الفصل الثاني
المبحث الأول: حالة العالم قبل الإسلام
ويشتمل هذا المبحث على المطالب الآتية:
المطلب الأول: تمهيد .
المطلب الثاني: المحاور التي يتم على أساسها تقييم أي حضارة سابقة أو لاحقة.
المطلب الأول: تمهيد.
كان القرن السادس والسابع لميلاد المسيح ﵇ من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف، فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي، فقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة في إسفافها، وكأنَّ الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم أو بقيت، ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب فضلًا عن البيوت فضلًا عن البلاد، وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة، ولاذوا إلى الأديرة والكنائس والخلوات، فرارًا بدينهم من الفتن وضنًّا بأنفسهم، أو رغبة إلى الدعة والسكون، وفرارًا من تكاليف الحياة وجدها، أو فشلًا في كفاح الدين والسياسة والروح والمادة، ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا، وعاونهم على إثمهم وعدوانهم، وأكل أموال الناس بالباطل. . . على حساب الضعفاء والمحكومين. ومن ناحية الأديان فقد أصبحت الديانات العظمى فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرفين والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها، وأصبحت مهود الحضارة الثقافة والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام، وعسف الحكام، وشغلت بنفسها، لا تحمل للعالم رسالة ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنوياتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعًا
стр. 39
صافيًا من الدين السماوي، ولا نظامًا ثابتًا من الحكم البشري. (١)
المطلب الثاني: المحاور التي يتم على أساسها تقييم أي حضارة سابقة أو لاحقة
وسنحاول أن نستعرض واقع العالم المعروف في هذا الوقت، سواء كان محليًّا -في الجزيرة العربية- أو عالميًّا، في العالم المتحضر المعروف آنذاك. ونحن نتكلم عن العصر بعد حوالي ستمائة سنة من مولد السيد المسيح ﵇. كيف كان واقع العالم في ذلك الوقت؟ وكيف تغير ذلك الواقع؟ وهل يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه؟ وهل هناك وجه تشابه بين الواقع الحالي وهذا الواقع قبل ألف وأربعمائة سنة؟
هذه أسئلة نعتقد أن الإجابة عليها سوف تعني الكثير للبشرية الحائرة التي تتخبط بين ماديات عصرية طاغية، وأحلام إنسانية لحياة أفضل، حياة مثالية تحمل الخير والعدل والرحمة للناس أجمعين.
وفي الواقع ما أشبه اليوم بالأمس، فعندما نستعرض ما كان عليه الحال قبل ألف وأربعمائة سنة قبل الرسالة؛ ستجد كثيرًا من التشابه مع ما تعيشه الإنسانية الآن سواء محليًّا حيث مهد الرسالة، أو عالميًّا من خلال العالم الذي يدعي التحضر اليوم. وسنقوم باستعراض سريع لواقع العالم في ذلك الزمان وفي تلك الأماكن التي كانت معروفة في ذلك الوقت، وسنعرض لمحة سريعة على التغيير الذي حدث في تلك العوالم؛ أي التأثير الذي أحدثه محمد ﷺ في زمانه ومكانه والأزمنة التي تلته والأماكن الأخرى من العالم وذلك من خلال محورين رئيسيين هما:
١ - الوضع السياسي.
٢ - الوضع الأخلاقي الديني والاجتماعي.
ونرى أن هذه المحاور هي أسس تقييم أي حضارة سابقة أو لاحقة.
المحور الأول: الوضع السياسي .
كان العصر الجاهلي مسرحًا للحكم المستبد، فقد كانت السياسة في هذا العصر ملكية
стр. 40
مطلقة، قد تقوم على تقديس البيوتات الخاصة، كما كان في فارس، فقد كان آل ساسان يعتقدون أن حقهم في الملك مستمد من الله، وقد عملوا كل ما في استطاعتهم للتأثير في رعاياهم حتى أذعنوا لهذا الحق الملكي المقدس وصارت لهم عقيدة يدينون بها. وقد تقوم على تقديس الملوك مطلقًا، فكان الصينيون يسمون ملكهم الإمبراطور ابن السماء، ويعتقدون أن السماء ذكر، والأرض أنثى، وقد ولدا الكائنات، وكان الإمبراطور ختا الأول هو بكر هذين الزوجين، وكان الإمبراطور يعتبر كالأب الوحيد للأمة، له أن يفعل ما يشاء، وكانوا يقولون له: أنت أبو الأمة وأمها، ولما مات الإمبراطور "لي يان" أو "تاي تسونغ" لبست الصين ثوب الحداد، وحزنت الأمة حزنًا شديدًا، فمنها من أثخن وجهه بالإبر، ومن قطع شعره، ومن ضرب أذنيه بجانب النعش.
وقد تقوم على تقديس بعض الشعوب والأوطان كما كان في المملكة الرومية، فكان المبدأ الأساسي هو تقديس الوطن الرومي، والشعب الرومي. ولم تكن الأمم والبلاد إلا خادمة لمصلحتها وعروقًا يجري منها الدم إلى مركزها، فكانت الدولة تستهين في ذلك بكل حق ومبدأ، وتدوس كل شرف وكرامة، وتستحل كل ظلم وشنيعة، ولا يمنع بلادًا من هذا الحيف والظلم اشتراك في دين وعقيدة ولا إخلاص ووفاء للملكة، ولا يعترف لها في زمن من الأزمان بحق حكمها نفسها بنفسها والتمتع بحقوقها في أرضها إنما هي ناقة ركوب في بعض الأحيان، حلوب في بعضها، لا يقدم لها العلف إلا ما يقيم صلبها ويدر ضرعها. وهذه بعض الأمثلة:
الدولة الرومانية. وعن حال الحكم الروماني في مصر والشام. فيقول الدكتور الفرد. ج. بتلر عن الحكم الروماني في مصر: إن حكومة مصر الرومية لم يكن لها إلا غرض واحد، وهو أن تبتز الأموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين، ولم يساورها أن تجعل قصد الحكم توفير الرفاهية للرعية أو ترقية حال الناس والعلو بهم في الحياة أو تهذيب نفوسهم أو إصلاح أمور أرزاقهم، فكان الحكم على ذلك حكم الغرباء لا يعتمد إلا على القوة ولا
стр. 41
يحس بشيء من العطف على الشعب المحكوم. (١)
ويقول مؤرخ عربي شامي عن الحكم الروماني في الشام: كانت معاملة الرومان للشاميين بادئ ذي بدء عادلة حسنة مع ما كانت عليه مملكتهم في داخليتها من المشاغب والمتاعب. ولما شاخت دولتهم انقلبت إلى أتعس ما كانت عليه من الرق والعبودية، ولم تضف رُومية بلاد الشام مباشرة ولم يصبح سكانها وطنيين رومانيين، ولا أرضهم أرضًا رومانية، بل ظلوا غرباء ورعايا، وكثيرًا ما كانوا يبيعون أبناءهم ليوفوا ما عليهم من الأموال، وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق، وبهذه الأيدي عمر الرومان ما عمروا من المعاهد والمصانع في الشام. (٢)
الدولة الفارسية: ولم يكن النظام المالي والسياسة المالية في إيران عادلة مستقرة بل كانت جائرة مضطربة في كثير من الأحوال، تابعة لأخلاق الجباة العاملين وأهوائهم والأحوال السياسية والحربية.
يقول مؤلف إيران في عهد الساسانيين: كان الجباة لا يتحرزون من الخيانة واغتصاب الأموال في تقدير الضرائب وجباية الأموال، ولما كانت الضرائب تختلف كل سنة وتزيد وتنقص لم يكن دخل الدولة وخرجها مقدرين مضبوطين، وقد كانت الحرب تنشب في بعض الأحيان وليست عند الدولة أموال تنفقها على الحرب، فكان يلجئها ذلك إلى ضرائب جديدة، وكانت المقاطعات الغربية الغنية -وخاصة بابل- هدف هذه الضرائب دائمًا. (٣)
الجزيرة العربية: وأما في الجزيرة العربية لم تكن هناك دولة مركزية، ولكن قبائل متفرقة يغير بعضها على بعض، والبقاء للأقوى. وكانت الحروب والسلب والنهب متفشية بين هذه القبائل، لا أمان ولا عهود ولا مواثيق تحكم علاقة هذه القبائل بعضها ببعض، ولكن منطق القوة والغلبة؛ مما تولد عنه واقع العبودية وانتشارها وكثرة العبيد الذين هم أسرى هذه الحروب أو نتاج هذه المعاملة اللاإنسانية للضعفاء من البشر في هذا الزمان.
стр. 42
ولك أن تقارن هذا الواقع قبل الرسالة وبعد ثلاثة وعشرين سنة بعد الرسالة كانت هذه الجزيرة أمة واحدة تحت لواء حاكم واحد وهو خليفة رسول الله ﷺ . وأصبحت هذه القبائل المتناحرة المتقاتلة من أجل المصالح الشخصية هي نفسها التي تحارب لنشر عدل ورحمة الإسلام في بقاع الأرض واختفت هذه الحروب القبلية البغيضة وحل محلها الجهاد في سبيل الله لإخراج الشعوب المضطهدة من ظلم الواقع إلى عدالة الإسلام ومن العبادة للعباد إلى عبادة رب العباد.
المحور الثاني: الوضع الديني والأخلاقي والاجتماعي .
كما سبق وأن ذكرنا في التمهيد أن الأديان أصبحت فريسة للعابثين والمتلاعبين، ولعبة للمحرفين والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها، وسنحاول في هذا المحور أن نلقي نظرة على حالة بعض الملل قديمًا .
أولًا: اليهودية: وكانت في أوربا وآسيا وإفريقيا أمة هي أغنى أمم الأرض مادة في الدين، وأقربها فهمًا لمصطلحاته ومعانيه، أولئك هم اليهود، ولكن لم يكونوا عاملًا من عوامل الحضارة والسياسة أو الدين يؤثر في غيرهم، بل قُضي عليهم من قرون طويلة أن يتحكم فيهم غيرهم، وأن يكونوا عرضة للاضطهاد والاستبداد، والنفي والجلاء، والعذاب والبلاء، وقد أورثهم تاريخهم الخاص وما تفردوا به بين أمم الأرض من العبودية الطويلة والاضطهاد الفظيع، والإذلال، والجشع وشهوة المال وتعاطي الربا، أورثهم كل ذلك نفسية غريبة لم توجد في أمة وانفردوا بخصائص خلقية كانت لهم شعارًا على تعاقب الأعصار والأجيال، منها الخنوع عند الضعف، والبطش وسوء السيرة عند الغلبة، والختل والنفاق في عامة الأحوال، والقسوة والأثرة وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله. وقد وصفهم القرآن الكريم وصفًا دقيقًا عميقًا يصور ما كانوا عليه في القرنين السادس والسابع من تدهور خلقي، وانحطاط نفسي، وفساد اجتماعي، عزلوا بذلك عن إمامة الأمم وقيادة العالم.
ثانيًا: المسيحية: لم تكن المسيحية في يوم من الأيام من التفصيل والوضوح ومعالجة مسائل الإنسان بحيث تقوم عليه حضارة، أو تسير في ضوئه دولة، ولكن كان فيها أثارة من تعليم المسيح، وعليها مسحة من دين التوحيد البسيط، فجاء بولس فطمس نورها، وطعّمها
стр. 43
بخرافات الجاهلية التي انتقل منها، والوثنية التي نشأ عليها، وقضى قسطنطين على البقية الباقية، حتى أصبحت النصرانية مزيجًا من الخرافات اليونانية والوثنية الرومية والأفلاطونية المصرية والرهبانية، اضمحلت في جنبها تعليم المسيح البسيطة كما تتلاشى القطرة من اليم، وعادت نسيجًا خشبيًا من معتقدات وتقاليد لا تغذي الروح، ولا تمد العقل ولا تشعل العاطفة، ولا تحل معضلات الحياة، ولا تنير السبيل، بل أصبحت بزيادات المحرفين، وتأويل الجاهلين، تحول بين الإنسان والعلم والفكر، وأصبحت على تعاقب العصور ديانة وثنية، يقول (sale) مترجم القرآن إلى الانكليزية عن نصارى القرن السادس الميلادي: وأسرف المسيحيون في عبادة القديسين والصور المسيحية حتى فاقوا في ذلك الكاثوليك في هذا العصر، وثارت حول الديانة في هذه الفترة حرب أهلية بين رعايا النصرانية، وانقسموا إلى فريقين الملكانية والمنوفيسية؛ أو نصارى الشام والدولة الرومية وبين نصارى مصر، فكان شعار الملكانية عقيدة ازدواج طبيعة المسيح، وكان المنوفيسيون يعتقدون أن المسيح له طبيعة واحدة، وهي الإلهية التي تلاشت فيها طبيعة المسيح البشرية، كقطرة من الخل تقع في بحر عميق لا قرار له، وقد اشتد الخلاف بين الفريقين، حتى صار كأنه حرب عوان بين دينين متنافسين، أو كأنه خلاف بين اليهود والنصارى، كل طائفة تقول للأخرى: إنها ليست على شيء (١).
وأما الحال الاجتماعي والاقتصادي فقد بلغ الانحلال الاجتماعي غايته في الدولة الرومية والشرقية، وعلى كثرة مصائب الرعية ازدادت الإتاوات، وتضاعفت الضرائب. حتى أصبح أهل البلاد يتذمرون من الحكومات. ويمقتونها مقتًا شديدًا، ويفضلون عليها كل حكومة أجنبية. وذابت أسس الفضيلة، وانهارت دعائم الأخلاق، حتى صار الناس يفضلون العزوبة على الحياة الزوجية ليقضوا مآربهم في حرية. وكان العدل كما يقول (سيل) يباع ويساوم مثل السلع. وكانت الرشوة والخيانة تنالان من الأمة التشجيع.
يقول جيبون: وفي آخر القرن السادس وصلت الدولة في ترديها وهبوطها إلى آخر
стр. 44
نقطة، وكان مثلها كمثل دوحة عظيمة كانت أمم العالم في حين من الأحيان تستظل بظلها الوارف، ولم يبق منها إلا الجذع الذي لا يزداد كل يوم إلا ذبولًا.
ويقول مؤلفو تاريخ العالم للمؤرخين: إن المدن العظيمة التي أسرع إليها الخراب ولم تسترد مجدها وزهرتها أبدًا، تشهد بما أصيبت به الدولة البيزنطية في هذا العهد من الانحطاط الهائل الذي كانت نتيجته المغالاة في المكوس والضرائب والانحطاط في التجارة، وإهمال الزراعة، وتناقص العمران في البلدان. (١)
ثالثا: حالة الفرس: أما فارس فكانت تقاسم مملكة الروم حكم العالم المتمدن، ولكن كانت الحالة الأخلاقية متدهورة إلى حد بعيد، وقد انتشرت عندهم عادة نكاح المحارم وغيرها من الفعال القبيحة.
يقول البروفسور أرتهر كرستن سين أستاذ الألسنة الشرقية في جامعة كوبنهاجن بالدنمارك المتخصص في تاريخ إيران في كتابه إيران في عهد الساسانيين: إن المؤرخين المعاصرين للعهد الساساني مثل جاتهياس وغيره، يصدقون بوجود عادة زواج الإيرانيين بالمحرمات، ويوجد في تاريخ العهد الساساني أمثلة لهذا الزواج، فقد تزوج بهرام جوبين وتزوج جشتسب قبل أن يتنصر بالمحرمات (٢)، ولم يكن يعد هذا الزواج معصية عند الإيرانيين، بل كان عملًا صالحًا يتقربون به إلى الله، ولعل الرحالة الصيني هوئن سوئنج أشار إلى هذا الزواج بقوله: إن الإيرانيين يتزوجون من غير استثناء. (٣)
وظهر "ماني" في القرن الثالث المسيحي، ودعا إلى حياة العزوبة لحسم مادة الشر والفساد من العالم؛ فحرم النكاح استعجالًا للفناء وانتصارًا للنور على الظلمة بقطع النسل.
ثم ثارت روح الطبيعة الفارسية على تعاليم ماني المجحفة، وتقمصت دعوة مزدك الذي ولد ٤٨٧ م فأعلن أن الناس ولدوا سواء لا فرق بينهم، فينبغوا أن يعيشوا سواء لا فرق بينهم.
стр. 45
قال الشهرستاني: كان مزدك ينهى الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال، ولما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال، أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيهما كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ. (١)
وكان عندهم تقديس الأكاسرة، ملوك فارس حيث كانوا يدعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي، وكان الفرس ينظرون إليهم كآلهة، ويعتقدون أن في طبيعتهم شيئا علويا مقدسا فكانوا يكفرون لهم، وينشدون الأناشيد بألوهيتهم، ويرونهم فوق القانون وفوق الاعتقاد وفوق البشر، لا يجري اسمهم على لسانهم؛ ولا يجلس أحد في مجلسهم، ويعتقدون أن لهم حقًّا على كل إنسان، وليس لإنسان حق عليهم وأن ما يرضخون لأحد من فضول أموالهم وفتات نعيمهم إنما هو صدقة وتكرم من غير استحقاق، وليس للناس قِبلهم إلا السمع والطاعة، وخصصوا بيتًا معينًا- وهو البيت الكياني فكانوا يعتقدون أن لأفراده وحدهم الحق أن يلبسوا التاج ويجبوا الخراج، وهذا الحق ينتقل فيهم كابرًا عن كابر وأبًا عن جد لا ينازعهم ذلك إلا ظالم ولا ينافسهم إلا دعي نذل، فكانوا يدينون بالملك والوراثة في البيت المالك لا يبغون به بدلًا ولا يريدون عنه محيصًا، فإذا لم يجدوا من هذه الأسرة كبيرًا ملكوا عليهم طفلًا، وإذا لم يجدوا رجلًا ملكوا عليهم امرأة فقد ملكوا بعد شيرويه ولده أزدشير وهو ابن سبع سنين وملك فرُّخ زاد خسروا ابن كسرى أبرويز وهو طفل، وملكوا بوران بنت كسرى، وملكت كذلك ابنة كسرى ثانية يقال لها أزرمي دخت ولم يخطر ببالهم أن يملكوا عليهم قائدًا كبيرًا أو رئيسًا من رؤسائهم مثل رستم وجابان وغيرهما لأنهم ليسوا من البيت الملكي. (٢)
رابعًا: الصين: وكانت تسود الصين في هذا القرن ثلاث ديانات؛ ديانة لا وتسو، وديانة كونفوشيوس، والبوذية.
أما الأولى: ففضلًا عن أنها تحولت وثنية في عهد قريب فهي تُعني بالنظريات أكثر منها
стр. 46
بالعمليات، وكان أتباعها متقشفين زاهدين، لا يتزوجون ولا ينظرون إلى المرأة ولا يتصلون بها اتصالًا، فلم يكن لها أن تكون أُسًّا لحياة سديدة أو حكومة رشيدة، حتى التجأ الذين جاءوا بعد مؤسسها إلى مخالفته والعدول عنه إلى غيره.
أما كونفوشيوس فقد كان يعني بالعمليات أكثر من النظريات، ولكن انحصرت تعاليمه في شؤون هذه الدنيا وتدبير الأمور المادية والسياسية والإدارية، وقد كان أتباعه لا يعتقدون -في بعض الأزمنة- بعبادة إله معين، فيعبدون ما يشاءون من الأشجار والأنهار، وليس فيها نور من يقين ولا باعث من إيمان ولا شرع سماوي، وإنما هو حكمة حكيم وتجارب خبير، يستفيد بها الإنسان إذا شاء ويرفضها إذا شاء.
أما البوذية فقد فقدت بساطتها وحماستها، وابتلعتها البرهمية الثائرة الموتورة فتحولت وثنية تحمل معها الأصنام حيث سارت. وتبني الهياكل. وتنصب تماثيل بوذا حيث حلت ونزلت. وقد غمرت هذه التماثيل الحياة الدينية والمدنية التي ظهرت في عهد ازدهار البوذية.
يقول الأستاذ إيشوراتوبا أستاذ تاريخ الحضارة الهندية في إحدى جامعات الهند: لقد قامت في ظل البوذية دولة تعني بمظاهر الآلهة وعبادة التماثيل وتغير محيطا لرابطات الأخوية البوذية، وظهرت فيها البدع.
ولاحظ ذلك أيضًا أحد الكتاب العصريين وكبار السياسيين في الهند فقال: جعلت البرهمية بوذا مظهرًا للآلهة، وقلدتها في ذلك البوذية نفسها، وأصبحت الرابطة الأخوية البوذية تملك ثروة هائلة، وأصبحت مركزًا لمصالح جماعات خاصة، وفقدت النظام وتسرب إلى مناهج العبادة السحر والأوهام، وبدأت الديانة تتقهقر وتنحط بعدما سادت في الهند وازدهرت ألف سنة. (١)
خامسًا: أمم آسيا الوسطى: أما الأمم الأخرى في آسيا الوسطى وفي الشرق، كالمغول والترك واليابانيين، فقد كانت بين بوذية فاسدة، ووثنية همجية، لا تملك ثروة علمية، ولا
стр. 47
نظامًا سياسيًا راقيًا، إنما كانت في طور الانتقال من عهد الهمجية إلى عهد الحضارة، ومنها شعوب لا تزال في طور البداوة والطفولة العقلية.
سادسًا: الهند: أما الهند فقد اتفقت كلمة المؤلفين في تاريخها على أن أَحَط أدوارها ديانة وخلقًا واجتماعًا ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي، قد ساهمت الهند جاراتها وشقيقاتها في التدهور الخلقي والاجتماعي، الذي شمل الكرة الأرضية في هذه الحقبة من الزمن وأخذت نصيبًا غير منقوص من هذا الظلام الذي مد رواقه على المعمورة، وامتازت عنها في ظواهر وخلال، يمكن أن نلخصها في ثلاث:
(١) كثرة المعبودات والآلهة كثرة فاحشة.
(٢) الشهوة الجنسية الجامحة.
(٣) التفاوت الطبقي المجحف والامتياز الاجتماعي الجائر.
أولًا: كثرة المعبودات والآلهة كثرة فاحشة -الوثنية المتطرفة -: قد بلغت الوثنية أوجها في القرن السادس، فقد كان عدد الآلهة في "ويد" ثلاثة وثلاثين، وقد أصبحت في هذا القرن ٣٣٠ مليون، وقد أصبح كل شيء رائع وكل شيء جذاب وكل مرفق من مرافق الحياة إلهًا يعبد، وهكذا جاوزت الأصنام والتماثيل والآلهة والإلاهات الحصر وأربت على العد، فمنها أشخاص تاريخية، وأبطال تمثل فيهم الله -زعموا- في عهود وحوادث معروفة، ومنها جبال تجلى عليها بعض آلهتهم، ومنها معادن كالذهب والفضة تجلى فيها إله، ومنها نهر الكنج الذي خرج من رأس "مهاديو" الإله، ومنها آلات الحرب وآلات الكتابة وآلات التناسل وحيوانات أعظمها البقرة والأجرام الفلكية وغير ذلك، وأصبحت الديانة نسيجًا من خرافات وأساطير وأناشيد وعقائد وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يستسغها العقل السليم في زمن من الأزمان.
ثانيًا: الشهوة الجنسية الجامحة: وأما الشهوة فقد امتازت بها ديانة الهند ومجتمعها منذ العهد القديم، فلعل المواد الجنسية والمهيجات الشهوية لم تدخل في صميم ديانة بلاد مثل ما دخلت
стр. 48
في صميم الديانة الهندية، وقد تناقلت الكتب الهندية وتحدثت الأوساط الدينية عن ظهور صفات الإله وعن وقوع الحوادث العظيمة وعن تعليل الأكوان روايات وأقاصيص عن اختلاط الجنسين من الآلهة وغارة بعضها على البيوت الشريفة تستك منها المسامع، ويتندى لها الجبين حياء، وتأثير هذه الحكايات في عقول المتدينين المخلصين المرددين لهذه الحكايات في إيمان وحماسة دينية وفعلها في عواطفهم وأعصابهم واضح، زد إلى ذلك عبادتهم لآلة التناسل لإلههم أكبر "مهاديو"، وتصويرها في صورة بشعة، واجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال وبنات، زد إليه كذلك ما يحدث به بعض المؤرخين أن رجال بعض الفرق الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات والنساء يعبدن الرجال العراة، وكان كهنة المعابد من كبار الخونة والفساق الذين كانوا يرزءون الراهبات والزائرات في أعز ما عندهن، وقد أصبح كثير من المعابد مواخير يترصد فيها الفاسق لطلبته، وينال فيها الفاجر بغيته، وإذا كان هذا شأن البيوت التي رفعت للعبادة والدين فما ظن القارئ ببلاط الملوك وقصور الأغنياء؟ ! فقد تنافس فيها رجالها في إتيان كل منكر وركوب كل فاحشة، وكان فيها مجالس مختلطة من سادة وسيدات، فإذا لعبت الخمر برؤوسهم خلعوا جلباب الحياء والشرف وطرحوا الحشمة فتوارى الأدب وتبرقع الحياء. . . هكذا أخذت البلاد موجة طاغية من الشهوات الجنسية والخلاعة، وأسفّت أخلاق الجنسين إسفافًا كبيرًا.
ثالثا: التفاوت الطبقي المجحف والامتياز الاجتماعي الجائر: ووضع لهم "منو" أيضا نظام الطبقات الجائر حيث يقسم هذا القانون أهل البلاد إلى أربع طبقات ممتازة وهي:
(١) البراهمة، طبقة الكهنة ورجال الدين.
(٢) شتري رجال الحرب.
(٣) ويش رجال الزراعة والتجارة.
(٤) شودر رجال الخدمة.
ويقول منو مؤلف هذا القانون:
стр. 49
إن القادر المطلق قد خلق لمصلحة العالم البراهمة من فمه، وشتري من سواعده، وويش من أفخاذه، والشودر من أرجله، ووزع لهم فرائض وواجبات لصلاح العالم. فعلى البراهمة تعليم ويد أو تقديم النذور للآلهة وتعاطي الصدقات، وعلى الشتري حراسة الناس والتصدق وتقديم النذور ودراسة ويد والعزوف عن الشهوات، وعلى ويش رعي السائمة والقيام بخدمتها وتلاوة ويد والتجارة والزراعة، وليس لشودر إلا خدمة هذه الطبقات الثلاث. (١)
وأما المرأة في المجتمع الهندي فقد نزلت في هذا المجتمع منزلة الإماء، وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار، وكان في بعض الأحيان للمرأة عدة أزواج، فإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج، وتكون هدف الإهانات والتجريح، وكانت أمة بيت زوجها المتوفى وخادم الأحماء وقد تحرق نفسها على إثر وفاة زوجها تفاديًا من عذاب الحياة وشقاء الدنيا. وهكذا صارت هذه البلاد المخصبة أرضًا وعقولًا، وهذه الأمة -التي وصفها بعض مؤرخي العرب بكونها معدن الحكمة وينبوع العدل والسياسة وأهل الأحلام الراجحة والآراء الفاضلة؛ لبعد عهدها عن الدين الصحيح وضياع مصادره وتحريف رجال الدين وإمعان الناس في القياس والتخمين واتباع هوى النفوس ونزعات الشهوات. أصبحت هذه البلاد مسرحًا للجهل الفاضح والوثنية الوضيعة والقسوة الهمجية والجور الاجتماعي الذي ليس له مثيل في الأمم ولا نظير في التاريخ. (٢)
سابعًا: العرب: أما العرب فقد امتازوا بين أمم العالم وشعوبه في العصر الجاهلي بأخلاق ومواهب تفردوا بها أو فازوا فيها بالقِدْح المعلَّى، كالفصاحة، وقوة البيان، وحب الحرية والأنفة والفروسية والشجاعة والحماسة في سبيل العقيدة، والصراحة في القول، وجودة الحفظ، وقوة الذاكرة، وحب المساواة، وقوة الإرادة، والوفاء والأمانة. ولكن ابتلوا في العصر
стр. 50
الأخير -لبعد عهدهم من النبوة والأنبياء وانحصارهم في شبه جزيرتهم وشدة تمسكهم بدين الآباء وتقاليد أمتهم- بانحطاط ديني شديد ووثنية سخيفة قلما يوجد لها نظير في الأمم المعاصرة، وأدواء خلقية واجتماعية جعلت منهم أمة منحطة الأخلاق، فاسدة المجتمع متضعضعة الكيان حاوية لأسوأ خصائص الحياة الجاهلية وبعيدة عن محاسن الأديان.
كان الشرك هو دين العرب العام والعقيدة السائدة، كانوا يعتقدون في الله أنه إله أعظم خالق الأكوان ومدبر السماوات والأرض، بيده ملكوت كل شيء فلئن سئلوا: من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. ولكن ما كانت حوصلة فكرهم الجاهلي تسع توحيد الأنبياء في خلوصه وصفائه وسموه، وما كانت أذهانهم البعيدة العهد بالرسالة والنبوة والمفاهيم الدينية تسيغ أن دعاء أحد من البشر يتطرق إلى السموات العلى ويحظي عند الله بالقبول مباشرة بغير واسطة وشفاعة، قياسًا على هذا العالم القاصر وعاداته، وأوضاع الملوكية الفاسدة، ومجاري الأمور فيها، فبحثوا لهم عن وسطاء توسلوا بهم إلى الله وأشركوهم في الدعاء، وقاموا نحوهم ببعض العبادات ورسخت في أذهانهم فكرة الشفاعة حتى تحولت إلى عقيدة قدرة الشفعاء على النفع والضرر. ثم ترقوا في الشرك فاتخذوا من دون الله آلهة، واعتقدوا أن لهم مماثلة ومشاركة في تدبير الكون، وقدرة ذاتية على النفع والضرر والخير والشر والإعطاء والمنع، فإذا كانوا الأولون يعترفون لله بالألوهية والربوبية الكبرى، ويكتفون بالشفعاء والأولياء كان الآخرون يشركون آلهتهم مع الله ويعتقدون فيهم قدرة ذاتية على الخير والشر والنفع والضر والإيجاد والإفناء مع معنى غير واضح عن الله كإله أعظم ورب الأرباب. (١)
وانتشر في جزيرة العرب عبادة الأصنام بأبشع أشكالها، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل كان لكل بيت صنم خصوصي.
قال الكلبي: كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم
стр. 51
السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضًا. (١)
واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتًا، ومنهم من اتخذ صنمًا، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرًا أمام الحرم، وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب.
وكان في جوف الكعبة -البيت الذي بني لعبادة الله وحده- وفي فنائها ثلاث مائة وستون صنمًا، وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة، فعن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا، جمعنا حثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به (٢). وقال الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًا، وجعل ثلاث أثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه (٣).
وانتشرت اليهودية والنصرانية في بلاد العرب، ولم تستفد منها العرب كثيرًا من المعاني الدينية، وكانتا نسختين من اليهودية في الشام، والنصرانية في بلاد الروم والشام قد طرأ عليها من التحريف والزيغ والوهن ما شرحناه من قبل.
الأدواء الخلقية والاجتماعية عند العرب: أما من جهة الأخلاق، فكانت فيهم أدواء وأمراض متأصلة، وأسبابها فاشية، فكان شرب الخمر واسع الشيوع شديد الرسوخ فيهم تتحدث عن معاقرتها والاجتماع على شربها الشعراء، وشغلت جانبًا كبيرًا من شعرهم وتاريخهم وأدبهم، وكثرت أسمائها وصفاتها في لغتهم، وكثر فيها التدقيق والتفصيل كثرة تدعو إلى العجب (٤)، وكانت حوانيت الخمارين مفتوحة دائمًا، يرفرف عليها علم يسمى
стр. 52
غاية، وكان أهل الحجاز، العرب واليهود، يتعاطون الربا، وكان فاشيًا فيهم، وكانوا يجحفون فيه ويبلغون إلى حد الغلو والقسوة.
ولم يكن الزنى نادرًا وكان غير مستنكر استنكارًا شديدًا، فكان من العادات أن يتخذ الرجل خليلات ويتخذ النساء أخلاء بدون عقد، وكانوا قد يُكرهون بعض النساء على الزنى. عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي ﷺ قالت: النِّكَاحُ في الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَليَّتَهُ أَوِ ابْنتهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا، وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا أرسلي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ. وَيعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا، وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتبَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الذي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تبين حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً في نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ، وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى امْرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا. فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ عَلَيْهَا ليالي بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا تَقُولُ لَهُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الذي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ. تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ. وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَةَ ثُمَّ أَلْحْقُوا وَلَدَهَا بالذي يَرَوْنَ فَالْتَاطَ بِهِ، وَدُعِيَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الجْاهِلِيَّةِ كُلَّهُ، إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ. (١)
المرأة في المجتمع الجاهلي: وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن وحيف، وتؤكل حقوقها وتُبْتز أموالها وتُحرم إرثها وتعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجًا ترضاه، وتورث كما يورث المتاع أو الدابة. وقال السُدّي: إن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه فإذا مات وترك امرأته فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه فهو أحق
стр. 53
بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو يُنكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها، وكانت المرأة في الجاهلية يطفف معها الكيل، فيتمتع الرجل بحقوقه ولا تتمتع هي بحقوقها، يؤخذ مما تؤتي من مهر وتمسك ضرارًا للاعتداء، وتلاقي من بعلها نشوزًا أو إعراضًا وتترك في بعض الأحيان كالمعلقة، ومن المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرم على الإناث، وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء من غير تحديد.
وكانوا يقتلون البنات ويئدونهن بقسوة نادرة في بعض الأحيان، فقد يتأخر وأد الموءودة لسفر الوالد وشغله فلا يئدها إلا وقد كبرت وصارت تعقل، وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات، وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق.
العصبية القبلية الدموية في العرب: كانت العصبية القبلية والدموية شديدة جامحة. وكانت في المجتمع العربي طبقات وبيوت ترى لنفسها فضلًا على غيرها، وامتيازًا، فتترفع على الناس ولا تشاركهم في عادات كثيرة حتى في بعض مناسك الحج، فلا تقف بعرفات وتتقدم على الناس في الإفاضة والإجازة، وتنسأ الأشهر الحرم، وكان النفوذ والمناصب العليا والنسيء متوارثًا، يتوارثه الأبناء عن الآباء، وكانت طبقات مسخرة وطبقات سُوقة وعوام، فكان التفاوت الطبقي من مسلمات المجتمع العربي.
وبالجملة لم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج، ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة، ولا حكومةٌ مؤسسة على أساس العدل والرحمة، ولا قيادة مبنية على العلم والحكمة، ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء، وكان النور الضعيف الذي يتراءى في هذا الظلام المطبق من بعض الأديرة والكنائس أشبه بالحباحب الذي يضيء في ليلة شديدة الظلام فلا يخترق الظلام، ولا ينير السبيل، وكان الذي يخرج في ارتياد العلم الصحيح، وانتجاع الدين الحق يهيم على وجهه في البلاد، ترفعه أرض وتخفضه أخرى، حتى يأوي إلى رجال شواذ في الأمم والبلاد، فيلجأ إليهم كما يلجأ الغريق إلى ألواح سفينة مكسرة، هشمها الطوفان، يدل على ندرتهم خبر سلمان الفارسي أكبر الرواد الدينيين في
стр. 54
القرن السادس الذي شرق وغرب في الفحص عنهم، ولم يزل يتنقل من الشام إلى الموصل، ومن الموصل إلى نُصيبين، ومن نصيبين إلى عمورية، ويوصي به بعضهم إلى بعض، حتى أتى على آخرهم فلم يجد لهم خامسًا، وأدركه الإسلام في هذا الظلام.
قال سلمان ﵁: قدمت الشام، فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة، قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، قال: وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئًا، قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقًا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا فصلبوه، ثم رجموه بالحجارة.
ثم جاءوا برجل آخر، فجعلوه بمكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلي الخمس، أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا منه، قال: فأحببته حبًّا لم أحبه من قبله، فأقمت معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إني كنت معك وأحببتك حبًا لم أحبه من قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ ، قال: أي بني والله ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلًا بالموصل، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به.
قال: فلما مات وغيب، لحقت بصاحب الموصل فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني عند موته أن الحق بك، وأخبرني أنك على أمره، قال: فقال لي: أقم عندي فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا
стр. 55
فلان، إن فلانًا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله ما ترى، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به، قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فجئته فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحبي، قال: فأقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر، قلت له: يا فلان، إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما نعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، قال: فإنه على أمرنا.
قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجرا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل ....... ". (١)
стр. 56
المبحث الثاني: الإسلام وبيان معناه .
ويشتمل على المطالب الآتية:
المطلب الأول: معنى الإسلام .
لقد عُرف الإسلام بتعريفات عديدة ووصف بأوصاف كثيرة.
فمن مُعرِّف ببيان أركانه وذكر ما يحتويه. ومن معرف للإسلام بذكر صفة المسلم الذي ينطبق عليه صفات الإسلام، وغير ذلك من التعريفات.
ومن أشهرها تعريف النبي ﷺ لما سأله جبريل ﵇ ما الإسلام قال ﷺ : "الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتحجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (١). وعرف أيضًا الإسلام بأنه هو: الإيمان والطاعة (٢).
وقيل: الإسلام: هو الاستسلام لله وحده وهو أصل عبادته وحده وذلك يجمع معرفته ومحبته والخضوع له.
وهذا المعنى الذي خلق الله له الخلق هو أمر وجودي من باب المأمور به (٣).
فالإسلام: هو استسلام وطاعة؛ استسلام لله وللمنهج الذي وصفه وارتضاه للناس كافة، وطاعة لله ولرسوله؛ طاعة لله بالاستسلام لأوامر، وطاعة لرسوله باتباعه وعدم مخالفته.
والإسلام: مصدر أسلم وهو يأتي بمعنى خضع واستسلم، وبمعنى أدى؛ يقال أسلمت الشيء إلى فلان إذ أديته إليه، وبمعنى دخل في السلم وهو بالفتح والكسر بمعنى الصلح والسلامة وبالتحريك الخالص من الشيء.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩). فهو دين الحق.
فالمسلم الحقيقي ما كان خالصًا من شوائب الشرك بالرحمن، مخلصًا في أعماله مع الإيمان.
ذلك لأن الله شرع الدين لأمرين أصليين:
стр. 57
أحدهما: تصفية الأرواح، وتخليص العقول من شوائب الاعتقاد بالسلطة الغيبية للمخلوقات وقدرتها على التصرف في الكائنات لتسلم من الخضوع والعبودية لمن هم من أمثالها أو لما هو دونها في استعدادها وكمالها.
وثانيهما: إصلاح القلوب بحسن القصد في جميع الأعمال، وإخلاص النية لله وللناس. فمتى حصل الأمران انطلقت الفطرة من قيودها العائقة لها عن بلوغ كمالها في أفرادها وجمعياتها.
وهذان الأمران هما روح المراد من كلمة الإسلام. أما أعمال العبادات:
فإنما شرعت لتربية هذا الروح الأمري في الروح الخلقي، ولذلك شرط فيها النية والإخلاص، ومتى تربى سهل على صاحبه القيام بسائر التكاليف الأدبية والمدنية التي يصل بها إلى المدينة الفاضلة وتحقيق أمنية الحكماء (١).
وقيل الإسلام: هو علم بالغلبة على مجموع الذي جاء به محمد ﷺ كما أطلق على ذلك الإيمان أيضًا (٢).
فمضمون الإسلام هو توحيد الله والإخلاص له والإيمان برسوله محمد ﷺ والإيمان بجميع المرسلين مع الإيمان بوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج والإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله.
المطلب الثاني: الإسلام هو دين الفطرة .
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
أي: إذا تبين لك أحوال المعرضين عن دلائل الحق فأقم وجهك للدين. وإقامة الوجه تقويمه وتعديك باتجاهه قبالة نظره غير ملتفت يمينًا ولا شمالًا. فأقم وجهك لدين الإسلام حنيفًا وهو الميل عن الباطل أي العدول عنه بالتوجه إلى الحق فطرة الله، والفطرة
стр. 58
أصلها اسم هيئة وهو الخَلْق مثل الخلقة كما بينه قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: من الآية ٣٠). والمعنى: فطر الناس على الدين الحنيف أن الله خلق الناس قابلين لأحكام هذا الدين، وجعل تعاليمه مناسبة لخلقتهم، غير مجافية لها غير نائين عنه، ولا منكرين له، مثل إثبات الوحدانية لله لأن التوحيد هو الذي يسوق العقل والنظر الصحيح، حتى لو ترك الإنسان تفكيره ولم يلقن اعتقادًا ضالًا؛ لاهتدى إلى التوحيد بفطرته. فالفطرة هي الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان التي هي معدّة ومهيَّئة لأن يميز بها مصنوعات الله ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه.
فالله خلق الناس سالمة عقولهم مما ينافي الفطرة من الأديان الباطلة والعادات الذميمة، وأن ما يدخل عليهم من الضلالات ما هو إلا من جراء التلقي والتعود وقد قال النبي ﷺ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ" (١).
قال النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه: "وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِلْ بِهِ سُلْطَانًا ... (٢).
فوصف الإسلام بأنه فطرة الله معناه أن أصل الاعتقاد فيه جاء على مقتضى الفطرة العقلية.
وأما تشريعاته وتفاريعه فهي إما أمور فطرية أيضًا أي: جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به، وإما أن تكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته، وقوانين المعاملات هي راجعة إلى ما تشهد به الفطرة لأن طلب المصالح من الفطرة.
واعلم أن شواهد الفطرة قد تكون واضحة بينة وقد تكون خفية، فالفطرة وهي الإسلام تسمى أيضًا بالضرورات العقلية وهي التي لا يستغني عنها أحد ولا يحاول في
стр. 59
التصديق بها والتحاكم إليها إلا من فقد عقله، وطمست بصيرته، ومسخت فطرته، وارتضى لنفسه طريق العناد والاستكبار (١).
لذا فإن الإسلام دين كل الأنبياء؛ فالإسلام ليس اسمًا لدين خاص؛ وإنما هو اسم للدين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
فدين الله الذي بعث به أنبياءه من أولهم إلى آخرهم دين واحد هو دين الإسلام.
فلا يجوز التفريق بين رسل الله قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢] فهذا نوح ﵇ يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]. وهذا إبراهيم: ﴿إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. وهذا يعقوب يوصي بنيه فيقول: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢، ١٣٣]. ويوسف ﵇ يقول: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وعن الحواريين أصحاب عيسى ﵇ قالوا: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١].
وقال محمد ﷺ : ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] (الزمر: ١٢). فالإسلام هو ما بعث الله به جميع الأنبياء والمرسلين من لدن نوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (٢).
стр. 60
وقد خص الله تعالى محمدًا ﷺ بخصائص ميزه الله بها على جميع الأنبياء والمرسلين وجعل له شِرْعةً ومنهاجًا أفضل شرعة وأكمل منهاج مبين (١).
المطلب الثالث: التوحيد وأقسامه .
التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٥٩). وقال هود ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٦٥). وقال صالح ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٧٣). وقال شعيب ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٨٥). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ الله" (٢). ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله (٣).
فالتوحيد أول ما يدخل في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي ﷺ : "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله دَخَلَ الجنّةَ (٤). فالتوحيد أول الأمر وآخره.
والتوحيد لا يخرج عن أقسام ثلاثة هي محصل ما ورد في الكتاب والسنة.
أحدها: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.
والثاني: توحيد الإلهية، وهو استحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له.
стр. 61
والثالث: الكلام في الصفات. (١)
ولنشرع الآن في بيان أنواع التوحيد وهذا التقسيم مستفاد من نصوص الوجهين وفصله العلماء بهذا التفصيل تيسيرا على المسلمين لدراسة عقيدتهم.
أولًا: توحيد الربوبية .
وهو الإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية. وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (إبراهيم: ١٠) (٢). ولا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فكل ما سواه إذا قدر سببًا فلا بد له من شريك معاون وضد معوق، فإذا طلب مما سواه إحداث أمر من الأمور طلب منه ما لا يستقل به ولا يقدر وحده عليه، حتى ما يطلب من العبد من الأفعال الاختيارية لا يفعلها إلا بإعانة الله له (٣).
ومن خصائص الربوبية أنه مالك خلقه، وأنشأهم لا عن حاجة إلى ما خلق ولا معنىً دعاه إلى أن خلقهم، لكنه فعال لما يشاء ويحكم كما يريد، لا يسأل عما يفعل، والخلق مسؤلون عما يفعلون (٤).
فمشيئة الله وحده مستلزمة لكل ما يريده، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وما سواه لا تستلزم إرادته شيئًا؛ بل ما أراده لا يكون إلا بأمور خارجة عن مقدوره إن لم يعنه الرب بها لم يحصل مراده، ونفس إرادته لا تحصل إلا بمشيئة الله تعالى. كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ
стр. 62
يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]. ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١] (١).
وبالجملة يمكن تلخيص معنى هذا التوحيد بأنه الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر (٢). وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام بل لابد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الأُلوهية، لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله تعالى وحده.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢].
فهم كانوا يعلمون أن جميع ذلك لله وحده ولم يكونوا بذلك مسلمين، بل قال تعالى:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ (يوسف: ١٠٦). قال مجاهد في الآية: إيمانهم بالله قولهم: إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره ...
فتبين أن الكفار يعرفون الله ويعرفون ربوبيته، وملكه وقهره وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون له أنواعًا من العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الاضطرار ونحو ذلك (٣).
стр. 63
ثانيًا: توحيد الألوهية (توحيد العبادة) .
هو عبادة الله وحده لا شريك له. وأن لا نعبده إلا بما أحبه وما رضيه. وهو ما أمر به وشرعه على السن رسله - صلوات الله عليهم - فهو متضمن لطاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وأن يكون الله ورسوله أحبَّ إلى العبد مما سواهما، فهذا التوحيد - توحيد الألوهية - يتضمن فعل المأمور وترك المحظور. ومن ذلك: الصبر على المقدور، وهذا التوحيد: هو الفارق بين الموحدين والمشركين، وعليه يقع الجزاء والثواب في الأولى والآخرة. فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين في النار. فإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (١). ومن معانيه أيضًا تجرِيد محبته والإخلاصِ له، وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضى به ربًا وإلهًا ووليًا، وأن لا يجعل له عِدلًا في شيء من الأشياء. وسورة (الكافرون) فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كل ما سواه (٢).
وهذا التوحيد هو الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥]. وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ (هود: ٨٨)، وقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (الحجر: ٩٩) (٣). وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة، والخشية والإجلال والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خُلِقتْ الخليقة، وأُرسلت الرسل وأُنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجَنَّة، وأشقياء أهل النار، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]. فهذا أول أمر في القرآن، وقال تعالى:
стр. 64
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣]. فهذه دعوة أول رسول بعد حدوث الشرك، وقال كل من هود وصالح، وشعيب لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وهكذا جميع الأنبياء، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (الذاريات: ٥٦). وقال هرقل لأبي سفيان لما سأله عن النبي ﷺ ما يقول لكم؟ قال: يقول: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم (١). وقال النبي ﷺ لمعاذ: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمِ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ الله. وفي رواية: "أَنْ يُوَحِّدُوا الله". (٢). (٣) واعلم أن توحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾ (الروم: ٣٠ - ٣٦)، وقال ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ". (٤)
ولم يقل: ويسلمانه، وفي رواية: "يولد على الملة" (٥) وفي أخرى: "على هذه الملة" (٦).
وهذا الذي أخبر به ﷺ هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه، فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية، وهو مع ذلك لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه - كان مشركًا من جنس أمثاله من المشركين، والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له، ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية، ويبين أنه لا خالق إلا الله، وأن ذلك مستلزم أن لا يعبد إلا الله، فيجعل الأول دليلًا على الثاني. (٧)
стр. 65
وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحدٍ سواه، كما قال النبي: "بُنيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَاِيتَاءِ الزَّكَاة، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" (١)، فأخبر أن دين الإسلام مبني على هذه الأركان الخمسة وهي الأعمال، فدل على أن الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له، بفعل المأمور، وترك المحظور، والإخلاص في ذلك لله.
وقد تضمن جميع أنواع العبادة، فيجب إخلاصها لله تعالى (٢)؛ فهو الذي يستحق أن يستعان به ويتوكل عليه ويستعاذ به ويلتجئ العباد إليه؛ فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد، كما قال تعالى في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (هود: ١٢٣). وقال: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾ (الرعد: ٣٠) (٣).
فلا يتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والتوكل على غير الله فيما يقدر عليه شرك أصغر (٤).
فهذه المعاني كلها صحيحة وهي من صريح التوحيد وجها جاء القرآن، فالعباد لا ينبغي لهم أن يخافوا إلا الله كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ إلى قوله: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ (آل عمران: ١٧٣: ١٧٥) (٥).
стр. 66
ولا يخاف خوف السر إلا من الله، ومعنى خوف السر، هو أن يخاف العبد من غير الله تعالى أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقاد للنفع والضر في غير الله والله تعالى يقول: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (النحل: ٥١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ (يونس: ١٠٧).
وكذلك لا ينبغي أن يرجى إلا الله، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ (فاطر: ٢)، فلا يدعى الأموات أو غيرهم رجاء حصول مطلوب من جهتهم فهذا شرك أكبر، قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (فاطر: ١٤) ولا يدعو إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ (الجن: ١٨)، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ " (الشعراء: ٢١٣)، سواء أكان دعاء عبادة أو دعاء مسألة (١)، كذلك المحبة فمن أشرك بين الله تعالى وبين غيره في المحبة التي لا تصلح إلا لله فهو مشرك، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة: ١٦٥: ١٦٧).
وكذلك الصلاة والركوع والسجود، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ (الكوثر: ٢).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ (الحج: ٧٧).
وكذلك الذبح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ (الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣)، وكذلك الطواف، فلا يطاف إلا ببيت الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: ٢٩)، وكذلك التوبة، فلا يتاب إلا إلى
стр. 67
الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ١٣٥)، وكذلك الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ﴾ (الأنفال: ٩)، فمن أشرك بين الله تعالى وبين مخلوق فيما يختص بالخالق تعالى من هذه العبادات أو غيرها فهو مشرك، وكل نوع من أنواع العبادة، من صرفه لغير الله، أو شرك بين الله تعالى وبين غيره فيه فهو مشرك، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النساء: ٣٦). وهذا الشرك في العبادة هو الذي كَفَّرَ الله به المشركين وأباح به دماءهم وأموالهم ونساءهم، وإلا فهم يعلمون أن الله هو الخالق الرازق المدبر ليس له شريك في ملكه، وإنما كانوا يشركون به في هذه العبادات ونحوها (١).
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات .
أهمية العلم بأسماء الله وصفاته: العلم بأسماء الله وصفاته منزلته في الدين عالية وأهميته عظيمة ولا يمكن لأحد أن يعبد الله على الوجه الأكمل حتى يكون على علمٍ بأسماء الله وصفاته ليعبده على بصيرة.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٨٠).
ونشرع الآن في بيان الثمرات والمنافع التي تعود على العباد من وراء علمهم بأسماء الله وصفاته.
أولًا: العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله: فإذا شاء العبدُ أن يعرف ربه ويزداد به علمًا؛ فليس أمامه طريق إلا النصوص الواصفة له والمصرحة بأفعاله وأسمائه، لأن الله غيبٌ لا يرى في الحياة الدنيا.
ثانيًا: تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد .
ثالثًا: العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم: فشرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم. (٢)
стр. 68
رابعًا: العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه: فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقًا له أو أمرًا، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه، فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة بهم، والإحسان إليهم، فأمره كله مصلحة وحكمة ورحمة وإحسان، إذ مصدره أسماؤه الحسنى وفعله كله لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة، إذ مصدره أسماؤه الحسنى فلا تفاوت في خلقه ولا عبث ولم يخلق خلقه سدى ولا عبثًا، وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده، فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المخلوق لخالقه، فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه أصل لسائر العلوم، فمن أحصاها كما ينبغي أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم (١).
خامسًا: العلم بها سبب زيادة الإيمان: العلم بأسماء الله وصفاته والفقه لمعناها والعمل بمقتضاها وسؤال الله بها؛ يُوجِد في قلوب العابدين تعظيم الباري، وتقديسه ومحبته، ورجاءه وخوفه، والتوكل عليه، والإنابة إليه بحيث يصبح الباري في قلوبهم المثل الأعلى الذي لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته (٢).
سادسًا: عظم ثواب من أحصى أسماء الله: حيث ينال الحافظ لأسماء الله ﵎ العارف بمعناها العمل بمقتضاها من الأجر ما لا يعلمه إلا الله؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "إِنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجنّةَ". (٣)
وإحصاء الأسماء على ثلاث مراتب وهذا هو قطب السعادة ومدار النجاة والفلاح:
المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها.
стр. 69
المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] (١).
سابعًا: تعظيم الله وتمجيده ودعاؤه بأسمائه وصفاته ؛ فأسماء الله وصفاته تدل على عظمته ﵎، ومن هنا كثرت أسماؤه وصفاته، كما قيل: العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال (٢).
وقد أمرنا الحق بدعائه بأسمائه الحسنى فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٨٠). وهذا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.
فدعاء المسألة: أن تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسبًا مثل أن تقول: يا غفور اغفر لي، ويا رحيم ارحمني، ويا حفيظ احفظني ونحو ذلك.
ودعاء العبادة: أنَّ تتعبد الله تعالى بمقتضى هذه الأسماء فتقوم بالتوبة إليه لأنه التواب، وتذكره بلسانك لأنه السميع، وتتعبد له بجوارحك لأنه البصير، وتخشاه في السر لأنه اللطيف الخبير وهكذا. (٣)
ثامنًا: العلم بالله وفق المنهج القرآني النبوي سبب للتمكين في الأرض والضلال عنه سبب للهزيمة والخذلان.
عقيدة أهل الحق في أسماء الله وصفاته: تقوم عقيدة سلفنا الصالح على عدة أسس وأصول كلها دلَّ عليها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وهي:
الأساس الأول: إثبات ما أثبته الله ورسوله ﷺ -: فمذهب السلف ﵏ الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله أو على لسان رسوله ﷺ من غير زيادة عليها ولا نقص منها، ولا تجاوز لها ولا تفسير ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين ولا سمات المحدثين، بل أمرُّوها كما جاءت وردوا
стр. 70
علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم به (١).
الأساس الثاني: أنَّ أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها كاملة عليا: فأهل السنة والجماعة الذين ساروا على منهج الصحابة والتابعين يعتقدون جازمين بأن الصفات التي وصف الله بها نفسه، والأسماء التي سمى بها نفسه لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وهي أحسن الأسماء وأكمل الصفات. قال الله ﵎ مقررًا هذه الحقيقة: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٨٠). فهو موصوف من الصفات بأكملها وله من الكمال أكمله، وهكذا أسماؤه الدالة على صفاته هي أحسن الأسماء وأكملها فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها ولا يؤدي معناها (٢)، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ولا يوصف بما فيه نقص أو عيب فإنه تعالى عن ذلك (٣).
الأساس الثالث: تنزيه الباري ﵎ عن التشييه والتمثيل وكل صفات النقص:
وهذا الأمر قد نصت عليه نصوص كثيرة من كتاب الله تعالى كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١). وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (الإخلاص: ٤).
وقد قرر أهل السنة والجماعة بناء على ما فقهوه من بيان الله تعالى أن الله لا يشبه شيئًا من خلقه، لا في ذاته ولا في صفاته، فنؤمن بما وصف الله به نفسه من غير تحريف في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فلا ينفون
стр. 71
عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه (١).
تنبيه: لا يكفي في التنزيه مجرد نفي التشبيه. فهناك أصلان متلازمان:
الأول: وصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ . الثاني: نفي مشابهة صفات الله لصفات خلقه، ولا يكفي المثبتين مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى في إثباته مجرد النفي - أي نفي التشبيه - لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال، بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه .... (٢).
الأساس الرابع: الإجمال في النفي والتفصيل في الاثبات: فإن الرسل صلوات الله عليهم جاءوا بنفي مجمل وإثبات مفصل؛ ولهذا قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٢)﴾ (الصافات: ١٨٢ - ١٨٠). فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وطريقة الرسل هي ما جاء بها القرآن، والله تعالى في القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفي عنه - على طريق الإجمال - التشبيه والتمثيل. فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه عزيز حكيم، غفور رحيم، وأنه سميع بصير، وأنه غفور ودود، وأنه تعالى - على عظم ذاته - يحب المؤمنين ويرضى عنهم، ويغضب على الكفار ويسخط عليهم، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وأنه تجلى للجبل فجعله دكا، وأمثال ذلك. ويقول في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١). ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (مريم: ٦٥). ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ (النحل: ٧٤). فيثبت الصفات
стр. 72
وينفي مماثلة المخلوقات (١).
الأساس الخامس: إجراء الصفات على ظاهرها: فالواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف؛ لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها:
ودليل ذلك السمع والعقل: أما السمع: فقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٠) وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ (يوسف: ٢). وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف: ٣].
وهذا يدلُّ على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليلٌ شرعي.
وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره وقد خاطبنا باللسان العربي فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة (٢).
تنبيه: ليس معنى إجراء النصوص على ظاهرها أنَّها غير مفهومة المعنى، بل هي معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر.
فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة. وقد دلَّ على ذلك السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٢٩)، والتدبرُ لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
وكون القرآن عربيًا ليعقله من يفهم العربية، يدلُّ على أن معناه معلوم وإلا لما كان فرقٌ بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها، وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه.
وأما العقل: فلأن من المحال أن يُنزِّلَ الله تعالى كتابًا، أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام، يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق؛ ويبقى في أعظم الأمور وأشدها
стр. 73
ضرورة مجهول المعنى. لأن ذلك تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال تعالى عن كتابه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ (هود: ١).
هذه دلالة السمع والعقل عن علمنا بمعاني نصوص الصفات (١)، وما أحسن كلمة الإمام مالك لما سئل عن كيفية الاستواء فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
الأساس السادس: ترك البحث في حقيقة الذات الإلهية والصفات التي تستحقها .
إنَّ ذات الله ﵎ ليس كمثلها شيء، وكذلك صفاته ﵎، فالكلامُ في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإذا كانت الذات لا يعلم كنهها وحقيقتها، فكذلك الصفات لا يعلم كنهها وحقيقتها، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١).
ومن هنا منع الذين فقهوا المنهج القرآني السؤال عن الله وصفاته بكيف، لأن حقيقة الذات والصفات لا يمكن أن تعلم، فلا يقال كيف الله؟ ولا كيف استوى؟ ولا كيف علمه وسمعه وبصره؟ وهذا لا يعني نفي الصفة وقد أشار الحق إلى هذه الحقيقة بقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه: ١١٠)، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥). فرؤية الله في الآخرة ممكنة، ولكن الإحاطة بالله منفية، وإدراك معنى العلم ممكن، ولكن الإحاطة بعلم الله غير ممكنة.
وقد نهى الرسول ﷺ عن التفكر في ذات الله، وأمر بالتفكر في خلق الله، ففي الحديث: "لا تفكروا في الله وتفكروا في خلق الله" (٢).
وفي الحديث الآخر: "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله" (٣).
стр. 74
وقال الإمام الطحاوي: لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام (١). (٢).
الأساس السابع: عدم الإلحاد في أسماء الله وصفاته: الابتعاد عن الإلحاد في أسماء الله وصفاته معلم بارز من معالم أهل السنة والجماعة في هذا الباب، واتباع هذا السبيل هو تحقيق لما حذر الله منه في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ (فصلت: ٤٠)، والإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها وهو أنواع. (٣): الأول: أنْ ينكر شيئًا منها أو مما دلت عليه الصفات والأحكام (٤).
وذلك كتكذيب المشركين باسم الرحمن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ (الفرقان: ٦٠)، وأيضًا إلحاد الجهمية والمعطلة الذين نفوا عن الله أسمائه وصفاته أو عطلوها عن معانيها (٥)، وإنما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها، وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميلٌ بها عما يجب فيها (٦).
الثاني: أنَّ يجعلها دالَّةً على صفاتٍ تشبه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدلَّ عليه النصوص، بل هي دالةٌ على بطلانه فجعْلها
стр. 75
دالة عليه ميلٌ بها عما يجب فيها.
الثالث: أنَّ يسمِّي الله تعالى بما لم يسم به نفسه كتسمية النصارى له: الأب، وتسمية الفلاسفة إياه العلة الفاعلة، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سموه بها نفسها باطلة يُنَزَّهُ الله تعالى عنها.
الرابع: أنَّ يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كما فعل المشركون في اشتقاق العُزَّى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله على أحد القولين فسَمُّوا بها أصنامهم (١)، ومن ذلك أيضًا دعوى الألوهية والربوبية، كقول فرعون طاغية مصر لقومه: (﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨)، ودعواه بأنه ربهم الأعلى في قوله: ﴿فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ (النازعات: ٢٤).
الأساس الثامن: الوقف في أسماء الله وصفاته .
قال الإمام أحمد: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه؛ أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث.
وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على النص لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (الأعراف: ٣٣).
لأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه أوإنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص (٢).