عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه (١).
تنبيه: لا يكفي في التنزيه مجرد نفي التشبيه. فهناك أصلان متلازمان:
الأول: وصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ . الثاني: نفي مشابهة صفات الله لصفات خلقه، ولا يكفي المثبتين مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى في إثباته مجرد النفي - أي نفي التشبيه - لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال، بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه .... (٢).
الأساس الرابع: الإجمال في النفي والتفصيل في الاثبات: فإن الرسل صلوات الله عليهم جاءوا بنفي مجمل وإثبات مفصل؛ ولهذا قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٢)﴾ (الصافات: ١٨٢ - ١٨٠). فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وطريقة الرسل هي ما جاء بها القرآن، والله تعالى في القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفي عنه - على طريق الإجمال - التشبيه والتمثيل. فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه عزيز حكيم، غفور رحيم، وأنه سميع بصير، وأنه غفور ودود، وأنه تعالى - على عظم ذاته - يحب المؤمنين ويرضى عنهم، ويغضب على الكفار ويسخط عليهم، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وأنه تجلى للجبل فجعله دكا، وأمثال ذلك. ويقول في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١). ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (مريم: ٦٥). ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ (النحل: ٧٤). فيثبت الصفات
стр. 72
وينفي مماثلة المخلوقات (١).
الأساس الخامس: إجراء الصفات على ظاهرها: فالواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف؛ لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها:
ودليل ذلك السمع والعقل: أما السمع: فقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٠) وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ (يوسف: ٢). وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف: ٣].
وهذا يدلُّ على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليلٌ شرعي.
وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره وقد خاطبنا باللسان العربي فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة (٢).
تنبيه: ليس معنى إجراء النصوص على ظاهرها أنَّها غير مفهومة المعنى، بل هي معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر.
فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة. وقد دلَّ على ذلك السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٢٩)، والتدبرُ لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
وكون القرآن عربيًا ليعقله من يفهم العربية، يدلُّ على أن معناه معلوم وإلا لما كان فرقٌ بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها، وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه.
وأما العقل: فلأن من المحال أن يُنزِّلَ الله تعالى كتابًا، أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام، يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق؛ ويبقى في أعظم الأمور وأشدها
стр. 73
ضرورة مجهول المعنى. لأن ذلك تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال تعالى عن كتابه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ (هود: ١).
هذه دلالة السمع والعقل عن علمنا بمعاني نصوص الصفات (١)، وما أحسن كلمة الإمام مالك لما سئل عن كيفية الاستواء فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
الأساس السادس: ترك البحث في حقيقة الذات الإلهية والصفات التي تستحقها .
إنَّ ذات الله ﵎ ليس كمثلها شيء، وكذلك صفاته ﵎، فالكلامُ في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإذا كانت الذات لا يعلم كنهها وحقيقتها، فكذلك الصفات لا يعلم كنهها وحقيقتها، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١).
ومن هنا منع الذين فقهوا المنهج القرآني السؤال عن الله وصفاته بكيف، لأن حقيقة الذات والصفات لا يمكن أن تعلم، فلا يقال كيف الله؟ ولا كيف استوى؟ ولا كيف علمه وسمعه وبصره؟ وهذا لا يعني نفي الصفة وقد أشار الحق إلى هذه الحقيقة بقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه: ١١٠)، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥). فرؤية الله في الآخرة ممكنة، ولكن الإحاطة بالله منفية، وإدراك معنى العلم ممكن، ولكن الإحاطة بعلم الله غير ممكنة.
وقد نهى الرسول ﷺ عن التفكر في ذات الله، وأمر بالتفكر في خلق الله، ففي الحديث: "لا تفكروا في الله وتفكروا في خلق الله" (٢).
وفي الحديث الآخر: "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله" (٣).
стр. 74
وقال الإمام الطحاوي: لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام (١). (٢).
الأساس السابع: عدم الإلحاد في أسماء الله وصفاته: الابتعاد عن الإلحاد في أسماء الله وصفاته معلم بارز من معالم أهل السنة والجماعة في هذا الباب، واتباع هذا السبيل هو تحقيق لما حذر الله منه في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ (فصلت: ٤٠)، والإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها وهو أنواع. (٣): الأول: أنْ ينكر شيئًا منها أو مما دلت عليه الصفات والأحكام (٤).
وذلك كتكذيب المشركين باسم الرحمن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ (الفرقان: ٦٠)، وأيضًا إلحاد الجهمية والمعطلة الذين نفوا عن الله أسمائه وصفاته أو عطلوها عن معانيها (٥)، وإنما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها، وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميلٌ بها عما يجب فيها (٦).
الثاني: أنَّ يجعلها دالَّةً على صفاتٍ تشبه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدلَّ عليه النصوص، بل هي دالةٌ على بطلانه فجعْلها
стр. 75
دالة عليه ميلٌ بها عما يجب فيها.
الثالث: أنَّ يسمِّي الله تعالى بما لم يسم به نفسه كتسمية النصارى له: الأب، وتسمية الفلاسفة إياه العلة الفاعلة، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سموه بها نفسها باطلة يُنَزَّهُ الله تعالى عنها.
الرابع: أنَّ يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كما فعل المشركون في اشتقاق العُزَّى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله على أحد القولين فسَمُّوا بها أصنامهم (١)، ومن ذلك أيضًا دعوى الألوهية والربوبية، كقول فرعون طاغية مصر لقومه: (﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨)، ودعواه بأنه ربهم الأعلى في قوله: ﴿فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ (النازعات: ٢٤).
الأساس الثامن: الوقف في أسماء الله وصفاته .
قال الإمام أحمد: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه؛ أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث.
وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على النص لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (الأعراف: ٣٣).
لأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه أوإنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص (٢).
стр. 76
وكل ما ذكرته هنا من أنه يجب أن يتوقف في أسماء الله وصفاته عائدٌ لأمور:
الأول: أنَّ مخالفة هذا المنهج قولٌ على الله بغير علم، ورجم بالغيب، وقد حَرَّم الله هذا، وعده من الجرائم العظام، وإذا كان البشر لا يرضون أن يسموا بغير أسمائهم، فكيف يجوز هذا في حق خالق البشر.
الثاني: أنَّ مخالفة هذا النهج تقديم بين يدي الله ورسوله ﷺ ، وقد نهينا عن التقديم بين يدي الله ورسوله، وكيف يجيب العبد إذا حاسبه ربه يوم القيامة عن وصفه ﵎ بما لم يصف به نفسه.
الثالث: أنَّ أسماء الله ﵎ حسنى، ومهما اجتهد العبد فإنه قد لا يوفَّق للتعرف على الاسم الأحسن الذي يستحقه الرب ﵎ (١).
وهذا الأساس أعنى الوقف في أسماء الله وصفاته، وأنه لا يجوز لأحد أن يشتق من الأفعال الثابتة لله أسماء، إلا إذا ورد نص إما الكتاب أو السنة قد اتفق عليه العلماء المحققون.
فقال الفخر: المشهور عن أصحابنا أنَّها توقيفية.
وقال أبو القاسم القشيري: الأسماء تؤخذ توقيفًا من الكتاب والسنة والإجماع، فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه في وصفه، وما لم يرد لا يجوز ولو صح معناه.
وقال أبو إسحاق الزجاج: لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف به نفسه (٢).
стр. 77
المبحث الثالث: مراتب الدين .
ويشتمل هذا المبحث على المطالب الآتية:
المطلب الأول: أركان الإسلام . (١)
الركن الأول: الشهادتان .
ومعنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله وحده، فهو الإله الحق، وكل إله غيره باطل، وتقتضي إخلاص العبادة لله وحده، ونفيها عما سواه.
ولا تنفع قائلها حتى يتحقق فيه أمران:
الأول: قول لا إله إلا الله عن اعتقاد وعلم ويقين وتصديق ومحبة.
الثاني: الكفر بما يعبد في دون الله.
فمن قال هذه الشهادة ولم يكفر بما يعبد من دون الله لم ينفعه هذا القول.
شروط لا إله إلا الله
أحدها: العلم المنافي للجهل.
الثاني: اليقين المنافي للشك.
الثالث: القبول المنافي للرد.
الرابع: الانقياد المنافي للترك.
الخامس: الإخلاص المنافي للشرك.
السادس: الصدق المنافي للنفاق.
السابع: المحبة المنافية لضدها.
وقد قال حافظ حكمي:
وبشروط سبعة قد قيدت وفي نصوص الوحي حقًّا وردت
فإنه لم ينتفع قائلها بالنطق إلا حيث يستكملها.
стр. 78
العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبه
ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، والا يعبد الله إلا بما شرع، وأن تعلم وتعتقد بأن محمدًا رسول الله إلى الناس جميعا، وأنه عبد لا يُعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، من أطاعه دخل الجَنَّة، ومن عصاه دخل النار، وأن تعلم وتعتقد بأن تلقي التشريع سواء في العقيدة، أم في شعائر العبادات التي أمر الله بها، أم في نظام الحكم والتشريع، أم في مجال الأخلاق، أو في مجال بناء الأسرة، أو في مجال التحليل والتحريم. لا يكون إلا عن طريق هذا الرسول الكريم محمد ﷺ لأنه رسول الله البلغ عنه شريعته.
وقد سبق التفصيل في ذلك عند الحديث عن التوحيد وأقسامه.
الركن الثاني: الصلاة .
الصلاة لغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: ١٠٣). أي ادع لهم.
وقال: ﷺ : "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ". (١)
والصلاة عند أهل الاصطلاح: عبارة عن التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير محتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة.
وقد ثبت فرضية الصلاة بالقرآن والسنة والإجماع، قال سبحانه ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
وقال ﷺ : "بُني الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" (٢).
وهي خمس صلوات كما جاء في حديث الأعرابي: أخبرني ما فرض الله علي من الصلوات؟ فقال: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. فَقَال: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَال: لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ". (٣)
стр. 79
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن صلاة الظهر أربع ركعات يخافت فيها بالقراءة، ويجلس فيها جلستين في كل مثنى جلسة للتشهد، وأن عدد صلاة العصر أربعًا كصلاة الظهر لا يجهر فيها بالقراءة، ويجلس فيها جلستين في كل مثنى جلسة للتشهد، وأن عدد صلاة المغرب ثلاثًا، يجهر في الركعتين الأوليتين منها بالقراءة ويخافت في الثالثة، ويجلس في الركعتين الأوليتين جلسة للتشهد وفي الآخرة جلسة، وأن عدد صلاة العشاء أربعًا، يجهر في الركعتين الأوليتين منها بالقراءة، ويخافت في الأخريين ويجلس فيها جلستين كل مثنى جلسة للتشهد، وأن عدد صلاة الصبح ركعتان يجهر فيهما بالقراءة ويجلس فيها جلسة واحدة للتشهد هذا فرض المقيم، فأما المسافر ففرضه ركعتين إلا صلاة المغرب فإن فرض المسافر في صلاة المغرب كفرض المقيم (١).
الركن الثالث: إيتاء الزكاة .
إن التفاوت بين الناس في الأرزاق والمواهب وتحصيل المكاسب أمر واقع طارئ يحتاج في شرع الله إلى علاج، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (النحل: ٧١).
وأوجب على الغني أن يعطي الفقير حقًّا واجبًا مفروضًا لا تطوعًا ولا منةً قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ (المعارج: ٢٤ - ٢٥).
وفريضة الزكاة أولى الوسائل لعلاج ذلك التفاوت، وتحقيق التكافل أو الضمان الاجتماعي في الإسلام. (٢)
الزكاة لغة: النماء والزيادة. (٣)
اصطلاحًا: فإنها حق مخصوص في مال مخصوص على وجه مخصوص في وقت مخصوص. ويعتبر في وجوبه الحول والنصاب.
الزكاة من أركان الإسلام الخمسة، وفرض من فروضه، وفرضت في المدينة في شوال
стр. 80
السنة الثانية من الهجرة بعد فرض زكاة الفطر، وقرنت بالصلاة في اثنين وثمانين موضعًا مما يدل على كمال الاتصال بينهما. (١)
وقد دل على وجوبها الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (النور: ٥٦)، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: ١١). وغيرها كثير.
وأما السنة؛ فقوله ﷺ : "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ... "منها" وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ". (٢)
ولما بعث النبي ﷺ : معاذًا إلى اليمن فقال: "فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ". (٣)
وقال ﷺ : "مَنْ آتَاهُ الله مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتهُ مُثِّلَ لَهُ مَالهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرْعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالكَ أَنَا كَنْزُكَ" (٤)
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها من حيث الجملة، واتفق الصحابة ﵃ على قتال ما نعيها (٥).
الحكمة من تشريع الزكاة .
١) تصون المال وتحصنه من تطلع الأعين وامتداد أيدي الآثمين والمجرمين.
٢) تطهر النفس من داء الشح والبخل فالزكاة التي يؤديها المسلم امتثالًا لأمر الله وابتغاء مرضاته، إنما هي تطهير له من أرجاس الذنوب بعامة، ومن رجس الشح بخاصة، وذلك الشح الذميم الذي أحضرته الأنفس وابتلي به الإنسان، قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ
стр. 81
قَتُورًا﴾ (الإسراء: ١٠٠)، وقال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (النساء: ١٢٨) (١).
٣) تدرب المسلم على الإنفاق والبذل والجود والسخاء والكرم الذي يحبه كل بر وفاجر وتبعده عن الشح الذي هو مذموم عند كل أحد وتطهر القلب عن حب الدنيا ببذل اليسير (٢).
٤) عون للفقراء والمحتاجين، تأخذ بأيديهم لاستئناف العمل والنشاط إن كانوا قادرين، وتساعدهم على ظروف العيش الكريم إن كانوا عاجزين فتحمي المجتمع من مرض الفقر، والدولة من الإرهاق والضعف (٣).
٥) وجبت شكرا لنعمة المال، فالزكاة توقظ في نفس معطيها معنى الشكر لله تعالى والاعتراف بفضله عليه وإحسانه إليه (٤).
٦) علاج القلب من حب الدنيا، فهي علاج للقلب من الاستغراق في حب الدنيا، وحب المال فإن الاستغراق في حبه كما قال الرازي يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة (٥).
٧) الزكاة منمية لشخصية الغني وكيانه المعنوي فلإنسان الذي يبذل الخير ويصنع المعروف ويبذل من ذات نفسه ويده لينهض بإخوانه في الدين والإنسانية وليقوم بحق الله عليه يشعر بامتداد في نفسه وانشراح واتساع في صدره، ويحس به من انتصر في معركة (٦).
٨) والزكاة تربط بين الغني ومجتمعه برباط متين سداه المحبة ولجمته الإخاء والتعاون، فإن الناس إذا علموا في الإنسان رغبته في نفعهم، وسعيه في جلب الخير لهم، ورفع الضر عنهم، أحبوه بالطبع ومالت نفوسهم إليه لا محالة.
стр. 82
الركن الرابع: الصيام .
الصيام في اللغة: هو الإمساك والكف عن كل شيء، يقال لمن سكت ولم يتكلم صائم.
قال الله تعالى في قصة مريم ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (مريم: ٢٦).
واما الصيام في الشرع: إمساك مخصوص، عن شيء مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص، بنية مخصوصة، أي: الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات؛ من طلوع الشمس إلى غروب الشمس مع نية التعبد لله تعالى.
والصيام ركن من أركان الإسلام دَلَّ على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع.
أما في الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣).
أما في السنة: حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" (١).
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على أن الصوم ركن من أركان الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة بحيث يكفر منكره وأنه لا يسقط على المكلف إلا بعذر من الأعذار الشرعية المعتبرة (٢).
ويجب الصوم على المسلم البالغ العاقل القادر على الصوم ولا يجب على كافر ولا مجنون ولا صبي. (٣)
الركن الخامس: الحج .
الحج في لسان العرب فيه قولان:
أحدهما: أنَّه القصد ولهذا سمي الطريق محجة لأنه يوصل إلى المقصد.
الثاني: أنَّه العود مرّة بعد أخرى.
стр. 83
الحج شرعًا: قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص (١).
والحج فرض عين علي كل مكلف مستطيع في العمر مرّة. وهو ركن من أركان الإسلام وقد ثبت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
وأما من السنة: فقد وردت أحاديث كثيرة جدًّا بلغت حد التواتر تفيد اليقين والعلم القطعي الجازم بثبوت هذه الفريضة. ومن ذلك حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "بُنيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" (٢)
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة علي وجوب الحج (على المستطيع) مرّة واحدة في العمر وهو المعلوم بالدين بالضرورة يكفر جاحده (٣)
والحج له مواقيت زمانية ومكانية: والزمانية في قوله ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (البقرة: ١٩٧).
أي: لا يصح شيء من أعمال الحج إلا فيها.
والمكانية: فهي كما في حديث ابن عباس قال: "وقت رسول الله ﷺ لِأَهْلِ المُدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ ......... " (٤)
وفي حديث عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق" (٥).
هذا؛ وللحج أركان لا يصح إلا بها، وهي عند الجمهور أربعة: الإحرام، الوقوف بعرفة، طواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، ويجب الحج بخمسة شروط هي
стр. 84
الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة. (١)
المطلب الثاني: أركان الإيمان .
الركن الأول: الايمان بالله .
فلفظ الجلالة الله: علم على الرب ﵎ وقيل أنه أعرف المعارف. وأصله: الإله وهو مشتق.
إن الإيمان بالله تعالى هو الركن الركين والركن الأساسي، فهو العمدة ويبنى عليه باقي أركان الإيمان، وهو بمثابة القاعدة الصلبة لأركان الايمان.
فالإيمان بالله تعالى: إثباته والاعتراف بوجوده، والإيمان له تعالى: القبول عنه والطاعة له. (٢)
معرفة الله هي أسمى المعارف وأجلِّها وهي الأساس الذي تقوم عليه الحياة الروحية كلها.
فمنها تفرعت المعرفة بالأنبياء والرسل وما يتصل بهم من حيث عصمتهم ووظيفتهم وصفاتهم والحاجة إلى رسالاتهم، وما يلحق بذلك من المعجزة والولاية والكرامة والكتب السماوية.
وعنها تشعبت المعرفة بعالم ما وراء الطبيعة من الملائكة والجن والروح.
وعنها انبثقت المعرفة بمصير هذه الحياة وما تنتهي إليه من الحياة البرزخية والحياة الأخروية من البعث والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار.
الإيمان بوجود الله تعالى: دلت عليه الفطرة، والعقل، وإجماع الأمم، والآيات الكونية.
أما دلالة الفطرة: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها، لقول النبي ﷺ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ" (٣).
فما يغرسه الآباء في نفوس الأبناء، وما يلقيه الكتَّاب والمعلمون والباحثون في أفكار
стр. 85
الناشئة؛ يبدل هذه الفطرة ويكدرها ويلقي عليها غشاوة فلا تتجه إلى الحقيقة.
وشياطين الإنس والجن يقومون بدور كبير في إفساد الفطرة وتدنيسها.
وعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: "أَلا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَني يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالتهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنزِلْ بِهِ سُلْطَانًا" (١).
إذًا فالإقرار بوجود الله تعالى أمر فطري، فالعلم الإلهي فطري ضروري وأنه أشد رسوخًا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين، لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي: فما يتصور أن تعرض عنه فطرة (٢).
فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقًا به ودينًا له، لكن يعرض لها ما يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه؛ لما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه.
ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] (الفاتحة ٦: ٧). وقال النبي ﷺ : "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون" لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم؛ ولا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته. والنصارى لهم عبادة وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها لكن بلا علم فهم ضُلَّال. هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة له وينضم إلى ذلك الظن واتباع الهوى؛
стр. 86
فلا يبقى في الحقيقة معرفة نافعة؛ ولا قصد نافع بل يكون كما قال تعالى عن مشركي أهل الكتاب: ﴿وَقَالوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ (الملك: ١٠).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ (الأعراف: ١٧٩) (١).
فإن قيل: إذا كانت معرفته والإقرار به ثابتًا في كل فطرة فكيف ينكر ذلك كثير من النظار - نظار المسلمين - وغيرهم وهم يدعون أنهم الذين يقيمون الأدلة العقلية على المطالب الإلهية؟ !
فيقال أولًا: أول من عرف في الإسلام بإنكار هذه المعرفة هم أهل الكلام الذين اتفق السلف على ذمهم؛ من الجهمية والقدرية، وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف وأجهلهم. ولكن انتشر كثير من أصولهم في المتأخرين الذين يوافقون السلف على كثير مما خالفهم فيه سلفهم الجهمية.
فصار بعض الناس يظن أن هذا قول صدر في الأصل عن علماء المسلمين؛ وليس كذلك إنما صدر أولًا عمن ذمه أئمة الدين وعلماء المسلمين.
الثاني: أنَّ الإنسان قد يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ما لا يعلم أنه قائم بنفسه فإن قيام الصفة بالنفس غير شعور صاحبها بأنها قامت به. فوجود الشيء في الإنسان وغيره غير علم الإنسان به (٢).
فمعرفة الخالق سبحانه فطرية، وإنما تكون نظرية عند من فسدت فطرته فاحتاج إلى النظرة والبرهان.
ومن المعلوم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه يوجب هذا النظر على الأمة، ولا أمرهم به، بل ولا سلكه هو ولا أحد من سلف الأمة في تحصيل هذه المعرفة، ولو كان
стр. 87
النظر واجبًا لكان أول ما يجب على الرسل دعوة قومهم إليه، وهذا مما علم فساده من دين الإسلام، فالفطرة تعرف الخالق بدون الآياتِ والأدلة العقلية، لأن معرفة الدليل تستلزم تصور المدلول عليه قبل ذلك.
كما أن معرفة الاسم تقتضي تصور المسمى من قبل حتى تمكن المطابقة وتتم المعرفة، والقلوب مفطورة على الإقرار به سبحانه أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات؛ كما قالت الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (إبراهيم: ١٠) (١)، ولذلك قال كثير من العلماء والعقلاء: إن العلم بالخالق ضروي لا يحتاج إلى نظر، وإنما إلى تذكر يوقظ من سنة الغفلة كالموت الذي يغفل عنه كثير من الناس وهو ضروري، وقد قال تعالى في مخاطبة العقلاء به: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (الزمر: ٣٠)؛ فالألسنة تنطلق بذكره تعالى عند الكوارث، والنفوس تلجأ إليه عند دفع المضار، ولو قيَّد لسان المضطر لنطق جنانه وأفصحت إشاراته وأركانه، ووجد حرارة تدفعه إلى بارئه وتضطره إلى مُنْشِئه وهذا الشعور لا صنع فيه للبشر ولا كسب لهم فيه لا بتقليد ولا نظر بل هو لازم من لوازم الإنسانية وصفة من صفاتها الذاتية: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (الروم: ٣٠) (٢). فما أصبحت مسألة توحيد الربوبية من النظريات التي يقام عليه برهان فإن الفطرة السليمة الإنسانية تشهد بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على صانع حكيم عالم قدير، ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشرك.
دلالة العقل على وجود الله تعالى: يجب أن يعلم: أنَّ العَالمَ مُحدَث، وهو عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، والدليل على حدوثه: تغيره من حال إلى حال، ومن صفة إلى صفة، وما كان هذا سبيله ووصفه كان مُحَدَثًا، وقد بيَّن نبيُنا ﷺ هذا بأحسن بيان يتضمن
стр. 88
أن جميع الموجودات سوى الله محدثة مخلوقة، لما قالوا له: يا رسول الله: أخبرنا عن بدء هذا الأمر؟ فقال: نعم. كان الله تعالى ولم يكن شيء، ثم خلق الله الأشياء.
فأثبت أن كل موجود سواه محدث مخلوق. وكذلك الخليل ﵇، إنما استدل على حدوث الموجودات بتغيرها وانتقالها من حالة إلى حالة؛ لأنه لما رأى الكوكب قال: هذا ربي، إلى آخر الآياتِ فعلم أن هذه لما تغيرت وانقلت من حال إلى حال دلت على أنَّها محدثة مفطورة مخلوقة، وأن لها خالقًا، فقال عند ذلك ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (الأنعام: ٧٩).
وإذا صح حدوث العالم؛ فلا بد له من محدث أحدثه، ومصور صوره، والدليل على ذلك: أنَّ الكتابة لا بد لها من كاتب كتبها، والصورة لا بد لها من مصور صورها، والبناء لا بد له من بأن بناه. فإنا لا نشك في جهل من أخبرنا بكتابة حصلت بنفسها لا من كاتب، وصناعة لا من صانع، وحياكة لا من ناسج. وإذا صح هذا وجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها، ومحدث أحدثها، إذ كانت ألطف وأعجب صنعًا من سائر ما يتعذر وجوده إلا من صانع.
دليل ثان: ويدل على ذلك أيضًا: علمنا بتقدم الحوادث بعضها على بعض، وتأخر بعضها عن بعض، مع علمنا بتجانسها وتشاكلها، فلا يجوز أن يكون المتقدم منها متقدمًا لنفسه؛ لأنه لو تقدم لنفسه لوجب تقديم كل ما هو من جنسه معه، وكذلك المتأخر منها، لو تأخر لنفسه وجنسه لم يكن المتقدم منها بالتقدم أولى منه بالتأخر، وفي علمنا بأن المتقدم من المتماثلات بالتقدم أولى منه بالتأخر، دليل على أن له مقدمًا قدمه، وعاجلًا عجله في الوجود، مقصورًا على مشيئته.
ويدل على صحة ما ذكرناه: أنَّ الموجودات لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها، أنا وجدنا منها الموات والأعراض، أعني الجمادات التي لا حياة فيها، لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ولا لغيرها، لأن من شرط الفاعل أن يكون حيًا قادرًا، فبطل كونها محدثة لنفسها بل لها مُحدِثٌ أحدثها.
ويدل على صحة ذلك أيضًا: أنَّا وجدنا أنفس الموجودات في العالم، الحي القادر العاقل
стр. 89
المحصل، وهو الآدمي، أكمل ما تكون. تعلم وتحقق أنه كان في ابتداء أمره نطفة ميتة، لا حياة فيها ولا قدرة، ثم نقل إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم من حال إلى حال، ثم بعد خروجه حيًّا من الأحشاء إلى الدنيا. تعلم وتحقق أنه كان في تلك الحالة جاهلًا بنفسه وتكييفه، وتركيبه، ثم بعد كمال عقله وتصوره وحذقه وفهمه لا يقدر في حال كماله أن يحدث في بدنه شعرة ولا شيئًا، ولا عرقًا فكيف يكون محدثًا لنفسه ومنقلًا لها في حال نقصه من صورة إلى صورة ومن حالة إلى حالة وإذا بطل ذلك منه في حال كماله كان أولى أن يبطل ذلك منه في حال نقصه، ولم يبق إلا أن له محدثًا أحدثه، ومصورًا صوره ومنقلًا نقله؛ وهو الله (١).
وتقوم هذه الأدلة على أسس عقلية لا يخالفنا فيها أحد.
١) فالعدم لا يفعل شيئًا: فمن المستحيل أن يوجد فعل بدون فاعل، ومن المستحيل أن يفعل العدم شيئًا لأنه لا وجود للعدم.
٢) والفعل مرآة لبعض قدرة فاعله وبعض صفاته:
فإن بين الفعل والفاعل علاقة قوية فالفاعل هو المقدمة والفعل هو النتيجة ولا يكون شيء في الفعل ليس للفاعل قدرة على فعله.
٣) وفاقد الشيء لا يعطيه: فنحن إذا شاهدنا مقتولًا في الشارع فإن أحدًا منا لا يدعوا إلى إلقاء القبض على حجرة بجوار القتيل بتهمة القتل لأنَّها لا تملك القدرة على الفعل كما أن الواحد منا لا يزعم بأن حيوانا لا يعقل قد أطلق قمرًا صناعيًا يدور حول الأرض لأن الحيوان لا يملك القدرة على إطلاق ذلك القمر وهكذا يحكم العقل حكمًا جازمًا بأن ليس الفاعل من لا يملك القدرة على الفعل وفاقد الشيء لا يعطيه (٢).
٤) مبدأ السببية؛ فالواقع والعقول السليمة تشهد أن الإنسان منذ فتح عينيه لم يشاهد أن حادثًا حدث من غير سبب أو أن شيئًا وجد من غير موجد حتى أصبح هذا المعنى
стр. 90
بحكم الواقع لا يتصور العقل خلافه ولا يأبى الإقرار به إلا كصاحب عقل مفقود أو مريض كشأن المعتوهين.
دلالة إجماع الأمم على وجود الله :
من المعلوم أنه لا يوجد أحدٌ من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان والمسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا لله في جميع صفاته.
بل عامة المشركين بالله: مقرون بأنه ليس شريكه مثله بل عامتهم يقرون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكًا أو نبيًّا أو كوكبًا أو صنمًا.
كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.
فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد وقال: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
وقد أخبر سبحانه عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ (الزمر: ٣٨).
فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في هذا الأصل، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقًا لغير الله كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا إنهم خلقوا أفعالهم وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون أن بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور هم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة لا يقولون إنها غنية عن الخالق مشاركة له في الخلق (١).
стр. 91
الاستدلال بالآيات الكونية وغيرها على وجود الله .
وهذا من أعظم الأدلة فائدةً، وأسهلها طريقةً، وأسرعها نتيجةً، وأسلمها وأبعدها عن الخطأ.
ولذلك لما سئل بعض الأعراب عن وجود الرب ﵎؟ فقال: يا سبحان الله، إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟
وقال أبو نواس وقد سئل عن ذلك:
تأمل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لُجين شاخصات ... بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك
وقال آخر:
سل الواحة الخضراء والماء جاريا ... وهذي الصحاري والجبال الرواسيا
سل الروض مزدانًا سل الزهر والندى ... سل الليل والإصباح والطير شاديا
وسل هذه الآنام والأرض والسما ... وسل كل شيء تسمع الحمد ساريا
فلو جن هذا الليل وامتد سرمدًا ... فمن غير ربي يرجع الصبح ثانيًا
وأول سورة نزلت في القرآن ذكرت هذا حيث يقول سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ (العلق: ١ - ٢). فذكر الخلق مطلقًا ومقيدًا؛ ليذكر أن هذا الخلق لابد له من خالق، وهذا ما يسميه دليل الخلق والآيات في هذا المعنى كثيرة.
قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ (الطارق: ٥ - ٦).
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ (الغاشية ١٧: ٢٠).
وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ (الطور: ٣٥).
стр. 92
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ (النمل: ٦٤) (١).
الركن الثاني: الإيمان بالملائكة.
الإيمان بالملائكة أصل من أصول الاعتقاد، لا يتم الإيمان إلا به، والملائكة عالم من عوالم الغيب التي امتدح الله بها المؤمنين تصديقًا لخبر الله سبحانه وإخبار رسوله ﷺ .
وهي أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة ومسكنها السموات، وخلقهم الله من النور فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُور" (٢).
ولهم أجنحة كما قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ (فاطر: ١).
ولا يأكلون ولا يشربون. ويدل على هذا قصة الملائكة مع إبراهيم ﵇ لما جاؤوا إليه في صورة بشر، فقدَّم لهم الطعام، فلم تمتد أيديهم إليه، فأوجس منهم خيفة قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ (الذاريات: ٢٤ - ٢٨).
ولا يملون ولا يتعبون من عبادة الله. لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (الأنيياء: ٢٠).
فهم دائبون في العمل ليلًا ونهارًا، مطيعون قصدًا وعملًا، قادرون عليه (٣).
وأعدادهم كثيرة لا يعلمه إلا الله. لقوله ﷺ : "أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحَقَّ لهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيْهَا مَوْضِعُ
стр. 93
أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ" (١).
وحديث النبي ﷺ في وصف البيت المعمور "هَذَا الْبَيْتُ المُعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ". (٢)
ولهم أعمال موكلون بها. وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة، فالملائكة أعظم جنود الله، ولهم علاقة طيبة بالصالحين من بني آدم. وأما مع غيرهم فهي علاقة بغض وشدة.
وإليك بعض هذه الصور الطيبة للعلاقة الصالحة:
١ - استغفارهم للصالحين: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر: ٧)، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاِتهِ فِي سُوقِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ..... "، وفيه "وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ اللهمَّ ارْحَمْهُ اللهمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ تُبْ عليهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ" (٣).
٢ - شفاعتهم للموحدين عند الله: قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] (النجم: ٢٦)، وفي حديث أبي سعيد الخدري
стр. 94
عن النبي ﷺ وهو حديث الرؤية الطويل وفيه " ... فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون" (١).
٣ - محبتهم للمؤمنين: كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَحَبَّ الله الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جبرِيلُ فَيُنَادِي جبرِيلُ فِي أَهْلِ المَاءِ إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ" (٢).
٤ - وهم يصلون على النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (الأحزاب: ٥٦).
٥ - التأمين على دعاء المؤمنين: وبهذا يكون الدعاء أقرب إلي الله تعالى. لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم. ففي حديث أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَال المُلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ" (٣).
وهذا قليل من كثير من أعمال الملائكة وخصوصًا مع المؤمنين وإلا فالأعمال كثيرة.
ولذا فإن واجب المؤمن تجاه الملائكة هو عدم إيذاء الملائكة والبعد عن كل ما يؤذي الملائكة من الذنوب والمعاصي وموالاة الملائكة كلهم.
الركن الثالث: الإيمان بالكتب.
وهذا هو الركن الثالث من أركان الإيمان ومعناه: أنَّ تؤمن بما سمى الله من كتبه في كتابه، من التوراة، والإنجيل، والزبور، وتؤمن بأن لله سوى ذلك كتبا أنزلها على أنبيائه، لا يعرف أسماءها وعددها إلا الذي أنزلها، وتؤمن بالفرقان. (٤) قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ (البقرة: ١٣٦).
ومن الإيمان بالكتب الإيمان بأنها كلام الله كلام غيره وأن الله تعالى تكلم بها حقيقة
стр. 95
كما شاء وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع منه من وراء حجاب بدون واسطة، ومنها ما يسمعه الرسولُ الملكي ويأمره بتبليغه منه إلى الرسول البشري، ومنها ما خطه الله بيده .
ومن الإيمان بالكتب الإيمان بأن جميعها يصدق بعضها بعضًا لا يكذبه.
ومن الإيمان بالكتب الإيمان بأن نسخ الكتب الأولى بعضها ببعض حق كما نسخ بعض شرائع التوارة بالإنجيل، وكما نسخ كثير من شرائع التوراة والإنجيل بالقرآن.
ونؤمنُ بأن القرآن لا يأتي كتاب بعده ولا مغير ولا مبدِّل لشيء من شرائعه بعده، وأنه ليس لأحدٍ الخروج عن شيء من أحكامه، وأن من كذب بشيء منه من الأمم الأولى فقد كذب بكتابه، كما أن من كذب بما أخبر عنه القرآن من الكتب فقد كذب به، وأن من اتبع غير سبيله ولم يقتف أثره ضل.
وأخيرًا نقول: إن الإيمان بكتب الله يجب إجمالًا فيما أجمل وتفصيلًا فيما فصل كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥).
فقد سمى الله تعالى من كتبه التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود والقرآن على محمد، ﷺ وذكر صحف إبراهيم وموسى، وقد أخبر تعالى عن التنزيل على رسله مجملًا في قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]. (١)
الركن الرابع: الإيمان بالرسل
إن الإيمان بالرسل أصل من أصول الإيمان، ومن لم يؤمن بالرسل ضلَّ ضلالًا بعيدًا، قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾ (آل عمران: ٨٤).
стр. 96
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: ١٣٦)، ومن شعب الإيمان: الإيمان برسل الله صلى الله عليهم أجمعين وسلم لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥).
ولذا قال النبي ﷺ في سؤال جبريل ﵇ له عن الإيمان: "الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَاِئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ". (١)
ويجب الإيمان بجميع الرسل، والكفر برسول واحد هو كفرٌ بجميع الرسل، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ (الشعراء: ١٠٥). وقال تعالى: (﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣]. وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ (الشعراء: ١٤١). وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾ (الشعراء: ١٦٠).
ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال بل أعظم ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي.
وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلَّقة بهدي النبي ﷺ فيجب على كل من نصح
стр. 97
نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (١).
الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر.
إن الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان وعمود من أعمدة هذا الإيمان. وهو الاعتقاد الجازم الذي لا يدخله شكٌّ ولا ريب بكل ما أخبر به الله كتابه العزيز، أو جاء على لسان نبينا محمد ﷺ عن ذلك اليوم، وما يحدث فيه بما في ذلك من الساعة وعلاماتها، والقبر ونعيمه وعذابه، والصراط ومحنته، والصحف وتطايرها، والميزان وانتصابه، والجنة ونعيمها، والنار وعذابها.
ومعناه التصديق بأن لأيام الدنيا آخرًا أي أن هذه الدنيا منقضية، وهذا العالم منقض.
وفي الاعتراف بانقضائه اعتراف بابتدائه لأن القديم لا يفنى ولا يتغير، وفي اعتقاده وانشراح الصدر به ما يبعث على فضل الرهبة من الله ، وقلة الركون إلى الدينا والتهاون بأحزانها ومصائبها، والصبر عليها وعلى مضض الشهوات احتسابًا وثقةً بما عند الله عنها من حسن الجزاء والثواب (٢).
قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة: ١٧٧)، وقال ﷺ في تعريف الإيمان: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَاِئكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" والإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بأشراط الساعة وهي علاماتها الدالة عليها والمقدمة إليها، والإيمان بالموت وما يعقبه من غيبيات. حتى يصل فريق إلى الجَنَّة وفريق إلى السعير (٣).
الركن السادس: الإيمان بالقدر:
стр. 98
الإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان التي لا يتم الإيمان إلا بها، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (القمر: ٤٩). والآيات في ذلك كثيرة وقد قال النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإيمان: "أَنْ تُؤْمنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" (١)، فمن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ولم يؤمن بها لم يكن من أهلها. الإيمان بالقدر خيره وشره والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها لا يقال كيف ولا لم؛ إنما هو التصديق والإيمان بها، ومن لم يعرف تفسير الحديث ولم يبلغه عقله فقد كفى ذلك وأحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم (٢). ويقول أهل السنة والجماعة إن الخير والشر والحلو والمر، بقضاء من الله ، أمضاه وقدره، لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا إلا ما شاء الله، وإنهم فقراء إلى الله ، لا غنى لهم عنه في كل وقت (٣). عَنْ طَاوُس أَنَّهُ قَال أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، قَال: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَال رَسُولُ الله ﷺ : "كُلُّ شَيْء بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ أَوْ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ" (٤). واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه: أنَّ الله ﵎ قدر الأشياء في القدم، وعلم الله أنَّها ستقع في أوقات معلومة عنده - وتعالى - وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها (٥).
ومراتب القضاء أربعة من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر:
المرتبة الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها.
المرتبة الثانية: كتابته له قبل كونها.
стр. 99
المرتبة الثالثة: مشيئته لها.
المرتبة الرابعة: خلقه لها.
المطلب الثالث: الإحسان .
أولًا: تعريفه: وهو: كما عرفه النبي ﷺ "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١) والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ (النحل: ١٢٨) هذه المرتبة هي الثالثة من مراتب الدين المفصلة في حديث جبريل المتقدم وهي أعلى مراتب الدين وأعظمها خطرًا، وأهلها هم المستكملون لها السابقون بالخيرات، المقربون في علو الدرجات، وقد جاء الإحسان في القرآن في مواضع كثيرة تارة مقترنًا بالإيمان، وتارة بالتقوى، وتارة بهما معًا، وتارة بالجهاد، وتارة بالإسلام، وتارة بالعمل الصالح مطلقًا، وتارة بالإنفاق في سبيل الله. (٢)
فيعبد الإنسان ربه على هذه الصفة، وهي استحضار قربه، وأنه بين يديه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، ويوجب النصح في أداء العبادة، ويذل الجهد في تحسينها وإتمامها.
فالعبد يراقب ربه في أداء العبادة، ويستحضر قربه منه حتى كأنه يراه، فإن شق عليه ذلك فليستعن على تحقيقه بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته، وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره. (٣)
فالعبد الذي بلغ هذه المنزلة يعبد ربه مخلصًا، لا يلتفت إلى أحد سواه، فلا ينتظر ثناء الناس، ولا يخشى ذمهم، إذ حسبه أن يرضى عنه ربه، ويحمده مولاه.
فهو إنسان تساوت علانيته وسره، فهو عابد لربه في الخلوة والجلوة، موقن - تمام اليقين - أن الله مطلع على ما يكنه قلبه وتوسوس به نفسه، هيمن الإيمان على قلبه، واستشعر رقابة ربه عليه، فاستسلمت جوارحه لبارئها، فلا يعمل بها من العمل إلا ما يحبه
стр. 100
الله ويرضاه، مستسلم لربه.
وحيث تعلق قلبه بربه فلا يستعين بمخلوق، لاستغنائه بالله، ولا يشتكي لإنسان؛ لأنه أنزل حاجته بالله سبحانه وكفى به معينا، ولا يستوحش في مكان، ولا يخاف من أحد؛ لأنه يعلم أن الله معه في كل أحواله، وهو حسبه ونعم النصير، ولا يترك أمرا أمره الله به، ولا يقترف معصية لله؛ لأنه يستحيي من الله، ويكره أن يفقده حيث أمره، أو يجده حيث نهاه، ولا يعتدي أو يظلم مخلوقًا أو يأخذ حقه؛ لأنه يعلم أن الله مطلع عليه، وأنه سبحانه سيحاسبه على أفعاله.
ولا يفسد في الأرض؛ لأنه يعلم أن ما فيها من خيرات ملك لله تعالى، سخرها لخلقه فهو يأخذ منها على قدر حاجته، ويشكر ربه أن يسرها له. (١)
ثانيًا: مراتب الإحسان: فسره النبي ﷺ في حديث سؤال جبريل لما قال له: "فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أنَّ تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" فبين ﷺ أن الإحسان على مرتبتين متفاوتتين.
أعلاهما: مقام الإخلاص (المراقبة)، وهو أنْ يعملَ العبدُ على استحضارِ مُشاهدةِ الله إياه، واطِّلاعه عليه، وقُربه منه، فإذا استحضرَ العبدُ هذا في عمله، وعَمِلَ عليه، فهو مخلصٌ لله؛ لأنَّ استحضارَهُ ذلك في عمله يمنعُهُ من الالتفاتِ إلى غيرِ الله وإرادته بالعمل.
الثاني: مقام المشاهدة، وهو أنْ يعملَ العبدُ على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أنْ يتنوَّرَ القلبُ بالإيمانِ، وتنفُذ البصيرةُ في العِرفان، حتّى يصيرَ الغيبُ كالعيانِ. وهذا هو حقيقةُ مقامِ الإحسّان المشار إليه في حديث جبريلَ ﵇، ويتفاوت أهلُ هذا المقام فيه بحسب قوَّة نفوذ البصائرِ. (٢)
стр. 101
المبحث الرابع: بيان بعض مزايا الشريعة الإسلامية .
أولًا: إن الإسلام جاء دينًا صالحًا لجميع الأمم في جميع العصور ولسائر البشر وهذا شيء لم يسبق إليه دين قبله قط قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: ٢٨)
ثانيًا: جاء الإسلام لإصلاح العقيدة، بحمل الذهن على اعتقاد لا يشوبه تردد، ولا تمويه ولا أوهام ولا خرافات، فَيُكَوِّن عقيدة مبنية على الخضوع لواحد عظيم، وعلى الاعتراف باتصاف هذا الواحد بصفات الكمال التامة التي تجعل الخضوع إليه اختياريًّا، ثم لتصير تلك الكلمات مطمع أنظار المعتقد في التخلق بها ثم بحمل جميع الناس على تطهير عقائدهم حتى يتحد مبدأ التخلق فيهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٦٤).
وكان إصلاح الاعتقاد أهم ما ابتدأ به الإسلام؛ وأكثر ما تعرض له، وذلك لأن إصلاح الفكرة ومبدأ كل إصلاح ولأنه لا يرجى صلاح لقوم تلطخت عقولهم بالعقائد الضالة وخسئت نفوسهم بآثار تلك العقائد المثيرة: خوفًا من لا شيء وطمعًا في غير شيء وإذا صلح الاعتقاد أمكن صلاح الباقي لأن المرء إنسان بروحه لا بجسمه.
ثم نشأ عن هذا الاعتقاد الإسلامي وأصالة الرأي وحرية العقل ومساواة الناس فيما عدا الفضائل.
وقد أكثر الإسلام شرح العقائد إكثارًا لا يشبهه فيه دين آخر؛ بل إنك تنظر إلى كثير من الأديان الصحيحة فلا ترى فيها من شرح صفات الخالق إلا قليلًا.
ثالثا: كون الإسلام دين الفطرة فليس فيه شيء غير معقول كالتثليث، ولا غير ممكن طبعًا كحب الأعداء، وأساسه تجريد التوحيد الذي يعتق البشر من رق الخرافات والأوهام.
رابعا: جمع الإسلام بين إصلاح النفوس بالتزكية؛ وبين إصلاح نظام الحياة بالتشريع، في حين كان معظم الأديان لا يتطرق إلى نظام الحياة بشيء، وبعضها وإن تطرق إليه إلا أنه لم يوفه
стр. 102
حقه، بل كان معظم اهتمامها منصرفًا إلى المواعظ والعبادات، وقد قرن القرآن في غيرما آية بين الدين وارتباطه بصلاح الدنيا قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧).
خامسًا: أن حكومة الإسلام مقيدة بالنصوص وبالشورى؛ ورئيسها مقيد باختيار أهل الحل والعقد الذين يمثلون الأمة، فلا يكون سلطانًا لها إلا باختيارهم إياه للخلافة، ومبايعتهم له، ولا يطاع في معصية الله تعالى وإنما الطاعة في المعروف.
سادسًا: استقلال الفكر في فهم الدين والعلم وجميع شئون الحياة، فليس في الإسلام سلطة دينية روحانية تلزم المسلمين اتباع مذهب لمجتهد وآرائه في العقائد والعبادات الدينية والحلال والحرام، وإنما هناك نصوص قطيعة وأصول وفروع إجماعية يشترك جميع المسلمين في التزامها ولا يعد أحد متبعًا لأحد غير الرسول وجماعة الأمة فيها، ويقرب من الإجماع ما جرى عليه جمهور سلف الأمة الصالح من أمر الدين، ولم يشذ عنهم إلا أفراد لا يعتد بهم، وما عدا ذلك من المسائل فهو اجتهادي، ويجب على كل مسلم أن يعلم باجتهاد نفسه فإن عجز فله أن يأخذ بعلم من يثق بعلمه ودينه.
والراجح المختار في العبادات أنه لا اجتهاد في التشريع فيها بل في التنفيذ.
والأحكام الدينية منوطة بنصوص الكتاب والسنة والقضائية يعتبر فيها مراعاة المصالح وعليها مدارها.
سابعًا: المساواة بين المسلمين في جميع أحكام الشرع.
ثامنًا: تقييد المسلمين بعقائد وأحكام وآداب وفضائل دينية بالوازع النفسي لا تتغير ولا تنقض وهي تؤمنهم من فوضى الحرية المسرفة التي أوقعت شعوب أوربا في أسر النظام المالي وسلطان أهله من جهة وفي المفاسد الأدبية التي هتكت الأعراض وأضاعت الأنساب وبددت الأموال من جهة ثالثة.
تاسعًا: اختصاصه بإقامة الحجة ومجادلة المخاطبين، بصنوف المجادلات، وتعليل
стр. 103
أحكامه بالترغيب وبالترهيب، وقد راعى مراتب نفوس المخاطبين فمنهم العالم الحكيم الذي لا يقنع إلا بالحجة والدليل، ومنهم المكابر الذي لا يرعوي إلا بالجدل والخطابة، ومنهم المترهب الذي اعتاد الرغبة فيما عند الله، ومنهم المكابر المعاند الذي لا يقلعه عن شغبه إلا القوارع والزواجر.
عاشرًا: الإقلال من التفريع في الأحكام بل تأتي بأصولها ويترك التفريع لاستنباط المجتهدين لتكون الأحكام صالحة لكل زمان.
حادي عشر: أنَّ المقصود من وصايا الأديان إمكان العمل بها، وفي أصول الأخلاق أن التربية الصحيحة هي التي تأتي إلى النفوس بالحيلولة بينها وبين خواطر الشرور، لأن الشرور إذا تسربت إلى النفوس تعذر أو عسر اقتلاعها منها، وكانت الشرائع تحمل الناس على متابعة وصاياها بالمباشرة فجاء الإسلام يحمل الناس على الخير بطريقتين:
طريقة مباشرة وطريقة سد الذرائع الموصلة إلى الفساد وغالب أحكام الإسلام من هذا القبيل، وأحسنها أنها من جملة ما أريد بالمشتبهات في حديث "الحْلَال بَيِّنٌ وَالحْرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ" (١).
الثاني عشر: الرأفة بالناس حتى في حملهم على مصالحهم؛ وذلك في إبراز ذلك التشريع في صورة لينة وفي القرآن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥). وفي الحديث "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ" (٢).
الثالث عشر: امتزاج الشريعة والحكومة وذلك من خصائصها إذ لا معنى للتشريع إلا تأسيس قانون للأمة وما قيمة قانون لا تحميه القوة والحكومة وبامتزاج الحكومة مع الشريعة أمكن تعميم الشريعة واتحاد الأمة في العمل والنظام.
الرابع عشر: صراحة أصوله بحيث يتكرر في القرآن ما تستقري منه قواطع الشريعة
стр. 104
معصومة من التأويلات الباطلة والتحريفات التي طرأت على أهل الكتاب السابقة.
الخامس عشر: قام الإسلام ببناء الأحكام السياسية والمدنية على أساس درء المفاسد وحفظ المصالح، والأحكام القضائية على العدل المطلق والمساواة، ووجوب حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، ولازمه النسب من الاعتداء عليهن.
السادس عشر: مساواة النساء للرجال في جميع الحقوق إلا ما جاء الدليل بالتفرقة.
السابع عشر: قام الإسلام ببناء ضرورات الاجتماع السابقة كالحرب والرق، والضرورات الفردية على قاعدة التوقيت فيها وتقديرها بقدرها وتخفيف شرها والسعي الممكن لإزالتها والاستغناء عنها.
الثامن عشر: فرض الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي الفريضة التي تحفظ على الأمة فضائلها وآدابها ما أقامتها وذلك بضوابطه الشرعية.
التاسع عشر: بيان تكافل المسلمين وتضامنهم حكومةً وأفرادًا؛ وذلك من خلال فريضة الزكاة، والترغيب في الصدقات، والواجب من الكفارات، فتكون جماعة المسلمين دائمًا في كفاية قلما تنال الضرورة إلا من بعض الأفراد المجهولين منهم، وبذلك يقل التحاسد والعدوان بينهم.
العشرون: ختم الرسالة والنبوة المقتضي أن لا يوجد بعد محمد صلوات الله وسلامه عليه نبي يبلغ الناس شيئًا عن وحي الله، أو يشرع لهم شيئًا من الدين، وهذا من إتمام عتق البشر من الأدعياء الذين يتحكمون في أفكار الناس وإراداتهم، يدعون أنهم نواب فيهم عن ربهم أو أنهم آلهة بالفعل كما يدعي البهائيون في زعيمهم أو أنبياء كما يدعى الأحمدية القاديانيون في مسيحيهم الدجال.
الواحد والعشرون: أن شريعة الإسلام فيها من الهدى ودين الحق أكمل مما في الشريعتين المتقدمتين، ويسَّر الله من اتباع الخلق له واهتدائهم به ما لم يتيسر مثله لمن قبله، فحصل فضيلة شريعته من جهة فضلها في نفسها ومن جهة كثرة من قبلها وكمال قبولهم لها، ففي شريعة
стр. 105
الإسلام تحليل الطيبات وتحريم الخبائث، وشريعة التوراة فيها تحريم كثير من الطيبات عليهم، وفي شريعة الإسلام من قبول الدية في الدماء ما لم يشرع في التوراة، وفيها من وضع الآصار والأغلال التي في التوراة ما يظهر به أن نعمة الله على أهل القرآن أكمل.
وما امتاز به الإنجيل عن التوراة بمكارم الأخلاق المستحسنة والزهد المستحب وتحليل بعض المحرمات وهذا كله في القرآن وهو في القرآن أكمل، فليس في التوارة والإنجيل ما هو من العلوم النافعة والأعمال الصالحة إلا وهو في القرآن والإسلام أو ما هو أفضل مما في التوراة والإنجيل.
ففي الإسلام والقرآن من العلوم النافعة والأعمال الصالحة من الهدى ودين الحق ما ليس في الكتابين (١).
الثاني والعشرون: ومن خصائص الإسلام الأمر بالاجتماع والنهي عن التفرق.
وقد استفاضت الأدلة في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة لتقرير هذا الأصل.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٣). فهذه الوصية هي خاتمة وصاياه العشر، التي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات التي أنزلها الله على موسى في التوراة، وإن كانت الكلمات التي أنزلت علينا أكمل وأبلغ وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ١٥٩).
فنهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البيانات، وأخبر رسوله أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء، وذكر أنه جعله على شريعة من الأمر، وأمره أن يتَّبِعها ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون (٢). وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا
стр. 106
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣).
وحبل الله كتابه كما فسره النبي ﷺ ، إلى غير ذلك من نصوص الكتاب.
ومن عناية الرسول ﷺ بالدعوة إلى اجتماع كلمة المسلمين وتحذيرهم عن التفرق أحاديث كثيرة، منها على سبيل المثال: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَال: خَطَّ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ خَطًّا ثُمَّ قَال: "هَذَا سَبِيلُ الله، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَال: هَذِهِ سُبُل قَال يَزِيدُ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١).
عن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالةُ" (٢).
وقد أوصى الرسول ﷺ حذيفة عند ظهور الخلاف والافتراق في الدين بقوله: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ" قال حذيفة: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قال: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الموْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ" (٣).
ونختم بهذا الكلام القيم الذي ذكره الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي يبين فيه فضل هذا الدين قال:
١ - لا يوجد دين من الأديان يؤاخي العقل والعلم في كل ميدان إلا الإسلام.
٢ - ولا يوجد دين روحي مادي إلا الإسلام.
стр. 107
٣ - ولا يوجد دين يدعو إلى الحضارة والعمران إلا الإسلام.
٤ - ولا يوجد دين شهد له فلاسفة العالم المتحضر إلا الإسلام.
٥ - ولا يوجد دين يسهل إثباته بالتجربة إلا الإسلام.
٦ - ولا يوجد دين من أصوله الإيمان بجميع الرسل والأنبياء والكتب الإلهية إلا الإسلام.
٧ - ولا يوجد دين جامع لجميع ما يحتاجه البشر إلا الإسلام.
٨ - ولا يوجد دين فيه من المرونة واليسر الشيء الكثير إلا الإسلام.
٩ - ولا يوجد دين تشهد له الاكتشافات العلمية إلا الإسلام.
١٠ - ولا يوجد دين صالح لكل الأمم والأزمان إلا الإسلام.
١١ - ولا يوجد دين يسهل العمل به في كل حال إلا الإسلام.
١٢ - ولا يوجد دين لا إفراط فيه ولا تفريط إلا الإسلام.
١٣ - ولا يوجد دين حفظ كتابه المقدس إلا الإسلام.
١٤ - ولا يوجد دين صرح كتابه المنزل بأنه عام لكل الناس إلا الإسلام.
١٥ - ولا يوجد دين يأمر بجميع العلوم النافعة إلا الإسلام.
١٦ - الحضارة الحاضرة قبس من الإسلام.
١٧ - هذه الحضارة مريضة ولا علاج لها إلا الإسلام.
١٨ - ما شهد التاريخ حضارة جمعت بين الروح والمادة إلا حضارة الإسلام.
١٩ - السلام العالمي لا يتم إلا بالإسلام.
٢٠ - لا يوجد دين يسهل إثباته بالتحليل العلمي إلا الإسلام.
٢١ - لا يوجد دين وحد قانون المعاملات بين البشر إلا الإسلام.
٢٢ - لا يوجد دين أزال امتياز الطبقات إلا الإسلام.
٢٣ - لا يوجد دين حقق العدالة الاجتماعية إلا الإسلام.
٢٤ - لا يوجد دين لا يشذ عن الفطرة في شيء إلا الإسلام.
стр. 108
٢٥ - لا يوجد دين منع استبداد الحكام وأمر بالشورى إلا الإسلام.
٢٦ - لا يوجد دين أمر بالعدالة مع الأعداء إلا الإسلام.
٢٧ - لا يوجد دين بشرت به الكتب السماوية إلا الإسلام.
٢٨ - لا يوجد دين أنقذ المرأة في أدوارها: أما وزوجة وبنتا إلا الإسلام.
٢٩ - لا يوجد دين ساوى بين الأبيض والأسود والأصفر والأحمر إلا الإسلام.
٣٠ - لا يوجد دين أمر بالتعليم وحرّم كتمان العلم النافع إلا الإسلام.
٣١ - لا يوجد دين قرر الحقوق الدولية إلا الإسلام.
٣٢ - لا يوجد دين توافق أوامره ما اكتشفه الطب الحديث إلا الإسلام.
٣٣ - لا يوجد دين أنقذ الرقيق من المعاملات الوحشية وأمر بمساواته لسادته وحض على إعتاقه إلا الإسلام.
٣٤ - لا يوجد دين قرر سيادة العقل والخضوع لحكمه إلا الإسلام.
٣٥ - لا يوجد دين ينقذ الفقّراء والأغنياء بفرض جزء من مال الأغنياء يعطى للفقراء إلا الإسلام.
٣٦ - لا يوجد دين قرر من الأخلاق مقتضى الفطرة والحكمة الإلهية، فللشدة موقف وللرحمة موقف إلا الإسلام.
٣٧ - لا يوجد دين أمر بالإحسان والرفق بجميع الخلق إلا الإسلام.
٣٨ - لا يوجد دين قرر أصول الحقوق المدنية على قواعد فطرية إلا الإسلام.
٣٩ - لا يوجد دين اعتنى بصحة الإنسان وثروته إلا الإسلام.
٤٠ - لا يوجد دين أثر في النفوس والأخلاق والعقول كالإسلام (١).
стр. 109
المبحث الخامس: الإسلام بين الوسطية والغلو
ومن محاسن الإسلام نفي الغلو عن أحكامه وتشريعاته الإسلام بين الغلو والتوسط.
تعريف الوسطية
أولًا: لغة: وسطُ الشيء: ما بين طرفيه ... ، واعلم أن الوسط قد يأتي صفة، وإن كان أصله أن يكون اسمًا من جهة أن أوسط الشيء أفضله وخياره كوسط المرعى خير من طرفيه (١). الوسطُ: من كلِ شيءٍ أَعْدَلُهُ. (٢)
ثانيًا: اصطلاحًا: قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: ١٤٣).
أي كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد ﷺ ، وبما جاءكم به من عند الله, فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطًا.
وأما الوسط فإنه في كلام العرب الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه: أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه. وهذا معنى من معاني الوسط المذكور في الآية الكريمة، ولعل هناك معنى آخر لا يعارض المعنى الأول وهو:
أن الوسط في هذا الموضع المقصود به الجزءُ، الذي هو بين الطرفين، مثل وسَط الدار، وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسَط، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقولهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها. (٣)
وفي سنة النبي ﷺ ورد ما يقررُ هذا المعنى ويوضحه فمن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري ﷺ قال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ الله تَعَالى هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ
стр. 110
نَعَمْ أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ فَيَقُولُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ" (١).
الإسلام بين الملل الأخرى:
الإسلام دين الوسط بين المادية الملحدة وبين الرهبانية المبتدعة، فاليهودية والنصرانية زاغت عن العدل والاعتدال فيما يخص حقوق الروح وحقوق الجسد.
فبالنسبة لليهودية كانت وما تزال ترى أن المال هو الغاية، وأن المادة هي الهدف الأسمى، ولذا أقدمت على تقديسها وتأليهها لدرجة أنها حريصة على الحياة المادية أكثر من كل شيء حتى إن عيسى ﵇ كان يخاطبهم قائلًا: "لا تعبدوا ربين: الله والمال". ويقول ول ديورانت: إن اليهود قلما كانوا يبشرون إلى حياة أخرى.
ولم يرد في دينهم شيء من الخلود، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ٩٤). يقول سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٩٦). ويقول تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٦١).
ومن هنا نرى أن اليهود حرفت وشوهت وبالغت في هذا الجانب المادي على حساب الجانب الروحي.
أما النصرانية فقد اتخذت منحىً معاكسًا للفكر اليهودي حيث بالغت في الجانب الروحي بدعوة الزهد والترهبن قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ٢٧).