يدلّ على استحبابه، فهذا لا يقوله عالم. فما ثبت أنه مشروع جاز أن يُروى فيه الحديث الذي [ت ٤] لا يُعلَم أنه موضوع. وما لم يثبت أنه مشروع لا يجوز أن يقال: هو مستحبّ ولا واجب. والذين استحبوا من المتأخرين (٣) من أصحاب الشافعي وأحمد ﵏ هذه الصلاة خفي عليهم ما علمه الأئمة الكبار من حال الحديث،

стр. 56

فإن ألفاظ الحديث تدلّ على أنه موضوع. والمقصود أنه إذا كان مثل هذه الصلاة التي رَوى حديثَها أبو داود والترمذي، وصحَّحه بعضُ العلماء قد أنكره الأئمةُ وجمهورُ العلماء لئلا يعتقد الناس استحبابَ شيء لم يثبت في الشريعة، فكيف الظنُّ بما ليس له أصلٌ في الشريعة إذا أحدثه بعضُ الناسِ واتُّخِذ سنة؟! ومن العبادات عبادات تُشرَع أن تُفعَل على حال الانفراد دون الاجتماع، ومنها ما يُشرع الاجتماع عليه أحيانًا دون اتخاذ ذلك عادة؛ كما لو صلى الرجلُ التطوّعَ أحيانًا في جماعة، كصلاة الضحى وقيام الليل= جاز، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى بالليل مرةً بابن عباس ﵄ (١)، ومرة بحذيفة (٢)، ومرة بغيرهما، وأنه ﷺ صلى بالنهار مرة بعِتْبان بن مالك ومَن في بيته (٣)، ومرة بأنسٍ وأمه واليتيم (٤). ولو جَعَل ذلك جماعةً راتبةً في المسجد يجتمعون كل يوم يصلون الضحى في المسجد جماعة كصلاة الظهر نُهِيَ عن ذلك. وقد كان جماعةٌ من عُبَّاد الكوفة على عهد عبد الله بن مسعود ﵁ يخرجون إلى ظاهر الكوفة يتواعدون على الاجتماع ويقولون بعضُهم لبعض: سبّحوا عشرًا، احمدوا عشرًا، كبّروا عشرًا، فخرج عليهم عبد الله بن

стр. 57

مسعود ﵁ وقال: يا قوم لأنتم أهدى من أصحاب محمد ﷺ أو لأنتم على شعبةِ ضلالة! وأمرهم بالتفرّق فتفرّقوا وما منهم أحدٌ إلا وهو يكره أن يعرفه ابنُ مسعود في ذلك المجلس (١). يقول: إن كان هذا الاجتماع خيرًا واختصصتم به دون أصحاب محمد فأنتم أهدى منهم، وإن لم يكن خيرًا فأنتم على شعبة ضلالة. فإذا كان هذا في الاجتماع الراتب على الذِّكر المشروع جنسُه والصلاة المشروع جنسُها، فكيف بالاجتماع الراتب على ذكر محدَث مصنوع؟! وقد نصّ على هذا الأصل الأئمةُ، فذكروا أن الاجتماع غير المشروع إذا اتخِذَ سنةً راتبة كره ذلك. وهذا مأثور عن أحمد، وأظنه منقولًا عن مالك وغيره. والله قد شرع على لسان رسوله ﷺ للمسلمين من الأذكار والدعوات التي تُقال في اليوم والليلة، وتسمّى عملَ يومٍ وليلة، والتي تقال عند الأحوال العارضة= بما يحصِّل مقصودَ العابدين لرب العالمين. مثل ما يقال في الصلاة وأدبار الصلوات، وطَرَفي النهار، وعند النوم، وعند التعارّ من الليل، والانتباه آخر الليل، وفي صلوات الليل، وعند دخول المسجد والمنزل والخلاء، والخروج من ذلك، وعند الأكل والشرب واللباس، والركوب والنكاح، وعند السفر [ت ٥] ودخول السوق، والقيام من المجلس، والوضوء، وما يقال عند الخوف، وعند الكرب، وعند الغمّ، وعند سماع صوت الدّيك والحمار والكلب، وعند المرض وعيادة المريض، وغير ذلك.

стр. 58

ففي الأحزاب النبوية والأوراد الشرعية غُنْيَة لأهل الملة الحنيفية. وقد أفرد العلماء لذلك مصنفات، مثل كتاب «الدعاء» لابن خزيمة، و «الدعاء» لابن أبي عاصم والطبراني، و «الأدعية الصحيحة» للحافظ عبد الغني، والشيخ أحمد الإِرْبِلي (١). وصنفوا في عمل اليوم والليلة، مثل كتاب النسائي، وصاحبه ابن السُّنّي، وأبي نعيم الأصبهاني، والمَعْمَريّ، وكتاب أبي زكريا النووي. مع أن هذه (٢) الكتب فيها أحاديث كثيرة موضوعة، والموضوع فيها الذي تداوله العلماء خير من أحزاب لم يتداولها إلا جُهّال! لأن الأحاديث الموضوعة التي يتداولها العلماء لا تكاد تشتمل على شرك أو كفر، بخلاف الأحزاب المبتدعَة، فإنه قد يكون في بعضها من الكفر والإلحاد ما يُناقض أصول الإسلام كالأحزاب السبعينية (٣). ثم الأذكار والدعوات والعبادات الشرعية فيها من اتباع السنة واجتماع القلوب وحصول الأُلفة ما هو من أعظم رحمة الله لعباده. وأما الأحزاب المحدَثة، فإذا كان كل متبوع يصنع لنفسه ولأتباعه حزبًا أوجبَ هذا من البدع والتفرق والاختلاف والفساد ما لا يحصيه إلا الله تعالى.

стр. 59

حتى الملاحدة أحدثوا لأنفسهم أحزابًا كابن سبعين وأتباعه، وضمّنوها من الكلمات المزخرفة ما يغرّ المستمعين، وهي من أعظم الكفر بالله تعالى ورسوله! و العبادات أغذيةُ القلوب وأدويةٌ لها ، فليس لأحدٍ أن يخرج فيها عن سنة المرسلين الذين شرعوا الدين بإذن الله تعالى، فإن الإسلام مبنيّ على أصلين: أن لا يُعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع. كما قال الفُضيل بن عياض ﵁ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، قال: أخْلَصه وأصْوَبه (١). قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. ف العمل الصالح هو الواجب والمستحب، وذلك هو المشروع، وأن لا يشرك بعبادة ربّه أحدًا هو إخلاص الدين لله، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا» (٢). وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ

стр. 60

بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، فوصفه بأنه يدعو إليه بإذنه، بخلاف من (١) فإن هذين ضالّان كضلال المشركين والنصارى الذين يعبدون غير الله بغير إذن (٢) الله، ولهذا ذم الله تعالى النصارى على الشرك والغلوّ وعلى البدع فقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ [ت ٦] أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠]، فبيَّن أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابًا فهو كافر. وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال تعالى: ﴿تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ (٣) [المائدة: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ [الحديد: ٢٧].

стр. 61

وقد ثبت في «الصحيح» (١) عن نبينا ﷺ أنه كان يقول في خطبته: «خيرُ الكلام كلامُ الله، وخيرُ الهدي هدي محمد، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة». و المراد بالبدعة: ما لم يقم دليل شرعي على أنه واجب أو مستحب، سواء فُعِلت (٢) على عهده ﷺ أو لم تُفْعَل، كإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وقتال الترك، لمّا كان مفعولًا بأمره لم يكن بدعة وإن لم يُفْعَل في عهده. وكذلك جَمْع القرآن في المصحف والاجتماع على قيام رمضان، وأمثال ذلك مما ثبت وجوبُه أو استحبابُه بدليل شرعي. وقول عمر ﵁ في التراويح: «نِعْمَت البدعة» (٣) أي هي بدعة في اللغة، لأن البدعة في اللغة ما فُعِل على غير مثال، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، وليست بدعة في الشريعة، فإن كل بدعة في الشريعة فهي ضلالة كما أخبر به النبي ﷺ . ومن قال مِن العلماء: البدعة تنقسم إلى حسن وغير حسن، فمورد تقسيمه البدعة اللغوية. ومتى قال: «كل بدعة ضلالة» فمعنى كلامه البدعة الشرعية، ألا ترى أن علماء الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان في غير الصلوات

стр. 62

الخمس كالعيدين وإن لم يكن فيه نهيٌ خاص، وكذلك الصلاة عقيب السعي بين الصفا والمروة قياسًا على الطواف، وأمثال ذلك. فما تركه الرسول ﷺ مع قيام المقتضي كان تركُه سنةً وفعلُه بدعةً مذمومة، ومعنى ذلك أنه إذا كان المقتضي التام موجودًا في حياته كوجوده بعد مماته. فما (١) ترَكَه كان تركُه سنةً وفِعله بدعة، بخلاف ما تركَه لعدم المقتضي، ووجود المقتضي بعد موته كجمع المصحف وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وما تركه لوجود المانع كالاجتماع في صلاة التراويح= يدخل في ذلك، فإن المقتضي التام يدخل فيه عدم المانع. وفي «السنن» والترمذي (٢) الحديث الذي صححه الترمذي حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: «وعَظَنا رسولُ الله ﷺ موعظة بليغةً ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودّع فما تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه مَن يَعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسّكوا بها وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلَّ بدعة ضلالة» وفي لفظ: «وكلّ ضلالة في النار». فأصل الدين الفاسد إما عبادة غير الله ، وإما عبادة تُفعَل بغير إذن الله تعالى، أو تحريم ما لم يحرّمه الله تعالى، أو تحليل ما حرّم الله تعالى.

стр. 63

ولهذا ذمّ الله تعالى المشركين بذلك في سورة الشورى (١)، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ولهذا قال العلماء ﵃: إن مبنى العبادات على التوقيف (٢) والاتباع لا على الهوى والابتداع. [ت ٧] وقد قال بعضهم كلمة جامعة: أن أصل كل شرّ هو معارضة النصّ بالرأي وتقديم الهوى على الشرع. ولهذا قال بعض السلف: الشريعة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق (٣). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: اقتصادٌ في سنة خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة (٤). وكذلك قال أُبيُّ بن كعب ﵁: «ما عَبْدٌ (٥) على السبيل والسنة ذَكَرَ الله خاليًا ففاضت عيناه، فاقشعرّ جلدُه من خشية الله تعالى، إلا تحاتّت عنه خطاياه كما تحاتُّ الورقُ اليابس من الشجر، وما مِن عَبْدٍ على السبيل

стр. 64

والسنة ذَكَر الله تعالى خاليًا، ففاضت عيناه من خشية الله تعالى، إلا لم تمسّه النارُ أبدًا، وإن اقتصادًا (١) في سبيلٍ وسنةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في خلافِ سبيلٍ وسنة، فاحرصوا أن تكون أعمالكم ــ إن كانت اقتصادًا أو اجتهادًا ــ على منهاج الأنبياء وسنّتهم» (٢). ولهذا لا يوجد أحدٌ خرج في العبادات عن الطريق الشرعية إلا أوجب ذلك له أحوالًا فاسدة بحسب خروجه، فإن الأحوال النفسانية والشيطانية نتيجة الخروج عن متابعة الرسل، كما أن الأحوال الرحمانية نتيجة اتباعهم. ومن هذا الباب يصير من يصير من أرباب الأحوال الشيطانية معاونًا للكفار من المشركين وأهل الكتاب، كالخفير لهم بباطنه وتوجيهه، فإن ذلك نتيجة عباداته البدعية، كمن كسب مالًا خبيثًا فأنفقه في الظلم والفواحش. والأحوال نتائج الأعمال، والرجل العابد قد لا يكون له معرفة بالأذكار والدعوات الضارة والنافعة، حتى إن بعض مَن صنّف في الدعوات ضمَّن ذلك دعوة الكواكب، فجَعَل الإشراك بالله تعالى من جملة العبادات، والآخر صنّف حِزبًا ضمَّنه دعوة الجنّ والشياطين! وهذا وغيره رأيتُه بالديار المصرية، ورأيتُ من هذا الفنّ عجائب! وأصل ذلك الخروج عن الكتاب والسنة، فمتى خرج الناس عن ذلك تفرّقت بهم السُّبُل، كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خطّ لنا رسول

стр. 65

الله ﷺ خطًّا، وخطّ خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذا سبيل الله، وهذه سُبُل، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) [الأنعام: ١٥٣]. وهذه الأحزاب قد يضعها مَن فيه إلحادٌ ونفاق أو جهل بأصول الإسلام، فيكون فيها من الكفر والنفاق ما يُنافي دين الإسلام كالأحزاب السبعينية، والأحزاب العبيدية، والأحزاب الجنيّة، ومثل كتاب الدعاء الذي فيه دعوة الكواكب. ومن هذا الباب العزائم والرُّقى التي فيها ما لا يُعرف معناه، أو يعرف أن فيها شركًا، فإنه لا يجوز الرُّقية بها بخلاف الرقية الموافقة للكتاب والسنة فإنها جائزة. وأشدّ من ذلك أحزابٌ وضعها جماعةٌ من الشيوخ الصالحين الذين ليسوا من جنس هؤلاء الملاحدة، ومع هذا ففيها ألوان من المنكرات (٢). وأبو الحسن الشاذلي رحمة الله عليه كان مِن خير هؤلاء الشيوخ وأفضلهم معرفةً وحالًا، وأحسنهم اعتقادًا وعملًا، وأتْبَعَهم للشريعة، وأكثرهم تعظيمًا للكتاب والسنة، وأشدّهم تحريضًا على متابعة النبي ﷺ ، وله كلمات حَسَنة في مثل ذلك.

стр. 66

مثل كلام قاله معناه: قد ضُمِنت لنا العصمةُ فيما جاء به الكتاب والسنة، ولم تُضمَن لنا العصمة في الكشف [ت ٨] والإلهام، فإذا اتبعنا الكتاب والسنة كنّا مهتدين وإن لم نعرف حقيقة ذلك، وإذا (١) اتّبَعْنا كَشْفَنا وإلهامَنا خيف علينا أن نضلّ، أو كما قال. وهكذا المشايخ الصالحون الذين يُقتدى بهم في الدين كانوا على هذا المنهاج، كقول الشيخ (٢) أبي سليمان الداراني: إنه لتمرّ بي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين: الكتاب والسنة (٣). وقال أيضًا: ليس لمن أُلْهِمَ شيئًا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر، فإذا سمع فيه بأثر كان نورًا على نور (٤). فالشيخ أبو سليمان ذكر الاعتصام بالكتاب والسنة في الواردات العلمية والعملية، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإن أفضل المحدَّثين هو عُمر بن الخطاب ﵁ كما ثبت في «الصحيحين» (٥) عن النبي ﷺ أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمر». وقال: «إن الله

стр. 67

ضربَ الحق على لسان عمر وقلبه» (١). وفي الترمذي (٢) عنه: «لو لم أُبْعَث فيكم لبُعِث فيكم عمر»، وفي اللفظ الآخر رواه أحمد وغيره: «لو كان بعدي نبيٌّ لكان عمر» (٣).

стр. 68

ومع هذا ف الواجب على أبي بكر وعمر وسائر الخلق الاعتصام بالكتاب والسنة ومتابعة محمد ﷺ -، وأن يَزِنوا أقوالَهم وأعمالَهم الباطنة والظاهرة بالكتاب والسنة. وأبو بكر أفضل من عمر ﵄، فإنه كان صِدّيقًا يتلقّى من النبي ﷺ لا يتلقى من قلبه، وعمر كان مُحدَّثًا له إلهام وحديث إلهيّ لكن ليس معصومًا، بل عليه أن يعرضه على الكتاب والسنة. و من كانت الواسطة بينه وبين الله نورَ النبوة المحمدية كان أكمل ممن كان قلبُه واسطةً له في بعض الأمور لاحتياج قلبه إلى نور النبوّة، ولهذا كان أبو بكر يُبيِّن لعمر أشياء وقعت في قلبه، فيبيّن له فيها الصواب، فيرجع عمر إلى أبي بكر، كما رجع إليه عامَ الحديبية لما قال له: ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أوَليس عدوّنا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نعطي الدنيةَ في ديننا؟! فقال: إنه رسول الله، وهو ناصره، وليس يعصيه. قال: أفلم يَعِدْنا أنّا نأتي البيتَ ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبرَكَ أنه يأتيه العامَ؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه تطوف به. رواه البخاري وغيره (١). وهذا الجواب أجابه به رسول الله ﷺ لما سأله كما سأل أبا بكر. وهذا يدل على كمال معرفة أبي بكر ﵁ وموافقته للنبي ﷺ ، وأنه أكمل في ذلك من عمر وغيره. وكذلك لما مات النبي ﷺ ظنّ عمرُ ﵁ أنه لم يَمُت، وقال: إن رسول الله لا يموت حتى يُدْبِرَنا، أي يكون آخرنا، حتى جاء أبو بكر ﵁،

стр. 69

فدخل فرآه فقبَّل بين عينيه ﷺ ، وقال: بأبي أنت، أما الموتة التي كَتَب الله عليك فقد مِتّها، والله لا يجمع عليك موتتين، ثم خرج فخطب الناسَ وقال: مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإنّ الله حيٌّ لا يموت. ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فكأنّ الناس لم يسمعوها حتى تلاها أبو بكر ﵁، فلا يوجد إلا مَن يتلوها (١). وكذلك بيانه له لما توقَّف في قتال مانِعِي الزكاة، وغير ذلك (٢). والمقصود هنا [ت ٩] أنه إذا كان مثلُ عمر الذي هو أفضل الأمة بعد أبي بكر، وهو الملْهَم المحدَّث الناطق بالصواب، الذي لو كانت النبوّةُ ممكنةً بعد محمد لكانت له= مأمورًا (٣) أن يردّ (٤) ما يُلقى في قلبه إلى الكتاب والسنة، فغيرُه من الشيوخ والعلماء أولى بذلك، فإنه ليس بعده مثله. ولهذا قال الجُنيد ﵀: عِلْمُنا هذا مقيّد (٥) بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلّم في عِلْمنا (٦).

стр. 70

وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَري: كل وَجْد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل (١). وقال: كل عمل على غير متابعة السنة فهو عفنُ النفس. يعني أنه اتباع الهوى (٢). وقال أبو عثمان النيسابوري: مَن أمَّر الكتابَ والسنةَ على نفسه قولًا وعملًا نطق بالحكمة، ومَن أمَّر الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٣) [النور: ٥٤]. وكلام المشايخ المقتدَى بهم في هذا (٤) الأصل كثير، وإن كان أحدهم قد يجتهد فيخطئ فيُثاب على اجتهاده ويُغفر له خطؤه، فليس من شرط أولياء الله المتّقين أن يكونوا معصومين من الذنوب فضلًا عن الخطأ، بل قد قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ

стр. 71

الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ [الأحقاف: ١٥ - ١٦]. وهذا متفق عليه بين أئمة الدين، كما قال مالكٌ وغيره من العلماء ﵃: كلُّ أحدٍ من الناس يُؤخذ من قوله ويُترَك إلا رسول الله ﷺ . فالرجل الصالح الحَسَن التعبُّد المجتهد في اتباع الكتاب والسنة إذا كان منه كلام أو دعاء أو ذِكْر فيه خطأ لم يُعاقب على ذلك، ولا يَسقط به ما يستحقّه من الموالاة والمحبة والحُرْمة، فإن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان، كما ذكره سبحانه في دعاء المؤمنين بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد ثبت في «الصحيح» (١) أن الله تعالى قال: «قد فعلت». ولا يجوز أن يُتَّبع أحدٌ في خطأ يتبيَّن أن الكتاب والسنة بخلافه، وما زال لأئمة (٢) الصحابة والتابعين ــ الذين لهم في الأمة لسان صدق، وهم عند الأمة من أكابر أولياء الله المتقين ــ أقوالٌ خفيت عليهم فيها السنة، فلا يُتّبَعون فيها، ولا يُساء القول فيهم لأجلها، بل لابد من اتباع الحق وتعظيم أهل الإيمان والتقوى. وهذا أصلٌ مستقرّ بين أهل الإسلام. والذين لهم أحزاب أو أوراد أو أحوال فيها ما يخالف السنة إذا كانوا صالحين مجتهدين في طاعة الله ورسوله، ليسوا بدون المقلّد العامّي إذا قلّد بعضَ العلماء فيما أفتاه به، إن كان قول ذلك المفتي خطأ في نفس الأمر،

стр. 72

فكيف بمن يكون مجتهدًا بحسب وُسْعِه في طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ وتحرِّي الحق واتباعه من المشايخ أهل العلم والدين؟! فهؤلاء من أحق الناس بأن يقال فيهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا [ت ١٠] لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بحسب الإمكان، وبيان السنة وخطأ ما خالفها في ذلك. وهذه الأحزاب المنقولة عن طائفة من المشايخ (١) فيها أمور مخالفة للسنة، فبيانها مع الترحّم على المشايخ والصالحين والاستغفار لهم مِن تمام الدين. وقد تنازع المسلمون في كثير من الأمور هل هو عبادة مشروعة أم لا، فمن اتقى الله ما استطاع وأصاب فله أجران، ومَن أخطأ فله أجر وخطؤه مغفور له، كتنازعهم في فعل التطوّعات ذوات الأسباب وقت النهي، كركعتي الطواف والمُعَادة مع إمام الحي وتحيّة المسجد وصلاة الكسوف، وكتنازعهم في صلاة الاستسقاء، وكتنازعهم في صلاة الكسوف بركوعين، وأمثال ذلك. وهكذا قد يبلغ بعضهم أحاديث في شيء من جنس العبادات، فيعتقده مستحبًّا فيفعله لذلك، كما يصلي كثير منهم صلاة التسبيح ويستحبُّها (٢)، وكثير من المتأخرين يصلون صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب،

стр. 73

والألفية في ليلة النصف من شعبان، وفي أول رجب أيضًا، وصلاة يوم عاشوراء (١)، وصلوات الأيام والليالي التي ذكرها أبو طالب وأبو حامد والشيخ عبد القادر وغيرهم. وآخرون يصلون صلاة أم داود (٢)، إلى أمور أُخر يفعلها على وجه التعبُّد قومٌ من أهل الفضل والدين= فهؤلاء يثابون على حُسْن نيتهم وقصدهم العبادة وما فعلوه من المشروع، وما كان من غير المشروع الذي ظنوه (٣) مشروعًا، فيغفر لهم خطؤهم فيه. فمن بُيِّنَتْ له السنة لم يكن له أن يعتقد ما يخالفها، ففي «الصحيحين» (٤) أن النبي ﷺ بلغه أن رجالًا من أصحابه يقول أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أُفْطِر، وأما الآخر فيقول: أقوم ولا أنام، ويقول الآخر: أما أنا فلا أتزوّج النساء، وأما الآخر فيقول: أنا لا آكل اللحم، فقال ﷺ : «لكنّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوّج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس منّي». بل قال عبد الله بن عمر: صلاة السّفَر ركعتان، من خالف السنةَ كفر (٥).

стр. 74

يقول: مَن اعتقد أن الركعتين لا تجزئ كفر. فليس لأحد أن يعتقد من المستحبّات ما لم يدلّ الدليل الشرعي على استحبابه. ومما ينبغي أن يُعرَف حتى لا يشتبه المعروف بالمنكر أن من الناس مَن يكون له حزبٌ لنفسه؛ كأعدادٍ من الركعات يصليها بمقدارٍ من القرآن يقرَؤها، وله أيضًا دعوات يدعو بها وأذكار يذكرها، فإذا كان جنس ذلك مشروعًا وليس فيه ما يُنهى عنه فليس هذا بمنكر إذا فعَلَه هو أو فعله غيره، لكن إذا جَعَل ذلك سنةً راتبةً للناس يجتمعون عليها اجتماعًا راتبًا= فهذا هو المنكر. وأما إن كان في الذِّكر والدعوات ما هو منكر في نفسه كالحزب المسؤول عنه وغيره، فهذا يُنكر مطلقًا. ففرقٌ بين ما يكون جنسه سائغًا ليس فيه منكر وإنما المنكر اتخاذُه سنة، وإحداث اجتماع راتب غير مشروع، وبين ما يكون فيه كلام هو في نفسه منكر. ثم ذلك الكلام له مراتب أيضًا. وهذا الذي صار في جنس العبادات من الأمور المشروعة وغير المشروعة والأحزاب ونحوها هو نظير ما صار في جنس الاعتقادات من الأمور المشروعة وغير المشروعة، فليس لأحدٍ أن يصنع للناس عقيدةً يدعوهم إليها ويذم ما خالفها إلا ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، فإن النبي ﷺ [ت ١١] بيَّن للناس دينهم، وأكمل الله تعالى له ولأمته الدينَ عقائدَه وأعمالَه، فكما أنه ليس لأحدٍ أن يشرع عبادةً لم يأذن الله تعالى بها، فليس له أن يشرع اعتقادًا لم يأذن الله تعالى به.

стр. 75

فإن ما يُذكر من الاعتقاد إما أن يكون موافقًا لخبر النبي ﷺ وإما أن يكون مخالفًا، إذ ليس لرسول الله ﷺ في ذلك خبر مثل كثير من الصناعات والطب والحساب، فإن كان المذكور موافقًا لخبر الرسول ﷺ ، فينبغي أن يُذْكَر خبرُ الرسول ﷺ بلفظه ويُدعى إليه ولا يُدعَى إلى ما لم يبين أن الرسول ﷺ أخبر به. وإن كان مخالفًا لخبره لم يجز لأحدٍ أن يعتقده فضلًا عن أن يدعو إليه، فإنه باطل وكذب. وإن لم يكن مما أخبر به النبي ﷺ ، فهذا ليس من الذي أمر الله باعتقاده لا إيجابًا ولا استحبابًا، فلا يكون من الدين، بل يكون كالصناعات والأمور العقلية المحضة كالطب والحساب. ولهذا ليس لأحدٍ أن يضيف الاعتقاد الذي يجب اتباعه إلى غير النبي ﷺ ، ولا إلى طائفة غير الصحابة . ولا يقول: إن اعتقاد فلان والطائفة الفلانية هو الحق دون اعتقاد فلان والطائفة الفلانية، إلا أن يبيّن أن ذلك هو الذي أخبر به النبي ﷺ . وحينئذٍ فإضافته إلى النبي ﷺ وأصحابه أولى من إضافته إلى مَن هو دونه. وكثير من الناس أدخلوا في الاعتقادات ألفاظًا مجملةً تتضمّن مخالفة النصوص، فخرجوا عن السنة والجماعة مع ظنهم أن ذلك هو السنة والجماعة، وإنما اعتقاد أهل السنة: ما ثبت عن الرسول ﷺ في القرآن والحديث الصحيح الثابت عنه، واعتقاد الجماعة: ما كان عليه أصحابُ رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان. و ليس لكلّ مَن استحسن عبادةً بذوقه ووجده أن يجعلها من الشريعة والسنة إن لم تأت بها الشريعةُ والسنةُ، ولا لكلّ مَن رأى رأيًا بعقله ونَظَره أن
следующие страницы →