← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1463

الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق

ابن تيمية

Полный текст (326 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ [الأحقاف: ١٥ - ١٦]. وهذا متفق عليه بين أئمة الدين، كما قال مالكٌ وغيره من العلماء ﵃: كلُّ أحدٍ من الناس يُؤخذ من قوله ويُترَك إلا رسول الله ﷺ . فالرجل الصالح الحَسَن التعبُّد المجتهد في اتباع الكتاب والسنة إذا كان منه كلام أو دعاء أو ذِكْر فيه خطأ لم يُعاقب على ذلك، ولا يَسقط به ما يستحقّه من الموالاة والمحبة والحُرْمة، فإن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان، كما ذكره سبحانه في دعاء المؤمنين بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد ثبت في «الصحيح» (١) أن الله تعالى قال: «قد فعلت». ولا يجوز أن يُتَّبع أحدٌ في خطأ يتبيَّن أن الكتاب والسنة بخلافه، وما زال لأئمة (٢) الصحابة والتابعين ــ الذين لهم في الأمة لسان صدق، وهم عند الأمة من أكابر أولياء الله المتقين ــ أقوالٌ خفيت عليهم فيها السنة، فلا يُتّبَعون فيها، ولا يُساء القول فيهم لأجلها، بل لابد من اتباع الحق وتعظيم أهل الإيمان والتقوى. وهذا أصلٌ مستقرّ بين أهل الإسلام. والذين لهم أحزاب أو أوراد أو أحوال فيها ما يخالف السنة إذا كانوا صالحين مجتهدين في طاعة الله ورسوله، ليسوا بدون المقلّد العامّي إذا قلّد بعضَ العلماء فيما أفتاه به، إن كان قول ذلك المفتي خطأ في نفس الأمر،

стр. 72

فكيف بمن يكون مجتهدًا بحسب وُسْعِه في طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ وتحرِّي الحق واتباعه من المشايخ أهل العلم والدين؟! فهؤلاء من أحق الناس بأن يقال فيهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا [ت ١٠] لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بحسب الإمكان، وبيان السنة وخطأ ما خالفها في ذلك. وهذه الأحزاب المنقولة عن طائفة من المشايخ (١) فيها أمور مخالفة للسنة، فبيانها مع الترحّم على المشايخ والصالحين والاستغفار لهم مِن تمام الدين. وقد تنازع المسلمون في كثير من الأمور هل هو عبادة مشروعة أم لا، فمن اتقى الله ما استطاع وأصاب فله أجران، ومَن أخطأ فله أجر وخطؤه مغفور له، كتنازعهم في فعل التطوّعات ذوات الأسباب وقت النهي، كركعتي الطواف والمُعَادة مع إمام الحي وتحيّة المسجد وصلاة الكسوف، وكتنازعهم في صلاة الاستسقاء، وكتنازعهم في صلاة الكسوف بركوعين، وأمثال ذلك. وهكذا قد يبلغ بعضهم أحاديث في شيء من جنس العبادات، فيعتقده مستحبًّا فيفعله لذلك، كما يصلي كثير منهم صلاة التسبيح ويستحبُّها (٢)، وكثير من المتأخرين يصلون صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب،

стр. 73

والألفية في ليلة النصف من شعبان، وفي أول رجب أيضًا، وصلاة يوم عاشوراء (١)، وصلوات الأيام والليالي التي ذكرها أبو طالب وأبو حامد والشيخ عبد القادر وغيرهم. وآخرون يصلون صلاة أم داود (٢)، إلى أمور أُخر يفعلها على وجه التعبُّد قومٌ من أهل الفضل والدين= فهؤلاء يثابون على حُسْن نيتهم وقصدهم العبادة وما فعلوه من المشروع، وما كان من غير المشروع الذي ظنوه (٣) مشروعًا، فيغفر لهم خطؤهم فيه. فمن بُيِّنَتْ له السنة لم يكن له أن يعتقد ما يخالفها، ففي «الصحيحين» (٤) أن النبي ﷺ بلغه أن رجالًا من أصحابه يقول أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أُفْطِر، وأما الآخر فيقول: أقوم ولا أنام، ويقول الآخر: أما أنا فلا أتزوّج النساء، وأما الآخر فيقول: أنا لا آكل اللحم، فقال ﷺ : «لكنّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوّج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس منّي». بل قال عبد الله بن عمر: صلاة السّفَر ركعتان، من خالف السنةَ كفر (٥).

стр. 74

يقول: مَن اعتقد أن الركعتين لا تجزئ كفر. فليس لأحد أن يعتقد من المستحبّات ما لم يدلّ الدليل الشرعي على استحبابه. ومما ينبغي أن يُعرَف حتى لا يشتبه المعروف بالمنكر أن من الناس مَن يكون له حزبٌ لنفسه؛ كأعدادٍ من الركعات يصليها بمقدارٍ من القرآن يقرَؤها، وله أيضًا دعوات يدعو بها وأذكار يذكرها، فإذا كان جنس ذلك مشروعًا وليس فيه ما يُنهى عنه فليس هذا بمنكر إذا فعَلَه هو أو فعله غيره، لكن إذا جَعَل ذلك سنةً راتبةً للناس يجتمعون عليها اجتماعًا راتبًا= فهذا هو المنكر. وأما إن كان في الذِّكر والدعوات ما هو منكر في نفسه كالحزب المسؤول عنه وغيره، فهذا يُنكر مطلقًا. ففرقٌ بين ما يكون جنسه سائغًا ليس فيه منكر وإنما المنكر اتخاذُه سنة، وإحداث اجتماع راتب غير مشروع، وبين ما يكون فيه كلام هو في نفسه منكر. ثم ذلك الكلام له مراتب أيضًا. وهذا الذي صار في جنس العبادات من الأمور المشروعة وغير المشروعة والأحزاب ونحوها هو نظير ما صار في جنس الاعتقادات من الأمور المشروعة وغير المشروعة، فليس لأحدٍ أن يصنع للناس عقيدةً يدعوهم إليها ويذم ما خالفها إلا ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، فإن النبي ﷺ [ت ١١] بيَّن للناس دينهم، وأكمل الله تعالى له ولأمته الدينَ عقائدَه وأعمالَه، فكما أنه ليس لأحدٍ أن يشرع عبادةً لم يأذن الله تعالى بها، فليس له أن يشرع اعتقادًا لم يأذن الله تعالى به.

стр. 75

فإن ما يُذكر من الاعتقاد إما أن يكون موافقًا لخبر النبي ﷺ وإما أن يكون مخالفًا، إذ ليس لرسول الله ﷺ في ذلك خبر مثل كثير من الصناعات والطب والحساب، فإن كان المذكور موافقًا لخبر الرسول ﷺ ، فينبغي أن يُذْكَر خبرُ الرسول ﷺ بلفظه ويُدعى إليه ولا يُدعَى إلى ما لم يبين أن الرسول ﷺ أخبر به. وإن كان مخالفًا لخبره لم يجز لأحدٍ أن يعتقده فضلًا عن أن يدعو إليه، فإنه باطل وكذب. وإن لم يكن مما أخبر به النبي ﷺ ، فهذا ليس من الذي أمر الله باعتقاده لا إيجابًا ولا استحبابًا، فلا يكون من الدين، بل يكون كالصناعات والأمور العقلية المحضة كالطب والحساب. ولهذا ليس لأحدٍ أن يضيف الاعتقاد الذي يجب اتباعه إلى غير النبي ﷺ ، ولا إلى طائفة غير الصحابة . ولا يقول: إن اعتقاد فلان والطائفة الفلانية هو الحق دون اعتقاد فلان والطائفة الفلانية، إلا أن يبيّن أن ذلك هو الذي أخبر به النبي ﷺ . وحينئذٍ فإضافته إلى النبي ﷺ وأصحابه أولى من إضافته إلى مَن هو دونه. وكثير من الناس أدخلوا في الاعتقادات ألفاظًا مجملةً تتضمّن مخالفة النصوص، فخرجوا عن السنة والجماعة مع ظنهم أن ذلك هو السنة والجماعة، وإنما اعتقاد أهل السنة: ما ثبت عن الرسول ﷺ في القرآن والحديث الصحيح الثابت عنه، واعتقاد الجماعة: ما كان عليه أصحابُ رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان. و ليس لكلّ مَن استحسن عبادةً بذوقه ووجده أن يجعلها من الشريعة والسنة إن لم تأت بها الشريعةُ والسنةُ، ولا لكلّ مَن رأى رأيًا بعقله ونَظَره أن

стр. 76

يجعله من الشريعة والسنة إن لم تأت بها الشريعةُ والسنةُ، بل على الخلق كلهم أن يعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا في الاعتقادات والأعمال في الأمور الخبرية والأمور الطلبية، وفي العلوم النظرية والعملية، وعلى كل أحد أن يفعل ما وجب عليه من العلم والعمل، فلا يكفيه قيامه بالعلم الواجب دون العمل به، ولا قيامه بالعبادة دون ما وجب عليه من العلم، ولا يكفيه العلم والعمل حتى يكون متبعًا في ذلك للكتاب والسنة، ولهذا قال مَن قال مِن السلف: الإيمانُ قولٌ وعمل ومتابعة للسنة. وقال بعضهم: لا ينفع (١) قولٌ إلا بعمل، ولا قولٌ وعملٌ إلا بمتابعة العلم، فالقول يتضمن العلم، والعمل يتضمن الإرادة (٢). ولهذا لما سلك كثير من طلاب العلم طريقَ النظر والاستدلال دون العمل الواجب والاعتصام بالكتاب والسنة= وقعوا في بدع كثيرة كلامية مع الخروج عن الواجب في أعمالهم، فجمعوا بين بدعةٍ وفجور. ولما سلك كثير من أهل الإرادة والعبادة والزهادة طريقة العمل دون ما يجب عليهم من العلم ودون الاعتصام في ذلك بالكتاب والسنة= وقعوا في كثير من البدع الحالية مع الخروج عن الواجب أيضًا، فجمعوا بين بدعة وجهالة! فهؤلاء يشبهون الضالين وأولئك يشبهون المغضوب عليهم، ولهذا قيل: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما لكل مفتون، فالعالم الفاجر فيه [ت ١٢] شَبَهٌ من اليهود، والعابد الجاهل فيه شَبَهٌ من النصارى. قال سفيان بن عُيينة: كانوا يقولون: مَن فَسَد من علمائنا فيه شَبَهٌ

стр. 77

من اليهود، ومَن فسد من عبّادنا فيه شَبَهٌ من النصارى (١). وقد أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. وهذه جملة مختصرة يدخل تحتها أمورٌ كثيرة، مَن هداه الله تعالى لتفصيلها انتفع بذلك نفعًا كثيرًا، وعرف أن كثيرًا من العلماء والمشايخ يقع في كلامهم وأفعالهم ما لا يسوغ اتّباعُهم فيه، وإن كانوا مع ذلك من أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين. وقد عُلِم أن لجماعةٍ من الشيوخ أحزابًا، وهم في ذلك متفاوتون، فبعضهم لم يُحدِث فيها ذِكْرًا بل جمع ما ذَكَره غيره وهي من القرآن والحديث، فهذه لا تُنكر في نفسها وإنما يُنكر اتخاذ الاجتماع عليها سنة راتبة. وهذا أمر يختلف اجتهاد الناس فيه، فقد صار كثيرٌ مما لم يُشرع الاجتماع المعتاد عليه عادةً للناس، بل وُقِّف على ذلك وقوف كالقراءة والحديث وتدريس العلم وغير ذلك. وقد كثر هذا النوع في كثير من الأمصار، والمعروف والمنكر مراتب. فمن كانوا على طريقة فيها نوعٌ من الخطأ والبدعة، وفيها خير وصواب كثير لم يُنهوا عنها إلا أن يُنقلوا إلى خير منها، وإلا فما كان فيه خير كثير مع قليل من الشرّ خير مما هو شرٌّ كلُّه، والشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها

стр. 78

وتعطيل المفاسد وتقليلها، فينبغي معرفة خير الخيرين وشرّ الشرين، فلا يُزالُ المنكرُ بما (١) هو أنكر منه، ولا يفوت الخير الكثير من الواجب والمستحب باشتماله على شرّ قليل. بل إذا كان النهي عن المكروه أو المحَرّم يستلزم تركَ واجبِ مصلحةٍ في الدين أعظم من مصلحة ترك ذلك المكروه والمحرم= لم يجز النهي عنه، كالغزو مع الأمراء الفجّار، فإنه يحصل به مصلحة الجهاد الواجب ودفع العدوّ ما لا يجوز تركه، فلا يُنهى عنه لما فيه من ظلم الولاة في بعض الأمور، بل يُعاونُ الناسُ ولاةَ الأمور وغيرهم على ما يفعلونه من البر والتقوى، ولا يعاونونهم على ما يفعلونه من الإثم والعدوان. وإذا كان ذلك البر والتقوى لكان الفساد أعظم (٢) لم يُدفع الفساد القليل بفساد أكثر منه. ولهذا نظائر في أهل العلم والعبادة والإمارة، فكثير من الناس ينظر إلى جهة الذمّ التي في الفعل ولا ينظر إلى ما فيه من المدح، ومن هنا أخطأت الخوارج والمعتزلة ونحوهم حيث نظروا إلى سيئات المسلمين ولم ينظروا إلى حسناتهم، وقالوا: إن الشخص الواحد لا يجتمع في حقه الثوابُ والعقابُ والطاعةُ والمعصيةُ. وهذا خطأ عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أهل السنة، بل عندهم أن الشخص الواحد يكون مستحقًّا للثواب والعقاب، فيُحمَد من

стр. 79

وجهٍ ويُذمّ من وجه، ويُحَبّ من وجه ويُبْغَض من وجه، ويدخل في الدعاء بالمغفرة والرحمة من وجه، ويدخل في الدعاء باللعنة من وجه، ويدخل النار فيقيم بها مدّة ثم يخرجه الله تعالى منها فيدخله الجنة. وهكذا النوع الواحد في الأعمال، كالسجود يكون تارة طاعة كالسجود لله تعالى، وتارة معصية كالسجود للصنم. ونازعَ في ذلك ابنُ الجُبّائي أبو هاشم، وجمهور الناس على تخطِئته، وهو كما لو قالوا بأن الفعل يختلف باختلاف النيات، كما قال النبي ﷺ : [ت ١٣] «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١). وهو زعم أن الاختلاف يقع في النية فقط، وأما العمل الظاهر فهو متماثل الأفراد، وهو خطأ، بل العمل الظاهر يختلف مدحُه وذمُّه وحُسْنُه وقُبْحُه باختلاف نيّة فاعله، فنفس السجود لله تعالى حَسَن محمود، وللشمس والقمر سيئٌ مذموم، قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ﴾ [فصلت: ٣٧]. وأما الفعل الواحد بعينه كصوم اليوم المعيّن والصلاة المعيّنة والدعاء المعيّن، فهل يكون محمودًا من وجه مذمومًا من وجه؟ وهل يستحق به فاعله الثواب من وجه والعقاب من وجه؟ وهل ذلك ممكن عقلًا أم لا؟ على قولين، فأكثر الناس على أن ذلك ممكنٌ عقلًا، وصار طائفة من

стр. 80

أهل الكلام وبعضُ أهل الفقه إلى أنه ليس ممكنًا (١) عقلًا، وهو اختيار القاضي أبي بكر والرازي. ثم ادّعى بعضُ هؤلاء أنما صحَّحَتْه الشريعة من ذلك فإنما سقط الفرض عنده لا به. وأما غير هؤلاء من المعتزلة والمرجئة وغيرهم فأبطل ذلك شرعًا، ووافقهم بعضُ الفقهاء من أهل الظاهر وبعضُ أصحاب أحمد، وأما أحمد نفسُه وأئمة أصحابِه وسائر العلماء فقالوا: إن ذلك ممتنع عقلًا، بل الصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب والثوب الحرير وغير ذلك مما نهى الشارعُ عنه نهيًا عامًّا ولم يرد نهيٌ خاصّ عن فعل العبادة معه هل تبطل معه العبادة كما ورد فيه نهيٌ خاص كالصلاة عُريانًا، والصلاة في المكان النجس؟ هذا مما فيه نزاع معروف بين الفقهاء، وفيه قولان في مذهب أحمد وغيره. فالناسُ في هذا الأصل على أربعة أقوال: منهم مَن يقول: هذا النوع ممتنع عقلًا وشرعًا، ومنهم مَن يقول: هو جائز عقلًا وشرعًا، ومنهم مَن يقول: هو جائز عقلًا لكن الشارع منع منه، ومنهم مَن يقول: هو ممتنع عقلًا ولكن ما ورد به الشرع منه قلنا: سقط الفرض عنده لا به. وهذا أضعف الأقوال. والصحيح ما عليه الجمهور، وهو أنه يمكن في الجملة أن يُثاب الرجل على عملٍ من وجه ويُعاقب عليه من وجه، لكن هل يسقط الفرض بذلك فلا تجب الإعادة؟ هذه مسألة فقهية يُبْحَث فيها بالأدلة الفقهية، فإن الفقهاء الأربعة وغيرهم متفقون على أن من واجبات الحج ما إذا تركه لم يسقط الفرض بل عليه الحج، ومنها ما إذا تركه سقط فرض الحج وجبر ذلك بدم،

стр. 81

وكذلك واجبات الصلاة جمهورهم كأبي حنيفة ومالك وأحمد على أن من واجباتها ما إذا تركه سهوًا لم تلزمه الإعادة، بل يجبره بسجود السهو، بل وفي واجباتها ما إذا تركه عمدًا عند أبي حنيفة لا إعادة عليه، وكذلك عند أحمد، كالجماعة في أشهر القولين في مذهبه. فهذه مسائل تحتاج إلى أدلة خاصة، ومع هذا فإن أوجَبْنا الإعادة على الإنسان فلا ريب أنه يُثاب على ما فَعَله من الخير في العبادات التي وجبت إعادتُها، فإذا صلى وترك ركنًا عمدًا بحيث تجب عليه الإعادة فإنه يُثاب على ما فَعَله من الخير قبل ذلك، وكذلك الحج إذا أُمر بإعادته، كالذي يفوته الوقوف فإنه يُثاب على ما فعله أولًا. فهذا وهذا مما يبيِّن أن الفعل الواحد قد يُثاب عليه من وجه وإن كان يُذم عليه من وجه آخر، فكثير من العبادات التي جنسها مشروع وقد نُهي عن فعلها على وجه معيّن إذا فعلها الفاعل على ذلك الوجه ولم يعلم بالنهي= فإنه يُثاب على ما فعل من [ت ١٤] الخير، ولا يعاقب على ما أخطأ فيه. فالأحزاب التي ليس في دعواتها وأذكارها ما يخالف الشرع من هذا الباب، وأما ما كان في نفس أذكارها ودعواتها منكر كالحزب المسؤول عنه، فهذا يُنهى عنه بلا ريب. ثم مَن لم يعرف ما فيه من اللوم فإنه يُثاب على ما فيه من الذِّكْر المشروع، وأما الذِّكْر المنهيّ عنه فقد يحصل له ضرره وفساده كما تحصل الأحوال النفسانية والشيطانية لكثير من الناس. وهذا باب واسع، والمقصود هنا أن الشاذلي ﵀ من خيار الشيوخ الذين في أحزابهم ما يُنْكَر في نفسه، وقد ذكرنا أن الشاذلي رحمة الله عليه من

стр. 82

خيار هؤلاء الشيوخ، ومع هذا فقد وقع في حزبه وغير حزبه كلمات منكرة توجب (١) منعَ الناس أن يقرؤوا هذا الحزب، فضلًا عن أن يجتمعوا عليه أو يتخذوا ذلك سنةً راتبةً لها أوقات معتادة ويظهروها في المساجد، فإن إظهار مثل ذلك في دار الإسلام من أعظم المنكرات، فكيف في المساجد؟! وإذا كان هذا في مثل حزب الشاذلي ﵀ الذي هو أرجح من غيره، فكيف بما هو دونه؟! فهذا جواب عامّ في هذا الحزب وأمثاله مما يشبه ذلك من العبادات البدعية التي لم يشرعها الله ورسوله. ومن أمثل ذلك الحزب المتضمّن للمسبّعات الذي ذكره أبو طالب المكي في أول كتابه المسمّى بـ «قوت القلوب» (٢) فإن هذا الكتاب فيه أمور جليلة القدر في الدين، مثل كلامه في مقامات العارفين من الصبر والشكر والرضا والخوف والرجاء والمحبّة، ونحو ذلك؟ ولهذا سماه «قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد». ولكن تسميته «قوت القلوب» مما أنكره طائفةٌ، وذكر بعضُهم أنه رأى النبي ﷺ في المنام فذكر له «قوت القلوب» فقال: لا تقل قوت القلوب، فإن قوتَ القلوب القرآنُ، ولكن قل: كتاب أبي طالب. وأجود ما في «إحياء علوم (٣) الدين» لأبي حامد هو مما أخذه من كتاب أبي طالب، فإن أبا طالب كان أعلم منه بالحديث والآثار، وأعلم بأحوال

стр. 83

القلوب، ومع هذا ففي كتابه من الأحاديث والآثار الموضوعة والأقوال الضعيفة بل المردودة ما قد أنكره عليه كثيرٌ من أهل العلم والدين، حتى جرّد بعضُهم القولَ في ذلك، كالشيخ أبي البيان (١) في القول له في الاستدراكات على أبي طالب مواضعَ أجادَ فيها الشيخُ البيانَ رحمة الله عليهم أجمعين، وإن كانت الاستدراكات على «الإحياء» أكثر من ذلك لما فيه من المادة الفلسفية التي ليست في كتاب أبي طالب، مع ما فيه من الآثار الموضوعة والكلام المحدَث ما ليس في كلام أبي طالب. ومن المستدرك على أبي طالب المسبّعات التي ذكرها في أول كتابه وعزاها إلى حكايةٍ نُقلَت عن رَقَبة بن مصقلة (٢) عن التيمي عن الخضر أنه نقلها عن النبي ﷺ ، وذكر فيها قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين وغيرهما سبع مرات، وذكر فيها ثوابًا جازف فيه. ولا ريب عند أهل العلم بالنقل أن هذه

стр. 84

الحكاية كذب لم يذكرها التيمي أصلًا، وليس في أئمة المسلمين من يعتمد في شيء من المنقول عن النبي ﷺ على مثل هذه الحكاية، ولا يَنْقُل أحدٌ منهم عن الخضر عن النبي ﷺ حديثًا، ولو أراد أن يحتج في دين المسلمين بحديث ينقله عن الخضر عن النبي ﷺ لَعَظُم النكير عليه وتوجّه طعن أئمة الدين إليه، فإن دين المسلمين وفقهم الله تعالى لطاعته أجمعين محفوظ بنقل الثقات المعروفين الذين رآهم الناس وسمعوا كلامهم، لا بنقل مَن لم يُعرف وجوده، ولا سُمِع خطابه. وإنما ينقل مثل هذا جُهّال الشيعة الذين ينقلون دينهم عن المنتظر الذي لا وجود [ت ١٥] له، وجُهّال العُبّاد الذين ينقلون دينهم عن رجال الغيب وعن الخضر ونحو ذلك. وقد بسطنا الكلامَ على مسألة الخضر في غير هذا الموضع (١). والمقصود هنا أن المنقولات تحتاج إلى نقد ومعرفة ، ففيها كذب كثير. كما يعتقد كثير منهم أن الحسن البصري رحمه الله تعالى صَحِب عليًّا ﵁ وأنه سأله ما صلاح الدين؟ فقال: الورع، فقال: ما فسادُه؟ قال: الطمع. وقد أجمع أهل المعرفة بالنقل أن الحسنَ لم يَصْحَب عليًّا ﵁، ولا روى عنه شيئًا متصلًا، إنما يروي عن أصحابه كالأحنف بن قيس، وقيس بن عبادة (٢) ونحوهما. وأما أحزاب أخر قد رأيتها منسوبةً إلى طائفة من الشيوخ ففيها ألوان لا يتسع لهذا (٣) الجواب.

стр. 85

[م ٢] فصل (١) والوجه الثاني: بيان (٢) ما في هذا الحزب (٣) من المنكرات، مع أنه أَمْثل مما هو (٤) دونه من الأحزاب (٥)، ونحن نُنبِّه على بعض ذلك، على ترتيب الحزب في ذلك: قوله (٦): (وعلمُك حسبي). فإنَّ السنة أن يُقال: حسبيَ الله، أو الله حسبي، ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩]. وفي «صحيح البخاري» (٧) عن ابن عباس في قوله: «حَسبي الله ونِعْم

стр. 86

الوكيل»: قالها إبراهيم حين أُلقيَ في النار، وقالها محمد حين قال له الناس (١): ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]. أي: الله حَسْبُك وحَسْبُ مَن اتبعك مِن المؤمنين، ومَن ظنَّ أن المعنى: أن الله ومَن اتبعك حسبُك، فقد غَلِط غلطًا عظيمًا (٢). والحَسْب: الكافي، فالله هو كافي عبده، كما قال: ﴿(٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. وأما مجرَّد العلم فليس بكافٍ للعباد، فإن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه، يعلم المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا، والغنيّ غنيًّا، والفقير فقيرًا، فمجرَّد علمه إن لم يقترن به إرادته للإحسان (٣) إلى عبده ليفعل ذلك بقدرته لم يحصل للعبد نعمة، ولم تندفع عنه نقمة، فهو ــ سبحانه ــ يمنُّ بحصول (٤)

стр. 87

النعم واندفاع النِّقَم بعلمه وقدرته ورحمته. ولكنَّ قائل هذه الكلمة أخذها من أثرٍ (١) إسرائيلي لا أصل له، وهو ما يُروَى أن جبريل عَرَضَ لإبراهيم الخليل (٢) لمَّا أُلقي في المنجنيق فقال: هل لك من حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا، فقال: سَلْ، فقال: «حسبي من سؤالي علمُه بحالي» (٣). ولهذا قال في الحزب الآخر (٤): «واقْرُب مِني قُربًا تمحو به كلَّ حجاب محقته عن إبراهيم خليلك، فلم يحتج لجبريل رسولك، ولا لسؤاله منك». أما قوله في هذه الحكاية (٥): «هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا»،

стр. 88

فهذا (١) قد ذكره العلماء كأحمد وغيره (٢)، وهو موافق للشريعة، فإنَّ كمال التوكل أن لا (٣) يكون للمؤمن حاجة إلى غير الله، أي: لا يسألُ غيرَ الله ولا يستشرفُ بقلبه إلى غير الله (٤). كما قال تعالى: ﴿(٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]. وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما أتاكَ من هذا المال وأنتَ غير سائلٍ ولا مُسْتَشْرِف فخُذه، وما لا فلا تُتْبِعُه نفسَك» (٥). وقال لابن عباس: «وإذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِن

стр. 89

بالله» (١). وقال أيضًا: «مَن يَستَعْفِف [م ٣] يُعِفَّه الله، ومَن يَستغنِ يُغْنِه الله» (٢). والمستعفُّ الذي لا يسأل بلسانه، والمستغني الذي لا يستشرف بقلبه. فإنَّ الغِنَى أعلى من العِفّة، وأغنى الغِنَى غِنى النفس، كما ثبت في «الصحيح» (٣): «ليس الغِنَى عن كثرةِ العَرَض، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النفسِ». وفي الحديث الصحيح في صفة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون» (٤) فمدحهم بترك الاسترقاء، ووصّى النبي ﷺ طائفة من أصحابه

стр. 90

أن [ت ١٦] لا يسألوا الناسَ شيئًا، فكان السوط يسقط من يد أحدهم فلا يقول للآخر: ناولني إياه (١) (٢). وأما قوله (٣): «حسبي من سؤالي علمه بحالي»، فهذا ليس له إسناد معروف، بل الذي في «الصحيح» (٤) أنه قال: «حسبي الله ونعم الوكيل»، لم يقل: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» (٥). وما نُقِل عن الأنبياء المتقدمين إن لم يكن ثابتًا بنَقْل نبينا محمد ﷺ لم يُحتجَّ به في الدين باتفاق علماء المسلمين، لكن إذا كان موافقًا لشرعنا ذُكِرَ على سبيل الاعتضاد (٦) لا على سبيل الاعتماد، وما ثبت بنَقْل نبينا ﷺ عن شَرْع من قَبْلنا (٧) فيه نزاع معروف (٨). وأيضًا: فإن مراسيل أهل زماننا عن نبينا ﷺ لا يُحتجُّ بها باتفاق العلماء، مع قُرب العهد وحفظ الملّة، فكيف بمراسيل أهل الكتاب التي ينقلونها عن الأنبياء، مع بُعد الزمان وكثرة الكذب والبهتان؟!

стр. 91

ثم إن هذا الأثر يقتضي أن إبراهيم اكتفى بعلم الربّ عن سؤاله، وهذا يقتضي (١) أن العبد لا يسوغ (٢) له الدعاء اكتفاءً بعلم الربِّ بحاله، وهذا خلاف ما حكاه الله عن إبراهيم، وخلاف ما اتفقت عليه الأنبياء. قال الله تعالى: ﴿(١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) [البقرة: ١٢٦ - ١٢٩]. فهذه دعوات (٤) متعددة من إبراهيم، وقال تعالى عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٤١]، وقد ذكر الله تعالى عن الخليل أنه قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، ولم يقل: حَسْبُكم من ابتغاء الرزق عنده علمه بحالكم. ودعاؤه وسؤالُه مِن أعظم أنواع ابتغاء الرزق عنده (٥). وأدعية إبراهيم في القرآن كثيرة.

стр. 92

وقد ذكر الله عن الأنبياء أنهم دعوه بمصالح الدين والدنيا والآخرة، ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة على الأمر بالدعاء، أمْرَ إيجابٍ أو أمر استحباب (١)، فكيف يقال: إن تركه مشروعٌ لِعِلْم الرب بحال العبد؟ ! والحكاية التي تُروى عن بعض الشيوخ: أن سائلًا قال له: تنزل بي الفاقة فأسأل؟ قال: تُذَكِّر ناسيًا أو تُعَلِّم جاهلًا؟ ! قال: فأجلِسُ وأنتظِر (٢)؟ قال: التجربة عندنا شكّ، قال: فما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة (٣) = إما أنها كَذِب من الناقل أو خطأ من القائل، وإلا فقد قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقال: ﴿رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال: ﴿(١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ (٤) [غافر: ١٤].

стр. 93

وفي الترمذي (١): «مَن لم يسألِ اللهَ يَغضَبْ عليه»، وفيه (٢): «ليسأل

стр. 94

أحدُكُم ربَّه حاجَتَه كلَّها، حتى في شِسْع نَعْلِه إذا انقطع، فإنه إن لم ييسِّره لم

стр. 95

يتيسَّر». وقال تعالى: ﴿(٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ﴾ (١) [الشرح: ٧ - ٨]. والنصوص بذلك كثيرة، وليس في الدعاء إعلامُ جاهلٍ ولا تذكير (٢) غافلٍ، بل فيه إيمان العبد بقدرة الله ورحمته، وإخلاصُه له، وذُلُّه وخشوعه له، وهذا تحقيق التوحيد. وقد بُسِطَ الكلام على هذا في غير هذا الموضع (٣)، وبُيِّنَ خطأ من قال: إن الدعاء [م ٤] لا يجلب منفعةً، ولا يدفع مضرَّة، بل هو تعبُّد مَحْض (٤). وما يذكرونه من الحديث الإلهي: «إن سألْتَنا ما لَكَ عندنا فقد اتَّهمتنا، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد اجترأتَ علينا» (٥). فهذا من الأحاديث المكذوبة على الله. وكذلك بُيِّن (٦) خطأ مَن قال: هو علامة وأمارة. وبُيِّنَ أن الصواب الذي اتفق عليه سلف الأمة: أن الدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب ودفع المرهوب، وقد جرَّب الناسُ أنَّ من لم يكن سائلًا [ت ١٧] لله سألَ

стр. 96

خلقَه، فإن النفسَ مضطرة إلى من يُحَصِّل لها ما ينفعها، ويدفع عنها ما يضرها، فإن لم تطلب ذلك من الله طلبته (١) من غيره. ولهذا يُوجد من يحض على ترك دعاء الله، ومدح (٢) من يفعله سائلًا للخلق، فيرغبون عن دعاء الخالق ويدعون المخلوقين، وهذا (٣) حال المشركين. الموضع الثاني: قوله: (نسألَك العصمةَ في الحركات والسكنات (٤) والكلمات والإرادات والخطَرات؛ من (٥) الشكوك والظنون والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب). فهذا الدعاء ينافي حال من يقول: «علمُك حسبي»، فمن اكتفى بالعلم لم يسأل. ثم يُقال: هذا الدعاء لا يجوز لأحدٍ أن يدعو به، بل هو من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه بقوله: ﴿رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ (٦) [الأعراف: ٥٥]. قال أبو مِجْلَز (٧): «مِثْل أن يسال منازلَ الأنبياء».

стр. 97

فإذا كان مَن دون الأنبياء ليس له أن يسأل منازَل الأنبياء، فكيف إذا سأل ما هو من خصائص الإلهية؟ ! ولا ريب أن رفعَ الأمور الساترة عن مطالعة الغيوب مطلقًا لا يحصل (١) لغير الله تعالى، فإنه عالِمُ الغيبِ والشهادة، وإنما أَطْلَعَ مَن شاء من خلقه على قليل مما يشاء (٢) من علمه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. وفي «الصحيحين» (٣): «أن الخَضِرَ قال لموسى لما نَقَر العصفورُ نقرةً في البحر: ما نقصَ عِلْمي وعلمُك مِن علم الله إلا كما نقص هذا العصفورُ مِن هذا البحر». فإذا كان موسى الذي قال الله فيه (٤): ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، والخضر الذي قال فيه: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] عِلْمُهما في القِلَّة بهذه النسبة، فكيف بمن هو دونهما (٥)؟ !

стр. 98

وقد قال تعالى لأفضل خلقه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (١) [الجن: ٢١ - ٢٧]، وقال له: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ [م ٥] إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]. ثم لو قُدِّر أنَّ هذا الدعاء يَسُوغ (٢) أن يدعوَ به نبيٌّ ــ وإن كان هذا تقديرًا ممتنعًا ــ فهل يسوغ أن يُشرع (٣) لآحاد العامَّة أن يدعو بهذا؟ وهل هذا إلا كمن يقول: اللهم اجعلني أعلمُ ما تَعْلَم، واجعلني مثلك؟! ولهذا كان طائفة من المنتسبين إلى الشاذلي يقولون: إنَّ الغَوثَ الفَرْدَ القطبَ الجامعَ يعلم ما يعلمه الله، ويَقْدر على ما يقدر عليه (٤)!! ويقولون:

стр. 99

إن النبي ﷺ كان هكذا، ثم انتقل ذلك السرُّ إلى الحسن بن علي، ثم انتقل إلى ذريته (١)، حتى انتهى إلى الشيخ أبي الحسن، ثم انتقل إلى ابنه (٢). وكان بعضُ أعيان المدَرِّسين الذين قدموا إلى الشام يذكر ذلك ويبوحُ به لمن يجتمعُ به من أصحابه الفضلاء، حتى أخبروني بذلك، وكان هذا الشخص (٣) يجتمع بي، فبينت له فسادَ هذا الكلام، وما فيه من الخروج عن دين الإسلام (٤).

стр. 100

ولا ريب أن هذا القول شرٌّ من قول النصارى من بعض الوجوه، فإنَّ النصارى ادَّعوا هذا الغلوَّ في المسيح وحْدَه، فمن قال: إن كثيرًا من الناس يعلم ما يعلمه الله، ويَقْدر على ما يقدر الله عليه، فقد قال في كثيرٍ من الناس ما يضاهي قولَ النصارى في المسيح ابن مريم (١). ويحكون عن هذا الشيخ ــ أبي الحسن (٢) ــ حكايات لا تخلو من شيئين: إما كذب من الناقل، أو خطأ من القائل، مثل قوله: ما من وليٍّ لله كان أو يكون إلى آخر الدهر إلا وأنا أعرفه، وأعرف اسمه، واسم أبيه، ومرتبته من الله (٣). ونحو هذا الكلام الذي لا يجوز أن يدعيه أحدٌ من الأنبياء، فإن أفضل

стр. 101

الخلق وأكرمهم على الله [ت ١٨] محمد ﷺ لا يعرف أمَّتَه يوم القيامة إلا بالسِّيما الظاهرة، كما في الحديث الصحيح لمَّا قيل له: كيف تعرف من لم يأتِ بعدُ (١) من أمتك؟ قال: «أرأيتم لو أن لرجل خيلًا غُرًّا (٢) مُحَجَّلة في خيل دُهْم بُهْمٍ ألا يعرفُ خيلَه؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنكم تأتونَ يومَ القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثارِ الوضوء» (٣). وقد قال الله تعالى في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٤): ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، وكلّ نبيٍّ وليٌّ لله، فإذا كان أعلم الخلق وأعلاهم قدرًا لا يعلم كلَّ نبيٍّ لله، فكيفَ يعلمُ غيرُه كلَّ وليٍّ لله؟ ! وقد قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. والمنافقون كانوا يُظهرون الإسلام (٥)، فإذا كان لا يميِّز فيمن يشاهده بين (٦) مَن هو مؤمن ومَن هو منافق، فكيف (٧) والعلم بالإيمان العام أيسر من العلم بالولاية الخاصة؟ ! فكيف يعلم كلَّ مَن كان ويكون إلى يوم القيامة من أولياء الله؟ !

стр. 102

وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ [م ٦] وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، فالمعرفة الأُولى بالسِّيما موقوفة على المشيئة، والثانية بلَحْنِ القول واقعة، وهذا إنما يكون فيمن سَمِع كلامَه. وقد كان أبو بكر وعمر ــ وهما أفضل هذه الأمة بعد نبيها ــ لا يعلمان كثيرًا من المؤمنين في حياتهما (١)، فكيف يعلم مَن بعدهما كلَّ من كان ويكون من الأولياء؟ ! وقد قيل لعمر ﵁ في بعض المغازي: قُتِل فلانٌ وفلان وقوم لا يعرفهم أميرُ المؤمنين، فقال: إن لم يعرفهم عمر فإن الله يعرفهم (٢). وقد كان النبي ﷺ أسرَّ إلى حُذيفة في غزوة تبوك أسماءَ جماعة من المنافقين الذين أرادوا الفتكَ برسول الله ﷺ ولم يعرفهم غير حذيفة. ولهذا كانوا يقولون: هو صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره (٣). وكان عمر ﵁ إذا مات ميت يقول: انظروا فإن صلى عليه حذيفة صلى عليه عمر (٤). فهؤلاء السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار لا يميّزون بين

стр. 103

المؤمن والمنافق، فكيف يميّز غيرهم بين كل وليّ لله ومَن ليس وليًّا لله (١)؟! وأيضًا: فإنَّ العصمةَ من الذنوب مطلقًا لا تحصل لغير الأنبياء باتفاقِ (٢) أهلِ العلمِ المعتبرين. والرافضةُ تدَّعي ثبوتَها للأنبياءِ والأئمَّةِ. والسلفُ وجمهورُ الخلف يُثبتونها للأنبياء، بمعنى أنهم لا يُقَرُّون على ذنب. وهم باتفاق المسلمين معصومون في تبليغ الرسالة عن أن يُقَرُّوا في ذلك على خطأ، فإن ذلك يناقض مقصودَ الرسالة. وأما ما لا ينافي الرسالة ولا الطاعة مثل الشك والظن أو الوهم في الأمور الدنيوية، ومثل النسيان في هذه الأمور وغيرها= فهذا لم يُعْصَم منه أحدٌ من البشر (٣). بل قد قال النبي ﷺ في تأبير النخل: «ما أُراه يُغني شيئًا» وتركوه فصار شِيْصًا، قال: «إنما ظننتُ ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظنِّ، ولكن إذا حدَّثتكم عن الله فلَنْ أكْذِبَ على الله». وفي لفظ: «أنت أعلمُ بأمرِ دنياكم، فأمَّا ما كانَ مِن أمرِ دينكم فإليَّ» رواه مسلم (٤).

стр. 104

وكذلك في «الصحيحين» (١) أنه قال: «إنما أنا بَشَرٌ أنسى كما تَنْسَون، فإذا نَسيتُ فذكِّروني». وفي الترمذي وغيره (٢) عنه أنه قال: «نَسِي آدمُ فنسِيَتْ ذرّيتُه، وجَحَد آدمُ فجحَدَتْ ذرّيتُه». وهو حديثٌ جيد. فإذا كان لم يُعْصَم أحدٌ من الأنبياء ولا غيرهم مِن مثل هذه الظنون والشكوك والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب، فكيف يُعْصَم غيرُهم منها (٣)؟! وأيضًا: فإن قول القائل: «الظنون والشكوك والأوهام الساترة للقلوب» إما أن يجعلَها صفةَ توضيح، وإما أن يجعلها صفةَ تقييد (٤). فالأول: أن يكون مراده [ت ١٩] العصمة من كلِّ شكٍّ وظنٍّ ووهم؛ لأن

стр. 105

ذلك يستر القلب عن مطالعة الغيب؛ لأن الشك والظن والوهم ينافي العلمَ ويضادّه، فالضدان لا يجتمعان، فعلى هذا التقدير يكون سؤاله: أن لا يشكَّ في شيء، ولا يظن ظنًّا، ولا يتوهَّم وهمًا. ومعلومٌ أنَّ هذا لم يقع لأحدٍ من البشر، بل ما من بشر إلا وقد يشكّ في أشياءَ كثيرة، ويظنّ فيها ويتوهم. وفي «الصحيحين» (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّكم تَختصمون إليَّ ولعلَّ بعضَكُم أن يكونَ ألحَنَ بحُجَّته مِن بعضٍ، وإنما أقضي بنَحوِ ما أسمعُ، فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذْهُ، فإنما أقطعُ له قطعةً من النَّار». وفي لفظ: «فأحْسَبه صادقًا» (٢). وقد قال تعالى في قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] وهذا شكّ. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] فكل المخلوقين يشكون متى تقوم الساعة، وقد سأله جبريل عن الساعة لما أتى في صورة الأعرابي فقال: «ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل» (٣).

стр. 106

وقد رُميت أم المؤمنين بالإفك (١)، وبقي النبي ﷺ مدةً متوقفًا في الأمر حتى استشار عليًّا وأسامة ﵄ في فراق أهله، وسأل عنها بَرِيرة، حتى نزل الوحي ببراءتها، وإن كان الغالب والظاهر عنده ﷺ براءتها ﵂ لكن [نزل] الوحي وحصَّل اليقين. ونظير هذا كثير. فكيف يتصور أن يكون غير الرسول لا يحصل له شك ولا ظن ولا وهم أصلًا (٢)؟! فإن أُريد [م ٧] بذلك الظنّ والشكّ والوهم الساتر للقلوب عن مطالعة الغيوب دون غيرها= فمعلومٌ أنَّ مطالعة الغيب أعظم من العلم بالمشاهدات، فإذا كانت (٣) المشاهدات التي يعلمها آحادُ الناس لم يُعصَم منها أحد من شكٍّ وظنٍّ ووهم، فكيف بالغيوب؟! لاسيما إن أراد (٤) بالغيوب ما غاب عن مشاهدة البشر مطلقًا، وقد قال لأفضل الخلق: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وكذلك أخبر عن نوحٍ (٥) أول الرسل. وأيضًا: فلو قُدِّر أن هذا ممكن ــ مع أن هذا تقديرٌ ممتنع ــ فليس هذا مما

стр. 107

يُقَرِّب إلى الله، ولا أمرَ به أمْرَ إيجاب، ولا أمْرَ استحباب، فإنَّ مجرَّد كون الرجل يعلم ما غاب عن الشاهد لا يقرِّبُ العبدَ إلى الله، إنما يقرِّبه فِعْل الواجبات والمستحبات. ولهذا قد يَطَّلع الجنُّ والشياطين على ما لا يَطَّلع عليه (١) الصالحون، وكذلك الطيور والبهائم، فقد قال الهدهد لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]، وقد أخبرَ به النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: «إن البهائمَ تسمعُ أصواتَ المعذَّبِين في قبورهم» (٢)، ولهذا يُذْهَب بالبهائم إذا أصابها المغل إلى قبور الكفار والمنافقين، فإنه يحصل لها بسماع أصواتهم من الفَزَع ما يطلق بطونهم، فإن الفزعَ يطلق البطنَ (٣). وأيضًا ففي «الصحيحين» (٤) عن النبي ﷺ : «أن الجنازة إذا احتملها الرجال تقول: يا ويلها أن يُذهب بها، فيسمع صوتَها كلُّ شيء إلا الإنسان» (٥). ولم تكن الجن والبهائم أفضل بذلك من الصالحين. والكُهَّان قد كانت الجنُّ تخبرهم بما تَسْترقه من السمع، ولم يكونوا بذلك خيرًا من الصالحين، بل هم من المذمومين لا الممدوحين، ونظائر

стр. 108

ذلك متعددة (١). ولكن هؤلاء الذين يقصدون [ت ٢٠] بالعبادة العلوَّ في الأرض، والتشبُّه بالإله، كما يقوله المتفلسفة: إن الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة (٢) = يقعون في أمور من هذا الباب، ولهذا يجعلون الشفاعة ليست سؤالًا لله، إنما هي فيضٌ يفيض على المتشفّع (٣) لتعلق قلبه بالشافع (٤)، كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله، ووقع بعضُ ذلك في كلام صاحب الكتب المَضْنون بها على غير أهلها (٥)، وكذلك في كلام صاحب

стр. 109

هذا «الحزب» ما يوافق هذا (١)، ذكره في كتابه الذي صنفه في التصوف (٢)،

стр. 110

ذكره في الشفاعة (١). وهو وأمثاله يأخذون من أقوال صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها (٢) مما يوافق أقوالَ الفلاسفة ولا يوافق دين الإسلام، وهؤلاء يجعلون الدعاء تأثير النفس الناطقة في العالم، لا يجعلون ذلك فعلًا يجيبُ الله به الداعي (٣)، ولهم أصول فاسدة قد بُسِطَ الكلامُ عليها في غير هذا الموضع (٤).
следующие страницы →