← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

٦ - شبهة: موقف عائشة والصحابة من موقعة الجمل . نص الشبهة: أنهم يتحاربون من أجل السلطة والتربع على عرش الخلافة. والرد عليه من وجوه: الوجه الأول: أن الصحيح من مواقف الصحابة بعد مقتل عثمان يدل على خلاف هذا وإليك ذكر الأحداث التي تلت مقتل عثمان ﵁ حتى قبيل معركة الجمل: * أصاب المسلمين بلاء عظيم بسبب مقتل الخليفة عثمان ﵁، إذ كان المسلمون قد مرّوا بانتقال السلطة بعد وفاة النبي ﷺ ، وبعد وفاة الصديق ﵁، لكنهم الآن أمام تجربة جديدة تمثلت باستخدام العنف في تغيير السلطة ونجم عن ذلك مقتل الخليفة وبقاء المنصب شاغرًا، وسعى المعارضون إلى بيعة واحد من كبار الصحابة لملأ الفراغ في السلطة، فعرضوها على طلحة وعبد اللَّه بن عمر، لكن أحدًا لم يكن ليقبل منهم السلطة في ظروف الفتنة، لأنهم لا يمثلون الأمة، بل يمثلها كبار الصحابة في المدينة، وهم الذين يقبل الناس في أنحاء الدولة اختيارهم، وقد أدرك المعارضون ذلك بعد فشل محاولاتهم. * قال محمد بن الحنفية: كنت مع أبي حين قتل عثمان ﵁ فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام ولا نجد اليوم أحد أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول اللَّه ﷺ فقال: لا تفعلوا، فإني إن أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا، فقالوا: لا، واللَّه ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإنَّ بيعتي لا تكون خفيًا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين، قال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد اللَّه بن عباس ﵁: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يُشغب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه الناس. * وهناك رواية عن أبي بشير العابدي يقول فيها: إن المهاجرين والأنصار وفيهم طلحة والزبير أتوا عليًا فقالوا له: إنه لا يصلح الناس إلا بإمرة، وقد طال الأمر، فقال لهم: إنكم اختلفتم إليَّ وأتيتم، وإني قائل لكم قولًا إن قبلتموه قبلت أمركم، وإلا فلا حاجة لي فيه، فقالوا: ما قلت من شيء قبلناه إن شاء اللَّه، فبايعوه في المسجد.

стр. 5427

* وهناك رواية أخرى تفيد أن طلحة والزبير قال: يا علي ابسط يدك، فبايعه طلحة والزبير، وهذا بعد مقتل عثمان لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة. * وهناك رواية أخرى عن عوف بن أبي جميلة العبدي قال: أمّا أنا فأشهد أني سمعت محمد بن سيرين يقول: إن عليًا جاء فقال لطلحة: ابسط يدك يا طلحة لأبايعك، فقال طلحة: أنت أحق وأنت أمير المؤمنين فابسط يدك، فبسط عليّ يده فبايعه. (١) * وقد ذكر ابن سعد في الطبقات بيعة علي ﵁ يوم الجمعة بالخلافة سنة خمس وثلاثين، وذكر من جملة الصحابة الذين بايعوا: طلحة والزبير وجمع من الصحابة ممن كان في المدينة (٢). * ذكر المسعودي أن عليًا بويع في اليوم الذي قتل فيه عثمان ﵁ بن عفان يعني البيعة الخاصة، ثم قال إنه بويع البيعة العامة بعد مقتل عثمان بأربعة أيام. (٣) * وذكر اليعقوبي في تاريخه: أن طلحة والزبير بايعا عليًا، وكان أول من بايعه وصفق على يده يد طلحة بن عبيد اللَّه ﵁. (٤) يقول الحافظ الذهبي في شأن البيعة: لما قتل عثمان سعى الناس إلى عليّ وقالوا: لابد للناس من إمام فحضر طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، والأعيان، وكان أول من بايعه طلحة، ثم سائر الناس. (٥) الوجه الثاني: وأما الروايات المخالفة التي نقلها الإمام الطبري في تاريخه (٦)، وهي تدل على خلاف ما ذكرنا: ١ - فمنها من يقول بأن طلحة والزبير بايعا كرهًا، حيث روى من طريق الزهري قال: بايع الناس علي بن أبي طالب، فأرسل إلى الزبير وطلحة فدعاهما إلى البيعة، فتلكّأ طلحة

стр. 5428

فقام الأشتر وسل سيفه وقال: واللَّه لتبايعن أو لأضربن بهما بين عينيك فقال طلحة: وأين المهرب عنه؟ فبايعه، وبايعه الزبير، والناس. ٢ - وهناك روايات أخرى تبين أنهما بايعا والسيف فوق عنقيهما، هذه كلها لا تصح؛ لأنها من روايات الواقدي، وأبي مخنف الكذاب. يقول ابن العربي عنها: فإن قيل: قال طلحة: (بايعته واللج على قفي)، قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في القفا لغة قفي، كما يجعل في الهوى هوي، وتلك لغة هذيل لا قريش فكانت كذبة لم تدبر. (١) ٣ - وقول من قال: بايع عليًا يد شلّاء -أي: يد طلحة- واللَّه لا يتم هذا الأمر. قال ابن العربي عن ذلك: وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم، فإن يدًا شلت في وقاية رسول اللَّه ﷺ يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه. وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه، وجهلَ المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه. (٢) ٤ - وفي رواية عمر بن شبة كما رواها الطبري في تاريخه (٣) عن محمد بن الحنفية قال: بايعت الأنصار عليًا إلا نفير يسير. (٤) وذكر منهم: سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة

стр. 5429

وغيرهم، وهذا غير صحيح؛ فإن حضورهم لعلي واعتذارهم عن الوقوف معه في حرب أهل الشام أو فيما يدور بينه وبين المسلمين من القتال في العراق لدليل واضح على أن في أعناقهم بيعة تلزمهم بطاعته حين اعتذروا، ولو كان الأمر خلاف ذلك لتركوه يخرج دون أن يذهبوا إليه ويعتذروا له، فهم حينئذ غير ملزمين بطاعته. ويبرر الباقلاني موقف الصحابة الذين تأخروا عن نصرة علي فيقول في هذا الصدد: فإن قال قائل: فإن كانت إمامة علي من الصحة والثبوت بحيث وصفتم، فما تقولون في تأخر سعد وابن عمر وابن مسلمة وأسامة وغيرهم عن نصرته والدخول في طاعته؟ قيل له: ليس في جميع القاعدين ممن أسمينا أو ضربنا عن ذكره من طعن في إمامته واعتقد فسادها، وإنما قعدوا عن نصرته على حرب المسلمين لتخوفهم من ذلك وتجنب الإثم فيه. (١) ويذكر ابن العربي: أن قومًا قالوا تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد وابن مسلمة وابن عمر وأسامة. فيرد عليهم بقوله: قلنا أما بيعته فلم يتخلف عنها، وأما نصرته فتخلف عنها قوم؛ منهم من ذكرتم؛ لأنها كانت مسألة اجتهادية فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره. (٢) وخلاصة القول: لئن كانت بعض الروايات تستثني من البيعة بعض الصحابة فإن ذلك لا يقدح في خلافة علي ﵁. وإن ثبت امتناع معاوية عن مبايعته فإن ذلك لا يقدح في إجماع أهل الحل والعقد على خلافته، على أن معاوية معترف بأن عليًا أحق بالإمامة منه، وإنما حجّته في الامتناع هو طلبه تسليم الموجودين من قتلة عثمان فيقتص منهم. ويخلص الماوردي في الأحكام السلطانية إلى القول: بأن فرض الإمامة أو البيعة يكون فرض كفاية كالجهاد وطلب العلم، حيث إذا قام بها من هو أهلها سقط فرضها عن كافة الناس. (٣) ٥ - بعد أن تولى علي الخلافة قام بعزل بعض الولاة وتعيين آخرين بدلًا عنهم، فعزل

стр. 5430

والي مكة خالد بن العاص، وعين بدله أبا قتادة الأنصاري مدة شهرين، ثم عزله وعين قثم بن العباس، ويبدو أن الرأي العام بمكة كان غاضبًا لعثمان وتصاعد الغضب لكثرة النازحين من المدينة إلى مكة على إثر سيطرة الثوار على المدينة. (١) وأرسل عثمان بن حنيف الأنصاري إلى البصرة واليًا عليها بدلًا من عبد اللَّه بن عامر واليها لعثمان، وكان قد ترك البصرة متجهًا إلى مكة. وقد انقسمت البصرة على الوالي الجديد، فمنهم من بايع ومنهم من اعتزل، ومنهم من رفض البيعة حتى يقتل قتلة عثمان. وأما مصر فكان واليها عبد اللَّه بن سعد بن أبي السرح قد تركها متجهًا إلى عسقلان، فاستولى عليها محمد بن أبي حذيفة مدة عام كامل، وواجه معارضة تطالب بالقصاص من قتلة عثمان، فلما قتل ولي عليها قيس بن سعد بن عبادة فتمكن من أخذ البيعة لعلي وهادن أهلها. وأرسل علي إلى معاوية يطلب منه البيعة فرد عليه قائلًا: فإن كنت صادقًا فأمكنا من قتلة عثمان نقتلهم به ونحن أسرع الناس إليك. فإن قال قائل: إن عليًا قد أخطأ في عزل جميع ولاة عثمان قبل أن تأتيه بيعة أهل الأمصار. فالجواب: ١ - إن عليًا ﵁ إمام مجتهد له أن يعزل عمال عثمان إذا رأى المصلحة في ذلك، وقد ولى رسول اللَّه ﷺ وهو المعصوم- خالد بن سعيد بن أبي العاص على صنعاء، وعمرو بن العاص على عمان، فعزلهما الصديق من بعده، وولى الصديق خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة، فعزلهما الفاروق من بعده، وولى الفاروق عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة فعزلهما عثمان من بعده. (٢)، وهكذا فعل علي لما رأى المصلحة في ذلك؛ فهل ينتقد عاقل الصديق والفاروق وذا النورين في عزلهم هؤلاء العمال الأكفاء؟ ! ٢ - أما القول بأنه عزل جميع عمال عثمان، هذا غير صحيح فالعزل لم يتحقق إلا في معاوية في الشام وخالد بن أبي العاص في مكة، وأبي موسى الأشعري في الكوفة، على أنه

стр. 5431

أقره بعد ذلك. (١) وأما البصرة فإن واليها خرج من نفسه، وفي اليمن أخذ أميرها يعلي بن مُنية مال جباية اليمن وقدم مكة بعد مقتل عثمان وانضم إلى طلحة والزبير وحضر معهم موقعة الجمل، وابن أبي السرح خرج إلى فلسطين ومكث هناك حتى مات بعد أن تغلب ابن أبي حذيفة على مصر. (٢)، وهكذا فإن أميري اليمن والبصرة عزلا أنفسهما، وأمير مصر عزله المتغلب عليها، وأمير الكوفة أقره على منصبه فلم يرد العزل إلا في حق معاوية والي الشام وخالد والي مكة. وأما القول بأنه عزلهم قبل أن تأتيه بيعة أهل الأمصار فالجواب: أن تولية الإمام للعمال على الأمصار غير مشروط بوصول بيعة أهلها له، فمتى بايع أهل الحل والعقد، لزمت بيعته جميع البلدان النائية عن مركز الخلافة، ولو كانت تولية الخليفة العمال على الأمصار متوقفة على وصول بيعة أهلها له ما تمت بيعة أبي بكر ﵁ لأنه تصرف بإرسال جيش أسامة ومحاربة المرتدين قبل وصول بيعة أهل مكة والطائف وغيرها من البلاد، وكذلك فعل الفاروق وذو النورين، فإنهما تصرفا في أمور المسلمين أيضًا قبل وصول بيعة الأمصار إليهما. الوجه الثالث: مقدمات معركة الجمل وما سبقها من أحداث . لما مضت أربعة أشهر على بيعة علي ﵁ خرج كل من طلحة والزبير من المدينة بقصد العمرة، وكذلك خرج عبد اللَّه بن عامر من البصرة ويعلي بن مُنْية من اليمن إلى مكة في أوقات مختلفة، وأما عن طلب الزبير وطلحة من علي السماح لهما بالذهاب إلى البصرة والكوفة لإحضار جند يقاتلون بهم قتلة عثمان ﵁ فهذا خبر لا يصح منه شيء، لأن طلحة والزبير ﵄ كانا حريصين على إصلاح ذات البين وإطفاء نار الفتنة ومنع إراقة المزيد من دماء المسلمين، كما سيأتي. اجتمع طلحة، والزبير، ويعلي، وعبد اللَّه بن عامر، وعائشة بعد نظر طويل على الشخوص

стр. 5432

إلى البصرة من أجل الإصلاح بين الناس حين اضطرب أمرهم بعد مقتل عثمان ﵁ وليس من أجل المطالبة بدم عثمان، ودليل ذلك حديث الحوأب -هو موضع قريب من البصرة، وهو من مياه العرب في الجاهلية ويقع على طريق القادم من مكة إلى البصرة، وسمي بالحوأب نسبة لأبي بكر بن كلاب الحوأب، أو نسبة للحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية (١)، ففي أثناء الطريق إلى البصرة مر الجيش على منطقة يقال لها الحوأب، فنبحت كلابها فلما سمعت عائشة هذا النباح، طرأ عليها حديث، فقالت: ما هذه المنطقة؟ قالوا: هذه الحوأب، فتذكرت حديث الرسول ﷺ حيث روى أحمد، وابن حبان، والحاكم عن قيس بن حازم: أن عائشة لما أتت على الحوأب سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول اللَّه ﷺ قال لنا: أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب. فقال لها الزبير: ترجعين؟ ! -أي لا ترجعي لأنهم يحترمونك- عسى اللَّه أن يصلح بك بين الناس، هذا لفظ شعبة. أما لفظ يحيى فقال: لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلًا، فنبحت الكلاب فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، قالت: ما أظنني إلا راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح اللَّه ذات بينهم. قالت: إن رسول اللَّه ﷺ قال لها ذات يوم: كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب. (٢) وقد أشكل حديث الحوأب على بعض الناس فردوه -منهم الإمام ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم (٣)، وتابعه الشيخ محب الدين الخطيب في حاشيته على هذا الكتاب القيم (٤) -، وهو حديث صحيح، ولسان حالهم يقول: كان على عائشة ﵂ لما علمت بالحوأب أن ترجع، والحديث يدل على أنها لم ترجع وهذا مما لا يليق أن ينسب لأم المؤمنين. وقد أجاب الشيخ الألباني ﵀ على هذا الإشكال فقال:

стр. 5433

ليس كل ما يقع من الكمّل يكون لائقًا بهم، إذ المعصوم من عصم اللَّه والسنّي لا ينبغي له أن يغالي فيمن يحترمه، حتى يرفعه إلى مصاف أئمة الشيعة المعصومين، ولا شك أن خروج أم المؤمنين كان خطأ من أصله ولذا همّت بالرجوع حين علمت بتحقيق نبوة النبي ﷺ عند الحوأب، ولكن الزبير ﵁ قد أقنعها بترك الرجوع بقوله: عسى اللَّه أن يصلح بك بين الناس، ولاشك أنه كان مخطئًا في ذلك أيضًا. (١) هنا أدرك علي ﵁ خطورة الموقف وما يمكن أن يجر إليه الخلاف من تمزيق الدولة الإسلامية، فاستنفر أهل المدينة للخروج معه فاجتمع معه حوالي سبعمائة رجل، واعتزل الكثير من الصحابة هذه الفتنة، فخرج علي من المدينة متجهًا إلى العراق، وقد عسكر في الربذة حيث أضيف إلى جنده مائتا رجل فبلغوا تسعمائة رجل. (٢) وقد حاول الحسن بن علي ثني أبيه عن الذهاب إلى العراق وهو يبكي لما أصاب المسلمين من الفرقة والاختلاف، لكن عليًا رفض ذلك وأصر على الخروج. (٣) وقد جاءت روايات لتبين أن عليًا ﵁ خرج من المدينة في إثر أصحاب الجمل، وهذا الأمر لم يحدث، بل الصحيح أنه خرج من المدينة عاقدًا العزم على التوجه إلى الكوفة ليكون قريبًا من أهل الشام، ولم يخرج في أعقاب أصحاب الجمل. وفي ما يلي بيان هذا الأمر: - أ- ذكرت بعض الروايات أن عليًا ﵁ حين خرج من المدينة أقام في الربذة عدة أيام، وهذا الصنيع من علي ﵁ لا يشبه صنيع من خرج يطلب قومًا. هذا فضلًا عن أن الربذة تقع على طريق الكوفة بينما أصحاب الجمل كانوا يسلكون طريق البصرة.

стр. 5434

ب- كذلك ذكرت بعض الروايات أن عليًا ﵁ حين خرج من الربذة توجه إلى فَيْد (١)، ثم الثعلبية (٢)، وهذه الأماكن من منازل طريق الكوفة، وهذا يعني أن عليًا لم يكن يتعقب أصحاب الجمل، وإلا لترك طريق الكوفة وقصد طريق البصرة. خاصة أن من أراد البصرة وكان خارجًا من المدينة فإنه يتجه إلى - النَّقِرَة (٣)، ومنها يتيامن حتى يصل النِّباج (٤)، التي تقع على طريق البصرة. (٥) لكن عليًا ﵁ لم يفعل ذلك، بل تعدى النقرة وواصل سيره إلى فيد، ثم الثعلبية. (٦) هنا وبعد أن عسكر علي ﵁ في الربذة، أرسل رسولين لاستنفار الكوفيين، وهما محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، فأخفقا في مهمتهما لأن أبا موسى الأشعري والي الكوفة لعلي التزم موقف اعتزال الفتنة وحذر الناس من المشاركة فيها. (٧) وهذا الخبر يؤيده ما أخرجه البخاري في صحيحه (٨) من طريق أبي وائل قال: دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار حيث بعثه علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم، فقالا: ما رأيناك أتيت أمرًا أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمتا، فقال عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمت أمرًا أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر، وكساهما حلة، ثم راحوا إلى المسجد. فاتجه علي إلى - ذي قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة (٩). قرب الكوفة وعسكر بها، ومنها أرسل

стр. 5435

عبد اللَّه بن عباس وأتبعه ابنه الحسن وعمار بن ياسر لاستنفار الكوفيين. (١) وكان السبب في تغير وجهة السير، هو أن عليًا ﵁ سمع بأنباء القلاقل التي حدثت في البصرة وأدت إلى خروج عامله عنها. روى البخاري في صحيحه عن أبي وائل قال: لما بعث علي عمارًا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن اللَّه ابتلاكم لتتبعوه أو إياها. وروي كذلك عن أبي مريم قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي عمار بن ياسر والحسن بن علي، فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل الحسن. فاجتمعنا إليه فسمعت عمارًا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، واللَّه إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن اللَّه ﵎ ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي. قال الحافظ في الفتح: ومراد عمار بذلك أن الصواب في تلك القصة كان مع علي، وأن عائشة مع ذلك لم تخرج عن الإسلام ولا أن تكون زوجة النبي ﷺ في الجنة، فكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة تحريه قول الحق. وقال أيضًا: قال ابن هبيرة: في هذا الحديث أن عمارًا كان صادق اللهجة وكان لا تستخفه الخصوصية إلى أن ينتقص خصمه، فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من حرب (٢). وهنا يجدر التنبيه إلى أن كلام عمار ﵁ عن عائشة ﵂ مبني على عدم معرفة عمار بحقيقة خروج أصحاب الجمل، وهو أنهم قد خرجوا للإصلاح بين الناس (٣). فقدم على عليٍّ وفد الكوفة بذي قار، فقال لهم: يا أهل الكوفة أنتم لقيتم ملوك العجم فعضضتم جموعهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة فإن رجعوا فذاك الذي نريده، وإن أبو داويناهم بالرفق حتى يبدأونا بالظلم، ولن ندع أمرًا فيه الإصلاح إلا آثرناه

стр. 5436

على ما فيه الفساد إن شاء اللَّه تعالى. (١) وتذكر بعض الروايات أن أصحاب الجمل بعد أن خرجوا من مكة واقتربوا من أوطاس: وهو سهل يقع على طريق الحاج العراقي إذا أقبل من نجد، وتبعد عن مكة (١٤٣ كم) باتجاه الشمال الشرقي (٢)، تيامنوا عنها وتركوا طريق البصرة وساروا بمحاذاته حتى وصلوا البصرة. وهذا الخبر لا يصح بحق أولئك الصحب الكرام، حيث إنه يصور أصحاب الجمل الذين خرجوا للإصلاح بأنهم مجموعة من الخارجين على الخلافة، وأن خوفهم من علي ﵁ قد دفعهم إلى الابتعاد عن سلوك طريق البصرة لكي لا يلحق بهم. وبدراسة خط سير أصحاب الجمل من مكة إلى البصرة، اتضح أنهم سلكوا طريق البصرة ولم يحيدوا عنه كما زعمت الروايات. وبيان ذلك كما يلي: أ- ذكرت الروايات أن أصحاب الجمل حين وصلوا أوطاس تيامنوا عنها وتركوا طريق البصرة وساروا بمحاذاته. وهذا الخبر فيه تلبيس يوهم أن أصحاب الجمل قد تركوا طريق البصرة، بينما حقيقة الأمر أن من أراد البصرة وكان خارجًا من مكة تيامن من عند أوطاس كما فعل أصحاب الجمل، ومن أراد الكوفة تياسر عنها، حيث إن طريقي البصرة والكوفة يأخذان بالتفرع يمينًا ويسارًا من بعد أوطاس. ب- ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أحمد أن كلاب الحوأب نبحت على عائشة ﵂ حين بلغت ديار بني عامر. وبنو عامر هؤلاء بنو عامر بن صعصعة، والحوأب ماء من مياه العرب يقع على طريق البصرة وهو من مياه بني بكر بن كلاب، وبنو كلاب

стр. 5437

هؤلاء بطن من عامر بن صعصعة (١). وحيث إن بني كلاب كانوا يسكنون ضَرِيَّة (٢)، فإن هذا يعني أن الحوأب تقع في ضرية، وحيث إن ضرية تقع على طريق الحاج البصري (٣)، فإن ذلك يعني أن أصحاب الجمل قد سلكوا الطريق المعتاد بين مكة والبصرة ولم يحيدوا عنه كما زعمت الروايات. (٤) الوجه الرابع: سياق معركة الجمل من خلال الروايات التاريخية المقبولة والموافقة لمكانة الصحابة ﵃: كان جيش مكة قد وصل خلال تلك الفترة إلى البصرة فأرسل عثمان بن حنيف ﵁ وهو والي البصرة من قبل علي إليهم يستفسر عن سبب خروجهم فكان الجواب: إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول اللَّه ﷺ وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا فيه المحدِثين، واستوجبوا فيه لعنة اللَّه ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قتل أمير المسلمين بلا ترة ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا، وقرأت: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء: ١١٤)، ننهج في الإصلاح ممن أمر اللَّه وأمر رسوله ﷺ الصغير والكبير والذكر والأنثى فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره. (٥) قلت: وهذا سياق لا يصح إسناده، والصواب أن الغرض هو الإصلاح لا الطلب بدم

стр. 5438

عثمان ﵁. قال ابن العربي: أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه، ولكن لأي شيء خرجوا لم يصح فيه نقل ولا يوثق فيه بأحد؛ لأن الثقة لم ينقله وكلام المتعصب غير مقبول وقد دخل مع المتعصب من يريد الطعن في الإسلام واستنقاص الصحابة. فيحتمل أنهم خرجوا خلعًا لعلي لأمر ظهر لهم وهو أنهم بايعوا لتسكين الثائرة وقاموا يطلبون الحق، ويحتمل أنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان، ويمكن أنهم خرجوا لينظروا في جمع طوائف المسلمين وضم تشردهم وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا وهذا هو الصحيح لا شيء سواه بذلك وردت صحاح الأخبار، فأما الأقسام الأول فكلها باطلة وضعيفة: أما بيعتهم كرهًا فباطل وقد بيناها، وأما خلعهم فباطل؛ لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع فيمكن أن يولى واحد أو اثنان ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان. وأما خروجهم في أمر قتلة عثمان فيضعف، لأن الأصل قبله تأليف الكلمة ويمكن أن يجتمع الأمران. ويروى أن تغيبهم قطعًا للشغب بين الناس فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ﵃ رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم فيرعوا حرمة نبيهم واحتجوا عليها بقول اللَّه تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء: ١١٤)، وقد خرج النبي ﷺ في الصلح وأرسل فيه، فرجت المثوبة، واغتنمت الفرصة، وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها، وأحس بهم أهل البصرة فحرض من كان بها من المتألبين على عثمان الناس، وقالوا: اخرجوا إليهم حتى تروا ما جاءوا إليه فبعث عثمان بن حنيف حكيم بن جبلة فلقي طلحة والزبير بالزابوقة فقتل حكيم، ولو خرج مسلمًا مستسلمًا لا مدافعا (١) لما أصابه شيء، وأي خير كان له في المدافعة؟ وعن أي شيء كان يدافع وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة، وإنما ساعين في الصلح

стр. 5439

راغبين في تأليف الكلمة؟ فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد. فلما وصلوا إلى البصرة تلقاهم الناس بأعلى المربد مجتمعين حتى لو رمى حجر ما وقع إلا على رأس إنسان، فتكلم طلحة وتكلمت عائشة ﵂ وكثر اللغط، وطلحة يقول: انصتوا فجعلوا يركبونه ولا ينصتون فقال: أف أف، فراش نار، وذباب طمع وانقلبوا على غير بيان، وانحدروا إلى بني نهد فرماهم الناس بالحجارة حتى نزلوا الجبل والتقى طلحة والزبير وعثمان بن حنيف عامل عليّ على البصرة، وكتبوا بينهم أن يكفوا عن القتال ولعثمان دار الإمارة والمسجد وبيت المال، وأن ينزل طلحة والزبير من البصرة حيث شاءا ولا يعرض بعضهم لبعض حتى يقدم عليّ. وروى أن حكيم بن جبلة عارضهم حينئذ فقتل بعد الصلح. وقدم عليّ البصرة وتدانوا ليتراءوا فلم يتركهم أصحاب الأهواء، وبادروا بإراقة الدماء واشتجر بينهم الحرب وكثرت الغوغاء على البوغاء كل ذلك حتى لا يقع برهان ولا تقف الحال على بيان ويخفى قتلة عثمان، وإن واحدًا في الجيش يفسد تدبيره فكيف بألف؟ . (١) ولم يثبت من طريق صحيح يمكن أن يعول عليه، أنهم ضربوا عثمان بن حنيف ونتفوا شعر وجهه ﵁، والصحابة الكرام ﵃ يتنزهون عن مثل هذه المثلة القبيحة. (٢) وحين عسكر جيش عليّ بذي قار أرسل عبد اللَّه بن عباس إلى طلحة والزبير يسألهما: هل أحدث ما يوجد السخط على خلافته، كحيف في حكم أو استئثار بفيء؟ أو في كذا؟ فقال الزبير: ولا في واحدة منها. (٣) وبالجملة فعائشة وطلحة والزبير ﵃ إنما خرجوا قاصدين الإصلاح، وجمع كلمة المسلمين، وما رافق ذلك من قتال وحروب فلم يكن بمحض إرادتهم ولا قصدًا منهم،

стр. 5440

وإنما أثير من قبل السبئية وأعوانهم من الغوغاء، ولم يكن الإصلاح هدف طلحة والزبير وعائشة وحدهم، بل إن عليًا أيضًا لم ير في مسيره إليهم إلا الإصلاح وجمع الكلمة، وعلى العموم لم ير عليّ وطلحة والزبير وعائشة -رضوان اللَّه عليهم- أمرًا أمثل من الصلح وترك الحرب، فافترقوا على ذلك، وإنه لموقف رائع من طلحة والزبير ﵄، وهو لا يقل روعة عن موقف أمير المؤمنين علي ﵁ فكل منهم قبل الصلح ووافق عليه، وكل منهم كان يتورع أن يسفك دمًا أو يقتل مسلمًا. ولا يمكن أن يفهم عاقل يقف على النصوص السابقة أن زعماء الفريقين هم الذين حركوا المعركة وأوقدوا نارها، وكيف يتأتى ذلك وكلا الطرفين كانت كلمة الصلح قد نزلت من نفوسهم وقلوبهم منزلًا حسنًا؟ ولكنهم قتلة عثمان أصحاب ابن سبأ -عليهم من اللَّه ما يستحقون- هم الذين أشعلوا فتيلها وأججوا نيرانها حتى يفلتوا من حد القصاص. وقد يسأل سائل لماذا سمح علي ﵁ لأهل الفتنة بالبقاء معه في جيشه ولم يعاقبهم على فعلتهم الشنيعة ؟ ! وجوابه ١ - كان سبب إبقاء علي على أهل الفتنة في جيشه أنهم كانوا سادات في أقوامهم، فكان عليّ يرى أن يصبر عليهم إلى أن تستقر الأمور. ٢ - وقد أجاب عن ذلك الإمام الطحاوي في شرح العقيدة الطحاوية بقوله: وكان في عسكر عليّ ﵁ من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان، من لم يُعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله. (١) ٣ - وعلى كل حال كان موقف علي ﵁، موقف المحتاط منهم، المتبرىء من فعلهم، وهو -وإن كان لم يخرجهم من عسكره- فقد كان يعاملهم بحذر وينظر إليهم بشزر، حتى قال الإمام الطبري في تاريخه. (٢): بأنه لم يول أحد منهم أثناء استعداده للمسير إلى الشام -يقصد مسيره لحرب صفين-، حيث دعا ولده محمد بن الحنفية وسلمه اللواء وجعل عبد

стр. 5441

اللَّه بن عباس ﵄ قائد الميمنة وعمر بن أبي سلمة ﵁ على الميسرة وجعل على مقدمة الجيش أبا ليلى بن عمر بن الجراح واستخلف على المدينة قثم بن العباس ﵃. وهذه بادرة منه ﵁ ليعلن تبرؤه من أولئك المارقين، ويثبت قدرته على السيطرة على أمر المسلمين من غير عون منهم، فقد كان له في المسلمين الموالين له والمؤيدين لخلافته ما يغنيه عن الاستعانة بهم والتودد إليهم. وهذا أقصى ما يمكنه فعله بتلك الطائفة إذ ذاك، وهو كافٍ في عذره لأنهم مئات ولهم قرابة وعشائر في جيشه، فما يأمن لو عاملهم بأكثر من هذا من الشدة أن يمتد حبل الفتنة في الأمة، كما حصل ذلك لطلحة والزبير وعائشة بالبصرة حين قتلوا بعضًا منهم، فغضب لهم قبائلهم واعتزلوهم. (١) فلما نزل الناس منازلهم واطمأنوا خرج عليّ وخرج طلحة والزبير فتوافقوا وتكلموا فيما اختلفوا فيه، فلم يجدوا أمرًا هو أمثل من الصلح، فافترقوا على ذلك، رجع عليّ إلى عسكره ورجع طلحة والزبير إلى عسكرهما وأرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل عليّ إلى رؤساء أصحابه ما عدا أولئك الذين حاصروا عثمان ﵁، فبات الناس على نية الصلح والعافية، وهم لا يشكون في الصلح فكان بعضهم بحيال بعض، وبعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون ولا ينوون إلا الصلح فباتوا بخير ليلة باتوها منذ مقتل عثمان ﵁، وبات الذين أثاروا الفتنة بشرّ ليلة باتوها قط، إذ أشرفوا على الهلاك وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها. (٢) فاجتمعوا على إنشاب الحرب في السر، فغدوا في الغلس وعليهم ظلمة وما يشعر بهم جيرانهم، فوضعوا فيهم السيوف، فثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه الذين باغتوهم، فقام طلحة ينادي وهو على دابته -وقد غشيه الناس- فيقول: يا أيها الناس أتنصتون؟ فجعلوا يركبونه ولا ينصتونه، فما زاد أن قال: أف، أف، فراش نار وذبان طمع. (٣) وهل يكون فراش النار وذبان الطمع غير أولئك السبئية؟ ! التحم القتال من

стр. 5442

الغوغاء وخرج الأمر عن عليّ وطلحة والزبير. وكان طلحة يقول والسهام تناوشه: اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى. (١) ويصور لنا الحسن بن عليّ حال والده فيقول: لقد رأيته حين اشتد القتال يلوذ بي ويقول: يا حسن لوددت أني مت قبل هذا بعشرين حجة -أو سنة-، فقال له الحسن: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بني لم أر الأمر يبلغ هذا. (٢) وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناده إلى حبيب بن أبي ثابت أن عليًا قال يوم الجمل: اللهم ليس هذا أردت، اللهم ليس هذا أردت. (٣) الوجه الخامس: أن الروايات التي جاءت تفيد بأن طلحة ﵁ قام بتحريض الناس على القتال، هي روايات مردودة بما ثبت من عدالة الصحابة رضوان اللَّه عليهم . وقام طلحة ورجع خلف الجيش، فجاءه سهم غرب لا يعرف من أين أتى فنزل في المفصل من ركبته فصادف جرحًا في ساقه كان أصابه يوم أحد بين يدي رسول اللَّه ﷺ فبدأ ينزف فحمله غلامه إلى البصرة، وألجأه إلى دار خربة لا أحد فيها ومات هناك. (٤) والصحيح أن الروايات في رمي مروان لطلحة ثابتة، والذي حمله على ذلك هو أنه ظن أن طلحة شارك في قتل عثمان فاجتهد في ذلك وأخطأ في اجتهاده، وليس هناك من ضرورة توجب إصابة مروان في اجتهاده. قال ابن حجر: جَاءَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ رَمَاهُ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَنْزِفُ الدَّمُ مِنْهَا حَتَّى مَاتَ وَقَالَ قيس بن أبي حازم: رأيت مَروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذٍ بسهمٍ، فوقع في رُكبته، فما زال يسحّ حتّى مات. وفي بعض طُرُقه: رماه بسهمٍ، وَقَالَ: هذا ممّن أعان على عثمان (٥).

стр. 5443

وفي أثناء الوجه قال علي للزبير: أتذكر حديث رسول اللَّه ﷺ حين قال: يا زبير، أما واللَّه لتقاتلنه وأنت ظالم له. (١) روى الحاكم في المستدرك من طرق متعددة (٢)، أن عليًا ذكّر الزبير بأن النبي ﷺ قال له: "لتقاتلن عليًا وأنت ظالم له" فلذلك رجع. وأخرج إسحاق من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد السلام -رجل من حيه- قال: خلا علي بالزبير يوم الجمل فقال: أنشدك اللَّه هل سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وأنت لاوي يدي: "لتقاتلنه وأنت ظالم له ثم لينتصرن عليك"، قال: قد سمعت، لا جرم لا أقاتلك. (٣) وروى أن الزبير ﵁ لما عزم على الرجوع إلى المدينة عرض له ابنه عبد اللَّه فقال: مالك؟ قال: ذكّرني علي حديثًا سمعته من رسول اللَّه ﷺ وإني راجع، فقال له ابنه: وهل جئت للقتال؟ إنما جئت تصلح بين الناس، ويصلح اللَّه هذا الأمر. (٤) وبالفعل فإن موقف الزبير ﵁ كان السعي في الإصلاح حتى آخر لحظة، وهذا ما أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، وفيه أن الزبير ﵁ سعى في الصلح بين الناس ولكن لما قامت المعركة واختلف أمر الناس مضى الزبير وترك القتال. (٥) وهذا الفعل من الزبير ﵁ هو الذي ينسجم مع مقصده الذي قدم البصرة من أجله، لا كما تصوره بعض الروايات من أنه كان من المحرضين على القتال. وأثناء انسحابه ﵁ رآه ابن جرموز، فتبعه فأدركه وهو نائم في القائلة بوادي السباع، فهجم عليه فقتله ﵁، ثم سلب سيفه ودرعه. (٦)

стр. 5444

وجاء إلى علي ﵁ متقربًا إليه بذلك، فأمسك علي السيف بيده وقال: طالما جلى به الكرب عن وجه رسول اللَّه ﷺ وقال: "بشر قاتل ابن صفية بالنار". (١) وذكره أحمد في كتاب فضائل الصحابة بإسناد حسن بلفظ قريب وفيه (٢): جاء قاتل الزبير يستأذن، فجاء الغلام فقال: هذا قاتل الزبير فقال: "ليدخل قاتل الزبير النار، وجاء قاتل طلحة يستأذن فقال الغلام: هذا قاتل طلحة يستأذن، فقال: ليدخل قاتل طلحة النار"، وهذا الخبر يؤيده ما أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (٣) بإسناد حسن، وفيه أن ابن جرموز استأذن على عليّ ﵁ فقال: من هذا؟ فقال: ابن جرموز يستأذن. فقال: "ائذنوا له ليدخل قاتل الزبير النار، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لكل نبي حواريّ وإن حوارييّ الزبير". وفي تعليل هذه الجرأة من ابن جرموز على قتل الزبير ﵁ يقول الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتاب الإمامة (٤): وكثر في أيامه -أيام عثمان ﵁ من لم يصحب الرسول، وفُقد من عَرَفَ فضل الصحابة ﵃ أجمعين. هنا ذهب كعب بن سَور بالخبر إلى أم المؤمنين فقال لها: أدركي الناس قد تقاتلوا. وكانت المعركة قريبة من البصرة، فوضع لها الهودج فوق البعير -وَرَدَ أن اسم البعير عسكر- فجلست فيه وغطي بالدروع، وذهبت إلى أرض المعركة لعل أن يوقف الناس القتال عندما يشاهدونها، فلما وصلت، أعطت عائشة المصحف لكعب وقالت له: خلِّ البعير وتقدم وارفع كتاب اللَّه وادعهم إليه، فشعر أهل الفتنة بأن القتال سيتوقف إذا تركوا كعبًا يفعل ما طُلب منه، فلما قام كعب ورفع المصحف وأخذ ينادي تناولته النبال فقتلوه. (٥)

стр. 5445

ثم أخذوا بالضرب نحو الجمل، بغية قتل عائشة لكن اللَّه نجاها، فأخذت تنادي: أوقفوا القتال، وأخذ عليّ ينادي وهو من خلف الجيش: أن أوقفوا القتال، وقادة الفتنة مستمرين، فقامت أم المؤمنين بالدعاء على قتلة عثمان قائلة: اللهم العن قتلة عثمان، فبدأ الجيش ينادي معها، وحين سمع علي ﵁ أثناء المعركة أهل البصرة يضجون بالدعاء، قال: ما هذه الضجة؟ فقالوا: عائشة تدعو ويدعون معًا على قتلة عثمان وأشياعهم، فأقبل عليّ يدعو ويقول: اللهم العن قتلة عثمان وأشياعهم. (١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف (٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣)، أن عليًا سمع يوم الجمل صوتًا تلقاء أم المؤمنين فقال: انظروا ما يقولون، فرجعوا فقالوا: يهتفون بقتلة عثمان، فقال: اللهم أحلل بقتلة عثمان خزيًا. ويؤيد هذا الخبر ما أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة بإسناد صحيح، من طريق محمد بن الحنفية قال: بلغ عليًا أن عائشة تلعن قتلة عثمان في المربد، قال: فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال: وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم اللَّه في السهل والجبل، قال مرتين أو ثلاثًا. وارتفعت أصوات الدعاء في المعسكرين. (٤) يقول الحارث بن سويد الكوفي -شاهد عيان ثقة ثبت- لقد رأيتُنا يوم الجمل، وإن رماحنا ورماحهم لمتشاجرة ولو شاءت الرجال لمشت عليه، يقولون: اللَّه أكبر، سبحان اللَّه، اللَّه أكبر. (٥)، ثم إن أهل الفتنة أخذوا يرشقون جمل أم المؤمنين بالنبال وعليّ يصرخ فيهم أن كفوا عن الجمل، لكنهم لا يطيعونه فصار الجمل كالقنفذ من كثرة النبال التي علقت به. (٦) ويقدم الأشتر نحو الجمل فوقف له ابن الزبير فتقاتلا، ولهذا شاهد من حديث أخرجه

стр. 5446

ابن أبي شيبة في المصنف (١) بإسناد رجاله ثقات: أن الأشتر وابن الزبير التقيا فقال ابن الزبير: فما ضربته ضربة حتى ضربني خمسًا أو ستًا، ثم قال: فألقاني برجلي، ثم قال: واللَّه لولا قرابتك لرسول اللَّه ﷺ ما تركت منك عضوًا مع صاحبه، قال: وقالت عائشة: واثكل أسماء، قال: فلما كان بعد أعطت الذي بشرها به أنه حيّ عشرة آلاف. أما قصة صراع ابن الزبير مع الأشتر وقول ابن الزبير: اقتلوني ومالكًا، تعارضها الروايات الصحيحة، فقد أخرج الطبري (٢) بسند صحيح عن علقمة أن الأشتر لقي ابن الزبير في الجمل فقال: فما رضيت بشدة ساعدي أن قمت في الركاب فضربته على رأسه فصرعته. قلنا فهو القائل: اقتلوني ومالكًا؟ قال: لا، ما تركته وفي نفسي منه شيء، ذاك عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، لقيني فاختلفنا ضربتين، فصرعني وصرعته، فجعل يقول: اقتلوني ومالكًا، ولا يعلمون من مالك فلو يعلمون لقتلوني. (٣) هنا وصل القعقاع إلى الجمل فخاف على أم المؤمنين أن تصاب فبدأ ينادي بالانسحاب فأخذ الجمل محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه، فقتل ﵁ فأخذ القعقاع الجمل وسحبه خارج المعركة. أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (٤) بسند صحيح أن عبد اللَّه بن بديل قال لعائشة: يا أم المؤمنين أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان فقلتُ ما تأمريني، فقلتِ الزم عليًا؟ فسكتت فقال: اعقروا الجمل فعقروه قال: فنزلت أنا وأخوها محمد واحتملنا الهودج حتى وضعناه بين يدي عليّ، فأمر به علي فأدخل في بيت عبد اللَّه بن بديل. وأورده الحافظ في الفتح. (٥) هنا علي ﵁ أصدر الأوامر بأن لا تلحقوا هاربًا ولا تأخذوا سبيًا فثار أهل الفتنة وقالوا: تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا نساؤهم وأموالهم؟ فقال عليّ: أيكم يريد عائشة في سهمه فسكتوا،

стр. 5447

فنادى لا تقتلوا جريحًا ولا تقتلوا مدبرًا، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن (١). وعن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: دخلت على مروان بن الحكم، فقال: ما رأيت أحدًا أكرم من أبيك، ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل فنادى مناديه لا يقتل مدبرٌ ولا يذفف على جريح. (٢) وكان علي ﵁ يطوف على القتلى وهم يدفنون، ثم سار حتى دخل البصرة فمر على طلحة، ورآه مقتولًا، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: عزيز عليّ أبا محمد أن أراك مجندلًا تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى اللَّه أشكو عجري وبجري -أي همومي وأحزاني- وبكى عليه وعلى أصحابه. (٣) بعدها ذهب إلى بيت عبد اللَّه بن بديل الخزاعي لزيارة عائشة والاطمئنان عليها فقال لها: غفر اللَّه لكِ، قالت: ولك ما أردت إلا الإصلاح بين الناس. (٤)، ونقل الزهري (٥) قولها: إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدًا. وهذا هو الصحيح بخلاف من قال بأن عائشة نزلت في بيت عبد اللَّه بن خلف الخزاعي. ثم قام علي بتجهيز عائشة وإرسالها إلى مكة معززة مكرمة، وهذا الفعل من علي ﵁ يعد امتثالًا لما أوصاه به النبي ﷺ (٦)، في حديث أبي رافع ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال: فأنا أشقاهم يا رسول اللَّه؟ قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها. وكان خروج عائشة ﵂ يوم الجمل يعتبر زلة عن قصد حسن وهو الإصلاح، وقد

стр. 5448

ندمت على ذلك، وقد أخبر النبي ﷺ أنها زوجته في الجنة كما في المستدرك وقال عمار: واللَّه إنها لزوجة رسول اللَّه ﷺ في الدنيا والآخرة، كما في الصحيح بهذا المعنى. وبهذين الدليلين وبوصف اللَّه لها في القرآن بأنها طيبة، تنقطع ألسنة الطاعنين في صحابة رسول اللَّه ومنهم أم المؤمنين. (١) وكانت ﵂ إذا قرأت: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (الأحزاب: ٣٣) بكت حتى يبتل خمارها، وكانت حينما تذكر الجمل تقول: وددت أني كنت جلست كما جلس أصحابي، وفي رواية ابن أبي شيبة: وددت أني كنت غصنًا رطبًا ولم أسر مسيري هذا. (٢) والعقل يقطع بأنه لا مناص من القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى، ولاشك أن عائشة ﵂ هي المخطئة؛ لأسباب كثيرة وأدلة واضحة، منها ندمها على خروجها، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها، وذلك مما يدل على أن خطأها من الخطأ المغفور، بل المأجور. قال الإمام الزيلعي في نصب الراية: وقد أظهرت عائشة الندم كما أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن أبي عتيق -عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- قال: قالت عائشة ﵂ لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلًا غلب عليك -يعني ابن الزبير- فقالت: أما واللَّه لو نهيتني ما خرجت. قال الشيخ الألباني: ولهذا الأثر طرق أخرى، فقال الذهبي في السير: عن قيس قال: قالت عائشة، وكانت تحدث نفسها أن تدفن في بيتها فقالت: إني قد أحدثت بعد رسول اللَّه ﷺ حدثًا، ادفنوني مع أزواجه، فدفنت بالبقيع ﵂، قلت -أي الذهبي-: تعني بالحدث مسيرها يوم الجمل، فإنها ندمت ندامة كلية وتابت من ذلك، على أنها ما فعلت ذلك إلا متأولة، قاصدة للخير، كما اجتهد طلحة والزبير وجماعة من كبار الصحابة -رضي اللَّه عن الجميع- (٣).

стр. 5449

يقول شيخ الإسلام: إن عائشة لم تخرج للقتال، وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين الناس وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال فندم طلحة والزبير ﵃ أجمعين (١). ويقول الإمام القرطبي: لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا اللَّه . . هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي ﷺ أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض -يشير إلى حديث أبي هريرة عند مسلم (٢) ونصه: أن رسول اللَّه ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (٣)، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانًا لم يكن بالقتل فيه شهيدًا. ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من إخبار عليّ بأن قاتل الزبير في النار، وقوله سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" -تقدم تخريجه-، وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال -أي أنهما معذوران باجتهادهما- لأن ذلك لو كان كذلك، لم يقل النبي ﷺ في طلحة شهيد، ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار، وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم، والبراءة منهم، وتفسيقهم وإبطال فضائلهم وجهادهم -رضي اللَّه تعالى عنهم-. وعلى ذلك إذا كان الصحابة رضوان اللَّه عليهم يجوز عليهم الخطأ كما يجوز على كل بشر، فحينئذ نستطيع أن نقبل ما يحدث في تصرفاتهم من أخطاء غير مقصودة، وإنما وقعت نتيجة اجتهاد لم يوفقوا فيه إلى الصواب، لكنهم مثابون على الإخلاص في اجتهادهم إن شاء اللَّه.

стр. 5450

ولقد أخطأ من قال بأن الباعث لخروج طلحة والزبير هو ما كانا عليه من الطمع في الخلافة والتآمر على الناس بذلك. فينفي ابن شبّة في كتابه أخبار البصرة هذا الزعم بقوله: إن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكروا على علي منعه -أي تأخيره- من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم. (١) ويقول ابن حزم: (٢) فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها، أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافًا عليه، ولا نقضًا لبيعته ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، وهذا ما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ ظلمًا. وأما عن عدد قتلى معركة الجمل فقد بالغ المؤرخون في ذكرهم، فمن مقلل ومن مكثر على حسب ميل الناس وأهوائهم؛ لكن العدد الحقيقي لقتلى معركة الجمل فقد كان ضئيلًا جدًّا للأسباب التالية: - ١ - قصر مدة القتال، حيث أخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن القتال نشب بعد الظهر، في غربت الشمس وحول الجمل أحد ممن كان يذب عنه. ٢ - الطبيعة الدفاعية للقتال، حيث كان كل فريق يدافع عن نفسه ليس إلا. ٣ - تحرج كل فريق من القتال لما يعلمون من عظم حرمة دم المسلم. ٤ - قياسًا بعدد شهداء المسلمين في معركة اليرموك -ثلاثة آلاف شهيد، تاريخ الطبري (٣) - ومعركة القادسية -ثمانية آلاف وخمسمائة شهيد، تاريخ الطبري (٤) - وهي التي استمرت عدة أيام، فإن العدد الحقيقي لقتلى معركة الجمل يعد ضئيلًا جدًّا، هذا مع

стр. 5451

الأخذ بالاعتبار شراسة تلك المعارك وحدتها لكونها من المعارك الفاصلة في تاريخ الأمم. ٥ - أورد خليفة بن خياط في تاريخه (١) بيانًا بأسماء من حفظ من قتلى يوم الجمل، فكانوا قريبًا من المائة. فلو فرضنا أن عددهم كان مائتين وليس مائة، فإن هذا يعني أن قتلى معركة الجمل لا يتجاوز المائتين. وهذا هو الراجح للأسباب والحيثيات السابقة. واللَّه أعلم. (٢) وهذا العدد مصداق لقوله ﷺ فيما رواه البزار عن ابن عباس ﵄ قال: "قال رسول اللَّه ﷺ لنسائه: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تخرج فتنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعد ما كادت". (٣) أما قولهم: بوجود عداوة قديمة بين عائشة وعلي سببها هو ما كان بين عائشة وفاطمة حيث كانت عائشة زوجة أبيها بعد أمها والبنت تكره زوجة أبيها إلى آخر ما قالوا في هذا المعنى، والرد عليه من وجوه: أولها: فساد ما بني عليه هذا الكلام وهو أن عائشة وعلي كانا يقصدان قتال بعض وقد مر بيان ذلك. ثانيها: النصوص الصحيحة تدل على حسن العلاقة بين عائشة وفاطمة. ثالثها: لا يوجد أي دليل صحيح يدل على سوء العلاقة بين أسرة أبي بكر الصديق وأسرة علي بن أبي طالب ﵁. وإليك البيان بالتفصيل: النصوص الصحيحة تدل على حسن العلاقة بين عائشة وفاطمة، وهذا من جهتين الأولى جهة عائشة، والثانية جهة فاطمة. أما ما كان من جهة عائشة فهذه أدلته: ١ - عائشة هي التي روت حديث الكساء والذي يعتبر من أعظم المناقب لفاطمة ﵂،

стр. 5452

فعن عائشة: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي، فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٣). (١)، وبداهة العقل تقول لو أن عائشة تبغض فاطمة وعليًا لما روت لنا هذا الحديث، وفي الحديث أنها صرحت بذكر اسم علي ﵁ وهذا يرد على من زعم أنها تكره حتى ذكر اسمه. ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "مرحبا بابنتي". ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثًا فبكت فقلت لها لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثًا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن، فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي رسول اللَّه ﷺ حتى قبض النبي ﷺ ، فسألتها فقالت: "أسر إلي إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقًا بي. فبكيت فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة أهل الجنة أو نساء المؤمنين". فضحكت لذلك. (٢) وفي رواية قالت: إنا كنا أزواج النبي ﷺ عنده جميعًا لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة ﵂ تمشي ولا واللَّه لا تخفى مشيتها من مشية رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآها رحب وقال: "مرحبًا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أوعن شماله، ثم سارها فبكت بكاء شديدًا فلما رأى حزنها سارها الثانية فإذا هي تضحك، فقلت لها: أنا من بين نسائه خصك رسول اللَّه ﷺ بالسر من بيننا، ثم أنت تبكين فلما قام رسول اللَّه ﷺ سألتها عم سارك؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول اللَّه ﷺ سره، فلما توفي قلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني قالت: أما الآن فنعم، فأخبرتني. قالت: أما حين سارني في الأمر الأول، فإنه أخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين ولا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي اللَّه واصبري، فإني نعم السلف أنا

стр. 5453

لك. قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية قال: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيلة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة". (١) قال أبو نعيم في الحلية: وروته فاطمة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة عن عائشة نحوه (٢). وأما من جهة فاطمة فإنها تحب عائشة وذلك لوجوه: ١ - أنها حبيبة أبيها، والمعروف أن المرء يحب محبوب حبيبه والذي أصل هذا هو رسول اللَّه ﷺ كما روت عائشة ﵂ قالت: أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها، فقالت: يا رسول اللَّه، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة. قالت: فقال لها رسول اللَّه ﷺ أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى. قال فأحبي هذه قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول اللَّه ﷺ : فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ ، فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول اللَّه ﷺ ، فقلن لها ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول اللَّه ﷺ فقولي له إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: واللَّه لا أكلمه فيها أبدًا. (٣) فقولها: بلى إجابة عن سؤاله الست تحبين ما أحب تصريح منها أنها تحب عائشة ﵂، وقوله: فأحبي هذه أمر منه ﷺ لفاطمة بحب عائشة، ومن من الناس أولى بطاعة أبيها من فاطمة التي هي أشبه الخلق به ﷺ كما سبق في رواية عائشة. ٢ - لم يحدث في حياة فاطمة ولا حياة عائشة ما يدل على إساءة إحداهما إلى الأخرى لأن الواصلة بينهما هو رسول اللَّه ﷺ ، وهو يحبهما وهما يحبانه ويحبان ما يحب كما سبق بيانه. ٣ - وهذه قصة تدل على احترام كل واحدة منهما للأخرى. عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍، شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ

стр. 5454

عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ، فَقَالَ: "عَلَى مَكَانِكُمَا". فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ: "أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ" (١). وأما ما جرى بين الصديق وبين فاطمة ﵂ بخصوص مسألة الميراث: وهو ما روت عائشة أن فاطمة أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ مِمَّا أَفاءَ اللَّه عَلَيْهِ بالمُدِينَةِ وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا المُالِ وَإِنِّي وَاللَّه لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ عنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيْئًا فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ قَالَ فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّه ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلًا وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا عَليٌّ، وَكَانَ لِعَليٍّ مِنْ النَّاسِ وِجْهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ اسْتَنْكَرَ عِليٌّ وُجُوهَ النَّاسِ فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُر، فأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ كَرَاهِيةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: وَاللَّه لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْر: وَمَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي إِنِّي وَاللَّه لَآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ فَتَشَهَّدَ عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّه وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّه إِلَيْكَ وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ وَكُنَّا نَحْنُ نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنْ الْحَقِّ وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَليٌّ لِأَبِي بَكْر: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ ﷺ عَلَى المنْبَرِ، فتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنْ

стр. 5455

الْبَيْعَةِ وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عِليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّه بِهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الْأَمْرِ نَصِيبًا فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا أَصَبْتَ فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَليٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ المَعْرُوفَ. (١) ففي هذا الحديث مسائل لا تخلو من إشكالات: ١ - هل يجوز لفاطمة أن تهجر أبا بكر على قطعة أرض تسببت في هجر المسلمين بعضهم لبعض طوال قرون؟ ومعلوم أن النبي ﷺ نهى عن أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام؟ فمن كان أكثر طاعة؟ ! أبو بكر الذي منعه حديث "وإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا" أم فاطمة؟ أم أن الأمر متعلق بامتناع فاطمة عن تكليم عمر في شأن أرض فدك؟ فإن لفظ الحديث الذي رواه معمر عن الزهري الذي فيه (فهجرته فاطمة. . فوقع عند عمر بن شبه من وجه آخر عن معمر ونصه: (فلم تكلمه في ذلك المال) ليس فيه لفظ هجران ولا غضب ولا غيره. وكذا نقل الترمذي عن بعض مشايخه أن معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر: (لا أكلمكما) أي: في هذا الميراث. (٢) قلت: وهذا شبيه بقولها ﵂ في قصة عائشة مع نساء النبي ﷺ (واللَّه لا أكلمه فيها أبدًا) فلا يفهم من هذا أنها خاصمت النبي ﷺ . ٢ - بينت روايات خارج البخاري (٣) (فغضبت فاطمة وهجرته ولم تكلمه حتى ماتت. إلخ الكلام الطويل: أنه مدرج من كلام الزهري وليس من نص الحديث. وقد نص البيهقي على أن الزهري أدرج في هذا الحديث. ٣ - وذكر أن البيهقي روى من طريق الشعبي بسنده أنه قال: لما مرضت فاطمة أتاها

стр. 5456

أبو بكر الصديق، فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة، هذا أبو بكر الصديق يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها، فقال: واللَّه ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا ابتغاء مرضاة اللَّه، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت. (١) قال ابن كثير ﵀: وهذا إسناد جيد قوي والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي. (٢) قال الحافظ ابن حجر: إسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة على هجر أبي بكر. (٣) فائدة حديثية: اتفق المحدثون على أن مراسيل الزهري واهية شبه الريح (٤)، وباتفاقهم أن مراسيل الشعبي أقوى من ذلك، فمن أراد أن يحتج بمرسل الزهري لزمه الاحتجاج بمرسل الشعبي من باب الأولى، مع أن مرسل الزهري لم يثبت أصلًا. وحديث عائشة في البخاري (أن فاطمة ماتت وهي غاضبة عليه) لا ينافي هذا الحديث فإن عائشة ﵂ حدثت بما علمت وبحسب علمها ومعرفتها وفي رواية الشعبي زيادة علم وثبوت زيارة أبي بكر لها وكلامها له ورضاها عنه. وهنا قاعدة مهمة عند أهل الأصول: وهي أن عائشة نفت، والشعبي أثبت، والقول المثبت مقدم على القول المنفي؛ لأن احتمال الثبوت حصل بغير علم النافي، وكذلك كيف يغيب عن فاطمة قول النبي ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث". ولذلك قال القرطبي: ثم إنها أي فاطمة لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول اللَّه

стр. 5457

- ﷺ ولملازمتها بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران. (١) وهناك أمر مهم -يفضل تذكره- وهو أنّ أبا بكر ﵁ كان في خلافته يحمل على كتفه الحسن ﵁، وهو يضحك ويقول: بأبي شبيه النبيّ وليس شبيها بعليّ، وكان عليّ يراهما ويضحك سرورًا. كما رواه أحمد عن عمر بن سعيد عن ابن أبي مليكة أخبرني عقبة بن الحرث قال: (خرجت مع أبي بكر الصديق ﵁ من صلاة العصر بعد وفاة النبي ﷺ بليال وعلي ﵁ يمشي إلى جنبه فمر بحسن بن علي يلعب مع غلمان فاحتمله على رقبته وهو يقول: وابأبي شبه النبي ... ليس شبيهًا بعلي قال: وعلي يضحك. (٢)، ولا يعقل أن يستطيب علي هذا من أبي بكر وفاطمة بنت الرسول ﷺ غاضبة من أبي بكر وساخطة عليه. والأولى أن يفهم من الحديث ثبات أبي بكر على طاعة رسول اللَّه، وقد كان ذلك من أثقل الفتن عليه. فإن فاطمة كانت أحب إليه من ولده. ولكن طاعة أبيها أولى. ولقد كان علي يعلم بهذا الحديث الذي احتج أبو بكر به. ففي صحيح مسلم أن عمر قال لعلي والعباس: اتئدا. أنشدكم باللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا نورث. ما تركنا صدقة" قالوا: نعم. ثم أقبل على العباس وعليّ فقال: أنشدكما باللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمان أن رسول اللَّه قال: "لا نورث. ما تركناه صدقة" قالا: نعم) اهـ. (٣) وقد قال بعض الأئمة: إنما كانت هجرتها انقباضًا عن لقائه والاجتماع به، وليس ذلك من الهجران المحرم لأن شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا وهذا، وكأن فاطمة ﵂ لما خرجت غضبى من أبي بكر تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها، وأما سبب غضبها مع احتجاج

стр. 5458

أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: لا نورث، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال، وأخلق بالأمر أن يكون كذلك لما علم من وفور عقلها ودينها ﵂. (١) وهذه بعض النقول المهمة عن أهل العلم في دحضها. الوجه الأول: أن كتب القوم متناقضة في نقل هذه الحادثة، فبعضها تذكر أن فاطمة طالبت بفدك؛ لأن رسول اللَّه ﷺ منحها إياها، وبعضها تذكر أن فاطمة ﵂ طالبت بإرثها، وهذا تناقض واضح يدل على اضطراب القوم وجهلهم بأصل هذه المسألة، وبالتالي سقوط ما بنوا عليها من أحكام. قال ابن تيمية: إن ما ذكر من ادعاء فاطمة ﵂ فدك فإن هذا يناقض كونها ميراثًا لها، فإن كان طلبها بطريق الإرث امتنع أن يكون بطريق الهبة، وإن كان بطريق الهبة امتنع أن يكون بطريق الإرث، ثم إن كانت هذه هبة في مرض الموت فرسول اللَّه ﷺ منزه، إن كان يُورث كما يُورث غيره أن يوصي لوارث، أو يخصه في مرض موته بأكثر من حقه، وإن كان في صحته فلابد أن تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا فإذا وهب الواهب بكلامه، ولم يقبض الموهوب شيئًا حتى مات الواهب كان ذلك باطلًا عند جماهير العلماء، فكيف يهب النبي ﷺ فدكًا لفاطمة، ولا يكون هذا أمرًا معروفًا عند أهل بيته والمسلمين، حتى تختص بمعرفته أم أيمن أو عليّ ﵄. (٢) الوجه الثاني: أن الصحيح الثابت في هذه الحادثة أن فاطمة ﵂ طالبت أبا بكر بميراثها من رسول اللَّه ﷺ ، فاعتذر إليها من ذلك محتجًا بقول النبي ﷺ "لا نورث، ما تركنا صدقة" على ما أخرج ذلك الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: (إن فاطمة بنت

стр. 5459

رسول اللَّه ﷺ أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول اللَّه ﷺ مما أفاء اللَّه عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة"، إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال، وإني واللَّه لا أغير شيئًا من صدقة رسول اللَّه ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللَّه ﷺ ، ولأعملن فيها بما عمل به رسول اللَّه ﷺ ، فأبى أبو بكر أن يدفع لفاطمة منها شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت). فقد كانت فاطمة ﵂ مجتهدة في ذلك، اعتقدت أن الحق معها، ثم لما رأت من عزم الخليفة على رأيه أمسكت عن الكلام في المسألة، وما كان يسعها غير ذلك. قال ابن حجر في توجيه اجتهادها: وأما سبب غضبها -أي فاطمة- مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: "لا نورث"، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك. (١) الوجه الثالث: أن السنة والإجماع قد دلا على أن النبي ﷺ لا يورث، فيكون الحق في هذه المسألة مع أبي بكر ﵁. قال ابن تيمية: كون النبي ﷺ لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها، وبإجماع الصحابة، وكل منهما دليل قطعي، فلا يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عمومًا فهو مخصوص، لأن ذلك لو كان دليلًا لما كان إلا ظنيًا فلا يعارض القطعي، إذ الظني لا يعارض القطعي، وذلك أن هذا الخبر رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس، وليس فيهم من ينكره، بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق، ولهذا لم يصرّ أحد من أزواجه على طلب الميراث ولا أصرّ العم على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئًا فأخبر

стр. 5460

بقول النبي ﷺ رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى علي، فلم يغير من ذلك شيئًا، ولا قسم له تركة. (١) وبإجماع الخلفاء الراشدين على ذلك احتج الخليفة العباسي أبو العباس السفاح على بعض مناظريه في هذه المسألة على ما نقل ابن الجوزي في تلبيس إبليس قال: وقد روينا عن السفاح أنه خطب يومًا، فقام رجل من آل علي ﵁ قال: أنا من أولاد علي ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على من ظلمني قال: ومن ظلمك؟ قال: أنا من أولاد علي ﵁ والذي ظلمني أبو بكر ﵁ حين أخذ فدك من فاطمة، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال: عمر ﵁ قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال عثمان ﵁ قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكانًا يهرب منه. . . (٢) وبتصويب أبي بكر ﵁ في اجتهاده صرح بعض أولاد عليّ من فاطمة ﵂ على ما روى البيهقي بسنده عن فضيل بن مرزوق قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أما لو كنت مكان أبي بكر، لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك). (٣) كما نقل القرطبي اتفاق أئمة أهل البيت بدءًا بعلي ﵁ ومن جاء بعده من أولاده، ثم أولاد العباس الذين كانت بأيديهم صدقة رسول اللَّه ﷺ ، أنهم ما كانوا يرون تملكها، وإنما كانوا

стр. 5461

ينفقونها في سبيل اللَّه قال ﵀: إن عليًا لما ولي الخلافة لم يغيرها عما عمل فيها في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن عليّ، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسين، ثم بيد عبد اللَّه بن الحسين، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في صحيحه، وهؤلاء كبراء أهل البيت ﵃ لم يأخذها واحد منهم وقد صار أمرها إليه. (١) فظهر بهذا إجماع الخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة، وأئمة أهل البيت ﵃ أجمعين، على أن رسول اللَّه ﷺ لا يورث، وأن ما تركه صدقة، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين وأئمة أهل البيت الذين كانت بأيديهم صدقة رسول اللَّه ﷺ (٢). الوجه الرابع: أن النبي ﷺ إنما أراد بغضب فاطمة الذي يغضب له هو: أن تغضب بحق، وإلا فالرسول ﷺ لا يغضب لنفسه، ولأحد من أهل بيته بغير حق، بل ما كان ينتصر لنفسه -ولو بحق- ما لم تنتهك محارم اللَّه، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (ما خيّر النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، واللَّه ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات اللَّه فينتقم للَّه). (٣) وفاطمة ﵂ على جلالتها، وكمال دينها، وفضلها، هي مع ذلك ليست معصومة، بل قد كانت تصدر منها بعض الأمور التي ما كان النبي ﷺ يقرها عليها، وقد تطلب من النبي ﷺ الشيء فلا يجيبها له: كسؤالها النبي ﷺ خادمًا فلم يعطها وأرشدها وعليًا للتسبيح كما ثبت في حديث علي ﵁ في الصحيحين. (٤) وفي سنن أبي داود عن عمر بن عبد العزيز: (إن فاطمة سألت الرسول ﷺ أن يجعل

стр. 5462

لها فدكًا فأبى). (١) وثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂: أن فاطمة جاءت لرسول اللَّه ﷺ وقالت له: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: فأحبي هذه. . . ". (٢) فلم يجبها النبي ﷺ لشيء من ذلك، فدل على عدم موافقته لها في كل شيء، بل قد تفعل الأمر مجتهدة فتخطىء فلا يقرها عليه، وبالتالي فأن لا يغضب لغضبها من باب أولى. وطلبها ميراث رسول اللَّه ﷺ من أبي بكر من جنس ذلك، فقد كانت ﵂ مجتهدة وكان الحق في ذلك مع أبي بكر للنص الصريح في ذلك، ولموافقة الصحابة له في رأيه، فكان إجماعًا معتضدًا بالنص كما تقدم، فأبو بكر في ذلك قائم بالحق متبع للنص مستمسك بعهد رسول اللَّه ﷺ في هذه المسألة، فكيف يتصور أن يسخط بفعله هذا رسول اللَّه، وهو إنما يعمل بشرعه ويهتدي بهديه. الوجه الخامس: أن قول النبي ﷺ : "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني" (٣)، من نصوص الوعيد المطلق التي لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعنيين، إلا بعد وجود الشروط، وانتفاء الموانع. (٤) هذا مع أن ما في هذا الحديث من الوعيد لو كان لازمًا لكل من أغضبها مطلقًا، لكان لازمًا لعلي قبل أبي بكر، ولكان لحوقه بعلي أولى من لحوقه بأبي بكر، إذ أن مناسبة هذا الحديث هو خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل وشكوى فاطمة له على النبي ﷺ على ما روى الشيخان من حديث المسور بن مخرمة قال: (إن عليًا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول اللَّه ﷺ فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح

стр. 5463

بنت أبي جهل، فقام رسول اللَّه ﷺ فسمعته حين تشهد يقول: "أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها، واللَّه لا تجتمع بنت رسول اللَّه وبنت عدو اللَّه عند رجل واحد فترك علي الخطبة". (١) وفي رواية: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني". (٢) فظهر أن مناسبة الحديث هي خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل وغضب فاطمة من ذلك، والنص العام يتناول محل السبب، وهو نص فيه باتفاق العلماء، حتى قالوا لا يجوز إخراج السبب بدليل تخصيص، لأن دلالة العام على سببه قطعية وعلى غيره على وجه الظهور (٣)، وعلى هذا فلو كان هذا الحديث متنزلًا على كل من أغضب فاطمة لكان أول الناس دخولًا في ذلك عليّ ﵁. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن رده على الرافضة في هذه المسألة وبعد أن ذكر الحديث: فسبب الحديث خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل والسبب داخل في اللفظ قطعًا، إذ اللفظ الوارد على سبب لا يجوز إخراج سببه منه، بل السبب يجب دخوله بالاتفاق. وقد قال في الحديث: "يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها"، ومعلوم قطعًا أن خطبة ابنة أبي جهل عليها رابها وآذاها، والنبي ﷺ رابه ذلك وآذاه، فإن كان هذا وعيدًا لاحقًا بفاعله لزم أن يلحق هذا الوعيد علي بن أبي طالب، وإن لم يكن وعيدًا لاحقًا بفاعله، كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من علي. (٤) الوجه السادس: أن فاطمة ﵂ كانت قد رجعت عن قولها في المطالبة بإرث رسول اللَّه ﷺ ، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة في الحديث والسير. قال القاضي عياض: وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث: التسليم للإجماع على قضية،

стр. 5464

وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل، تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث، ثم ولي علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر، وعمر. (١) وقال القرطبي: فأما طلب فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكر فكان ذلك قبل أن تسمع الحديث الذي دل على خصوصية النبي ﷺ بذلك، وكانت متمسكة بما في كتاب اللَّه من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقفت عن ذلك ولم تعد إليه. (٢) وقال ابن تيمية: فهذه الأحاديث الثابتة المعروفة عند أهل العلم، وفيها ما يبين أن فاطمة ﵂ طلبت ميراثها من رسول اللَّه ﷺ على ما كانت تعرف من المواريث، فأخبرت بما كان من رسول اللَّه ﷺ فسلمت ورجعت. (٣) وقال ابن كثير: وقد روينا أن فاطمة ﵂ احتجت أولًا بالقياس، وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصدّيق ﵁ بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي ﷺ ، وأنها سلمت له ما قال، وهذا هو المظنون بها ﵂. (٤) فظهر بهذا رجوع فاطمة ﵂ إلى قول أبي بكر وما كان عليه عامة الصحابة، وأئمة أهل البيت من القول بعدم إرث رسول اللَّه ﷺ ، وهذا هو اللائق بمقامها في الدين والعلم ﵂. الوجه السابع: أنه ثبت عن فاطمة ﵂ أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك، وماتت وهي راضية عنه، على ما روى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال: (لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال عليّ: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها، فقال: واللَّه ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا إبتغاء مرضاة اللَّه، ومرضاة رسوله،

стр. 5465

ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت). (١) قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد قوي. والظاهر أن الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي ﵁. (٢) وقال ابن حجر: وهو وإن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة ﵍ على هجر أبي بكر. (٣) وقال أيضًا: فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال وأخلق بالأمر أن يكون كذلك، لما علم من وفور عقلها ودينها، ﵍. (٤) على أن الذي ذكره العلماء أن فاطمة ﵂ لم تتعمد هجر أبي بكر ﵂ أصلًا، ومثلها ينزه عن ذلك لنهي النبي ﷺ عن الهجر فوق ثلاث، وإنما لم تكلمه لعدم الحاجة لذلك. قال القرطبي في سياق شرحه لحديث عائشة المتقدم، ثم إنها (أي فاطمة) لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول اللَّه ﷺ ، ولملازمتها بيتها فعبر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث". (٥)، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول اللَّه ﷺ كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول اللَّه ﷺ وسيدة نساء أهل الجنة. (٦) وقال النووي: وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر ﵁ فمعناه انقباضها عن لقائه، وليس هذا من الهجران المحرم، الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء، وقوله في هذا الحديث (فلم تكلمه) يعني في هذا الأمر، أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة ولا
следующие страницы →