حُقُوق الطَّبْع مَحفوظة
الطَّبْعَةُ الأُولى
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
دَارُ إيلاف الدُّوَليَّة
لِلنَّشْرِ وَالتَّوزيع
(دار وقفية دعوية)
المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري
falaslmi@gmail.com
الإدارة: مجمع المخيال- هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت.
الفرع الأول: الجهراء- مجمع الخير- الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩
الفرع الثاني: حولي- شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م
التوزيع داخل جمهورية مصر العربية:
دَارُ العِلمِ
للبحث العلمي وتحقيق التراث
لصاحبها: أحمد بن سليمان
ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com
ت: ٠١١٥٨٩٨٠٥٨٠
стр. 5
فريق العمل
أحمد بن سليمان أيوب
ونخبة من الباحثين
أبو محمد صالح حسون
سيد سيد عبد العال
عبد الرحمن إسماعيل
أبو حسام الطرفاوي
أحمد ناجي
مصطفى أبو الغيط
محمد عبد العزيز
أحمد بنداري
محمود عبد الحكيم
إيهاب عبد الواحد
محمد عوض صالح
سليمان دويدار
عبد الله الغندور
محمد غنيم
مدحت عبد العظيم
وليد دويدار
стр. 6
تقديم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد
فقد عرف أعداء الإسلام أن مصدر عزة هذا الدين وعزة أهله، وسر تجدده في نفوس المسلمين هو تمسكهم بهذا القرآن العظيم وسنة نبيهم الأمين، هذا القرآن الذي لا يخلق من كثرة الترداد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يمله القارئ والسامع ولا يزداد به المؤمن إلا يقينا بدينه وتعلقا به، وهو المعجزة الخالدة، والآية الباقية ما بقي الليل والنهار، وهو المحفوظ بوعد الله كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وقد اجتهد أعداء الدين في الطعن في هذا القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة؛ حتى يسلخوا المسلمين عن دينهم، فيصبحوا صيدًا سهلًا وغنيمة باردة.
وحرب أعداء الدين هذه شاملة لكل أساسيات هذا الدين وقواعده؛ فلم يتركوا بابًا يشوهون فيه صورة الإسلام إلا اتبعوه ولا سبيلًا إلا سلكوه، فهم يعلمون أن المسلمين لو تعرفوا على دينهم الصحيح بنقائه لدعاهم ذلك إلى العزة بهذا الدين ونبذ كل منهج وطريق يخالف شريعة سيد المرسلين.
أسباب جمع هذه الموسوعة المباركة
زادت الحاجة لإخراج عمل موسوعي يتناول كل ما يثار حول الإسلام من تشكيك وتلبيس وكذب وافتراء على الملة الغراء، ولقلة الحياء وذهاب المروءة عن أهل الضلال استباحوا أن يكذبوا على المسلمين ويدسوا على المساكين ما يروج من المشكلات والضغن المبين، فكان لزامًا على أهل العلم والغيورين أن يثوروا على هؤلاء الآثمين بدحض شبهاتهم وكشف زيغهم وبهتانهم وفضح مخططاهم ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]
وأجمل الأسباب الداعية لهذا العمل أيضا في التالي:
١ - كثرة المطاعن في هذا الزمن على الإسلام، واتهامه بالتناقض، سواء من
стр. 7
المستشرقين، أو من أعداء الدين، أو ممن ينتسبون للإسلام.
٢ - تأثر بعض المسلمين بهذه الشبه التي تثار، فكان لزاما على طلبة العلم وأهله كشف هذه الشبه، وبيان فسادها للناس أجمعين.
٣ - إثبات إعجاز القرآن، وأنه من عند الله، وأن الله تكفل بحفظه حقا. وإثبات أن السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام محفوظة أيضا من الزيف والافتراء وهذا يدل على حفظ الله ورعايته للوحيين الكريمين
٤ - كشف شبه الطاعنين وأكاذيبهم، وبيان أنها ترديد لما أورده الطاعنون السابقون.
٥ - كشف المنافقين المندسين بين المسلمين للطعن في هذا الدين.
٦ - جهاد أعداء الله بالكلمة وهو أحد أنواع الجهاد، وقد كان النبي ﷺ يأمر أصحابه بالدفاع عنه وهجاء المشركين ففي صحيح مسلم (٢٤٩٠) عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَال: "اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ" فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَال: "اهْجُهُمْ" فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، قَال حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحرِّكُهُ، فَقَال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَعْجَلْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي" فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَال: يَا رَسُولَ الله قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ. قَالت عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَال يُؤَيِّدُكَ، مَا نَافَحْتَ عَنِ الله وَرَسُولِهِ"، وَقَالت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى".
قَال حَسَّانُ:
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ الله فِي ذَاكَ الجزَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُولَ اللهِ شَيمَتُهُ الْوَفَاءُ
الْكُفَّارِ أَخَصُّ بِالْيَدِ، وَجِهَادُ المُنَافِقِينَ أَخَصُّ بِاللِّسَانِ. (١)
٧ - أن هذا الباب لم يُخدم بما يستحقه مع اشتداد الحاجة إليه فلم يخرج عمل موسوعي شامل يدحض شبهات القوم ويبين للمسلمين نقاء الدين ونفي التبديل عنه والتحريف.
٨ - خطورة الطعن في القرآن والسنة؛ حيث إنه من نواقض العهد مع أهل الذمة، بل من نواقض الإسلام.
ولما كان الأمر على ما ذكرت فقد دفعني ذلك إلى المساهمة بجهد في إخراج موسوعة علمية فيها رد على أهم ما يثار حول الإسلام من شبهات والرد عليها بطريقة علمية بعيدة عن المهاترات والأغاليط وبذاءة الألفاظ لتكون مثالًا على سمو الإسلام وحسن أخلاق أتباعه في المناظرة والرد على المخالف مهما تطاولوا علينا، فكان أن تم التعاقد مع الأخ الشيخ/ أحمد بن سليمان على التعاون في إخراج هذا العمل في مقر عمله بمكتبه في مصر ورأيت أننا اشتركنا في نفس الأهداف والغايات لخروج مثل هذا العمل العظيم للمسلمين ليعم النفع به.
وبدأت مسيرة العمل في مصر وكانوا يرسلون لي العمل تباعا وكانت لي ملاحظات استشرت فيها بعض أهل العلم وأرسلتها لهم ودارت بيننا مناقشات حول بعض القضايا حتى انتهى العمل بعد قرابة خمس سنوات من العمل الدؤب وكان الإخوة في مصر يبدون كل الاستعداد لتعديل أي ملاحظة أو تغيير أي كلمة ليخرج العمل سالما من الخلل والخطأ بقدر الإمكان، والكمال عزيز ولكن التسديد والإتقان لا بد منه، وكانت المحصلة كتابة ثمانية عشر مجلدا تضمنت شبهات عن الكتاب والسنة النبوية وما يتعلق بهما من فقه وعقيدة وحديث والكلام حول الصحابة وما أثير حولهم وغير ذلك مما هو مدون بتفاصيله في الموسوعة.
وقد ألمح لي بعض أهل العلم أن الكتاب لو اختصر قليلا وضم بعضه إلى بعض بحذف ما يتكرر واختصار ما يمكن اختصاره ليقل حجم الكتاب، فطلبت ذلك من الشيخ أحمد حفظه الله وما كان منه إلا أن وافق على هذه الرغبة حرصًا على عموم نفع
стр. 10
الكتاب وتيسير اقتنائه، فتمت مراجعة الكتاب بكامله والنظر في المواضع التي يمكن اختصارها أو تلخيص ما يمكن تلخيصه من غير إخلال أو سقوط ما لا بد منه فخرج الكتاب في صورته الأخيرة في اثني عشر مجلدًا بفهارسه الموضوعية وهو بهذا يسد ثغرة في التراث الإسلامي ويساعد على التعرف على الإسلام تعرفًا صحيحًا خاليًا من الزيف والتحريف ومدافعًا عن ما أثير حول هذا الدين بأسلوب عصري سهل متين.
والحمد لله على توفيقه وتسديده لنا وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
كتبه
د/ سليمان بن دريع العازمي
стр. 11
مقدمة العمل
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
أما بعد، فإن الإسلام أضخم حقيقة وأصلب عودًا وأعمق جذورًا من أن يجتثه الأعداء من على وجه الأرض.
ولقد تمت إرادة الله فظهر هذا الدين على الدين كله.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف: ٨].
ظهر في ذاته كدين، فما يثبت له دين آخر في حقيقته وفي طبيعته، فأما الديانات الوثنية فليست في شيء من هذا.
وأما الديانات الكتابية فهذا الدين خاتمها والناسخ لها والمهمين عليها.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩]
ولقد أدرك الغربيون هذه الحقيقة فبعد أن فشلت حملاتهم الصليبية ركَّزوا جهودهم على الغزو الفكري.
يقول المستشرق جاردنر: إن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا.
ويقول أحد المبشرين: إن القوة الكامنة في الإسلام هي التي وقفت سدًّا منيعًا في وجه انتشار المسيحية.
стр. 12
وإن أعظم ما يواجه المسلمون اليوم هو الغزو الفكري الرهيب الذي استولى على عقول بعض النفوس فأفسدها حتى التبس عليهم الحق بالباطل، والخطأ بالصواب وراجت عليهم الأباطيل والمنكرات. وقد رأينا هجمة علمية وغارة فكرية من بعض القساوسة ورهبان الكنائس على الإسلام وذلك في مواعظهم وكتاباتهم وقنواتهم الإعلامية، وتطاولوا فيها على الإسلام وثوابته ورموزه ونبيه ﷺ ، وهذا أمر مستعجب إذ أنهم يعلمون أن ما في أيديهم من الدين محرف والتناقض فيه مخوف وأسفاره فيها عبارات وضعها كل مزيف، وليتهم يسكتون حتى لا نفضحهم ولكنهم يعلنون الحرب على الدين الإسلامي وأهله، مع أن البون بيننا وبينهم شاسع والحق واضح وتميزنا عليهم أمر ظاهر باهر عند من له مسكة من عقل زاجر.
"كَيْفَ لَا يُمَيِّزُ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بَيْنَ دِينٍ قَامَ أَسَاسُهُ وَارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ عَلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مَعَ الْإِخْلَاصِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَمُعَامَلَةِ خَلْقِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، مَعَ إِيثَارِ طَاعَتِهِ عَلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، وَبَيْنَ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ، أُسِّسَ عَلَى عِبَادَةِ النِّيرَانِ، وَعَقْدِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الرَّحْمَنِ وَالشَّيْطَانِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوْثَانِ، أَوْ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى عِبَادَةِ الصُّلْبَانِ وَالصُّوَرِ المُدْهُونَةِ فِي السُّقُوفِ وَالحيطَانِ، وَأَنَّ رَبَّ الْعَالمِينَ نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ فَالْتَحَمَ بِبَطْنِ أُنْثَى، وَأَقَامَ هُنَاكَ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، بَيْنَ دَمِ الطَّمْثِ فِي ظُلُمَاتِ الْأَحْشَاءِ تَحْتَ مُلْتَقَى الْأَعْكَانِ، ثُمَّ خَرَجَ صَبِيًّا رَضِيعًا شَبَّ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَبْكِي وَيَأْكُلُ ويَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَنَامُ وَيَتَقَلَّبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، ثُمَّ أُودِعَ فِي المُكْتَبِ بَيْنَ صِبْيَانِ الْيَهُودِ يَتَعَلَّمُ مَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ، هَذَا وَقَدْ قُطِعَتْ مِنْهُ الْقُلْفَةُ حِينَ الْخِتَانِ. ثُمَّ جَعَلَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَهُ وَيُشَرِّدُونَهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، ثُمَّ قَبَضُوا عَلَيْهِ وَأَحَلُّوهُ أَصْنَافَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، فَعَقَدُوا عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الشَّوْكِ تَاجًا مِنْ أَقْبَحِ التِّيجَانِ، وَأَرْكَبُوهُ قَصَبَةً لَيْسَ لَهَا لِجَامٌ وَلَا عِنَانٌ، ثُمَّ سَاقُوهُ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ مَصْفُوعًا مَبْصُوقًا عَلَى وَجْهِهِ، وَهُمْ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ وَعَنْ شَمَائِلِهِ وَعَنِ الْأَيْمَانِ. ثُمَّ أَرْكَبُوهُ ذَلِكَ المَرْكَبَ الَّذِي تَقْشَعِرُّ
стр. 13
مِنْهُ الْقُلُوبُ مَعَ الْأَبْدَانِ، ثُمَّ شُدَّتْ بِالْحِبَالِ يَدَاهُ وَالرِّجْلَانِ، ثُمَّ خَالطَهَا تِلْكَ المسَامِيرُ الَّتِي تَكْسِرُ الْعِظَامَ وَتُمَزِّقُ اللُّحْمَانَ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ: يَا قَوْمِ ارْحَمُونِي! فَلَا يَرْحَمُهُ مِنْهُمْ إِنْسَانٌ.
هَذَا وَهُوَ مُدَبِّرُ الْعَالمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفليِّ الَّذِي يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ. ثُمَّ مَاتَ وَدُفِنَ فِي التُّرَابِ تَحْتَ صُمِّ الجنَادِلِ وَالصَّوَّانِ، ثُمَّ قَامَ مِنَ الْقَبْرِ وَصَعِدَ إِلَى عَرْشِهِ وَمُلْكِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَا كَانَ.
فَمَا ظَنُّكَ بِفُرُوعٍ هَذَا أَصْلُهَا الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْبُنْيَانُ، أَوْ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى عِبَادَةِ الْإِلَهِ المنْحُوتِ بِالْأَيْدِي بَعْدَ نَحْتِ الْأَفْكَارِ مِنْ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَصْنَافِ وَالْألوَانِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالتَّذَلُّلِ وَالْخُرُورِ سُجُودًا عَلَى الْأَذْقَانِ، لَا يُؤْمِنُ مَنْ يَدِينُ بِهِ بِالله وَلَا مَلَائِكَتِهِ وَلَا كُتُبِهِ وَلَا رُسُلِهِ وَلَا لِقَائِهِ يَوْمَ يَجْزِي المُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ وَالمُحْسِنَ بِالْإِحْسَانِ. أَوْ دِينِ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ الَّذِينَ انْسَلَخُوا مِنْ رِضْوَانِ اللهِ كَانْسِلَاخِ الْحَيَّةِ مِنْ قِشْرِهَا، وَبَاءُوا بِالْغَضَبِ وَالْخِزْيِ وَالْهَوَانِ، وَفَارَقُوا أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَنَبَذُوهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَاشْتَرَوْا بِهَا الْقَلِيلَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَتَرَحَّلَ عَنْهُمُ التَّوْفِيقُ وَقَارَنَهُمُ الْخِذْلَانُ، وَاسْتَبْدَلُوا بِوِلَايَةِ الله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَأَوْليَائِهِ وِلَايَةَ الشَّيْطَانِ (١).
أما وقد تمادوا في غيِّهم وضلالهم فليندموا على ما قدموا وليحزنوا على ما اقترفوا وشككوا؛ لأن الله تعالى قد حفظ هذا الدين وسد على الزائغين طرق التشكيك والتلبيس على المسلمين، ونصب في كل فترة من ينبري لصد عدوان الصائلين، وقد أمرنا نبينا أن نرد على الحاقدين والمارقين.
لما قال أبو سفيان يوم أحد: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر، أفيكم ابن الخطاب؟ قال لأصحابه: "لا تجيبوه". تهاونًا به وتحقيرًا لشأنه، فلما قال: أُعل هبل، قال لهم رسول الله ﷺ : "قولوا: الله أعلى وأجل". ولما قال: لنا العزى ولا عزى لكم، قال لهم: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم".
стр. 14
وليت من تكلم الهذيان تنكب عن ميدان الفرسان، ليسلم من أسنة ألسنتهم عرضه، وينطوي من بساط المشاجرة طوله وعرضه، ولم يسمع ما يضيق به صدره، ولم ينتهك بين أفاضل الأمة ستره، وإذا أبى إلا المهارشة والمناقشة، والمواحشة والمفاحشة، فليصبر على حزّ الحلاقم، ونكز الأراقم، ونهش الضراغم، والبلاء المتراكم المتلاطم، ومتون الصوارم.
فوالذي نفسي بيده؛ ما بارز أهل الحق قط قرن إلا كسروا قرنه، فقرع من ندم سنه، ولا ناحرهم خصم إلا بشّروه بسوء منقلبه، وسدّوا عليه طريق مذهبه لمهربه، ولا فاصحهم أحد -ولو كان مثل خطباء إياد- إلا فصحوه وفضحوه، ولا كافحهم مقاتل -ولو كان من بقية قوم عاد- إلا كبُّوه على وجهه وبطحوه، هذا فعلهم مع الكماة الذين وردوا المنايا تبرعًا، وشربوا كؤوسها تطوعًا، وسعوا إلى الموت الزؤام سعيًا، وحسبوا طعم الحمام أريًا، والكفاة الذين استحقروا الأقران فلم يهلهم أمر نحوف، وجالوا في ميادين المناضلة واخترقوا الصفوف، وتجالدوا لدى المجادلة بقواطع السيوف (١).
فكان لزامًا على كل منابر الدعوة إلى الله أن تتصدى لهذه الحملات التي تسعى بكل طاقاتها إلى إطفاء نور الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف: ٨].
وها نحن ومن هذا المنطلق قد انبرينا وشمَّرنا وجاهدنا للصد عن حياض هذا الدين العظيم. ليحيا من حيَّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، فوحَّدنا الجهود والطاقات، وضننَّا بالأنفاس واللحظات؛ لجمع موسوعة هي بحق منتهى الغايات، جمعت بين دفتيها أقوى ما يدعيه المخالفون من المتشابهات والمتناقضات والأغلوطات فيما أعلم، والرد عليها من كل الوجوه التي وقفنا عليها بشتى المسكتات: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٥].
والله تعالى من حكمته يقيض في كل حقبة من الزمان حراسا لشريعته يذبون عنها كل باطل ودخيل، فلم يخل زمن من المجرمين ويسلط الله عليهم المؤمنين، فلما قام المبتدعة
стр. 15
وكذبوا على الناس في حديث رسول الله ﷺ قام علماء الحديث فبينوا كذبهم وافتراءهم.
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَال: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، ويُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ (١).
وقِيلَ لِابْنِ المُبَارَكِ: هَذ الْأَحَادِيثُ المصْنُوعَةُ؟ قَال: "يَعِيشُ لَهَا الجْهَابِذَةُ" (٢).
منشأ الشبهات:
لقد حاول أعداء الإسلام إلصاق التهم به، وإشاعة التناقض فيه، وإظهار محاسن في صورة تشمئز منها النفوس، ولو تتبعنا ما يقولونه فإنه لا يخرج عن عدة نقاط.
(١) أنهم اعتمدوا على أقوال الحاقدين على الإسلام من المستشرقين والمنافقين والكُتَّاب العرب المعاندين للدين.
(٢) الرويات الضعيفة والمكذوبة؛ فقد أتوا بها ليعارضوا بها الصحيح ولم يبينوا أن الضعيف لا حجة فيه.
(٣) وبعضهم نقل أقوالًا مبتورة ليتغير المعنى على حسب ما يريد ثم ذاع الكلام المبتور على أنه تمام لا بتر فيه.
(٤) وبعضهم أتى بأقوال شاذة أو مرجوحة ذكرها العلماء في مصنفاتهم وردوا عليها، فأتى هؤلاء وعرضوا على الناس هذه الأقوال على أنها معتمدة عند قائلها ليروجوا تلبيساتهم على عوام المسلمين.
(٥) سوء الفهم لنصوص الكتاب والسنة، فهو لا يرجع إلى شروح العلماء الراسخين؛ وإنما يفسر النص على قدر فهمه وغالبهم جهلة بلسان العرب فأنَّى لمثل هؤلاء أن يفهموا أفصح الكلام الذي هو كلام الله .
(٦) الاستعانة بشبهات وأقوال الفرق الضالة والتي خالفت منهج أهل السنة والجماعة كشبهات الرافضة، والخوارج، والجهمية، وغلاة الصوفية وغيرهم.
стр. 16
منهج الرد على الشبهات
لا شك أن الأعمال الموسوعية تحتاج إلى نفس طويل، وصبر من حديد، وقد استغرق العمل في هذه الموسوعة حوالي خمس سنوات.
ولقد سار العمل في هذه الفترة على مراحل:
المرحلة الأولى: الجمع: لقد تتبعنا الشبهات المثارة حول الإسلام من مصادرها؛ من خلال المؤلفات والمجلات العلمية، والمراجع المعنية بهذا الأمر، ثم تتبعنا ذلك على مواقع الإنترنت.
ثم قمنا بعد ذلك بصياغتها بأسلوب فصيح مؤدب، إذ من عادة القوم السب والشتم بما لا يليق ذكره. وحاولنا جاهدين الاستقصاء في جمع كل ما تفوهوا به؛ غير أنا وجدنا بعض هذه الشبه لا تستحق الذكر فما هي إلا نوع من السباب والشتم ونحن ننزه موسوعتنا عن ذكرها، كذلك بعضهم لا يجيد قراءة العربية فقرأ النص خطأ ثم بني الشبهة عليه فلا فائدة من الرد عليه فأمره ظاهر مكشوف.
ثم قمنا بتقسيمها تقسيمًا موضوعيًّا على الأبواب ليسهل عرضها وتناولها.
المرحلة الثانية: الرد: في كل شبهة مثارة كنا نجمع فريق العمل لنتشاور في محاور الرد وبيان الوجوه المعتمدة في بيان زيف الشبهة، وكنا نجد عونًا من الله، وفتحا مبينًا للرد عليهم بمنطقهم فغايتنا بيان الحق ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
فكان العمل على هذا النحو:
أولًا: تم الرد على الشبهات على صورة وجوه -في الغالب- الوجه الواحد هو رد دامغ في نفسه لكننا لم نكتف بالوجه الواحد فأردنا الاستقصاء في الرد من كل الوجوه النقلية والعقلية والعلمية.
ثانيًا: تضمن الرد -في أكثر الشبهات- وجهًا هامًّا وهو الرد على المخالفين من مصنفاتهم التي يعتمدون عليها. غالبها من كتابهم المقدس بعهديه القديم والجديد.
ثالثًا: توجد بعض الشبهات ربما ألقى بها رجل يُحسب على الإسلام إلا أنه من دعاة
стр. 17
الضلالة وهذا لا يحتج به علينا. أو يلزمنا بحديث ضعيفٍ أو مكذوبٍ ولا حجة في هذا، أو بقول شاذ خلاف قول الجماهير. فأردنا أن لعلن ما نعتقده وندين به ونلتزم ونُلزِم به المخالفين وما سواه فلا حجة علينا به.
رابعًا: قد تحتوي الشبهة الواحدة الأساسية على عدة شبهات فرعية فنقوم بالرد على كل هذه الشبهات. لذا ننصح القارئ بالصبر والمثابرة عند قراءته للرد خاصة في الشبهات التي تم الاستطراد في الرد عليها.
خامسًا: حاولنا في ردنا أن نُعَلِّم القارئ المعنى الصحيح من الآية أو الحديث لتتم الفائدة، ونحن نعتقد أن هذا من أولى الأولويات، فالجاهل إن طالع كتابنا سيتعلم ولا بد، أما المعاند والجاحد -فنسأل الله له الهداية- فلن يصح في ذهنه شيء منها إلا أن يشاء الله، فنهار الشريعة بادٍ لكل ذي عين ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢].
سادسًا: استفدنا من جهود السابقين لنا في هذا المضمار؛ فحاولنا أن نؤلف بين وجوه الرد ونختار منها ما وافق الحق، وندع ما تكلف فيه صاحبه في وجوه الرد.
سابعًا: عزونا الآيات والأحاديث والأقوال إلى مصادرها إبراءً للذمة، وتحقيقًا للقول، ومنفعة لمن أراد المزيد.
ثامنًا: إن كان أصل الشبهة يدور على آية من القرآن استقصينا في بيان تفسيرها ووجوه الرد من أقوال المفسرين.
وإن كان مدارها على حديث فإن كان ضعيفًا اجتهدنا قدر الطاقة في بيان ضعفه، وإن كان في الصحيحين اكتفينا بالعزو لهما في بيان اللفظ الصحيح، وإن كان في غيره توسعنا في تخريجه بقدر الحاجة والمصلحة.
تاسعًا: استفدنا من بعض مواقع (الإنترنت) في معرفة بعض الشبهات والرد عليها وقد عزونا لهذه المواقع.
عاشرًا: تضمنت بعض الردود ردودًا عامة، وردودًا خاصة؛ فنبدأ ببيان الرد العام
стр. 18
والذي يبين منهج الإسلام أو اعتقاد المسلمين في المسألة، ثم تفصيل الرد بعد ذلك حسب الشبهة الملقاة.
الحادي عشر: جعلنا آخر الردود الرد على النصارى من مصنفاتهم التي يعتمدون عليها لبيان ما عندهم من التناقض والتحريف والتبديل بما لا يخفى على أدنى منصف من العقلاء، فهم معنا كمن قال: رمتني بدائها وانسلت.
فهم يرموننا بما هو فيهم، ولو كان هناك حياء ما اجترؤوا على ما قدموا ولكن عزاؤنا في ذلك قول النبي ﷺ :
"إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ، إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ" (١).
وربما سأل سائل لم الحمل على أهل الكتاب خاصة؟ والجواب: أنهم الطائفة التي يعود أصلها إلى كتاب سماوي حق، ولكن وقع عليه قلم التحريف، أما الطوائف الأخرى كالعلمانية والملاحدة ومن سار على دربهم فهم ليسوا بشيء ولا على شيء، ثم إن الجميع يتناقلون نفس الاعتراضات والترهات فما يقوله النصراني من شبهة يلوكها العلماني والملحد والليبرالي وغيرهم.
الثاني عشر: قسمنا الموسوعة إلى عدة أقسام:
١ - قسم شبهات العقيدة.
٢ - القرآن وعلومه القرآن، ورتبناه على ترتيب المصحف.
٣ - السنة وعلومها.
٤ - الأنبياء والنبي.
٥ - زوجات النبي ﷺ .
٦ - الصحابة.
٧ - الفقه.
стр. 19
٨ - المرأة.
٩ - اللغة.
١٠ - وأخيرًا: شبهات الإعجاز العلمي.
الثالث عشر: وقبل أن نشرع في هذه الردود فقد قدمنا بمقدمة لا بد منها تناولنا فيها: الصراع بين الحق والباطل، والمناظرة وآدابها، وعن حال العالم قبل الإسلام، ثم التعريف بالإسلام، وخصائصه، وسماحته، وعن وسطيته، وعن الحقوق الإسلامية، وماذا قال الغرب عن الإسلام، وأيضًا التعريف بنبي الإسلام ﷺ ، فضائله، وأخلاقه، وشمائله، وعن صحابته، وماذا قالوا عنه ﷺ ؟ .
المرحلة الثالثة: المراجعة: وفي هذه المرحلة كان التركيز على الضبط العام للكتاب من قواعد الإملاء، واللغة، ثم نظرة أخيرة عامة على وجوه الرد؛ فربما زدنا وجها غاب عنا، أو حذفنا آخرًا ليس في بابه.
جهود العلماء في الرد على الشبهات: لم يُقصر علماء المسلمين في القيام بواجبهم في الرد على هذه الشبهات والتي أثارها النصارى على الخصوص وتلوكها الألسنة من كل المشارب على العموم، فقاموا ﵏ كلٌّ بطريقته الخاصة تولى الرد عليهم بما يدحض شبهتهم ويخيب رجاءهم، من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح". وتلميذه ابن القيم في كتابه "هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى". والقرطبي في "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن الإسلام". والقرافي في "الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة في الرد على الملة الكافرة" والآلوسي -ابن المفسر- في "الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح" وابن حزم في "الفصل في الملل والأهواء والنحل" ومن المعاصرين الشيخ رحمت الله بن خليل الرحمن الهندي "إظهار الحق" والزرقاني في "مناهل العرفان في علوم القرآن" والدكتور محمد أبو شهبة في "الدفاع عن السنة" والشيخ أحمد ديدات في كتبه ومناظراته الشهيرة. والدكتور
стр. 20
عمر بن إبراهيم رضوان في "آراء المستشرقين حول القرآن الكريم". والدكتور إبراهيم عوض في كتبه. واللواء أحمد عبد الوهاب في كتبه. . . وغيرهم كثير لكنها ردود فردية فكان عملنا هذا تجميع ردود هؤلاء السابقين تحت منهج واحد بخطة شاملة والله المستعان.
فريق العمل: إن هذا الجهد المبارك كان نتاج جهود متضافرة من طلاب نابهين غيورين على دينهم فدفعهم حماسهم، وحميتهم إلى جمع الهمم على هذا العمل المبارك، وكان اشتراطنا في العمل أن لا يقتحم فيه إلا من شعر بأهمية هذا العمل العظيم ليستشعر أنه على ثغر لا بد من المجاهدة عليه، وكان يجمعنا مجمع التوحيد الإسلامي بمحلة بلبيس شرقية من جمهورية مصر العربي فنلتقي في مجالس راتبة، نجمع الشبهات، ونتداول الردود، ونجمع المصنفات، ونناقش الوجوه، ولكل دوره المناط به،
ولا بد في مثل هذه الأعمال إعطاء كل ذي حق حقه، فحقهم علينا أن نذكر كل من شارك معنا في هذه الموسوعة المباركة.
وها هو بيان ب أسماء المشاركين في العمل:
١ - أبو محمد صالح حسون: وقد قام بجهد كبير في العمل، وكان مسئولًا عن توزيع الأعمال على الباحثين، ومتابعتهم، وقد شارك أيضًا بجهده في مقدمة الكتاب مع شبهات القرآن، والفقه، وغير ذلك. ثم كان هو القائم على الضبط الفني للكتاب والمراجعة الأخيرة له فجزاه الله خيرًا.
٢ - أبو عبد الرحمن محمود عبد الحكيم: وشارك معناها المقدمة، وفي إثبات تحريف التوراة والإنجيل، وبعض شبهات القرآن، وغيرها.
٣ - أبو عمر سيد سيد عبد العال: وشارك في ملفات العقيدة، والصحابة، والمرأة، وغيرها.
٤ - إيهاب عبد الواحد: شارك معنا في ملفات علوم القرآن، والإعجاز العلمي.
٥ - عبد الرحمن إسماعيل: شارك في علوم القرآن، وملفات القرآن، والسنة.
٦ - محمد عوض: شارك في المقدمة، وملفات علوم القرآن، والقرآن، والأنبياء.
стр. 21
٧ - أبو حسام الطرفاوي: شارك في ملفات العقيدة.
٨ - سليمان دويدار: شارك في شبهات الحدود.
٩، ١٠ - عبد الله الغندور وأحمد ناجي: شاركا في الشبهات اللغوية.
١١ - مصطفى أبو الغيطـ: شارك في ملفات شبهات المرأة، وانتشار الإسلام بالسيف.
١٢ - محمد غنيم: شارك في شبهة الفداء والصلب.
١٣ - محمد عبد العزيز السيد: شارك في ملفات علوم السنة، ومراجعة شبهات الفقه.
١٤ - مدحت عبد العظيم: شارك في ملفات علوم القرآن.
١٥ - أحمد بنداري: شارك في ملفات القرآن، والسنة.
١٦ - وليد دويدار: الذي قام بجمع الشبهات في بادئ العمل وكذلك جمع المصادر المتعلقة بالردود ثم انقطع عن الإتمام نظرا لظروف خاصة به.
هذا؛ وقد جمع العبد الفقير إلى الله/ أحمد بن سليمان طلبة العلم والباحثين، ووضعت الخطة لهم وحددت عناصر الرد على كل شبهة بما يقتضيه المقام من توسع في موضع وبذل الجهد في تتبع المسألة لقطع اللجاج فيها واختصار في آخر بحسب المقام والحال في الشبهة، وناقشتهم في وجوه الرد، ثم راجعت العمل كاملًا أربع مرات، فزدت بعض الوجوه، وحذفت ما لا يصلح في الرد، أو كان فيه تعسف، أو مخالفة للمنهج الصائب عند السلف في الرد كما بينا سابقًا.
وقد كان د/ سليمان بن دريع العازمي صاحب فكرة الموسوعة والشرف العام عليه فجزاه الله خيرا، وكانت له ملاحظات أخذناها بعين الجد والاجتهاد وأثبتنا منها ما كان في الإمكان، وكان آخر ذلك أن العمل خرج بعد سنوات عدة في ثمانية عشر مجلدًا فأشار علي جزاه الله خيرًا باختصار العمل وضم ما يمكن ضمه وحذف ما لا يخل بنظمه فوافق ذلك رغبة عندي فراجعنا العمل مرة أخرى على منهج يختصر العمل قليلًا ولا يخل بأصله ومحتواه فكانت المحصلة أن خرج في اثني عشر مجلدًا ولعل هذا أيسر للقارئ.
стр. 22
وقد أرسلت نسخة من العمل لأخي الشيخ أبي حسين خالد الرباط للنظر فيها من الناحية الفنية وذلك بمكتبه في دار الفلاح بالفيوم فجزاه الله خيرًا على ما قدم.
فها هو بين يديك سفرٌ نفيس، وجمع سهلٌ محقق لطيف، جمعنا فيه المتفرقات، واستوعبنا في الرد الوجوه المتآلفات حسب ما وصل إليه علمنا، فأثمر ردًّا على ما يربو على ستمائة شبهة أساسية وفي ثناياها شبهات فرعية فوفقنا الله لدحضها.
فنسأل الله أن يتقبله عنده، وأن يكتب لنا به الأجر يوم الدين، ونسأل الله أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه، وأن يجعله زادًا لحسن المصير إليه وعتادًا ليوم القدوم عليه إنه بكل جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل. وما كان من توفيق فمن الله وحده وما كان من زلل أو نسيان فمنا ومن الشيطان والله ورسوله منه براء.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
كتبه
أبو عبد الرحمن/ أحمد بن سليمان أيوب
في الثاني عشر من شعبان لعام ١٤٣٥ هـ
بمنزلة الكائن بمدينة بلبيس
جمهورية مصر العربية
стр. 23
المقدمة
وتشتمل هذه المقدمة على ما يلي:
الفصل الأول.
الصراع بين الحق والباطل.
الفصل الثاني.
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: حالة العالم قبل الإسلام.
المبحث الثاني: المناظرة وآدابها.
ويشتمل هذا المبحث على المطالب الآتية:
المطلب الأول: تمهيد.
المطلب الثاني: المحاور التي يتم على أساسها تقييم أي حضارة سابقة أو لاحقة.
المبحث الثاني: الإسلام وبيان معناه.
ويشتمل على المطالب الآتية:
المطلب الأول: معنى الإسلام.
المطلب الثاني: الإسلام هو دين الفطرة.
المطلب الثالث: التوحيد وأقسامه.
المبحث الثالث: مراتب الدين.
ويشتمل هذا المبحث على المطالب الآتية:
المطلب الأول: أركان الإسلام.
المطلب الثاني: أركان الإيمان.
المطلب الثالث: الإحسان.
стр. 24
المبحث الرابع: بيان بعض مزايا الشريعة الإسلامية.
المبحث الخامس: الإسلام بين الوسطية والغلو.
المبحث السادس: الحقوق الإسلامية.
ويشتمل على المطالب الآتية:
المطلب الأول: مقدمة عامة عن الحقوق ومزايا هذا الدين الإسلامي.
المطلب الثاني: ذكر بعض هذه الحقوق بشيء من التفصيل.
المبحث السابع: قالوا عن الإسلام.
الفصل الثالث: رسول البشرية محمد ﷺ .
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: التعريف بالنبي ﷺ .
المبحث الثاني: بعض فضائل النبي ﷺ .
المبحث الثالث: أخلاق النبي ﷺ .
المبحث الرابع: صحابة النبي ﷺ .
المبحث الخامس: قالوا عن النبي ﷺ .
стр. 25
الفصل الأول
المبحث الأول: الصراع بين الحق والباطل
إن الصراع بين الحق والباطل سنة ربانية جارية كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١].
فالأنبياء وهم أكرم الخلق وأعدل الخلق وُجدَ لهم أعداء ومضادون، يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق.
وقد أمر الله المؤمنين بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله، وتضعف شوكة الباطل وتنكسر، وحتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦]. ففي هذه الآية وآية سورة الفرقان التي ذكرناها قبل إشارة إلى ضعف الباطل وأهله إذا قام أهل الحق بواجبهم في مدافعتهم وقتالهم، لأن الله مع الذين اتقوا. فقوله في الآية الأولى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ وفي الآية الثانية: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ إشارة إلى ضعف كيد الشيطان الذي يتولاه الكفار والمشركون، فإذا كان وليهم ضعيفًا فهم أضعف وأذل، وهذا يعطي المؤمن قوة على العمل بما أوجبه الله عليه من مدافعة الباطل وأهله، كما يعطيه ثقة في نصر الله له، ومن ثم يعتز بدينه ويتمسك به، وهذا هو الذي قام به الصحابة ﵃ في العهد المكي، فقد وقع عليهم الاضطهاد الشديد من المشركين في مكة، ولم يكن بمقدورهم المواجهة العسكرية ولم يؤمروا بالجهاد بعد، وإنما أمروا بالصبر والتحمل، فصبروا ﵃ وتحملوا تلك المرحلة، ولكن مع الصبر والتحمل كانوا يسعون لإزالة هذا الواقع وعدم استمراره، فجاءت الهجرة الأولى إلى الحبشة، ثم ذهابه ﷺ إلى الطائف، ثم العرض على القبائل في المواسم، كلها بحث عن مخرج من ذلك الواقع حتى قيض الله طائفة من الأوس والخزرج لقبول دعوة الحق، ثم المبايعة على النصرة ليلة العقبة، وأعقب ذلك الهجرة إلى
стр. 26
المدينة، فخرج المسلمون من الاضطهاد ونصرهم الله بإخوانهم في المدينة عندما قاموا بالأسباب الموجبة لذلك. والملاحظ أن الصحابة تحملوا مرحلة الاضطهاد وواجهوها بالصبر ولكن مع عدم الاستكانة والرضى بالواقع، فأخذوا يعملون لإزالة ذلك الواقع حتى تمكنوا من رفعه (١).
فيعلم كل مسلم أن أهل الكفر والضلال ضد أهل الإسلام في كل زمان ومكان وذكر الله في أول سورة البقرة الناس وقسمهم إلى ثلاثة أقسام: مؤمنون وكفار ومنافقون فلا بد من العداوة بين أهل الإسلام وبين أعداء الله وإن لم تحصل العداوة فالأمر خطير.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]. ولا شك أن عداوة الكفار للمسلمين ليست لأجل دنيا بل هي لأجل الدين قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
فالصراع بين الحق والباطل قائم إلي يوم القيامة؛ ولكن مآل الباطل الزهوق والذهاب، والحق مآله الانتصار والغلبة إن شاء الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨].
стр. 27
وهذه السنة أيضًا من أهم السنن الربانية التي يجب الوقوف عندها، وعدم نسيانها أو الغفلة عنها، لأن الصراع والمدافعة بين الحق والباطل وُجِدا منذ أن أهبط آدم ﵊ على هذه الأرض ومعه إبليس -الملعون- أعاذنا الله منه. واقتضت حكمة الله أن يستمر هذا الصراع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بين حزب الله وحزب الشيطان. وليس بالضرورة أن تكون المدافعة أو أن يكون الصراع بالقتال والسلاح. بل إنه يكون بغير ذلك، وما القتال إلا مرحلة من مراحل هذا الصراع، فإقامة الحجة على الباطل وأهله مدافعة، وإزالة الشبه عن الحق وأهله مدافعة، والأمر بالعروف والنهي عن المنكر مدافعة، والصبر على ابتلاء الأعداء من الكفرة والظلمة والثبات على الدين مدافعة وصراع. ويأتي الجهاد والقتال في سبيل الله على رأس وذروة هذه المدافعة والصراع، فيقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وما دام هناك حق وباطل فالصراع موجود والمدافعة حتمية. وهذا الصراع لصالح البشرية وخيرها، ولو كان فيه من العناء والشدة والمكاره، فإن هذه المشقات كلها تهون وتصغر عند المفاسد العظيمة التي تنشأ فيما لو لم يكن هناك دفع للفساد وصراع مع الباطل. كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وهذا يفرض على أهل الحق السير على هذه السنة، وبذل الجهد الجهيد في مدافعة الباطل وأهله، وإحقاق الحق وتمكين أهله، ورد البشرية الشاردة إلى عبودية الله وتوحيده، وإنقاذها من الشرك ومفاسده، فإن الصراع بين الحق والباطل قديم، فيحاول أهل الباطل اتهام أهل الحق، وتشكيكهم به، حتى يتركوه قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]، وهذا التقرير الصادق من العليم الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث على الشر؛ وعلى فتنة المسلمين عن دينهم، بوصفها الهدف الثابت المستقر لأعدائهم. وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة في كل أرض وفي كل جيل. إن وجود الإسلام في الأرض هو بذاته
стр. 28
غيظ ورعب لأعداء هذا الدين؛ ولأعداء الجماعة المسلمة في كل حين إن الإسلام بذاته يؤذيهم ويغيظهم ويخيفهم. فهو من القوة ومن المتانة بحيث يخشاه كل مبطل، ويرهبه كل باغ، ويكرهه كل مفسد. إنه حرب بذاته وبما فيه من حق أبلج، ومن منهج قويم، ومن نظام سليم. إنه بهذا كله حرب على الباطل والبغي والفساد. ومن ثم لا يطيقه المبطلون البغاة المفسدون. ومن ثم يرصدون لأهله ليفتنوهم عنه، ويردوهم كفارًا في صورة من صور الكفر الكثيرة.
ذلك أنهم لا يأمنون على باطلهم وبغيهم وفسادهم، وفي الأرض جماعة مسلمة تؤمن بهذا الدين، وتتبع هذا المنهج، وتعيش بهذا النظام.
وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواته، ولكن الهدف يظل ثابتًا، على أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا. وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحًا غيره، وكلما كلت في أيديهم أداة شحذوا أداة غيرها. والخبر الصادق من العليم الخبير قائم يحذر الجماعة المسلمة من الاستسلام، وينبهها إلى الخطر؛ ويدعوها إلى الصبر على الكيد، والصبر على الحرب، وإلا فهي خسارة الدنيا والآخرة؛ والعذاب الذي لا يدفعه عذر ولا مبرر: قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].
ومن يرتدد عن الإسلام وقد ذاقه وعرفه؛ تحت مطارق الأذى والفتنة -مهما بلغت- هذا مصيره الذي قرره الله له حبوط العمل في الدنيا والآخرة. ثم ملازمة العذاب في النار خلودًا (١).
وعندما ظهر الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، لم يتوقف سيل الشبهات التي يثيرها المشككون من خصوم هذا الدين، تشكيكًا في مصادره، أو في نبيه، أو في مبادئه وتعاليمه. ولا تزال الشبهات القديمة تظهر حتى اليوم في أثواب جديدة يحاول مروجوها أن يضيفوا عليها طابعًا علميًّا زائفًا.
стр. 29
ومن المفارقات الغريبة في هذا الصدد، أن يكون الإسلام - قد اختص من بين كل الديانات التي عرفها الإنسان سماوية كانت أم أرضية بأكبر قدر من الهجوم وإثارة الشبهات حوله.
ووجه الغرابة في ذلك يتمثل في أن الإسلام في الوقت الذي جاء فيه يعلن للناس الكلمة الأخيرة لدين الله لم ينكر أيًّا من أنبياء الله السابقين ولا ما أنزل عليهم من كتب سماوية، ولم يجبر أحدًا من أتباع الديانات السماوية السابقة على اعتناق الإسلام. ولم يقتصر الأمر على عدم الإنكار، وإنما جعل الإسلام الإيمان بأنبياء الله جميعًا وما أنزل عليهم من كتب عنصرًا أساسيًّا من عقيدة كل مسلم، بحيث لا تصح هذه العقيدة بدونه.
ومن شأن هذا الموقف المتسامح للإسلام إزاء الديانات السابقة أن يقابل بتسامح مماثل؛ وأن يقلل من عدد المناهضين للإسلام، ولكن الذي حدث كان على العكس من ذلك تمامًا. فقد وجدنا الإسلام -على مدى تاريخه- يتعرض لحملات ضارية من كل اتجاه. وليس هناك في عالم اليوم دين من الأديان يتعرض لمثل ما يتعرض له الإسلام في الإعلام الدولي من ظلم فادح وافتراءات كاذبة.
وهذا يبين لنا أن هناك جهلًا فاضحًا بالإسلام، وسوء فهم لتعاليمه، سواء كان ذلك بوعي أو بغير وعي، وأن هناك خلطًا واضحًا بين الإسلام كدين وبعض التصرفات الحمقاء التي تصدر من بعض أبناء المسلمين باسم الدين وهو منها براء (١).
إن أعداء الجماعة المسلمة لم يكونوا يحاربونها في الميدان بالسيف والرمح فحسب؛ ولم يكونوا يؤلبون عليها الأعداء ليحاربوها بالسيف والرمح فحسب؛ إنما كانوا يحاربونها أولًا في عقيدتها. كانوا يحاربونها بالدس والتشكيك، ونثر الشبهات وتدبير المناورات!
كانوا يعمدون أولًا إلى عقيدتها الإيمانية التي منها انبثق كيانها، ومنها قام وجودها، فيعملون فيها معاول الهدم والتوهين. ذلك أنهم كانوا يدركون كما يدركون اليوم تمامًا - أن هذه الأمة لا تؤتى إلا من هذا المدخل، ولا تهن إلا إذا وهنت عقيدتها، ولا تهزم إلا إذا
стр. 30
هزمت روحها، ولا يبلغ أعداؤها منها شيئًا وهي ممسكة بعروة الإيمان، مرتكنة إلى ركنه، سائرة على نهجه، حاملة لرايته، ممثلة لحزبه، منتسبة إليه، معتزة بهذا النسب وحده، ومن هنا يبدو أن أعدى أعداء هذه الأمة هو الذي يلهيها عن عقيدتها الإيمانية، ويحيد بها عن منهج الله وطريقه، ويخدعها عن حقيقة أعدائها وحقيقة أهدافهم البعيدة.
إن المعركة بين الأمة المسلمة وبين أعدائها هي قبل كل شيء معركة هذه العقيدة. وحتى حين يريد أعداؤها أن يغلبوها على الأرض والمحصولات والاقتصاد والخامات، فإنهم يحاولون أولا أن يغلبوها على العقيدة، لأنهم يعلمون بالتجارب الطويلة أنهم لا يبلغون مما يريدون شيئًا والأمة المسلمة مستمسكة بعقيدتها، ملتزمة بمنهجها، مدركة لكيد أعدائها. ومواجهة ذلك تكون ببذل جهود علمية مضاعفة من أجل توضيح الصورة الحقيقة للإسلام، ونشر ذلك على أوسع نطاق.
المبحث الثاني: المناظرة وآدابها .
وقبل أن نشرع في مادة هذه الموسوعة نذكر طرفا مختصر جامعًا للمناظرة وآدابها ينشأ الاختلاف الفكري من اختلاف الطبائع والعقول البشرية (١).
وحيث كان كل واحد من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج، ومنه ما يكون صوابًا ومنه ما يكون خطأ فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكامًا يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول (٢).
والحديث عن ذلك من خلال هذه النقاط:
أولًا: تعريف المناظرة والجدال .
المناظرة لغة: من النظير، أو من النظر بالبصيرة (٣).
المناظرة اصطلاحًا: أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه معًا كيف تأتيانه. (٤)
стр. 31
وهي: المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منها تصحيح قوله وإبطال قول الآخر؛ مع رغبة كل منهما في ظهور الحق (١).
الجدل لغة: مقابلة الحجة بالحجة والمجادلة المناظرة والمخاصمة (٢).
الجدل اصطلاحًا: مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها (٣).
الجدال لا يبعد أن يقال أن علم الجدل هو علم المناظرة (٤).
ثانيًا: مشروعية المناظرة . (٥)
والأصل في مشروعيتها:
قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. وقوله: (﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣].
فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه؛ ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين (٦).
ومن حق الله على عبده رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان، والسيف والسنان، والقلب والجنان وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان. اهـ (٧).
стр. 32
ثالثا: أنواع المناظرة .
المجادلة [المناظرة] نوعان:
الأولى: مجادلة المماراة، يماري بذلك السفهاء ويجادل الفقهاء ويريد أن ينتصر قوله فهذه مذمومة.
وهي الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام، وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناس، وقصد المباهاة والمماراة، واستمالة وجوه الناس، وهذه منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله.
وهي يتنزل عليها كلام السلف في ذم الجدل والمجادلة.
الثانية: لإثبات الحق وإن كان عليه فهي محمودة مأمور بها. (١)
رابعًا: آداب المناظرة .
للمناظرة آداب يجب مراعاتها وهي:
أولًا: آداب خاصة بالمناظرين .
(١) إخلاص النية لله (٢).
(٢) تقديم تقوى الله عند المناظرة (٣).
(٣) يرغب المناظر إلى الله لتوفيقه لطلب الحق (٤).
(٤) التحلي بالأخلاق الإسلامية (٥).
(٥) عدم إعجاب المناظر بكلام نفسه لأنه مدعاة للتعصب وضياع الحق (٦).
стр. 33
(٦) الإنصاف وترك التعصب وقبول الحق من أي شخص كان (١).
(٧) المواظبة على مطالعة الكتب والتمرس على المناظرة والحوار وقت فراغه (٢).
(٨) الإصلاح من اللغة وتجنب اللحن في الكلام (٣).
(٩) ألا يتصدر للمناظرة قبل أوانه أو ما يسمى: الأهلية للمناظرة (٤).
(١٠) تجنب المناظرة مع من هو من أهل المهابة العظمية والاحترام العظيم كيلا يدهشه جلالة خصمه عن القيام بحجته كما ينبغي (٥).
(١١) الامتناع عن مناظرة من يريد الجدال فقط وليس إظهار الحق (٦).
(١٢) الامتناع عن مناظرة الجهال وكل لجوج (٧).
ثانيًا: آداب خاصة بقواعد المناظرة .
(١) أن يكون هدف المناظرة النصيحة والإفادة وإظهار الحق لا الجدال والمراء (٨).
(٢) تحديد موضوع الجدال أو المناظرة والأطراف المشتركة فيه (٩).
(٣) تحديد المنهج والضوابط التي يرجع إليها عند الاختلاف (١٠).
стр. 34
(٤) مراعاة الظروف المحيطة بالمناظرة كالأشخاص والموضوع والزمان والمكان (١).
ثالثا: آداب الحديث بين المتناظرين .
(١) الجلوس في وقار وسكينة (٢).
(٢) ينظر كل طرف للآخر مع حسن الاستماع (٣).
(٣) اختيار أحسن الألفاظ وألطفها في مخاطبة الطرف الآخر (٤).
(٤) تجنب غريب الألفاظ ومجملها ومناسبة الكلام لموضوع المناظرة (٥).
(٥) إعطاء المناظر فرصة لذكر أدلته دون مداخلة أو إظهار التعجب من كلامه (٦).
(٦) عدم سخرية أحدهما من الآخر (٧).
(٧) يتجنب المناظر رفع صوته في الكلام بما يؤذي ولا يخفض بما لا يسمع (٨).
(٨) ستر عيوب المناظر والعفو عن سوء خلقه أثناء المناظرة وعدم تصيد أخطاؤه (٩)(٩) التركيز أثناء المناظرة على نقاط الالتقاء ومواضع الاتفاق (١٠).
(١٠) لا يتحدث إذا كان في مكان المناظرة من يشهد للخصم بالزور والباطل (١١).
(١١) لا يجيب عن الأسئلة الموجهة لغيره (١٢).
стр. 35
رابعًا: آداب طرح الأسئلة أثناء المناظرة .
(١) الإيجاز في السؤال وتوضيح معاني الكلام (١).
(٢) الإنصات عند طرح الأسئلة ولعل فيها ما يرد حجة المناظر (٢).
خامسًا: آداب الرد على أسئلة المناظر الآخر .
(١) ألا يتعجل في إصدار الأحكام على كلام الخصم حتى يفهم مراده تمامًا (٣).
(٢) الإجابة على قدر السؤال (٤).
(٣) الإقناع بالدليل وتجنب القول بالهوى والعصيبة (٥).
(٤) تقديم النقل ونصوصه على العقل وظنونه في الاحتجاج على الخصم (٦).
(٥) تقديم الأقوى والأهم من الأدلة (٧).
(٦) مراعاة عدم التعارض بين الأدلة (٨).
(٧) توثيق الأدلة المستمدة من كتب المخالفين (٩).
(٨) إذا هم برد فتبين له خطؤه فلم يذكره، فليحمد الله الذي عصمه من الخطأ (١٠).
سادسًا: آداب إنهاء المناظرة .
стр. 36
(١) إعلان التسليم بالقضايا المتفق عليها وقبول نتائج المناظرة (١).
(٢) التوقف عن المناظرة إذا تبين الحق وأصر المناظر على باطله (٢).
(٣) التوقف عن المجادلة أو المناظرة إذا كانت تؤدي إلى مفسدة تلحق بالدعوة (٣).
خامسًا: نماذج للمناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن .
(١) مجادلة إبراهيم ﵇ للنمرود حينما ادعى الربوبية على قومه ودارت بينهما مناظرة ومجادلة انتهت بنصر إبراهيم ﵇ وبهت عدوه. يقول تعالى في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨] (٤).
(٢) مجادلة إبراهيم ﵇ لقومه ولأبيه في إثبات عقيدة التوحيد والملة الحنفية السمحة، وإظهار بطلان ما يعبد من دون الله وأنها لا تنفع ولا تضر وكل ذلك بالأسلوب المقنع والمنطق المهذب الاستنتاج السليم والحجة الظاهرة. يقول الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَال هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَال هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَال هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَال يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَال أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا
الفصل الثاني
المبحث الأول: حالة العالم قبل الإسلام
ويشتمل هذا المبحث على المطالب الآتية:
المطلب الأول: تمهيد .
المطلب الثاني: المحاور التي يتم على أساسها تقييم أي حضارة سابقة أو لاحقة.
المطلب الأول: تمهيد.
كان القرن السادس والسابع لميلاد المسيح ﵇ من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف، فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي، فقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة في إسفافها، وكأنَّ الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم أو بقيت، ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب فضلًا عن البيوت فضلًا عن البلاد، وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة، ولاذوا إلى الأديرة والكنائس والخلوات، فرارًا بدينهم من الفتن وضنًّا بأنفسهم، أو رغبة إلى الدعة والسكون، وفرارًا من تكاليف الحياة وجدها، أو فشلًا في كفاح الدين والسياسة والروح والمادة، ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا، وعاونهم على إثمهم وعدوانهم، وأكل أموال الناس بالباطل. . . على حساب الضعفاء والمحكومين. ومن ناحية الأديان فقد أصبحت الديانات العظمى فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرفين والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها، وأصبحت مهود الحضارة الثقافة والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام، وعسف الحكام، وشغلت بنفسها، لا تحمل للعالم رسالة ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنوياتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعًا
стр. 39
صافيًا من الدين السماوي، ولا نظامًا ثابتًا من الحكم البشري. (١)
المطلب الثاني: المحاور التي يتم على أساسها تقييم أي حضارة سابقة أو لاحقة
وسنحاول أن نستعرض واقع العالم المعروف في هذا الوقت، سواء كان محليًّا -في الجزيرة العربية- أو عالميًّا، في العالم المتحضر المعروف آنذاك. ونحن نتكلم عن العصر بعد حوالي ستمائة سنة من مولد السيد المسيح ﵇. كيف كان واقع العالم في ذلك الوقت؟ وكيف تغير ذلك الواقع؟ وهل يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه؟ وهل هناك وجه تشابه بين الواقع الحالي وهذا الواقع قبل ألف وأربعمائة سنة؟
هذه أسئلة نعتقد أن الإجابة عليها سوف تعني الكثير للبشرية الحائرة التي تتخبط بين ماديات عصرية طاغية، وأحلام إنسانية لحياة أفضل، حياة مثالية تحمل الخير والعدل والرحمة للناس أجمعين.
وفي الواقع ما أشبه اليوم بالأمس، فعندما نستعرض ما كان عليه الحال قبل ألف وأربعمائة سنة قبل الرسالة؛ ستجد كثيرًا من التشابه مع ما تعيشه الإنسانية الآن سواء محليًّا حيث مهد الرسالة، أو عالميًّا من خلال العالم الذي يدعي التحضر اليوم. وسنقوم باستعراض سريع لواقع العالم في ذلك الزمان وفي تلك الأماكن التي كانت معروفة في ذلك الوقت، وسنعرض لمحة سريعة على التغيير الذي حدث في تلك العوالم؛ أي التأثير الذي أحدثه محمد ﷺ في زمانه ومكانه والأزمنة التي تلته والأماكن الأخرى من العالم وذلك من خلال محورين رئيسيين هما:
١ - الوضع السياسي.
٢ - الوضع الأخلاقي الديني والاجتماعي.
ونرى أن هذه المحاور هي أسس تقييم أي حضارة سابقة أو لاحقة.
المحور الأول: الوضع السياسي .
كان العصر الجاهلي مسرحًا للحكم المستبد، فقد كانت السياسة في هذا العصر ملكية
стр. 40
مطلقة، قد تقوم على تقديس البيوتات الخاصة، كما كان في فارس، فقد كان آل ساسان يعتقدون أن حقهم في الملك مستمد من الله، وقد عملوا كل ما في استطاعتهم للتأثير في رعاياهم حتى أذعنوا لهذا الحق الملكي المقدس وصارت لهم عقيدة يدينون بها. وقد تقوم على تقديس الملوك مطلقًا، فكان الصينيون يسمون ملكهم الإمبراطور ابن السماء، ويعتقدون أن السماء ذكر، والأرض أنثى، وقد ولدا الكائنات، وكان الإمبراطور ختا الأول هو بكر هذين الزوجين، وكان الإمبراطور يعتبر كالأب الوحيد للأمة، له أن يفعل ما يشاء، وكانوا يقولون له: أنت أبو الأمة وأمها، ولما مات الإمبراطور "لي يان" أو "تاي تسونغ" لبست الصين ثوب الحداد، وحزنت الأمة حزنًا شديدًا، فمنها من أثخن وجهه بالإبر، ومن قطع شعره، ومن ضرب أذنيه بجانب النعش.
وقد تقوم على تقديس بعض الشعوب والأوطان كما كان في المملكة الرومية، فكان المبدأ الأساسي هو تقديس الوطن الرومي، والشعب الرومي. ولم تكن الأمم والبلاد إلا خادمة لمصلحتها وعروقًا يجري منها الدم إلى مركزها، فكانت الدولة تستهين في ذلك بكل حق ومبدأ، وتدوس كل شرف وكرامة، وتستحل كل ظلم وشنيعة، ولا يمنع بلادًا من هذا الحيف والظلم اشتراك في دين وعقيدة ولا إخلاص ووفاء للملكة، ولا يعترف لها في زمن من الأزمان بحق حكمها نفسها بنفسها والتمتع بحقوقها في أرضها إنما هي ناقة ركوب في بعض الأحيان، حلوب في بعضها، لا يقدم لها العلف إلا ما يقيم صلبها ويدر ضرعها. وهذه بعض الأمثلة:
الدولة الرومانية. وعن حال الحكم الروماني في مصر والشام. فيقول الدكتور الفرد. ج. بتلر عن الحكم الروماني في مصر: إن حكومة مصر الرومية لم يكن لها إلا غرض واحد، وهو أن تبتز الأموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين، ولم يساورها أن تجعل قصد الحكم توفير الرفاهية للرعية أو ترقية حال الناس والعلو بهم في الحياة أو تهذيب نفوسهم أو إصلاح أمور أرزاقهم، فكان الحكم على ذلك حكم الغرباء لا يعتمد إلا على القوة ولا