ينفقونها في سبيل اللَّه قال ﵀: إن عليًا لما ولي الخلافة لم يغيرها عما عمل فيها في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن عليّ، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسين، ثم بيد عبد اللَّه بن الحسين، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في صحيحه، وهؤلاء كبراء أهل البيت ﵃ لم يأخذها واحد منهم وقد صار أمرها إليه. (١) فظهر بهذا إجماع الخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة، وأئمة أهل البيت ﵃ أجمعين، على أن رسول اللَّه ﷺ لا يورث، وأن ما تركه صدقة، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين وأئمة أهل البيت الذين كانت بأيديهم صدقة رسول اللَّه ﷺ (٢).
الوجه الرابع: أن النبي ﷺ إنما أراد بغضب فاطمة الذي يغضب له هو: أن تغضب بحق، وإلا فالرسول ﷺ لا يغضب لنفسه، ولأحد من أهل بيته بغير حق، بل ما كان ينتصر لنفسه -ولو بحق- ما لم تنتهك محارم اللَّه، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (ما خيّر النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، واللَّه ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات اللَّه فينتقم للَّه). (٣)
وفاطمة ﵂ على جلالتها، وكمال دينها، وفضلها، هي مع ذلك ليست معصومة، بل قد كانت تصدر منها بعض الأمور التي ما كان النبي ﷺ يقرها عليها، وقد تطلب من النبي ﷺ الشيء فلا يجيبها له: كسؤالها النبي ﷺ خادمًا فلم يعطها وأرشدها وعليًا للتسبيح كما ثبت في حديث علي ﵁ في الصحيحين. (٤)
وفي سنن أبي داود عن عمر بن عبد العزيز: (إن فاطمة سألت الرسول ﷺ أن يجعل
стр. 5462
لها فدكًا فأبى). (١)
وثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂: أن فاطمة جاءت لرسول اللَّه ﷺ وقالت له: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: فأحبي هذه. . . ". (٢)
فلم يجبها النبي ﷺ لشيء من ذلك، فدل على عدم موافقته لها في كل شيء، بل قد تفعل الأمر مجتهدة فتخطىء فلا يقرها عليه، وبالتالي فأن لا يغضب لغضبها من باب أولى. وطلبها ميراث رسول اللَّه ﷺ من أبي بكر من جنس ذلك، فقد كانت ﵂ مجتهدة وكان الحق في ذلك مع أبي بكر للنص الصريح في ذلك، ولموافقة الصحابة له في رأيه، فكان إجماعًا معتضدًا بالنص كما تقدم، فأبو بكر في ذلك قائم بالحق متبع للنص مستمسك بعهد رسول اللَّه ﷺ في هذه المسألة، فكيف يتصور أن يسخط بفعله هذا رسول اللَّه، وهو إنما يعمل بشرعه ويهتدي بهديه.
الوجه الخامس: أن قول النبي ﷺ : "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني" (٣)، من نصوص الوعيد المطلق التي لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعنيين، إلا بعد وجود الشروط، وانتفاء الموانع. (٤)
هذا مع أن ما في هذا الحديث من الوعيد لو كان لازمًا لكل من أغضبها مطلقًا، لكان لازمًا لعلي قبل أبي بكر، ولكان لحوقه بعلي أولى من لحوقه بأبي بكر، إذ أن مناسبة هذا الحديث هو خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل وشكوى فاطمة له على النبي ﷺ على ما روى الشيخان من حديث المسور بن مخرمة قال: (إن عليًا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول اللَّه ﷺ فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح
стр. 5463
بنت أبي جهل، فقام رسول اللَّه ﷺ فسمعته حين تشهد يقول: "أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها، واللَّه لا تجتمع بنت رسول اللَّه وبنت عدو اللَّه عند رجل واحد فترك علي الخطبة". (١)
وفي رواية: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني". (٢)
فظهر أن مناسبة الحديث هي خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل وغضب فاطمة من ذلك، والنص العام يتناول محل السبب، وهو نص فيه باتفاق العلماء، حتى قالوا لا يجوز إخراج السبب بدليل تخصيص، لأن دلالة العام على سببه قطعية وعلى غيره على وجه الظهور (٣)، وعلى هذا فلو كان هذا الحديث متنزلًا على كل من أغضب فاطمة لكان أول الناس دخولًا في ذلك عليّ ﵁.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن رده على الرافضة في هذه المسألة وبعد أن ذكر الحديث: فسبب الحديث خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل والسبب داخل في اللفظ قطعًا، إذ اللفظ الوارد على سبب لا يجوز إخراج سببه منه، بل السبب يجب دخوله بالاتفاق.
وقد قال في الحديث: "يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها"، ومعلوم قطعًا أن خطبة ابنة أبي جهل عليها رابها وآذاها، والنبي ﷺ رابه ذلك وآذاه، فإن كان هذا وعيدًا لاحقًا بفاعله لزم أن يلحق هذا الوعيد علي بن أبي طالب، وإن لم يكن وعيدًا لاحقًا بفاعله، كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من علي. (٤)
الوجه السادس: أن فاطمة ﵂ كانت قد رجعت عن قولها في المطالبة بإرث رسول اللَّه ﷺ ، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة في الحديث والسير. قال القاضي عياض: وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث: التسليم للإجماع على قضية،
стр. 5464
وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل، تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث، ثم ولي علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر، وعمر. (١)
وقال القرطبي: فأما طلب فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكر فكان ذلك قبل أن تسمع الحديث الذي دل على خصوصية النبي ﷺ بذلك، وكانت متمسكة بما في كتاب اللَّه من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقفت عن ذلك ولم تعد إليه. (٢)
وقال ابن تيمية: فهذه الأحاديث الثابتة المعروفة عند أهل العلم، وفيها ما يبين أن فاطمة ﵂ طلبت ميراثها من رسول اللَّه ﷺ على ما كانت تعرف من المواريث، فأخبرت بما كان من رسول اللَّه ﷺ فسلمت ورجعت. (٣)
وقال ابن كثير: وقد روينا أن فاطمة ﵂ احتجت أولًا بالقياس، وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصدّيق ﵁ بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي ﷺ ، وأنها سلمت له ما قال، وهذا هو المظنون بها ﵂. (٤) فظهر بهذا رجوع فاطمة ﵂ إلى قول أبي بكر وما كان عليه عامة الصحابة، وأئمة أهل البيت من القول بعدم إرث رسول اللَّه ﷺ ، وهذا هو اللائق بمقامها في الدين والعلم ﵂.
الوجه السابع: أنه ثبت عن فاطمة ﵂ أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك، وماتت وهي راضية عنه، على ما روى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال: (لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال عليّ: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها، فقال: واللَّه ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا إبتغاء مرضاة اللَّه، ومرضاة رسوله،
стр. 5465
ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت). (١)
قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد قوي. والظاهر أن الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي ﵁. (٢)
وقال ابن حجر: وهو وإن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة ﵍ على هجر أبي بكر. (٣)
وقال أيضًا: فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال وأخلق بالأمر أن يكون كذلك، لما علم من وفور عقلها ودينها، ﵍. (٤)
على أن الذي ذكره العلماء أن فاطمة ﵂ لم تتعمد هجر أبي بكر ﵂ أصلًا، ومثلها ينزه عن ذلك لنهي النبي ﷺ عن الهجر فوق ثلاث، وإنما لم تكلمه لعدم الحاجة لذلك.
قال القرطبي في سياق شرحه لحديث عائشة المتقدم، ثم إنها (أي فاطمة) لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول اللَّه ﷺ ، ولملازمتها بيتها فعبر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث". (٥)، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول اللَّه ﷺ كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول اللَّه ﷺ وسيدة نساء أهل الجنة. (٦)
وقال النووي: وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر ﵁ فمعناه انقباضها عن لقائه، وليس هذا من الهجران المحرم، الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء، وقوله في هذا الحديث (فلم تكلمه) يعني في هذا الأمر، أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة ولا
стр. 5466
اضطرت إلى لقائه فتكلمه، ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته (١).
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة، وتبطل الدعوى وتندحض الشبهة بما تم تقريره من خلال النصوص والأخبار الصحيحة الدالة على براءة الصديق من مطاعن أعدائه، وأن ما جرى بين الصديق وفاطمة لا يعدو أن يكون اختلافًا في مسألة فقهية ظهر لفاطمة ﵂ الحق فيها فرجعت له، وعرف لها الصديق فضلها، فعادها قبل وفاتها واسترضاها في ماتت إلا وهي راضية عنه. (٢)
وأما قولهم إن عائشة ﵂ كانت حريصة على أن يتولى طلحة الخلافة لتعود إلى بن تيم، فذالك باطل من وجوه:
١ - ما مر بيانه من اعتراف عائشة ومن معها بالخلافة لعليّ ﵁.
٢ - لم يأت أي دليل صحيح يبين أنها دعت لطلحة بالخلافة وهذا أيضًا قد مر بيانه.
٣ - أن المعهود من سيرة عائشة ﵁ هو البعد عن هذا الأمر كسائر الصحابة.
ومن ذلك: قولها إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه إن يقم مقامك لا يسمع الناس، تريد بذلك صرف الخلافة عن أبيها. فعن عائشة ﵂ قالت: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ جَاءَ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ فَلَو أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ فَلَو أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ: إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّه ﷺ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁" (٣).
стр. 5467
وفي لفظ عن عائشة قالت: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بَيْتِي قَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ فَلَو أَمَرْتَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: وَاللَّه مَا بِي إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِأَوَّلِ مَنْ يَقُومُ فِي مَقَامِ رَسُولِ اللَّه ﷺ . قَالَتْ: فَرَاجَعْته مَرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، فَقَالَ: لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ" (١).
فكيف تدفع الأمر عن أبيها ثم تتطلبه بعد ذلك لابن عمها بالحرب والقتال على أن المعول عليه في هذا الشأن هو ما صح من النقل ولا نقل يصح فيه فآل كأشباهه إلى النكارة والبطلان.
وأما قولهم إنها لا تطيق ذكر اسم عليّ فباطل أيضًا لأنه مبني على الظن والتخمين وهذا لا يعوَّل عليه على أنه صح ذكرها لاسمه في أكثر من موطن ومنها:
١ - ماسبق أن ذكرناه من حديث الكساء وهو من أعظم مناقب عليّ ﵁.
٢ - تصريحها بذكر اسمه أكثر من مرة في حديث قضية الميراث التي كانت بين الصديق وبين السيدة فاطمة ﵂، وقد سبق ذكره.
٣ - عن شريح بن هانىء قال: سألت عائشة عن المسح فقالت: (ائت عليًا فهو أعلم مني قال: فأتيت عليًا فسألته عن المسح على الخفين قال: فقال: كان رسول اللَّه ﷺ يأمرنا أن نمسح على الخفين يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثًا). (٢)
كما أخرج مسلم بسنده إلى شريح بن هانىء قال: (أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله. . . ألخ) (٣).
٤ - عن أبي سهلة عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه: ادعوا لي بعض أصحابي. قلت أبو بكر قال: لا. قلت: عمر قال: لا. قلت: ابن عمك عليّ. قال: لا، قالت: قلت: عثمان قال نعم فلما جاء قال تنحى -جعل يساره- ولون عثمان يتغير فلما كان يوم الدار وحصر فيها قلنا يا
стр. 5468
أمير المؤمنين: ألا تقاتل قال: لا إن رسول اللَّه ﷺ عهد إلي عهدًا وإني صابر نفسي عليه. (١)
٥ - وقال الإمام أحمد في مسنده ثنا يعقوب قال: حدثني أبى عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبى حبيب عن سليمان بن أبي سليمان عن أمه أم سليمان -وكلاهما كان ثقة- قالت: دخلت على عائشة زوج النبي ﷺ فسألتها عن لحوم الأضاحي، فقالت: قد كان رسول اللَّه ﷺ نهى عنها ثم رخص فيها. قدم عليّ بن أبى طالب من سفر فأتته فاطمة بلحم من ضحاياها فقال: أولم ينه عنها رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: إنه قد رخص فيها. قالت، فدخل عليّ على رسول اللَّه ﷺ فسأله عن ذلك، فقال له: كلها من ذي الحجة إلى ذي الحجة. (٢)
أما الزيادة التي قال فيها ابن عباس: إن عائشة لا تطيب لها بذكر أو علي أو لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع. والجواب على هذا من وجوه:
الأول: أنها زيادة شاذة ولا تصح عن ابن عباس ﵄، وانظر التخريج وبيان وجه الشذوذ في الحاشية. (٣)
٢ - ولو صحت؛ فإن ابن عباس قد علم شيئًا، وخفيت عليه أشياء، ومما خفي عليه ثناء عائشة على عليّ ﵁ في الحديث الذي ذكرته سابقًا.
٣ - ثم إن حديث الخروج إلى الصلاة بين رجلين قد جاء أيضًا عن ابن عباس ﵄ في قوله: (فخرج يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض)، وعلى قاعدة الكاتب يكون ابن عباس عدوًا لأبيه العباس، ولعليّ بن أبي طالب، لعدم تصريحه بأسمائهما؛ وهذا باطل؛ لأن ابن عباس من كبار أصحاب علي بن أبي طالب ﵃.
أما الحكمة في إبهام الرجل الآخر: فقد قال البدر العيني: الحكمة في أن عائشة ﵂ قالت: ورجل آخر ولم تعينه مع أنه كان هو عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه كان في قلبها منه ما يحصل في قلوب البشر مما يكون سببًا في الإعراض عن ذكر اسمه.
قلت: وهذا مردود بما سبق من روايتها لفضائل عليّ وأهل بيته.
وجاء في رواية بين الفضل بن عباس، وفي أخرى بين رجلين أحدهما أسامة، وطريق الجمع أنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة تارة هذا وتارة هذا، وكان العباس أكثرهم أخذًا بيده الكريمة؛ لأنه كان أدومهم لها إكرامًا له واختصاصًا به، وعليّ، وأسامة والفضل؛ يتناوبون اليد الأخرى فعلى هذا يجاب بأنها صرحت بالعباس وأبهمت الآخر لكونهم ثلاثة. وهذا الجواب أحسن من الأول. (١)
* * *
стр. 5471
٧ - موقف الصحابة في معركة صفين
نص الشبهة:
كيف يتقاتل أمثال هؤلاء الصحابة من أجل أشخاص أو صراع على سلطة؟
والرد على ذلك كما يلي.
أولًا: إجمال التأويل الذي ذهب إليه كل من الفريقين في قتال الآخر، وأنه لم يكن البحث عن الخلافة والملك من معاوية ﵁، ولم يكن رضًا بقتل عثمان من جهة عليّ ﵁ ولا دفاعًا عن قتلته في معركة صفين، وذلك في نقول عن أهل العلم نجعلها في نقاط كما يلي:
الوجه الأول: ذكر الرواية بذلك
لقد شاع بين الناس قديمًا وحديثًا أن الخلاف بين عليّ ومعاوية ﵄ كان سببه طمع معاوية في الخلافة، وأن خروج هذا الأخير على عليّ وامتناعه عن بيعته كان بسبب عزله عن ولاية الشام. (١) جاء في كتاب: الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة الدينوري رواية تذكر أن معاوية ادعى الخلافة، وذلك من خلال الرواية التي ورد فيها ما قاله ابن الكواء لأبي موسى ﵁: اعلم أن معاوية طليق الإسلام، وأن أباه رأس الأحزاب، وأنه ادعى الخلافة من غير مشورة، فإن صدقك فقد حل خلعه، وإن كذبك فقد حرم عليك كلامه. (٢)
ونقل الذهبي ﵀ أن معاوية قال لجرير بن عبد اللَّه ﵃: اكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام وأنا أبايع له، وذكر يحيى الجعفي في كتاب صفين بإسناده أن معاوية قال لجرير بن عبد اللَّه: اكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام وأنا أبايع له قال: وبعث الوليد بن عبد اللَّه: اكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام وأنا أبايع له قال: وبعث الوليد بن عقبة إليه يقول:
معاوي إن الشام شامك فاعتصم ... بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا
وحام عليها بالقبائل والقنا ... ولا تك محشوش الذراعين وانيًا
فإن عليًّا ناظر ما تجيبه ... فاهد له حربًا تشيب النواصيا. (٣)
стр. 5472
الوجه الثاني: نقد الرواية وتوجيه المسألة:
وهذا كله باطل وكذب. والصحيح أن الخلاف بين عليّ ومعاوية ﵃ كان حول مدى وجوب بيعة معاوية وأصحابه لعليّ قبل توقيع القصاص على قتلة عثمان أو بعده، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء.
وعلى هذا، فلم تكن معركة صفين مختلفة عن واقعة الجمل بأطرافها أو الغاية منها، لذا ذكر علماء التاريخ أن سبب الخلاف والقتال بين عليّ ومعاوية في صفّين لم يكن بسبب أن لمعاوية طمعًا وتطلعًا للخلافة كما يدّعي ويروج له الكثير من الكتاب.
فمعاوية لم يرفع إلى الخلافة رأسًا، ولم يبايع له بها أحد من المسلمين، ولم يقاتل عليًا على أنه خليفة، بل كان سبب الخلاف بين خليفة المسلمين عليّ بن أبى طالب ﵁، وأمير الشام معاوية ﵁ أنه لم يمتثل بما أمره به خليفة المسلمين من عزله من ولاية الشام والإقرار له بالخلافة.
كان معاوية يريد إنفاذ القصاص في قتلة خليفة المسلمين المغدور به عثمان، وقد أشيع عند أهل الشام أن الخليفة عليًا ﵁ امتنع عن معاقبة وملاحقة قتلة عثمان ﵁ عند توليه خلافة المسلمين، وبدلًا من ذلك قاتل أهل الجمل، وترك أيضًا المدينة وسكن الكوفة وهي معقل قاتلي عثمان، وأن في جيشه من هو متهم في قتل خليفة المسلمين السابق. (١)
ويذكر ابن العربي تباين وجهة النظر، واختلاف الاجتهاد الذي أدى إلى الحرب فيقول: ودارت الحرب بين أهل الشام وأهل العراق هؤلاء يدعون إلى عليّ بالبيعة وتأليف الكلمة على الإمام، وهؤلاء يدعون إلى التمكين من قتلة عثمان ويقولون لا نبايع من يؤوي القتلة، وعليّ يقول: لا أمكن طالبًا من مطلوب ينفذ فيه مراده بغير حكم ولا حاكم، ومعاوية يقول: لا نبايع متهمًا بقتله أو قاتلًا له هو أحدُ من نطلب فكيف نحكمه أو نبايعه وهو خليفة عداء وتسور؟ . (٢)
ويرد ما خالف هذا الأصل بقوله: وذكروا في تفاصيل ذلك كلمات آلت إلى استفعال
стр. 5473
رسائل واستخراج أقوال، وإنشاء أشعار، وضرب أمثال تخرج عن سيرة السلف، يقرؤها الخلْف وينبذها الخلَف. (١)
وقال الجويني: ومعاوية -وإن قاتل عليًا- فإنه كان لا ينكر إمامته ولا يدّعيها لنفسه وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظانًّا أنه مصيب -وكان مخطئًا- وعليّ ﵁ متمسك بالحق. (٢)
قال ابن تيمية: والحديث المذكور: "إذا اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون" كذب مفترى لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث ولا هو في شيء من دواوين الإسلام المعتمدة، ومعاوية لم يدّع الخلافة، ولم يبايع له بها حين قاتل عليًا، ولم يقاتل على أنه خليفة ولا أنه يستحق الخلافة ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدئوا عليًا وأصحابه بالقتال ولا يعلوا، بل لما رأى عليّ ﵁ وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته، ومبايعته إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد، وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب وهم أهل شوكة، رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب فتحصل الطاعة والجماعة، وهم قالوا إن ذلك لايجب عليهم وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين. قالوا لأن عثمان قتل مظلومًا باتفاق المسلمين وقتلته في عسكر عليّ وهم غالبون لهم شوكة، فإذا امتنعنا ظلمونا واعتدوا علينا، وعليّ ﵁ لا يمكنه دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن عثمان ﵁، وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف، وكان في جهال الفريقين من يظن بعليّ وعثمان ظنونًا كاذبة -برأ اللَّه منها عليًّا وعثمان- كان يظن بعليّ أنه أمر بقتل عثمان وكان عليٌّ يحلف -وهو البار الصادق بلا يمين- أنه لم يقتله، ولا رضي بقتله ولم يمالىء على قتله وهذا معلوم بلا ريب من عليّ ﵁ فكان أناس من محبّي عليّ ومن مبغضيه يشيعون ذلك عنه، فمحبوه يقصدون بذلك الطعن على عثمان بأنه كان يستحق القتل وأن عليًّا أمر بقتله، ومبغضوه يقصدون بذلك الطعن على عليّ، وأنه أعان على قتل الخليفة المظلوم الشهيد الذي
стр. 5474
صبر نفسه ولم يدفع عنها، ولم يسفك دم مسلم في الدفع عنه فكيف في طلب طاعته وأمثال هذه الأمور التي يتسبب بها الزائغون على المتشيعين العثمانية والعلوية! ، وكل فرقة من المتشيعين مقرة مع ذلك بأن معاوية ليس كفًا لعليّ بالخلافة ولا يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلاف عليّ ﵁، فإن فضل عليّ وسابقيته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله كانت عندهم ظاهرة معروفة كفضل إخوانه أبى بكر وعمر وعثمان وغيرهم ﵃ (١).
ولم يكن بقي من أهل الشورى غيره وغير سعد، وسعد كان قد ترك هذا الأمر وكان الأمر قد انحصر في عثمان وعليّ، فلما توفي عثمان لم يبق لها معين إلا عليّ ﵁، وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان. فحصل بذلك قوة أهل الظلم والعدوان وضعف أهل العلم والإيمان حتى حصل من الفرقة والاختلاف ما صار يطاع فيه مَن غيره أولى منه بالطاعة ولهذا أمر اللَّه بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف. ولهذا قيل ما يكرهون في الجماعة خير مما يجمعون من الفرقة.
دفع إشكال حديث "ويح عمار تقتله الفئة الباغية ".
١ - قد تأوله بعضهم على أن المراد بالباغية الطالبة بدم عثمان كما قالوا نبغي ابن عفان بأطراف الأسل، وليس بشيء.
٢ - بل يقال: ما قاله رسول اللَّه ﷺ فهو حق كما قاله، وليس في كون عمار تقتله الفئة الباغية ما ينافي ما ذكرناه فإنه قد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (الحجرات: ٩ - ١٠) فقد جعلهم -مع وجود الاقتتال والبغي- مؤمنين إخوة، بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين، وليس كل ما كان بغيًا وظلمًا أو عدوانًا يخرج عموم الناس عن الإيمان ولا يوجب لعنتهم. فكيف يخرج ذلك من كان من خير القرون!
وكل من كان باغيًا أو ظالمًا أو معتديًا أو مرتكبًا ما هو ذنب فهو قسمان: متأول، وغير
стр. 5475
متأول، فالمتأول: المجتهد كأهل العلم والدين الذين اجتهدوا واعتقد بعضهم حل أمور واعتقد الآخر تحريمها كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة، وبعضهم بعض المعاملات الربوية وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة وأمثال ذلك فقد جرى ذلك.
وأمثاله من خيار السلف. فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وقد ثبت في الصحيح أن اللَّه استجاب هذا الدعاء. وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان ﵉ أنهما حكما في الحرث وخص أحدهما بالعلم والحكم، مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم، والعلماء ورثة الأنبياء فإذا فهم أحدهم من المسألة ما لم يفهمه الآخر لم يكن بذلك ملومًا ولا مانعًا لما عرف من علمه ودينه، وإن كان ذلك مع العلم بالحكم يكون إثمًا وظلمًا والإصرار عليه فسقًا، بل متى علم تحريمه ضرورة كان تحليله كفرًا. فالبغي هو من هذا الباب، أما إذا كان الباغي مجتهدًا ومتأولًا ولم يتبين له أنه باغ، بل اعتقد أنه على الحق، وإن كان مخطئًا في اعتقاده لم تكن تسميته باغيًا موجبة لإثمه فضلًا عن أن توجب فسقه، والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين يقولون مع الأمر بقتالهم: قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم لا عقوبة لهم، بل للمنع من العدوان، ويقولون: إنهم باقون على العدالة لا يفسقون ويقولون: هم كغير المكلف كما يمنع الصبي، والمجنون، والناسي، والمغمى عليه، والنائم من العدوان أن لا يصدر منهم، بل تمنع البهائم من العدوان. ويجب على من قتل مؤمنًا خطأ الدية بنص القرآن مع أنه لا إثم عليه في ذلك، وهكذا من رفع إلى الإمام من أهل الحدود، وتاب بعد القدرة عليه فأقام عليه الحد، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له والباغي المتأول يجلد عند مالك والشافعي وأحمد، ونظائره متعددة ثم بتقدير أن يكون البغي بغير تأويل يكون ذنبًا، والذنوب تزول عقوبتها بأسباب متعددة بالحسنات الماحية والصائب المكفرة وغير ذلك.
٣ - ثم إن عمارًا تقتله الفئة الباغية ليس نصًا في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه، بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته وهى طائفة من العسكر ومن
стр. 5476
رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها، ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار كعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وغيره، بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار حتى معاوية، وعمرو.
٤ - والفقهاء ليس فيهم من رأيه القتال مع من قتل عمارًا لكن لهم قولان مشهوران كما كان عليهما أكابر الصحابة. منهم من يرى القتال مع عمار وطائفته، ومنهم من يرى الإمساك عن القتال مطلقًا.
وفى كل من الطائفتين طوائف من السابقين الأولين:
في القول الأول عمار، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب.
وفي الثاني سعد بن أبى وقاص، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وعبد اللَّه بن عمر ونحوهم، ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأي.
ولم يكن في العسكرين بعد عليّ أفضل من سعد بن أبى وقاص، وكان من القاعدين.
٥ - وحديث عمار قد يحتج به من رأى القتال؛ لأنه إذا كان قاتلوه بغاة فاللَّه يقول: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي. . .﴾.
٦ - والممسكون يحتجون بالأحاديث الصحيحة عن النبيّ ﷺ في أن القعود عن الفتنة خير من القتال فيها، وتقول إن هذا القتال ونحوه هو قتال الفتنة كما جاءت أحاديث صحيحة تبين ذلك.
٧ - وأن النبي ﷺ لم يأمر بالقتال ولم يرض به، وإنما رضي بالصلح. وإنما أمر اللَّه بقتال الباغي ولم يأمر بقتالى ابتداءً، بل قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: ٩) قالوا: والاقتتال الأول لم يأمر اللَّه به، ولا أمر كل من بغي عليه أن يقاتل من بغي عليه، فإنه إذا قتل كل باغ كفر، بل غالب المؤمنين، بل غالب الناس لا يخلو من ظلم وبغي، ولكن إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فالواجب
стр. 5477
الإصلاح بينهما وإن لم تكن واحدة منهما مأمورة بالقتال فإذا بغت الواحدة بعد ذلك قوتلت، لأنها لم تترك القتال ولم تجب إلى الصلح، فلم يندفع شرها إلا بالقتال، فصار قتالها بمنزلة قتال الصائل الذي لا يندفع ظلمه عن غيره إلا بالقتال كما قال النبي ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (١)، قالوا: فبتقدير أن جميع العسكر بغاة فلم نؤمر بقتالهم ابتداء بل أمرنا بالإصلاح بينهم وأيضًا فلا يجوز قتالهم إذا كان الذين مع عليّ ناكلين عن القتال فإنهم كانوا كثيري الخلاف عليه ضعيفي الطاعة له، والمقصود أن هذا الحديث لا يبيح لعن أحد من الصحابة ولا يوجب فسقه وأما أهل البيت فلم يسبوا قط وللَّه الحمد. (٢)
٨ - وقال الهيثمي: ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين معاوية وعليّ ﵄ من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعليّ في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعليّ، فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من عليّ تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه، فامتنع عليّ ظنًّا منه أن تسليمهم إليهم على الفور مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر علي يؤدي إلى اضطراب وتزلزل في أمر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الإسلام سيما وهي في ابتدائها لم يستحكم الأمر فيها، فرأى عليّ ﵁ أن تأخير تسليمهم أصوب إلى أن يرسخ قدمه في الخلافة ويتحقق التمكن من الأمور فيها على وجهها ويتم له انتظام شملها، واتفاق كلمة المسلمين ثم بعد ذلك يلتقطهم واحدًا فواحدًا ويسلمهم إليهم. ويدل لذلك أن بعض قتلته عزم على الخروج على عليّ ومقاتلته لما نادى يوم الجمل بأن يخرج عنه قتلة عثمان، وأيضًا فالذين تمالؤا على قتل عثمان كانوا جموعًا كثيرة كما علم مما قدمته في قصة محاصرتهم له إلى أن قتله بعضهم جمع من أهل مصر قيل سبعمائة، وقيل ألف، وقيل خمسمائة، وجمع من الكوفة، وجمع من البصرة، وغيرهم قدموا كلهم المدينة وجرى منهم ما جرى، بل ورد أنهم هم وعشائرهم
стр. 5478
نحو من عشرة آلاف. فهذا هو الحامل لعليّ ﵁ على الكف عن تسليمهم لتعذره كما عرفت، ويحتمل أن عليًا ﵁ رأى أن قتلة عثمان بغاة حملهم على قتله تأويل فاسد استحلوا به دمه ﵁ لإنكارهم عليه أمورًا، كجعله مروان ابن عمه كاتبًا له ورده إلى المدينة بعد أن طرده النبي ﷺ منها، وتقديمه أقاربه في ولاية الأعمال، والباغي إذا انقاد إلى الإمام العدل لا يؤاخذ بما أتلفه في حال الحرب عن تأويل دمًا كان أو مالًا كما هو المرجح من قول الشافعي ﵁، وبه قال جماعة آخرون من العلماء. وهذا الاحتمال -وإن أمكن- لكن ما قبله أولى بالاعتماد منه؛ فإن الذي ذهب إليه كثيرون من العلماء أن قتلة عثمان لم يكونوا بغاة، وإنما كانوا ظلمة وعتاة لعدم الاعتداد بشبههم ولأنهم أصروا على الباطل بعد كشف الشبهة وإيضاح الحق لهم، وليس كل من انتحل شبهة يصير بها مجتهدًا، لأن الشبهة تعرض للقاصر عن درجة الاجتهاد، ولا ينافي هذا ما هو المقرر في مذهب الشافعي ﵁ من أن من لهم شوكة دون تأويل لا يضمنون ما أتلفوه في حال القتال كالبغاة لأن قتل عثمان ﵁ لم يكن في قتال، فإنه لم يقاتل، بل نهى عن القتال حتى إن أبا هريرة ﵁ لما أراده قال له عثمان: عزمت عليك يا أبا هريرة إلا رميت بسيفك إنما تراد نفسي وسأقي المسلمين بنفسي كما أخرجه ابن عبد البر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.
٩ - ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أيضًا أن معاوية ﵁ لم يكن في أيام عليّ خليفة؛ وإنما كان من الملوك وغاية اجتهاده أنه كان له أجر واحد على اجتهاده، وأما عليّ ﵁ فكان له أجران أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته. (١)
١٠ - وهكذا تتضافر الروايات وتشير إلى أن معاوية خرج للمطالبة بدم عثمان وأنه صرح بدخوله في طاعة علي ﵃ إذا أقيم الحد على قتلة عثمان ولو فرض أنه اتخذ قضية القصاص والثأر لعثمان ذريعة لقتال عليّ طمعا في السلطان، فماذا سيحدث سيحدث لو تمكن عليّ من إقامة الحد على قتلة عثمان حتمًا ستكون النتيجة خضوع معاوية لعليّ ومبايعته له؛ لأنه التزم
стр. 5479
بذلك في موقفه من تلك الفتنة كما أن كل من كان معه كانوا يقاتلون على أساس إقامة الحد على قتلة عثمان على أن معاوية إذا كان يخفي في نفسه شيئًا آخر لم يعلن عنه سيكون هذا الموقف مغامرة ولا يقدم عليه إذا كان ذا أطماع، ومعاوية كان من كتاب الوحي، ومن أفاضل الصحابة، وأصدقهم لهجة، وأكثرهم حلمًا فكيف يعتقد أن يخالف الخليفة الشرعي ويهرق دماء المسلمين من أجل ملك زائل، وهو القائل: واللَّه لا أخير بين أمرين بين اللَّه وبين غيره إلا اخترت اللَّه على ما سواه. وقد ثبت عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال فيه: "اللهم اجعله هاديًا مهديًا واهد به" (١)، وقال: "اللهم علمه الكتاب وقه العذاب" (٢). (٣)
ثانيًا: إذا كان الأمر على ما مر بالنسبة لموقف معاوية فمع من كان الصواب في هذه الحرب ؟
وإذا كان الصواب في جانب عليّ فما هو الخطأ في جهة معاوية ﵁ -؟
١ - قال ابن العربيّ ﵀: وأما الصواب فيه فمع عليّ ﵁
لأن الطالب للدم لا يصح أن يحكم وتهمة الطالب للقاضي لا توجب عليه أن يخرج عليه، بل يطلب الحق عنده فإن ظهر له قضاء وإلا سكت وصبر، فكم من حق يحكم اللَّه فيه، وإن لم يكن له دين فحينئذ يخرج عليه فيقوم له عذر في الدنيا، ولئن اتهم عليّ بقتل عثمان فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وهو متهم به أو قل معلوم قطعًا أنه قتله؛ لأن ألف رجل جاءوا لقتل عثمان لا يغلبون أربعين ألفًا.
وهب أن عليًا وطلحة والزبير تضافروا على قتل عثمان فباقي الصحابة من المهاجرين والأنصار ومن اعتد فيهم وضوى إليهم ماذا صنعوا بالقعود عن نصرته؟
فلا يخلو أن يكون لأنهم رأوا أولئك طلبوا حقًا وفعلوا حقًا فهذه شهادة قائمة على عثمان فلا كلام لأهل الشام، وإن كانوا قعدوا عنه استهزاء بالدين وأنهم لم يكن لهم رأس مال في الحال ولا مبالاة عندهم بالإسلام ولا فيما يجري فيه من اختلال، فهي ردة ليست
стр. 5480
معصية لأن التهاون بحدود الدين وإسلام حرمات الشريعة للتضييع كفر وإن كانوا قعدوا؛ لأنهم لم يروا أن يتعدوا حد عثمان وإشارته فأي ذنب لهم فيه. وأي حجة لمروان، وعبد اللَّه بن الزبير، والحسن، والحسين، وابن عمر، وأعيان العشرة معه في داره يدخلون إليه ويخرجون عنه في الشكة والسلاح والمطالبون ينظرون، ولو كان بهم قوة أو أووا إلى ركن شديد لما مكنوا أحدًا أن يراه منهم ولا يداخله، وإنما كانوا نظارة، فلو قام في وجوههم الحسن، والحسين، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن الزبير ما جسروا ولو قتلوهم ما بقي على الأرض منهم حيّ. والذي يكشف الغطاء في ذلك أن معاوية لما صار إليه الأمر لم يمكنه أن يقتل من قتلة عثمان أحدًا إلا بحكم إلا من قتل في حرب بتأويل أو دس عليه فيما قيل حتى انتهى الأمر إلى زمان الحجاج وهم يقتلون بالتهمة لا بالحقيقة، فتبين لكم أنهم ما كانوا في ملكهم يفعلون ما أضحوا له يطلبون.
٢ - والذي تثلج به صدروكم أن النبي ﷺ ذكر في الفتن، وأشار وبين وأنذر الخوارج وقال: تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق، فبين أن كل طائفة منهما تتعلق بالحق، ولكن طائفة عليّ أدنى إليه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (الحجرات: ٩)، فلم يخرجهم عن الإيمان بالبغي بالتأويل ولا سلبهم اسم الأخوة بقوله بعده ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: ١٠).
٣ - وقال ﷺ في عمار: "تقتله الفئة الباغية"، وقال في الحسن: "ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، فحسن له خلعه نفسه وإصلاحه وكذلك يروى أنه أذن في الرؤيا لعثمان في أن يستسلم ويفطر عنده الليلة.
٤ - فهذه كلها أمور جرت على رسم النزاع ولم تخرج عن طريق من طرق الفقه ولا تعدت سبيل الاجتهاد الذي يؤجر فيه المصيب عشرة والمخطىء أجرًا واحدًا. (١)
стр. 5481
٥ - وما وقع من روايات في كتب التاريخ عدا ما ذكرنا فلا تلتفتوا إلى حرف منها، فإنها كلها باطلة. (١)
٦ - وقال ابن تيمية بعد اعتذاره عن معاوية ومن معه من المطالبين بدم عثمان -كما سبق نقله-: وهذا وأمثاله مما يبين شبهة الذين قاتلوه ووجه اجتهادهم في قتاله، لكن لا يدل على أنهم كانوا مصيبين في ترك مبايعته وقتاله، وكون قتلة عثمان من رعيته لا يوجب أنه كان موافقًا لهم، وقد اعتذر بعض الناس عن عليّ، بأنه لم يكن يعرف القتلة بأعيانهم، أو بأنه كان لا يرى قتل الجماعة بالواحد، أو بأنه لم يدع عنده ولي الدم دعوى توجب الحكم له، ولا حاجة إلى هذه الأعذار. بل لم يكن عليّ مع تفرق الناس عليه متمكنًا من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شرًا وبلاء، ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس؛ لأنهم كانوا عسكرًا وكان لهم قبائل تغضب لهم، والمباشر منهم للقتل وإن كان قليلًا، فكان ردؤهم أهل الشوكة ولولا ذلك لم يتمكنوا، ولما سار طلحة والزبير إلى البصرة ليقتلوا قتلة عثمان قام بسبب ذلك حرب قتل فيها خلق.
ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت عليّ وصار أميرًا على جميع المسلمين، ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا قد بقوا، فمعاوية ﵁ الذي يقول المنتصر له إنه كان مصيبًا في قتال عليّ؛ لأنه كان طالبًا لقتل قتلة عثمان لمّا تمكن وأجمع الناس عليه لم يقتل قتلة عثمان.
فإن كان قتلهم واجبًا وهو مقدور له كان فعله بدون قتال المسلمين أولى من أن يقاتل عليا وأصحابه لأجل ذلك، ولو قتل معاوية قتلة عثمان لم يقع من الفتنة أكثر مما وقع ليالي صفين.
٧ - وإن كان معاوية معذورًا في كونه لم يقتل قتلة عثمان، إما لعجزه عن ذلك، أو لما يفضى إليه ذلك من الفتنة وتفريق الكلمة وضعف سلطانه فعليّ أولى أن يكون معذورًا أكثر من
стр. 5482
معاوية؛ إذ كانت الفتنة وتفريق الكلمة وضعف سلطانه بقتل القتلة لو سعى في ذلك أشدّ.
٨ - ومن قال إن قتل الخلق الكثير الذين قتلوا بينه وبين عليّ كان صوابًا منه لأجل قتل قتلة عثمان، فقتل ما هو دون ذلك لأجل قتل قتلة عثمان أولى أن يكون صوابًا وهو لم يفعل ذلك لما تولى ولم يقتل قتلة عثمان.
٩ - وذلك أن الفتن إنما يعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت فأما إذا أقبلت فإنها تزين ويظن أن فيها خيرًا، فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء صار ذلك مبينًا لهم مضرتها وواعظًا لهم أن يعودوا في مثلها كما أنشد بعضهم:
الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... ولت عجوزًا غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت ... مكروهة للشم والتقبيل
والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت وصارت عبرة لهم ولغيرهم.
١٠ - ومن استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين تبين له أنه ما دخل فيها أحد فحمد عاقبة دخوله لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه، ولهذا كانت من باب المنهي عنه والإمساك عنها من المأمور به الذي قال اللَّه فيه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣). (١)
اعتراض على كون الحق مع علي والجواب عليه من كلام ابن تيمية ﵀:
قال ﵀: وأما قول القائل إن عليًا بدأهم بالقتال؟
قيل له: وهم أولًا امتنعوا من طاعته ومبايعته وجعلوه ظالمًا مشاركًا في دم عثمان وقبلوا عليه شهادة الزور ونسبوه إلى ما هو بريء منه.
وإذا قيل هذا وحده لم يبح له قتالهم؟
стр. 5483
قيل: ولا كان قتاله مباحًا لكونه عاجزًا عن قتل قتلة عثمان.
بل لو كان قادرًا على قتل قتلة عثمان وقدر أنه ترك هذا الواجب إما متأولًا وإما مذنبًا لم يكن ذلك موجبًا لتفريق الجماعة والامتناع عن مبايعته ولمقاتلته، بل كانت مبايعته على كل حال أصلح في الدين وأنفع للمسلمين وأطوع للَّه ولرسوله من ترك مبايعته.
وبيان ذلك ما يلي:
١ - فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن اللَّه يرضى لكم ثلاثًا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل اللَّه جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه اللَّه أمركم". (١)
٢ - وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره وشره، ومنشطه ومكرهه، وأثره عليه ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". (٢)
٣ - وعن عبادة ﵁ قال: "بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في يسرنا وعسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول أو نقوم بالحق حيث ما كنا لا نخاف في اللَّه لومة لائم". (٣)
٤ - وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ (٤)، وفي رواية "فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً". (٥)
٥ - وعن ابن عمر ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "من خلع يدًا من طاعة لقي اللَّه يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعه مات ميتة جاهلية". (٦)
стр. 5484
٦ - وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة، ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم رجل: ". . .، ورجل بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا إن أعطاه ما يريد وفّى له وإلا لم يفِ له. . . " الحديث. (١)
٧ - وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". (٢)
١١ - ومن الأدلة على أن موقف عليّ هو الصواب: أنَّ عليًا ﵁ كان قد بايعه أهل الكوفة ولم يكن في وقته أحق منه بالخلافة وهو خليفة راشد تجب طاعته، ومعلوم أن قتل القاتل إنما شرع عصمة للدماء، فإذا أفضى قتل الطائفة القليلة إلى قتل أضعافها لم يكن هذا طاعة ولا مصلحة، وقد قتل بصفين أضعاف أضعاف قتلة عثمان ﵁.
١٢ - وأيضًا فقول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" يدل على أن عليًّا وأصحابه أدنى إلى الحق من معاوية وأصحابه، فلا يكون معاوية وأصحابه في قتالهم لعليّ أدنى إلى الحق.
١٣ - وكذلك حديث عمار بن ياسر "تقتلك الفئة الباغية" قد رواه مسلم في صحيحه من غير وجه، ورواه البخاري - لكن في كثير من النسخ لم يذكره تامًا.
وأما تأويل من تأوله أن عليًا وأصحابه قتلوه، وأن الباغية الطالبة بدم عثمان، فهذا من التأويلات الظاهرة الفساد التي يظهر فسادها للعامة والخاصة. والحديث ثابت في الصحيحين، وقد صححه أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة، وإن كان قد روى عنه أنه ضعفه فآخر الأمرين منه تصحيحه.
قال يعقوب بن شيبة في مسنده في المكيين في مسند عمار بن ياسر لما ذكر أخبار عمار: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي ﷺ في عمار تقتلك الفئة الباغية؟ فقال أحمد قتلته الفئة الباغية كما قال النبي ﷺ ، وقال في هذا غير حديث صحيح عن النبي ﷺ وكره
стр. 5485
أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا. وقال البخاري في صحيحه حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس ولابنه انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فرآه رسول اللَّه ﷺ ، فجعل ينفض التراب عنه ويقول: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار"، قال: يقول عمار: أعوذ باللَّه من الفتن.
والحديث ثابت صحيح عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث والذين قتلوه هم الذين باشروا قتله. والحديث أطلق فيه لفظ البغي لم يقيده بمفعول كما قال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾، وكما قال النبي ﷺ : "الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلًا ولا مالًا".
ولفظ البغي إذا أطلق فهو الظلم كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾.
وأيضًا فإن النبي ﷺ ذكر هذا لما كانوا ينقلون اللبن لبناء المسجد وكانوا ينقلون لبنة لبنة وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فقال النبي ﷺ : "ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار"، وهذا ليس فيه ذم لعمار، بل مدح له ولو كان القاتلون له مصيبين في قتله لم يكن مدحًا له، وليس في كونهم يطلبون دم عثمان ما يوجب مدحه.
وكذلك من تأول قاتله بأنهم الطائفة التي قاتل معها؛ فتأويله ظاهر الفساد ويلزمهم ما ألزمهم إياه علي وهو أن يكون النبي ﷺ وأصحابه قد قتلوا كل من قتل معهم في الغزو كحمزة وغيره، وقد يقال فلان قتل فلانًا إذا أمره بأمر كان فيه حتفه، ولكن هذا مع القرينة لا يقال عند الإطلاق، بل القاتل عند الإطلاق الذي قتله دون الذي أمره.
ثم هذا يقال لمن أمر غيره، وعمار لم يأمره أحد بقتال أصحاب معاوية، بل هو كان من أحرص الناس على قتالهم وأشدهم رغبة في ذلك وكان حرصه على ذلك أعظم من حرص غيره، وكان هو يحض عليًا وغيره على قتالهم.
стр. 5486
ولهذا لم يذهب أحد من أهل العلم الذين تذكر مقالاتهم إلى هذا التأويل، بل أهل العلم في هذا الحديث على ثلاثة أقوال:
١ - فطائفة ضعفته لما روى عندها بأسانيد ليست ثابتة عندهم، ولكن رواه أهل الصحيح، رواه البخاري كما تقدم من حديث أبي سعيد، ورواه مسلم من غير وجه من حديث الحسن عن أمه عن أم سلمة ﵂ من حديث أبي سعيد عن أبي قتادة وغيره.
٢ - ومنهم من قال: هذا دليل على أن معاوية وأصحابه بغاة، وأن قتال علي لهم قتال أهل العدل لأهل البغي، لكنهم بغاة متأولون لا يكفرون ولا يفسقون. ولكن يقال ليس في مجرد كونهم بغاة ما يوجب الأمر بقتالهم؛ فإن اللَّه لم يأمر بقتال كل باغ، بل ولا أمر بقتال البغاة ابتداء، ولكن قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فلم يأمر بقتال البغاة ابتداء، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يصلح بينهما، وهذا يتناول ما إذا كانتا باغيتين أو إحداهما باغية.
ثم قال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ قد يقال المراد به البغي بعد الإصلاح، ولكن هذا خلاف ظاهر القرآن، فإن قوله ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ يتناول الطائفتين المقتتلتين سواء أصلح بينهما، أو لم يصلح كما أن الأمر بالإصلاح يتناول المقتتلتين مطلقًا، فليس في القرآن أمر بقتال الباغي ابتداء، لكن أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يصلح بينهما وأنه إن بغت إحداهما على الأخرى بعد القتال أن تقاتل حتى تفيء، وهذا يكون إذا لم تجب إلى الإصلاح بينهما وإلا فإذا أجابت إلى الإصلاح بينهما لم تقاتل، فلو قوتلت ثم فاءت إلى الإصلاح لم تقاتل لقوله تعالى ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، فأمر بعد القتال -إلى أن تفيء- أن يصلح بينهما بالعدل وأن يقسط. وقتال
стр. 5487
الفتنة لا يقع فيه هذا، وذلك قد يكون لأن اللَّه لم يأمر بالقتال ابتداء، ولكن أمر إذا اقتتلوا وبغت إحداهما على الأخرى بقتال الفئة الباغية، وقد تكون الآية أمرًا بالإصلاح وقتال الباغية جميعًا لم يأمر بأحدهما، وقد تكون الطائفة باغية ابتداء، لكن لما بغت أمر بقتالها وحينئذ لم يكن المقاتل لها قادرًا لعدم الأعوان أو لغير ذلك، وقد يكون عاجزًا ابتداء عن قتال الفئة الباغية، أو عاجزًا عن قتالٍ تفيء فيه إلى أمر اللَّه. فليس كل من كان قادرًا على القتال كان قادرًا على قتالٍ يفيء فيه إلى أمر اللَّه، وإذا كان عاجزًا عن قتالها حتى تفيء إلى أمر اللَّه لم يكن مأمورًا بقتلاها لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب، ولكن قد يظن أنه قادر على ذلك فتبين له في آخر الأمر أنه لم يكن قادرًا، فهذا من الاجتهاد الذي يثاب صاحبه على حسن القصد. وفعل ما أمر وإن أخطأ فيكون له فيه أجر ليس من الاجتهاد الذي يكون له في أجران؛ فإن هذا إنما يكون إذا وافق حكم اللَّه في الباطن.
كما قال النبي ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران". (١) ومن الاجتهاد أن يكون ولي الأمر أو نائبه مخيرًا بين أمرين فأكثر تخيرٍ تحرٍّ للأصلح لا تخيير شهوة كما يخير الإمام في الأسرى بين القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء عند أكثر العلماء.
فإن قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ليس بمنسوخ، وكذلك تخيير من نزل العدو على حكمه كما نزل بنو قريظة على حكم النبي ﷺ فسأله حلفاؤهم من الأوس أن يمن عليهم كما من على بني النضير حلفاء الخزرج، فقال النبي ﷺ ألا ترضون أن أحكم فيهم سعد بن معاذ سيد الأوس فرضيت الأوس بذلك، فأرسل النبي ﷺ خلف سعد بن معاذ فجاء وهو راكب وكان تمرض من أثر جرح به في المسجد، وبنو قريظة شرقي المدينة بينهم نصف نهار أو نحو ذلك. فلما أقبل سعد قال النبي ﷺ : "قوموا إلى سيدكم"، فقاموا وأقاربه في الطريق يسألونه أن يمن عليهم ويذكرونه بمعاونتهم ونصرهم له في الجاهلية، فلما دنا قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، فأمره النبي ﷺ أن يحكم فيهم،
стр. 5488
فحكم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، فقال النبي ﷺ لسعد: "قد حكمت فيهم بحكم اللَّه من فوق سبع سماوات" (١).
وعن بريدة عن النبي ﷺ قال: "إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم اللَّه فلا تنزلهم على حكم اللَّه، فإنك لا تدري ما حكم اللَّه فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك" (٢). فدل هذان الحديثان الصحيحان على أن للَّه حكمًا معينًا فيما يكون ولي الأمر مخيرًا فيه تخيير مصلحة، وإن كان لو حكم بغير ذلك نفذ حكمه في الظاهر في كال من باب القتال فهو أولى أن يكون أحد الأمرين أحب إلى اللَّه ورسوله إما فعله وإما تركه، ويتبين ذلك بالمصلحة والمفسدة فما كان وجوده خيرًا من عدمه لما حصل فيه من المصلحة الراجحة في الدين، فهذا مما يأمر اللَّه به أمر إيجاب أو استحباب وما كان عدمه خيرًا من وجوده فليس بواجب ولا مستحب، وإن كان فاعله مجتهدًا مأجورًا على اجتهاده، والقتال إنما يكون لطائفة ممتنعة، فلو بغت ثم أجابت إلى الصلح بالعدل لم تكن ممتنعة، فلم يجز قتالها ولو كانت باغية، وقد أمر بقتال الباغية إلى أن تفيء إلى أمر اللَّه أي ترجع، ثم قال: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾، فأمر بالإصلاح بعد قتال الفئة الباغية كما أمر بالإصلاح إذا اقتتلتا ابتداء، وقد قالت عائشة ﵂ لما وقعت الفتنة ترك الناس العمل بهذه الآية. وهو كما قالت فإنهما لما اقتتلتا لم يصلح بينهما، ولو قدر أنه قوتلت الباغية، فلم تقاتل حتى تفيء إلى أمر اللَّه، ثم أصلح بينهما بالعدل. واللَّه تعالى أمر بالقتال إلى الفيء، ثم الإصلاح لم يأمر بقتال مجرد، بل قال ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وما حصل قتال حتى تفيء إلى أمر اللَّه، فإن كان ذلك مقدورًا فما وقع -وإن كان معجوزًا عنه- لم يكن مأمورًا به.
وعجز المسلمين يوم أحد عن القتال الذي يقتضي انتصارهم كان بترك طاعة الرسول وذنوبهم وكذلك التولي يوم حنين كان من الذنوب يبين ذلك أنه لو قدر أن طائفة بغت
стр. 5489
على طائفة وأمكن دفع البغي بلا قتال لم يجز القتال، فلو اندفع البغي بوعظ أو فتيا أو أمر بمعروف لم يجز القتال، ولو اندفع البغي بقتل واحد مقدور عليه أو إقامة حد أو تعزيز مثل قطع سارق وقتل محارب وحد قاذف لم يحز القتال، وكثيرًا ما نثور الفتنة إذا ظلم بعض طائفة لطائفة أخرى فإذا أمكن استيفاء حق المظلوم بلا قتال لم يجز القتال، وليس في الآية أن كل من امتنع من مبايعه إمام عادل يجب قتاله بمجرد ذلك، وإن سمى باغيًا لترك طاعة الإمام فليس كل من ترك طاعة الإمام يقاتل.
والصديق قاتل ما نعي الزكاة لكونهم امتنعوا عن أدائها بالكلية فقوتلوا بالكتاب والسنة وإلا فلو أقروا بأدائها وقالوا لا نؤديها إليك لم يجز قتالهم عند أكثر العلماء وأولئك لم يكونوا كذلك، ولهذا كان:
٣ - القول الثالث: في هذا الحديث حديث عمار إن قاتل عمار طائفة باغية ليس لهم أن يقاتلوا عليًا ولا يمتنعوا عن مبايعته وطاعته، وإن لم يكن على مأمورًا بقتالهم ولا كان فرضًا عليه قتالهم لمجرد امتناعهم عن طاعته مع كونهم ملتزمين شرائع الإسلام، وإن كان كل من المقتتلتين متأولين مسلمين مؤمنين وكلهم يستغفر لهم ويترحم عليهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. (١)
ثالثًا: خبر التحكيم وبراءة الصحابة الكرام مما نسب إليهم من الأباطيل في هذا الخبر:
ذكر الرواية في ذلك.
قال الطبري: قال أبو مخنف حدثني أبو جناب الكلبي أن عمرًا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام يقول: إنك صاحب رسول اللَّه ﷺ وأنت أسن مني فتكلم وأتكلم، فكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في كل شيء اغتزى بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع عليّ. قال: فنظر في أمرهما وما اجتمعا عليه فأراده عمرو على معاوية
стр. 5490
فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبو موسى عمرًا على عبد اللَّه بن عمر فأبى عليه، فقال له عمرو: خبرني ما رأيك؟ قال: رأي أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا، فقال له عمرو: فإن الرأي ما رأيت، فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: يا أبا موسى، أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع واتفق، فتكلم أبو موسى، فقال: إن رأيي ورأي عمرو قد اتفقا على أمر نرجو أن يصلح اللَّه به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبر يا أبا موسى، تقدم فتكلم، فتقدم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابن عباس: ويحك واللَّه إني لأظنه قد خدعك! إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك، ثم تكلم أنت بعده. فإن عمرًا رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت في الناس خالفك. وكان أبو موسى مغفل، فقال له: إنا قد اتفقنا، فتقدم أبو موسى فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأي ورأي عمرو عليه وهو أن نخلع عليًا ومعاوية وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم وإني قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا، ثم تنحى وأقبل عمرو بن العاص، فقام مقامه فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان، والطالب دمه، وأحق الناس بمقامه، فقال أبو موسى: مالك -لا وفقك اللَّه- غدرت وفجرت. إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. قال عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا، وحمل شريح بن هانىء على عمرو فقنعه بالسوط، وحمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم وكان شريح بعد ذلك يقول: ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألا أكون ضربته بالسيف آتيًا به الدهر ما أتى، والتمس أهل الشام أبا موسى، فركب راحلته ولحق بمكة.
قال ابن عباس: قبح اللَّه رأي أبي موسى! حذرته وأمرته بالرأي في عقل، فكان أبو موسى
стр. 5491
يقول: حذرني ابن عباس غدرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه وظننت أنه لن يؤثر شيئًا على نصيحة الأمة، ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانىء إلى علي، وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية، وعمرًا، وأبا الأعور السلمي، وحبيبًا، وعبد الرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس، والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن عليًا، وابن عباس والأشتر، وحسنًا، وحسينًا. (١)
والجواب: الرواية منكرة، وإسنادها واه. وفيها ما يلي:
١ - الانقطاع: لأن الطبري لم يذكر من حدثه عن أبي مخنف، وبينه وبين أبي مخنف اثنان أو ثلاثة.
٢ - لوط بن يحيى، أبو مخنف إخباري تالف لا يوثق به. تركه أبو حاتم وغيره، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال بن عدى: شيعي محترق صاحب أخبارهم. (٢)
٣ - أبو جناب الكلبي، ضعيف، وقال أبو حاتم: صدوق مدلس ولم يصرح (٣)، وقال ابن سعد: أبو جناب الكلبي واسمه: يحيى بن أبي حية، وكان ضعيفًا في الحديث. (٤)
٤ - والحكاية مرسلة، أبو جناب لم يشهد الحدث، والمرسل ضعيف لا تقوم به الحجة.
هذا، وللرواية طريق آخر عند ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر ابن عبد اللَّه بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة عن عمرو بن الحكم بنحوه. (٥)
وهذا إسناد يزيد الأول ضعفًا ويؤكد على رد روايته؛ لأن متابعة الكذابين لبعض تؤكد كذبهم كما أن متابعة المقبولين والثقات لبعض تؤكد صحة الرواية، وإليك ما فيه:
стр. 5492
١ - محمد بن عمر: متروك الرواية سبقت ترجمته.
٢ - أبو بكر بن أبي سبرة. قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ليس بشيء كان يضع الحديث ويكذب، وقال الدوري ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن المديني: كان ضعيفًا في الحديث، وقال مرة: كان منكر الحديث، وقال البخاري: ضعيف، وقال مرة: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ وهو في جملة من يضع الحديث، وقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به، وقال الساجي: عنده مناكير، وقال الحاكم أبو عبد اللَّه: يروي الموضوعات عن الأثبات مثل هشام بن عروة وغيره. (١)، وقال الحافظ: رموه بالوضع. (٢)
٣ - إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة: قال البخاري: تركوه، وقال أحمد: لا تحل عندي الرواية عنه، وفي رواية: ليس بأهل أن يحمل عنه، وقال ابن معين في رواية معاوية بن صالح حديثه: ليس بذاك، وفي رواية ابن أبي مريم عنه: لا يكتب حديثه ليس بشيء، وفي رواية أبي داود والغلابي عنه ليس بثقة، وقال الدوري عنه: بنو أبي فروة ثقات إلا إسحاق، وفي رواية علي بن الحسن الهسنجاني عنه: كذاب. وقال عمرو بن علي وأبو زرعة وأبو حاتم النسائي: متروك الحديث، وقال النسائي في موضع آخر: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وزاد أبو زرعة: ذاهب الحديث. وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم. (٣)، وقال الحافظ: متروك من الرابعة. (٤)
ثانيًا نقد الرواية من حيث المتن:
١ - الرواية تصور الخلاف بين الحكمين تبعًا للخلاف بين عليّ ومعاوية على الخلافة، وقد سبق أن بينا أن موضوع الخلاف هو سرعة الأخذ بالقصاص من قتلة عثمان. (٥)
стр. 5493
٢ - الرواية تنص على عزل الحكمين لمعاوية فيما بينهما وعلى تثبيت عمرًا لمعاوية أمام الناس مع أن معاوية لم يكن خليفة ولا ادعى الخلافة طرفة عين حتى قتل علي ﵁، ولهذا فإن العزل والتثبيت جاءا على غير محلهما، وهذا مما يدل على عدم إحكام الكذابين لكذبتهم فليرجعوا إليها إن شاءوا ليحذفوا منها ما دل على كذبهم.
٣ - الرواية تصور أبا موسى مغفلًا سبابًا وتصور عمرًا ماكرًا مخادعًا سبابًا هو الآخر، وتصور ابن عباس وهو يطعن في أبي موسى وفي اختيار عليّ له، وهذا ينافي الثابت من الفضائل لهؤلاء الكبار -رضي اللَّه عنهم ورضوا عنه-. (١)
د - ومما يؤكد عدم صحة هذه الرواية التي قبلها أهل العلم لقضية التحكيم والتي ينكشف بها كذب الكذابين أكثر من ذي قبل:
قال ابن العربي: وقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه اللَّه، وإذا لاحظتموه بعين المروءة دون الديانة رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين وفي الأقل جهل بيِّن، والذي صح من ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط والدراقطني أنه لما خرج الطائفة العراقية في مائة ألف والشامية في سبعين أو تسعين ألفًا ونزلوا على الفرات بصفين. اقتتلوا في أول يوم وهو الثلاثاء على الماء فغلب أهل العراق عليه، ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة سبع وثلاثين ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت، ورفعت المصاحف من أهل الشام. . .، حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعويين بالحق فكان من جهة عليّ الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت ورفعت المصاحف من أهل الشام ودعوا إلى الصلح وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل: أبو موسى من جهة عليّ، ومن جهة معاوية عمرو بن العاص.
وكان أبو موسى رجلًا تقيًا ثقفًا فقيها عالمًا حسبما بيناه في كتاب (سراج المريدين أرسله النبي ﷺ إلى اليمن مع معاذ وقدمه عمر وأثنى عليه بالفهم. وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وأن ابن العاص كان ذا دهاء وأرب
стр. 5494
حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيدًا لما أرادت من الفساد، وتبع في ذلك بعض الجهال بعضًا وصنفوا فيه حكايات. وغيره من الصحابة كان أحذق منه وأدهى وإنما بنوا ذلك على أن عمرًا لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر. (١) ثم قال بعد سوق الرواية بنحو ما مر في الرواية السابقة: هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء اخترعته المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك فتوارثته أهل المجانة والجهارة بمعاصي اللَّه والبدع. وإنما الذي روى الأئمة الثقات الأثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر في عصبة كريمة من الناس منهم ابن عمر ونحوه عزل عمرو معاوية.
ذكر الدارقطني بسنده إلى حصين بن المنذر: لما عزل عمرو معاوية جاء حصين بن المنذر فضرب فسطاطه قريبًا من فسطاط معاوية، فبلغ ثناه معاوية، فأرسل إلي، فقال إنه بلغني عن هذا أي عن عمرو كذا وكذا، فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه، فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وأبو موسى كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، واللَّه ما كان الأمر على ما قالوا، ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه في النفر الذين توفي رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راض. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر اللَّه عنكما. قال: فكانت هي التي قتل معاوية منها نفسه، فأتيته فأخبرته فأتى حصين معاوية فأخبره أن الذي بلغه عنه كما بلغه، فأرسل إلى أبي الأعور الذكواني فبعثه في خيله، فخرج يركض فرسه ويقول: أين عدو اللَّه؟ أين هذا الفاسق؟ . قال أبو يوسف: أظنه قال إنما يريد حوباء نفسه فخرج عمرو إلى فرس تحت فسطاطه فجال في ظهره عريانا، فخرج يركضه نحو فسطاط معاوية وهو يقول: إن الضجور قد تحتلب العلبة يا معاوية إن الضجور قد تحتلب العلبة، فقال معاوية: أحسبه ويريد الحالب فتدق أنفه وتكفأ إناءه.
قال الدارقطني وذكر سندًا عدلًا وساق الحديث ربعي عن أبي موسى أن عمرو بن
стр. 5495
العاص قال: واللَّه لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال وهو يحل لهما منه شيء لقد غبنا ونقص رأيهما وايم اللَّه ما كان مغبونين ولا ناقصي الرأي ولئن كانا امرأين يحرم عليهما هذا المال الذي أصبناه بعدهما لقد هلكنا، وايم اللَّه ما جاء الوهم إلا من قبلنا.
فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه، فأعرضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين، وعرجوا عن سبيل الناكثين إلى سنن المهتدين وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فقد هلك من كان أصحاب النبي ﷺ خصمه دعوا ما مضى، فقد قضى اللَّه فيه ما قضى وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقادًا وعملًا ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعنيكم مع كل ماجن اتخذ الدين هملًا، فإن اللَّه لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ورحم اللَّه الربيع بن خثيم فإنه لما قيل له قتل الحسين قال: اقتلوه قالوا: نعم، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر: ٤٦)، ولم يزد على هذا أبدًا فهذا العقل والدين والكف عن أحوال المسلمين، والتسليم لرب العالمين. (١)
وبعد. فإن تلك الخلافات والفتن التي حدثت بين أصحاب النبي ﷺ من قتال فيما بينهم، مع بغي أحدهم على الآخر، وما حصل بينهم بعد ذلك من إصلاح وتحكيم بما يرضي اللَّه ، ثم قبول كل من الطرفين بهذا الحكم، إنما يذكرنا بقول اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: ٩، ١٠). والحرص على الإصلاح والسعي، وإلى لمّ شعث المسلمين كان رجاء أمير المؤمنين عليّ ﵁، وكذلك البعد عن كل ما يوقع البغضاء والفرقة في نفوس المسلمين، لهذا سعى أمير المؤمنين عليّ ﵁ إلى البعد عن كل ما يثير الأحقاد ويفرق الصفوف ومن ذلك: القول السيئ، فنهى من كان في جيشه عن لعن
стр. 5496
وشتم جيش معاوية بن أبي سفيان، مع حدوث القتال فيما بينهم.
ومما يدل على التلاحم الأخوي والتراحم الديني بين أمير المؤمنين عليّ ومعاوية ﵄ مع ما كان بينهما من اختلاف اجتهادي - فقد كان معاوية كلما تذكر عليًا بعد استشهاده بكى على فقده وترحم عليه.
فعن الأصبغ بن نباتة قال: (دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية بن أبي سفيان ﵁، فقال له: صف لي عليًا؟ قال: أو تعفيني؟ فقال: لا، بل صفه لي. قال ضرار: رحم اللَّه عليًا! كان واللَّه فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويقربنا إذا زرناه، لا يغلق له دوننا باب، ولا يحجبنا عنه حاجب، ونحن -واللَّه- مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته، فإذا تبسم فمن مثل اللؤلؤ المنظوم.
فقال معاوية: زدني في صفته. فقال ضرار: رحم اللَّه عليًا كان -واللَّه- طويل السهاد، قليل الرقاد، يتلو كتاب اللَّه آناء الليل وأطراف النهار.
قال: فبكى معاوية وقال: حسبك يا ضرار! كذلك واللَّه كان عليّ، رحم اللَّه أبا الحسن).
هذا هو حال الإخوة في الزمن الماضي، لم يمنع اختلافهم في الاجتهاد من تراحمهم وخلو قلوبهم من الغل والبغضاء، والتاريخ خيرُ معين لفهم حوادث الزمن الماضي، بعيدًا عن أقوال مبناها عاطفة هوجاء تتقاذف بالمسلم في كل صوب، وليس له من بعد ذلك إلا زيغ الشيطان وشبهاته تتحكم به، والعياذ باللَّه. (١)
ثالثًا: ما عند النصارى من الاقتتال على حطام الدنيا وفيهم نبيهم وقد خذله بعضهم .
١ - ومن أعظم المخازي في ذلك أن يهوذا الإسخريوطي أحد أصحاب عيسى الاثنا عشر هو الذي أسلمه للصلب، وهذا في العهد الجديد ففي إنجيل (متى ١٠/ ٤) قال وهو يعد أصحاب عيسى ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه.
وفي نفس الإنجيل (٢٦/ ١٦: ١٤): حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ ١٥ وَقَالَ: "مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُوني وَأَنَا أُسَلِّمُهُ
стр. 5497
إِلَيْكُمْ؟ " فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ مِنَ الْفِضةِ. ١٦ وَمنْ ذلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ.
ثم جاء فيه (٢٦/ ٢٥: ٢٠): وَلَمَّا كَانَ المُسَاءُ اتَّكَأَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. ٢١ وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ قَالَ: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي". ٢٢ فَحَزُنوا جدًّا، وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُوُل لَهُ: "هَلْ أَنَا هُوَ يَارَبُّ؟ " ٢٣ فَأَجَابَ وَقَالَ: "الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي! ٢٤ إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ! ". ٢٥ فَأَجَابَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ وَقَالَ: "هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟ " قَالَ لَهُ: "أَنْتَ قُلْتَ". ثم قال في كيفية القبض على المسيح (٢٦/ ٥٠: ٤٧): وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ. ٤٨ وَالَّذِي أَسْلَمَهُ أَعْطَاهُمْ عَلَامَةً قَائِلًا: "الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ". ٤٩ فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: "السَّلَامُ يَا سَيِّدِي! " وَقَبَّلَهُ. ٥٠ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟ " حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوْا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ.
٢ - ومن العجب في قصة يهوذا الإسخريطي هذا أن صلب المسيح لم يكفر عنه خطيئته مع أنه أسلم للصلب ليكفر خطايا بني آدم ولذلك شنق نفسه.
كما في إنجيل متى (٢٧/ ٧: ١): وَلمَّا كَانَ الصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ، ٢ فَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ وَدَفَعُوهُ إِلَى بِيلَاطُسَ الْبُنْطِيِّ الْوَالِي.
٣ حِينَئِذٍ لما رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ ٤ قَائِلًا: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا". فَقَالُوا: "مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ! " ٥ فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. ٦ فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا: "لَا يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الخزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ". ٧ فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ.
٣ - ومن الفضائح والمخازي في ذلك ما فعله بطرس وهو من أصحاب المسيح فيما سطره
стр. 5498
كتابهم حيث تبرأ منه حال كونه يحاكم قبل الصلب وحلف أنه لا يعرفه كما في إنجيل (متى ٢٦/ ٣٥: ٣١): حِينَئِذٍ قَالَ لهُمْ يَسُوعُ: "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ. ٣٢ وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ". ٣٣ فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: "وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لَا أَشُكُّ أَبَدًا". ٣٤ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكرُنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ". ٣٥ قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: "وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لَا أُنْكِرُكَ! " هكَذَا قَالَ أَيْضًا جَمِيعُ التَّلَامِيذِ.
ثم تحققت النبوءة عند القبض على الرب كما يلي (٢٦/ ٧٥: ٦٩): أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِسًا خَارِجًا فِي الدَّارِ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَة قَائِلَةً: "وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيليِّ! ". ٧٠ فَأَنْكَرَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ قَائِلًا: "لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولينَ! ". ٧١ ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى الدِّهْلِيزِ رَأَتْهُ أُخْرَى، فَقَالَتْ لِلَّذِينَ هُنَاكَ: "وَهذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ! " ٧٢ فَأَنْكَرَ أَيْضًا بِقَسَمٍ: "إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ! " ٧٣ وَبَعْدَ قَلِيل جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ: "حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ! " ٧٤ فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: "إِنِّي لَا أَعْرِفُ الرَّجُلَ! " وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ. ٧٥ فَتَذَكَرَ بُطْرُسُ كَلَامَ يَسُوعَ الَّذِي قَالَ لَهُ: "إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ". فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا.
قلت وماذا ينفعه بكاؤه وقد سلم إلهه ومعبوده فلمن يتوب؟
ثم يقال: أين هذا التصرف من قول خبيب بن عدي ﵁ وهو مصلوب واللَّه ما أحب أن أكون معافى في أهلي ورسول اللَّه تصيبه شوكة في مكانه الذي هو فيه.
٣ - ومن العيوب اللاصقة بالجبين أمام كل ناظر هروب الأصحاب عند القبض على الرب فقد جاء في إنجيل متى ٢٦/ ٥٦ قوله بعد القبض على المسيح حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا.
قلت: حتى لو نهاهم عن القتال فما كان ينبغي لهم أن يتركوه ولو ماتوا معه، فالهرب في مثل هذا الموقف عار، فإن عثمان ﵁ نهى المسلمين عن القتال وأقسم عليهم وقد ثبت معه في الدار جماعة.
٤ - ولم لا يفعلوا ذلك وقد عاتبوا امرأة ولاموها على أنها سكبت على رأسه قارورة طيب
стр. 5499
وقالوا لها كان يمكن أن يباع بثمن غال كما في (متى ٢٦/ ١٢: ٦): وَفِيْمَا كَانَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ، ٧ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طيبٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، فَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُتَكِئٌ. ٨ فَلَمَّا رَأَى تَلَامِيذُهُ ذلِكَ اغْتَاظُوا قَائِلِيْنَ: "لِمَاذَا هذَا الإِتْلَافُ؟ ٩ لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هذَا الطِّيبُ بِكَثِيرٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ". ١٠ فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: "لِمَاذَا تُزْعِجُونَ الْمَرْأَةَ؟ فَإِنَّهَا قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلًا حَسَنًا! ١١ لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ. ١٢ فَإِنَّهَا إِذْ سَكَبَتْ هذَا الطِّيبَ عَلَى جَسَدِي إِنَّمَا فَعَلَتْ ذلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي.
٥ - ثم هم يعتذرون عن تسليم المسيح وعن قتله بأن الكتب بشرت بذلك كما جاء في (متى ٢٦: ٥٦) وأما هذا كله، فقد كان لكي تكمل كتب الأنبياء حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا.
فلماذا يستنكرون قتل عثمان، وقد أخبر بذلك رسول اللَّه ﷺ فإذا كان قتل المسيح لتكتمل الكتب فقتل عثمان لتتحقق البشارة، فيكون قتله دليلًا على صدق النبي ﷺ فآمنوا خيرًا لكم.
٦ - تزعمون أن الصحابة اقتتلو على الخلافة وهى من أمر الدنيا فهل احتياج الرب إلى أتان من أمر الآخرة؟ (متى ٢١/ ١١: ١): وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ وَجَاءُوا إِلَى بَيْتِ فَاجِي عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، حِينَئِذٍ أَرْسَلَ يَسُوعُ تِلْمِيذَيْنِ ٢ قَائِلًا لهُمَا: "اذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ تَجِدَانِ أَتَانًا مَرْبُوطَةً وَجَحْشًا مَعَهَا، فَحُّلَاهُمَا وَأْتِيَاني بِهِمَا. ٣ وَإِنْ قَالَ لكُمَا أَحَدٌ شَيْئًا، فَقُولَا: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَما. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُما". ٤ فَكَانَ هذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: ٥ "قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعًا، رَاكبًا عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ". ٦ فَذَهَبَ التِّلْمِيذَانِ وَفَعَلَا كَمَا أَمَرَهُمَا يَسُوعُ، ٧ وَأَتَيَا بِالأَتَانِ وَالْجَحْشِ، وَوَضَعَا عَلَيْهِما ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِمَا. ٨ وَالْجَمْعُ الأَكْثَرُ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. ٩ وَالجُمُوعُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرَخُونَ قَائِلِينَ: "أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي". ١٠ وَلمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: "مَنْ هذَا؟ " ١١ فَقَالَتِ الجُمُوعُ: "هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ".
قلت: ويلاحظ في هذا النص أمور منها:
стр. 5500
١ - أنه الرب في أول النص
٢ - أنه محتاج إلى أتان!
٣ - وفي آخر النص أنه النبيّ!
٦ - يستنكرون على الصحابة وقوع الفتنة في عهدهم على أيدي من ليس منهم ولا يستنكرون على ربهم -في زعمهم- نحو هذا، بل أشد كما في (متى ١٥/ ٣٦: ٣٤): لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلامًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلامًا بَلْ سَيْفًا. ٣٥ فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. ٣٦ وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ.
وبناءً على ذلك كانوا يسمون المجازر عقابًا وتأديبًا لبسط الهيبة وترويع الناس كانت سياسة الاجتياح المسيحي: أول ما يفعلونه عندما يدخلون قرية أو مدينة هو ارتكاب مجزرة مخيفة فيها. . مجزرة ترتجف منها أوصال هذه النعاج المرهفة).
وأنه كثيرًا ما كان يصف لك القاتل والمبشر في مشهد واحد فلا تعرف من تحزن: أمن مشهد القاتل وهو يذبح ضحيته أو يحرقها أو يطعمها للكلاب، أم من مشهد المبشر الذي تراه خائفًا من أن تلفظ الضحية أنفاسها قبل أن يتكرم عليها بالعماد فيركض إليها لاهثًا يجرجر أذيال جبته وغلاظته وثقل دمه لينصرها بعد أن نضج جسدها بالنار أو اغتسلت بدمها، أو التهمت الكلاب نصف أحشائها.
إن العقل الجسور والخيال الجموح ليعجزان عن الفهم والإحاطة، فإبادة عشرات الملايين من البشر في فترة لا تتجاوز الخمسين سنة هول لم تأت به كوارث الطبيعة. ثم إن كوارث الطبيعة تقتل بطريقة واحدة. أما المسيحيون الأسبان فكانوا يتفننون ويبتدعون ويتسلون بعذاب البشر وقتلهم. كانوا يجرون الرضيع من بين يدي أمه ويلوحون به في الهواء، ثم يخبطون رأسه بالصخر أو بجذوع الشجر، أو يقذفون به إلى أبعد ما يستطيعون. وإذا جاعت كلابهم قطعوا لها أطراف أول طفل هندي يلقونه، ورموه إلى أشداقها ثم أتبعوها بباقي الجسد. وكانوا يقتلون الطفل ويشوونه من أجل أن يأكلوا لحم كفيه وقدميه قائلين: إنها أشهى لحم الإنسان.