الهضم والامتصاص، وليست عمليات التغذية، فخلايا الجسم تعمل بصورة طبيعية، وتحصل على جميع احتياجاتها اللازمة لها من هذا المخزون بعد تحلله، والذي يعتبر هضمًا داخل الخلية، فيتحول الجليكوجين إلى سكر الجلوكوز، والدسم والبروتينات إلى أحماض دهنية وأحماض أمينية، بفعل شبكة معقدة من الإنزيمات، والتفاعلات الكيمائية الحيوية الدقيقة، والتي يقف الإنسان أمامها مشدوهًا معترفًا بجلال اللَّه وعلمه، وعظيم قدرته وإحكام صنعه. فمن أخبر محمدًا ﷺ أن في الصيام وقاية للإنسان من أضرار نفسية وجسدية؟ ومن أخبره أن فيه منافع وفوائد يجنيها الأصحاء؟ بل ومن يستطيع الصيام من المرضى وأصحاب الأعذار! ! ومن أخبره ﷺ بأن الصيام سهل ميسور لا يضر بالجسم، ولا يجهد بالنفس؟ ومن أطلعه على أن كثرة الصوم تثبط الرغبة الجنسية؟ وتخفف من حدتها وثورتها خصوضا عند الشباب! ! فيصير الشباب آمنًا من الاضطرابات الغريزية النفسية، ومحصنًا ضد الانحرافات السلوكية! ! وخصوصًا أنه نشأ في بيئة لا تعرف هذا الصيام ولا تمارسه إنه اللَّه. . آمنت باللَّه (١).
الوجه السادس: الصيام في الكتاب المقدس .
الصوم في اليهودية والنصرانية هو عبارة عن امتناع عن الطعام والشراب والجنس في بعض أنواع الصوم، وامتناع عن الطعام فقط في أنواع أخرى، ووقته في اليهودية من قبل شروق الشمس إلى غروب الشمس، ولديهم كذلك من أنواع الصوم ما يكون ليلة واحدة، ومنها ما يكون ثلاثة أيام، ومنها ما يكون سبعة أيام، وعند النصارى امتناع لبعض الوقت بالكلية، ثم تناول أي طعام غير اللحوم، ولهم فيها مشارب شتى، سبقت الإشارة إليها.
مع عدم وضوح هذه الشعيرة في الديانتين اليهودية والنصرانية، كدأبهم في كل شعائرهم، والأمر مختلف تمامًا في الإسلام، فمدة الصوم محددة بدقة بالغة، وعدد الأيام كذلك واضح كل الوضوح، وأنواع الصوم التطوعي واضحة كذلك من خلال سنة النبي ﷺ ، فليس هناك
стр. 5532
غموض ولا لبس في هذه الشعيرة في الإسلام، ولا تطور فيها، فالصوم كشعيرة تمارس اليوم، هي هي الشعيرة التي مارسها النبي ﷺ وأصحابه منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة.
وإليك تفصيل هذا الأمر عند اليهود والنصارى:
فترة الصوم في اليهودية:
الصوم في اليهودية لون من الوان الحداد، ومواجهة للأزمات بالانقطاع عن الطعام، ولسوف يلاحظ القارئ أن الصوم لا يشتمل على أبعاد تربوية في اليهودية، إنما هو تعبير عن الحزن بالانقطاع عن الطعام، وفترات الانقطاع هذه تترواح ما بين يوم وثلاثة أيام وقد يكون لمدة ليلة، وأكثر من ذلك، وفيما يلي عرض لفترات الصوم في اليهودية:
١ - الصوم لمدة يوم واحد من شروق الشمس إلى مغربها وهو الصوم المعتاد عندهم، يدل على هذا النص التالي: وَجَاءَ جَمِيعُ الشَّعْبِ لِيُطْعِمُوا دَاوُدَ خُبْزًا، وَكَانَ بَعْدُ نَهَارٌ. فَحَلَفَ دَاوُدُ قَائِلًا: "هكَذَا يَفْعَلُ لِيَ اللَّهُ وَهكَذَا يَزِيدُ، إِنْ كُنْتُ أَذُوقُ خُبْزًا أَوْ شَيْئًا آخَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْس (صموئيل الثاني: ٣/ ٣٥).
٢ - الصوم ليلة واحدة ويدل على هذا المعنى التالي: حِينَئِذٍ مَضَى الْمَلِكُ إِلَى قَصْرِهِ وَبَاتَ صَائِمًا، وَلَمْ يُؤْتَ قُدَّامَهُ بِسَرَارِيهِ وَطَارَ عَنْهُ نَوْمُه (دانيال: ٦/ ١٨).
٣ - الصوم لمدة ثلاثة أيام ليلًا ونهارًا، ويبدو أن هذه كانت حالة خاصة، يدل عليه النص التالي: اذْهَبِ اجْمَعْ جَمِيعَ الْيَهُودِ الْمَوْجُودِينَ فِي شُوشَنَ وَصُومُوا مِنْ جِهَتِي وَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَيْلًا وَنَهَارًا. وَأَنَا أَيْضًا وَجَوَارِيَّ نَصُومُ كَذلِكَ (استير: ٤/ ١٦).
٤ - الصوم لمدة سبعة أيام كصوم أهل يابيش جلعاد شاول، كما جاء في صموئيل الثاني: وأخذوا عظامهم ودفنوها تحت الأثلة في يابيش وصاموا سبعة أيام (صموئيل الأول: ٣١/ ١٣).
صوم موسى ﵇: وقد صام موسى أربعين يومًا: وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الرَّبِّ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا وَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً. فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلِمَاتِ الْعَهْدِ، الْكَلِمَاتِ الْعَشَر (الخروج: ٣٤/ ٢٨).
стр. 5533
وجاء في سفر الملوك الأول: فَقَامَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَسَارَ بِقُوَّةِ تِلْكَ الأَكْلَةِ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَى جَبَلِ اللَّهُ حُورِيب (الملوك الأول: ١٩/ ٨).
ويتضح مما سبق أن الصوم المعتاد هو من شروق الشمس إلى مغربها، ولكن أنواعًا أخرى من الصوم كصوم ليلة أو صوم عدة أيام وردت كذلك.
طقوس الصوم في اليهودية:
لليهود طقوس في صومهم ففي يوم الغفران والتاسع من آب يمتنع اليهود عن الشراب وعن تناول الطعام، أو الجماع الجنسي، كما يمتنع اليهود عن ارتداء الأحذية الجلدية لمدة خمس وعشرين ساعة من غروب الشمس في اليوم السابق حتى غروب الشمس في يوم الصيام. أما أيام الصوم الأخرى، فهي تمتد من شروق الشمس حتى غروبها ولا تتضمن سوى الامتناع عن الطعام والشراب. وفي الماضي كان الصائمون يرتدون الخيش ويضعون الرماد على رؤوسهم تعبيرًا عن الحزن. وإذا وقع يوم الصيام في يوم سبت، فإنه يُؤجَّل إلى اليوم التالي ما عدا صيام عيد يوم الغفران. هذا ولا يعترف اليهود الإصلاحيون بأي من أيام الصيام هذه، كما أن معظم يهود العالم داخل وخارج فلسطين لا يقيمون هذه الشعيرة ولا حتى في يوم الغفران. (١)
فهي شعيرة معطلة عند اليهود، وإن كانت تمارس، فإنما تمارس على نطاق ضيق.
والصوم عند اليهود يبتدئ من الشروق وينتهي عند ظهور أول نجوم الليل، إلا صوم يوم الكفارة، واليوم التاسع من شهر آب، فإنه يستمر من المساء، وليس هناك أحكام وتقاليد للصيام العادية (٢)، ويضاف إلى ذلك بعض صور الامتناع عن الطعام، كالامتناع عنه ليلة، وكذلك مواصلة الصيام لمدة ثلاثة أيام، أو سبعة أيام كما وردت بذلك نصوص الكتاب المقدس.
стр. 5534
فالصوم في اليهودية بناء على ما سبق تذلل وخضوع، يقابل به الشعب اليهودي الأزمات والضوائق بترك الطعام والشراب كلية أو بصورة جزئية، وهو بهذا المعنى قد يكون من بقايا الحق التي أنزلها اللَّه على موسى ﵇، والتذلل والتضرع من صور التقرب إلى اللَّه تعالى، والتي تبرز حاجة العبد إلى ربه، يقول تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ (الأنعام: ٤٣).
والذي يعاب على هؤلاء القوم أنهم يضيفون عبادات من عند أنفسهم، ويتصرفون في شعائر دينهم كما يشاءون، ولا أدل على ذلك من تشريم صوم أيام بعينها لم تشرعها حتى التوراة المحرفة.
دور الحاخامات في شريعة الصوم:
ليس تشريع الصوم بمنزه عن تدخلات رجال الدين وليس وحيًا منزهًا -في صورته الحالية- عن التدخلات البشرية، فالحاخامات، بل والأشخاص العاديون أيضًا لهم تدخلات في تشريع ما يشاؤون من ألوان الصيام فقد قرر الحاخامات أيام صيام أخرى إضافية من بينها صيام أسابيع الحداد الثلاثة، بين السابع عشر من تموز والتاسع من آب، باعتبارها الفترة التي نهب الجنود الرومان أثناءها الهيكل والقدس، وأيام التكفير العشرة (بين عيد رأس السنة ويوم الغفران)، وأكبر عدد ممكن من الأيام في أيلول، وأول يومي اثنين وخميس من كل شهر، وثاني يوم اثنين بعد عيد الفصح وعيد المظال. وقد فُسِّر هذا الصوم بأنه تكفير عما قد يكون المرء قد ارتكبه من إفراط أثناء العيدين السابقين. ويصومون السابع من آذار باعتباره تاريخ موت موسى، يوم الغفران الصغير (يوم كيبور قاطان)، وهو آخر يوم من كل شهر. كما يمكن أن يصوم اليهودي في أيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، فهي الأيام التي تُقرأ فيها التوراة في العبد.
وإلى جانب أيام الصيام التي وردت في العهد القديم، والتي قررها الحاخامات توجد أيام الصيام الخاصة. فيصوم اليهودي في ذكرى موت أبويه أو أستاذه، كما يصوم
стр. 5535
العروسان يوم زفافهما. وفي الماضي، كان اليهودي يصوم بعد رؤيته كابوسًا في نومه. وإذا سقطت إحدى لفائف التوراة كان من المعتاد أن يصوم الحاضرون (١).
وهذه الأنواع من الصيام سالفة الذكر تدل دلالة قوية على التدخل البشري في شريعة الصوم عند اليهود، حيث إن هذه الأنواع من الصيام لم ترد بها نصوص، وإنما هي لون من ألوان الحداد الذي فرضه اليهود على أنفسهم.
الصوم في النصرانية
الصوم عند النصارى يعني: (الامتناع عن الطعام من الصباح حتى منتصف النهار، ثم تناول طعام خال من الدسم) (٢). ومعنى الحزن والكآبة المرتبطين بالصوم عند اليهود موجود كذلك في النصرانية يدل على ذلك النص التالي في الإنجيل: حِينَئِذٍ أَتَى إِلَيْهِ تَلَامِيذُ يُوحَنَّا قَائِلِينَ: "لِمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيرًا، وَأَمَّا تَلَامِيذُكَ فَلَا يَصُومُونَ؟ " ١٥ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَنُوحُوا مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ وَلكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ (متى: ٩/ ١٤ - ١٥). فالصوم في نظر المسيح ﵇ حسب النص الإنجيلي- إنما هو نواح، وهو لا يتلاءم مع أيام الرخاء التي يمثلها بقاء المسيح ﵇ مع تلامذته.
أوقات الصوم عند النصاري:
للصوم في النصرانية أوقات معينة، وهي على النحو التالي:
١ - يوم الأربعاء؛ لأنه يوافق يوم المؤامرة التي انتهت بالقبض على المسيح ﵇.
٢ - يوم الجمعة؛ لأن المسيح صلب يوم الجمعة في اعتقادهم.
٣ - صوم الميلاد، وعدد أيامه ٣٤ يومًا تنتهي بعيد الميلاد.
стр. 5536
٤ - الصوم المقدس، وعدد أيامه ٥٥ يومًا تشمل عدد الأربعين يومًا التي صامها المسيح ﵇ مضافًا إليها خمسة عشر يومًا أخرى هما أسبوعا الاستعداد والآلام.
٥ - صوم الرسل، وعدد أيامه يزيد وينقص حسب الطوائف النصرانية، وتتراوح مدته ما بين ١٥، ٤٩ يومًا.
٦ - صوم العذراء، ومدته ١٥ يومًا تبدأ من أول شهر مسرى.
٧ - صوم أهل نينوي ومدته ٣ أيام ويبدأ الاثنين. (١)
المحرمات أثناء الصوم: هناك محرمات لا يقربها النصراني فترة صيامه، فقد (حرم النصارى على أنفسهم أكل كل حيوان، أو ما يتولد منه أو ما يستخرج من أصله، بل يقتصرون على أكل البقول، وتحريمهم أكل اللحوم هو ما أحدثوه بالرأي بعد المسيح ﵇ وتلاميذه متشبهين بالمانوية أصحاب مذهب ماني، مع أن ماني زنديق على زعمهم). (٢)
وللنصارى مشارب شتى في هذا الصدد (ففي روما صيام يختلف عن الصيام في (لانان) و (الإسكندرية)، وكان بعضهم يمتنع عن البيض والفواكه، وبعضهم يجتزئ بالخبز اليابس، وبعضهم يكف عن كل ذلك. (٣)
يقول الإمام ابن القيم: والمسيح ﵇ ما شرع لهم هذا الصوم الذي يصومونه قط ولا صامه في عمره مرة واحدة ولا أحد من أصحابه ولا صام صوم العذارى في عمره ولا أكل في الصوم ما يأكلونه ولا حرم فيه ما يحرمونه. (٤)
وإنما ورد أنه صام أربعين يومًا قبل الرسالة، والمرجح أنه كان يصوم يوم الكفارة الذي زامن الصوم المفروض في الشريعة الموسوية، ككل يهودي مخلص، إنه لم يشرع أحكامًا للصوم،
стр. 5537
إنه خلف المبادئ وترك كنيسته تقنن قوانين لتطبيقها، وليس لأحد أن يزعم أنه أصدر قوانين عن الصوم رأسًا. . . ومما هو ثابت تاريخيًا أن النصارى الذين كانوا من السلالة الإسرائيلية ظلوا يصومون يوم الكفارة، ولكنّ النصارى الذين ينتمون إلى أصول أخرى لم يلحوا على ذلك، وبانتهاء القرن المسيحي الأول ونصف قرن بعد وفاة القديس بولس نواجه رغبة ملحة في تقنين القوانين للصوم. وقد كان ذلك موكولًا إلى تقوى الصائم فنرى الرهبان وبعض رجال الكنيسة يقترحون صيامًا ليقاوم به النصارى الإغراءات المادية والجنسية. . . ولم ينل الصوم في النصرانية قسطًا من التنظيم والتقنين إلا في فترة ما بين القرن الثاني والقرن الخامس المسيحيين، فقد أصدرت الكنيسة قائمة أحكام وتوجيهات عن الموضوع (١).
وهو واضح في الدلالة على أن شريعة الصوم عند النصارى، ليس لها من مصدرها الإلهي إلا اسم الصوم فقط، أما جوهرها ولبابها فهو عبارة عن وضع بشري لا صلة له بوحي اللَّه.
ملاحظات على الصوم في اليهودية والنصرانية:
هناك ملاحظات مهمة، يقف عليها الدارس للصوم في اليهودية والنصرانية، منها ما يلي:
أولًا: يلاحظ أن الصوم عندهم ليس فرضًا. (٢)
فالصوم الوحيد المذكور في الكتاب المقدس هو صوم يوم الكفارة، لم يذكر صراحة بل ذكر كنوع من تذليل النفس، ثم ذكرت أنواع أخرى من الأصوام قام بها الأنبياء والقديسون، ولا دلالة في كل ذلك على فرضيته، كما أن الممارسة العملية لشريعة الصوم في الوقت الحاضر تدل على ذلك، وفي النصرانية (لا يوجد في الأناجيل نص يقضي بفرض الصوم، وإنما فيه ذكره ومدحه واعتباره عبادة فقط، وذلك كالنهي عن الرياء، وعدم العبوس في الصوم). (٣)
стр. 5538
ثانيًا: يلاحظ كذلك تصرف الكهنة والحاخامات ورجال الدين النصراني كذلك في هذه الشريعة بالزيادة والنقصان.
ثالثًا: الصوم لديهم عبارة عن إمساك كلي عدة ساعات عن الطعام والشراب. وبعد ذلك إمساك عن مطعوم معين خلال فترة معينة، وهو مخالف تمامًا لطبيعة الصوم في الإسلام.
وعند إنعام النظر في الفرق بين شريعة الصوم في الإسلام والديانات الأخرى نجد فروقًا جوهرية من حيث طبيعة الصيام، وعدد الأيام، والحكمة من الصيام، وتنظيم الشعيرة، وكل هذه الفروق تصب لمصلحة الشعيرة في الإسلام. (١)
* * *
стр. 5539
٢ - شبهة نكاح المتعة
نص الشبهة:
قالوا: بأن الإسلام أحل نكاح المتعة، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وقد أحل الرسول ﷺ نكاح المتعة لأصحابه، وقد استمتع الصحابة على عهد أبي بكر وعمر حتى نهى عنها عمر ﵁ وكانت مباحة، فهو الذي حرمها من نفسه، وقد أنكر الصحابة عليه، والأحاديث الواردة في النهي عنها متضاربة في وقت التحريم فبقي الأمر على الإباحة.! !
والجواب عليها من هذه الوجوه:
الوجه الأول: تعريف نكاح المتعة.
الوجه الثاني: الأدلة على تحريم نكاح المتعة.
الوجه الثالث: أدلة من أباح نكاح المتعة، والرد عليها.
الوجه الرابع: الرد على بعض الشبهات التي استدلوا بها على إباحة نكاح المتعة.
الوجه الخامس: الزواج غير الشرعي في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تعريف المتعة .
تعريف نكاح المتعة هو: أن يتزوج الرجل المرأة -يوم أو يومين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل- في مقابل شيء يعطيه لها من مال أو طعام أو ثياب أو غير ذلك، فإذا انقضى الأجل تفرقا من غير طلاق ولا ميراث فيها. (١)
ووجه الدلالة: أن اللَّه بين عند تعذر نكاح المحصنات (الحرائر) أن يتزوج الإماء فإذا كانت المتعة جائزة فهي أولى لمن لم يستطع نكاح المحصنات.
فبين اللَّه في هذه الآية أن يتزوج الجارية المملوكة دل على تحريمه، ولم يقل ومن لم يستطع منكم طولًا أي صداقًا، والطول هو الغني بالصداق، فليتمتع بامرأة بأجر معلوم إلى أجل مسمى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، فلو كان حلالًا لما سكت عنه القرآن. ولو كانت المتعة تباح بحال لأبيحت لهذا المضطر الذي لم يجد صداقًا للمحصنات، ولكون المقام مقام ضرورة والمقال جرى على حالة المخرج من هذه الضرورة، فلما أباح اللَّه له أن ينكح الجارية المملوكة لكونه مضطرًا، مع علمه باسترقاق أولاده فيها تبعًا لأمهم، ولم يبح له التمتع، دل هذا على التحريم.
ثانيًا: أدلة التحريم من السنة .
الدليل الأول: عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ الحمُرِ الإِنْسِيَّةِ" (١).
الدليل الثاني: عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "رَخَّصَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا" (٢).
الدليل الثالث: عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَتْحَ مَكَّةَ قَالَ: فَأَقَمْنَا بِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ -ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ- فَأَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ في مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي وَلِي عَلَيْهِ فَضْلٌ في الْجَمَال وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الدَّمَامَةِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدٌ فَبُرْدِى خَلَقٌ، وَأَمَّا بُرْدُ ابْنِ عَمِّي فَبُرْدٌ جَدِيدٌ غَضٌّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ أَوْ بِأَعْلَاهَا فَتَلَقَّتْنَا فَتَاةٌ مِثلُ الْبَكْرَةِ الْعَنَطْنَطَةِ فَقُلْنَا هَلْ لَكِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْكِ أَحَدُنَا؟ قَالَتْ وَمَاذَا تَبْذُلَانِ؟ فَنَشَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدَهُ فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ وَيَرَاهَا صَاحِبِي تَنْظُرُ إِلَى
стр. 5543
عِطْفِهَا فَقَالَ: إِنَّ بُرْدَ هَذَا خَلَقٌ وَبُرْدِي جَدِيدٌ غَضٌّ. فَتَقُولُ بُرْدُ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. ثَلَاثَ مِرَارٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اسْتَمْتَعْتُ مِنْهَا فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ (١).
ثالثًا: الإجماع .
قال الجصاص: قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمُتْعَةِ وَحُكْمِهَا فِي التَّحْرِيمِ مَا فِيهِ بَلَاغٌ لِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ، وَلَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَقَدْ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مَعَ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِهَا وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيه (٢).
وقال أبو عبيد: المسلمون اليوم مجمعون على أن متعة النساء قد نسخت بالتحريم نسخها الكتاب والسنّة هذا قول أهل العلم جميعًا من أهل الحجاز الشام والعراق من أصحاب الأثر والرأي، وأنه لا رخصة فيها لمضطر ولا لغيره (٣).
قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها ولا أعلم اليوم أحدًا يجيزها إلا بعض الرافضة ولا معنى لقول يخالف كتاب اللَّه وسنة رسوله (٤).
وقال عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض (٥).
وقال ابن عبد البر: اتفق أئمة علماء الأمصار من أهل الرأي والآثار منهم مالك وأصحابه من أهل المدينة، وسفيان وأبو حنيفة من أهل الكوفة، والشافعي ومن سلك سبيله من أهل الحديث والفقه والنظر، والليث بن سعد في أهل مصر والمغرب، والأوزاعي في أهل الشام وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود والطبري على تحريم نكاح المتعة لصحة نهي رسول اللَّه ﷺ عندهم عنها (٦).
стр. 5544
قَالَ الْمَازِرِيّ: ثَبَتَ أَنَّ نِكَاحُ الْمُتْعَة كَانَ جَائِزًا في أَوَّل الْإِسْلَام، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ نُسِخَ بما ذكر من الْأَحَادِيثِ في هذا الكتاب وفي غيره، وتقرر الإِجْمَاع عَلَى منعه، وَلَمْ يُخَالِف فِيهِ إِلَّا طَائِفَةٌ مِنْ المبتدعة (١).
قال الكساني: فَإِنَّ الْأُمَّةَ بِأَسْرِهِمْ امْتَنَعُوا عَنْ الْعَمَلِ بِالْمُتْعَةِ مَعَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ لهم إلَى ذَلِك (٢).
قال ابن تيمية: فهذا نكاح المتعة الذي اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على تحريمه (٣).
قال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل وأنه حرم ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض (٤).
قال الآلوسي: ولا خلاف الآن بين الأئمة وعلماء الأمصار إلا الشيعة في عدم جوازها، ونقل الحل عن مالك -رحمه اللَّه تعالى- غلط لا أصل له، بل في حد المتمتع روايتان عنه (٥).
قال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة ولا يصح عك قاعدتهم في الرجوع إلى المختلفات إلى علي وآل بيته؛ فقد صح عن علي ﵁ أنها نسخت، ونقل البيهقي (٦) عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: هي الزنا بعينه (٧).
قال الزجَّاج: بعد أن ذكر هذه الآية: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (النساء: ٢٤) قد غلط فيها قوم غلطًا عظيمًا؛ لجهلهم باللغة؛ وذلك أنهم ذهبوا إلى
وتكوين الأسرة، وبقاء النوع الإنساني على وجه يليق بكرامة الإنسان، وأن غريزة الجنس إنما تأصلت في الفطرة، لتكون حافزًا على النكاح الصحيح المشروع الذي من شأنه أن يحقق تلك المقاصد السامية، كي لا يتسافد الرجل والمرأة تسافد الحيوان، وفي ذلك تضييع المرأة لنفسها وإذلالها وامتهانها، إذ تصبح كالسلعة التي تنتقل من يد إلى يد، فيضر هذا بها وبأولادها؛ حيث لا يجدون البيت الذي يستقرون فيه ويتعهدهم بالتربية والتأديب. وهذا تغيير لمجرى سنة اللَّه في خلقه، ونزع المرأة عن وظيفتها الشريفة السامية التي خلقها اللَّه تعالى لها، وأحكم تكوينها الفطري لأدائها ولتكون زوجة يسكن إليها زوجها من عناء الحياة وتكون أمًّا تحنو على أولادها، وتتولى تنشئتهم النشأة الصالحة، وبذلك تكون الأسرة هي المحضن الطبيعي، للقادة والساسة والعظماء والعباقرة والعلماء ومن إليهم ولا يتصور أن يتخرج أمثال هؤلاء في غير الأسرة الشريفة النظيفة التي ينقطع فيها تعهد الاباء والأمهات بأبنائهم وإلا كانت الإباحية والانحلال الاجتماعي، وفي ذلك القضاء المبرم على أي أمة.
لقد أراد الشارع الحكيم من عقد النكاح أن يكون عقدًا للألفة والمحبة والشراكة في الحياة، وأية الفة ومحبة تأتي من عقد لا يقصد منه إلا قضاء الشهوة على شرط واحد أو على عرض واحد. . . . وإذا فرغ فليحول وجهه؟ ! !
كيف يقع الزنا إذا لم يكن هذا النوع بالذات من النكاح زنا؟ ! !
أليس الزنا يقع بالتراضي بين الطرفين على قضاء الوطر؟
وهل تقل المفاسد التي تترتب على الزنا عن المفاسد التي تترتب على المتعة إذا أبيح مثل هذا النوع من النكاح؟ ! ، فكيف يعرف الناس أبناءهم؟ بل وكيف يعرف الأبناء آباءهم؟
ومن ذا الذي يضمن استبراء المرأة رحمها بحيضة أو حيضتين أو خمسة وأربعين يومًا؟ أو بعد مفارقة المتمتع لها، لتعرف نفسها هل هي حامل أم حائل؟
стр. 5547
وإذا لم يعرف الناس أبناءهم فمن يعرفون؟ وأين العاقدون وقد قضى كل منهم وطره ومضى لسبيله. .؟ ولاسيما أن القائلين بالمتعة يقولون إن صاحب المتعة لو نفى الولد انتفى بلا لعان! . (١)
الوجه الثالث: أدلة من قال بجواز نكاح المتعة والرد عليها .
أولًا: الأدلة من القرآن
الدليل الأول: قال : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (النساء: ٣).
ووجه الدلالة: أنهم جعلوا النكاح في الآية عَلَى عُمُومِهِ فِي الْمُتْعَةِ المقَدَّرَةِ وَالنِّكَاحِ الْمُؤَبَّدِ.
والجواب عليه:
فَهُوَ أَنَّ الْمُتْعَةَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ اسْمَ النِّكَاحِ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا اخْتَصَّ بِالدَّوَامِ لِذَلِكَ قِيلَ: قَدِ اسْتَنْكَحَهُ المَدَى لمِنْ دَامَ بِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْمُتْعَةُ الْمُؤَقَّتَةُ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لَخُصَّ بِمَا ذَكَرْنَا (٢).
الدليل الثاني: قال : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (النساء: ٢٤)، وقد استدلوا بهذه الآية على نكاح المتعة بعدة أشياء:
الطريق الأول: قالوا أنها نزلت في نكاح المتعة .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن الجمهور من أهل العلم على أنها في النكاح الشرعي .
فقد اختلف أهل العلم في تأويل الآية على قولين:
الأول: حملها على الاستمتاع بالنساء بطريق النكاح الشرعي المؤبد، وممن قال به الحسن البصري. (٣)
стр. 5548
قال ابن زيد: في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، قال: هذا النكاح، وما في القرآن إلا نكاحٌ. إذا أخذتَها واستمتعت بها، فأعطها أجرَها الصداقَ. فإن وضعت لك منه شيئًا، فهو لك سائغ. فرض اللَّه عليها العدة، وفرض لها الميراث. قال: والاستمتاع هو النكاح ههنا، إذا دخل بها. (١)
الثاني: حملها على نكاح المتعة والمعنى أي في تمتعتم به منهن من أجر تمتع اللذة.
وقد أورد الطبري جملة من الآثار منها ما جاء عن أبى نضرة قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء. قال: أما تقرأ "سورة النساء؟ " قال قلت: بلى! قال: في تقرأ فيها: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ. . .﴾ (إلى أجل مسمى)؟ قلت: لا! لو قرأتُها هكذا ما سألتك! قال: فإنها كذا. (٢)
قال الطبري: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوَّله: فما نكحتموه منهن فجامعتموه، فآتوهن أجورهن لقيام الحجة بتحريم اللَّه متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله (٣). وهذا ما رجحه كثير من أهل العلم بأن الآية في النكاح الشرعي المؤبد، وهو قول الجمهور (٤).
وعلى هذا يكون المعنى كما قاله ابن تيمية:
قال: فقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ (النساء: ٢٤) يتناول كل من دخل بها من النساء فإنه أمر بأن يعطي جميع الصداق بخلاف المطلقة قبل الدخول للتي لم يستمتع بها فإنها لا تستحق إلا نصفه.
стр. 5549
وهذا كقوله : ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ (النساء: ٢١)، فجعل الإفضاء مع العقد موجبًا لاستقرار الصداق. يبين ذلك أنه ليس لتخصيص النكاح المؤقت بإعطاء الأجر فيه دون النكاح المؤبد معنى؛ بل إعطاء الصداق كاملًا في المؤبد أولى، فلا بد أن تدل الآية على المؤبد إما بطريق التخصيص وإما بطريق العموم.
يدل على ذلك أنه ذكر بعد هذا نكاح الإماء فعلم أن ما ذكر كان في نكاح الحرائر مطلقًا.
الوجه الثاني: ارتباط الآية بما قبلها وما بعدها يدل على أنها في النكاح الشرعي .
فإن الآية لها سباق ولحاق، وسياق الآية مرتبط بالسباق واللحاق، وكما هو مقرر في الأصول أن السياق من المقيدات، وعند التطبيق نجد أن الآية في النكاح الشرعي وبيانه كالتالي:
(أ) سياق الآية (ما قبلها):
بين سبحانه من يحرم نكاحهن من الأقارب فقال : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ٢٣).
(ب) سياق الآية: فقد بين اللَّه فيها ما أحله بعد هذا التحريم قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ٢٤).
(ج) لحاق الآية (ما بعدها): فقد بين اللَّه ماذا يفعل الإنسان إن لم يكن يستطيع أن يتزوج المحصنات الحرائر قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ
стр. 5550
بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النساء: ٢٥).
ولا جرم أن هذا السياق من أول الآية إلى آخرها خاص بالنكاح الدائم فكان هذا مانعًا أن يقحم نكاح المتعة في وسطها ومانعًا أيضًا من الدلالة على ذلك لوحدة السياق الذي ينتظم وحدة الموضوع التي تتناولها الآيات بأحكامها، فالاستدلال بهذه الآية على جواز المتعة تكلف وتأويل للآية الكريمة تأويلًا مستكرهًا ويؤكد هذا النظر أنك لو أمعنت النظر في السابق واللاحق لوجدت أن قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ﴾ مراد به الاستمتاع بالنكاح الصحيح المشروع لا هذا السفاح المتعة! ! لأن منطوق الآية من أوله إلى آخره في موضوع النكاح الدائم المشروع فقد ذكر اللَّه ثلاث مرات لفظة "النكاح" تارة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ وثانية بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ﴾، وثالثة بقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (النساء: ٢٥).
ولم يذكر المتعة ولا الإجارة فيصرف قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ﴾ إلى النكاح، فحمل العبارة المتوسطة بقطع الكلام من السياق والسباق تحريف صريح لكلام اللَّه تعالى لأن العطف بالفاء مانع من قطع المعنى بعدها عما قبلها؛ فالفاء تربط ما بعدها بما قبلها وإلا تفكك النظم القرآني، فيتعين أن يكون قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ﴾ منصرفًا إلى النكاح الدائم الصحيح لا إلى المتعة؛ لأن العطف يمنع هذا الانقطاع كما هو مبين في النحو، ولو كانت هذه الجملة لبيان المتعة لاختل نظم هذه الآيات الثلاث ولبقى الكلام الأول في أصل النكاح أبتر، ولبطل التفريع بالفاء وهذا غير صحيح لغة. (١)
قال الطبري: أما ما روي عن أُبيّ بن كعب وابن عباس من قراءتهما: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ (إلى أجل مسمى)، فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين. وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب اللَّه تعالى شيئًا لم يأت به الخبرُ القاطعُ العذرَ عمن لا يجوز خلافه. (١)
قال الجصاص: وَأَمَّا احْتِجَاجُ مَنْ احْتَجَّ فِيهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَأَنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْأَجَلِ فِي التِّلَاوَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَالْأَجَلُ إذًا غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْقُرْآنِ. (٢)
قال المازري: وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَل)، وَقرَاءَة ابْنِ مَسْعُود هَذِهِ ليست عندنا بحجة، لأنها من طريق الآحاد، والقرآن لا يثبت بخبر الواحد، وَلَا يَلْزَم الْعَمَل بخبر الواحد في مثل هذا المنقول على أنه قرآن على الصحيح من القول في ذلك. (٣)
قال الشنقيطي: إن قولهم (إلى أجل مسمى) لم يثبت قرآنًا لإجماع الصحابة على عدم كتبه في المصاحف العثمانية، وأكثر الأصوليين على أن ما قرأه الصحابي على أنه قرآن، ولم يثبت كونه قرآنًا لا يستدل به على شيء؛ لأنه باطل من أصله. . . (٤)
الوجه الثاني: على فرض العمل (الاحتجاج) بها
فالجواب عليه من هذه الوجوه:
أولًا: أنها لا تدل على نكاح المتعة .
قال الجصاص: وَلَوْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ الْأَجَلِ لمَا دَلَّ أَيْضًا عَلَى مُتْعَةِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ يَجوزُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا عَلَى الْمَهْرِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: فَمَا دَخَلْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ بِمَهْرٍ إلَى أَجَلٍ مسَمًّى فَآتُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ. (٥)
стр. 5553
ثانيًا: أنها منسوخة .
قال الرازي: فإن تلك القراءة بتقدير ثبوتها لا تدل إلا على أن المتعة كانت مشروعة، ونحن لا ننازع فيه، إنما الذي نقوله: إن النسخ طرأ عليه. (١)
ثالثًا: عارضها أقوى منها فالعمل عليه وهو قول الجمهور .
لو قلنا أنه يحتج به، كالاحتجاج بخبر الآحاد كما قال به قوم، أو على أنه تفسير للآية بذلك، فهو معارض بأقوى منه؛ لأن القرآن على خلافه لقوله في آيتي المؤمنون والمعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (المؤمنون ٥: ٧)؛ إذ كلتاهما تدلان على تحريم المتعة وهما ترشدان أيضًا إلى أن آية النساء غير واردة في المتعة وبالتالي يسقط الاستدلال بخبر آحاد عورض بنص قرآني، ولأن الأحاديث الصحيحة الصريحة قاطعة بكثرة بتحريم نكاح المتعة، وصرح ﷺ بأن ذلك التحريم دائم إلى يوم القيامة، كما ثبت من حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁ أنه غزا مع رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة. فقال: "يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن اللَّه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" (٢)، وجمهور العلماء على خلافه (٣).
رابعًا: أن الدليلين إذا تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما:
هذه القراءة على الرغم من شذوذها ومعارضتها بأقوى منها فلو فرضنا جدلًا أن الدليلين متساوي الثاني القوة وتعارضا في الحل والحرمة يلزم تقديم دليل الحرمة منهما؛ لأن
стр. 5554
الحظر مقدم على الإباحة أصوليًا؛ وذلك لأن تقديم المحرم قد يؤدي إلى ترك المباح وتقديم المبيح قد يؤدي إلى ارتكاب الحرام وترك المباح أولى من ارتكاب الحرام (١).
فكيف والقراءة شاذة ومعارضة لأقوى منها؟ .
خامسًا: أنها لا تدل على أن الاستمتاع إلى أجل مسمى حلال .
إنه ليس في الآية ما يدل على أن الاستمتاع إلى أجل مسمى حلال فإنه تعالى لم يقل: وأحل لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل بل قال : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. (٢)
سادسًا: هذه الزيادة لا تدل على إباحة نكاح المتعة، وإنما فيها دليل على وجوب المهر على من ارتكب الحرام .
لو سلمنا ما ذكروا من الزيادة في القراءة، فليس فيها دليل على إباحة نكاح المتعة، وإنما فيها دليل على وجوب المهر على من ارتكب الحرام من ذلك ووطيء فيه، ولهذا يجب المهر في النكاح الفاسد بالسنة والاتفاق والمتمتع إذا اعتقد حل المتعة وفعلها فعليه المهر، وأما الاستمتاع المحرم فلم تتناوله الآية، فإنه لو استمتع بالمرأة من غير عقد مع مطاوعتها لكان زنًى ولا مهر فيه وإن كانت مستكرهة ففيه نزاع مشهور (٣).
ونحن نقول: إن المهر يلزم بالوطء فيه لأجل الشبهة التي سقط الحد لأجلها عنه، فهو كما لو وجد امرأة نائمة على فراشه فوطأها معتقدًا أنها زوجته، فإنه يجب عليه مهر مثلها لأجل الشبهة، فكذلك ها هنا.
الطريق الثالث: قالوا إن المذكور في الآية إنما هو مجرد الابتغاء بالمال، ثم إنه تعالى أمر بإيتائهن أجورهن بعد الاستمتاع بهن، وذلك يدل على أن مجرد الابتغاء بالمال يجوز الوطء، ومجرد الابتغاء بالمال لا يكون إلا في نكاح المتعة .
стр. 5555
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: سياق الآية يرد هذا القول .
قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (النساء: ٢٤)، ولا شك أن هذا في النكاح الشرعي بدليل قوله : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
قال ابن العربي: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾: يَعْنِي بِالنِّكَاحِ أَوْ بِالشِّرَاءِ، فَأَبَاحَ اللَّه الْحَكِيمُ الْفُرُوجَ بِالْأَمْوَالِ وَالْإِحْصَانِ دُونَ السِّفَاحِ وَهُوَ الزِّنَا؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ، لَكِنْ رُخِّصَ فِي جَوَازِ السُّكُوتِ عَنْهُ عِنْدَ الْعَقْدِ (١).
قال ابن عاشور: قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ يجوز أن يكون بدل اشتمال من (ما) باعتبار كون الموصول مفعولًا لـ ﴿أَحَلَّ﴾، والتقدير: أن تبتغوهنّ بأموالكم؛ فإنّ النساء المبَاحات لا تحلّ إلّا بعد العقد وإعطاء المهور؛ فالعقد هو مدلول ﴿تَبْتَغُوا﴾، وبذل المهر هو مدلول ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾، ورابط الجملة محذوف: تقديره أن تبتغوه، والاشتمال هنا كالاشتمال في قول النابغة:
مخافة عمرو أن تكون جياده ... يقدن إلينا بين حاف وناعل
ويجوز أن يجعل ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ معمولًا للام التعليل محذوفةٍ، أي: أحَلَّهن لتبتغوهنّ بأموالكم، والمقصود هو عين ما قرّر في الوجه الأول (٢).
الطريق الرابع: قالوا: إن لفظة "الاستمتاع" يراد بها نكاح المتعة أو الزواج المؤقت .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: معنى الاستمتاع في الآية .
إن أئمة اللغة قالوا: إن الاستمتاع في اللغة الانتفاع، وكل ما انتفع به فهو متاع، يقال: استمتع الرجل بولده، ويقال فيمن مات في زمان شبابه: لم يتمتع بشبابه، قال تعالى عن
стр. 5556
الكفار أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ وقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (الأحقاف: ٢٠) يعني تعجلتم الانتفاع بها، وقال ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ يعني بحظكم ونصيبكم من الدنيا (١).
قال ابن عبد البر: الاستمتاع عندنا التزويج. (٢)
قال الجصاص: الاستمتاع: الدخول. (٣)
فهذا ما قاله أهل العلم في الاستمتاع ولم يقل أحد من الأئمة المعتبرين أن الاستمتاع يراد منه المتعة.
الوجه الثاني: أن لفظ "الاستمتاع" ورد في غير هذا الموضع من القرآن ولم يرد به المتعة اتفاقًا .
﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ (الأنعام: ١٢٨).
قال الشوكاني: أما استمتاع الجن بالإنس فهو ما تقدم من تلذذهم باتباعهم لهم وأما استمتاع الإنس بالجن فحيث قبلوا منهم تحسين المعاصي فوقعوا فيها وتلذذوا بها فذلك هو استمتاعهم بالجن وقيل: استمتاع الإنس بالجن أنه كان إذا مر الرجل بواد في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر يعني ربه من الجن ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ وقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم كانوا يصدقونهم فيما يقولون من الأخبار الغيبية الباطلة واستمتاع الإنس بالجن أنهم كانوا يتلذذون بما يلقونه إليهم من الأكاذيب وينالون بذلك شيئا من حظوظ الدنيا (٤).
стр. 5557
وقال ابن جُرَيْج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض، فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة، وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان -فيما ذكر- ما ينال الجنّ من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سدنا الإنس والجن (١). وقال : ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ (التوبة: ٦٩).
قوله : ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾، قيل بنصيبهم من خيرات الدنيا، ويحتمل استمتاعهم باتباع شهواتهم، وفيه: أنه استمتاعهم بدينهم الذي أصروا عليه (٢).
قال الشنقيطي: أي أنتم كالذين من قبلكم، فعلتم كفعل الذين من قبلكم، وقد وعد اللَّه المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ولعنهم كلعنهم، ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم (٣).
وقال : ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (الأحقاف: ٢٠).
﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ أي: بالطيبات، والمعنى: أنهم اتبعوا الشهوات واللذات التي في معاصي اللَّه سبحانه، ولم يبالوا بالذنب تكذيبًا منهم لما جاءت به الرّسل من الوعد بالحساب والعقاب والثواب (٤).
ويؤيده قول القرطبي: أي تمتعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات، يعني المعاصي (٥).
الوجه الثالث: الاستمتاع في السنة يراد به الزواج الشرعي .
стр. 5558
ثم إن السنة تفسر القرآن وتبين ما أشكل منه، وقد فسرت السنة هذا الاستمتاع وأن المراد به النكاح الشرعي.
فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا" (١).
فدل هذا الحديث على نفس ما دلت عليه الآية وأن المراد بقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾، أي: بالنكاح الشرعي الذي يتخلله الطلاق عند عدم الوفاق، كما قال ﷺ : "وكسرها طلاقها" ونكاح المتعة ليس فيه طلاق، ولا نفقة، ولا ميراث والزوجة تسمى متاعًا. فعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المُرْأَةُ الصَّالِحَةُ" (٢).
الطريق الخامس: قالوا: إن اللَّه تعالى ذكر الاستمتاع وأعقبه بالأجر عليه فدل ذلك على جواز الاستمتاع والآية صرحت بلفظ "أجورهن" ولا أجر في النكاح الدائم بل هو مهر أو صداق .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: الآية فيها تقديم وتأخير .
قال الكاساني: فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ إذَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ، أَيْ: إذَا أَرَدْتُمْ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِنَّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَيْ: إذَا أَرَدْتُمْ تَطْلِيقَ النِّسَاءِ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ الْإِجَارَةَ وَالْمُتعَةَ فَقَدْ صَارَتْ مَنْسُوخَةً (٣).
الوجه الثاني: معنى (أجورهن): مهورهن .
стр. 5559
جمهور أهل العلم على أن معنى قوله تعالى: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مهورهن (١).
الوجه الثالث: المهر أو الصداق يسمى أجرًا كما صرح بذلك القرآن الكريم
القرآن الكريم استعمل "الأجر" بمعنى "المهر"، قال : ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (النساء: ٢٥).
قال : ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (المائدة: ٥).
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ (الأحزاب: ٥٠)، وقال : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ (الممتحنة: ١٠).
الوجه الرابع: الحكمة في تسمية المهر (الصداق) أجرًا .
وإنما سمى المهر أجرًا؛ لأنه بدل عن المنافع وليس ببدل عن الأعيان كما سمى بدل منافع الدار والدابة أجرًا (٢).
الطريق السادس من الآية: قالوا: لو كان المراد بهذه الآية النكاح الدائم لوجب للمرأة بحكم الآية جمع المهر بنفس العقد، وقالوا أيضًا إن الآية أمرت بوجوب إعطاء المهر بالاستمتاع وذلك يقتضي أن يكون معناها هذا العقد المسمى "نكاح المتعة". لأن اللَّه علق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع وذلك يقتضي أن يكون معناه هذا العقد المخصوص دون الجماع .
стр. 5560
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: الآية تتناول المدخول بها .
قال ابن تيمية: فقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ يتناول كل من دخل بها من النساء؛ فإنه أمر بأن يعطى جميع الصداق بخلاف المطلقة قبل الدخول التي لم يستمتع بها فإنها لا تستحق إلا نصفه. وهذا كقوله : ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ (النساء: ٢١)؛ فجعل الإفضاء مع العقد موجبًا لاستقرار الصداق يبين ذلك أنه ليس لتخصيص النكاح المؤقت بإعطاء الأجر فيه دون النكاح المؤبد معنًى، بل إعطاء الصداق كاملًا في المؤبد أولى، فلا بد أن تدل الآية على المؤبد إما بطريق التخصيص وإما بطريق العموم. يدل على ذلك أنه ذكر بعد هذا نكاح الإماء، فعلم أن ما ذكر كالثاني نكاح الحرائر مطلقًا (١).
الوجه الثاني: الآية فيها تأكيد المهر بعد الاستمتاع وعدم قابليته للسقوط بعد هذا الاستمتاع .
إن المقصود بالاستمتاع في سياق الآية الكريمة هو الاستمتاع بالزوجة المعقود عليها نكاحًا صحيحًا مشروعًا دائمًا؛ وإنما أورده اللَّه تعالى هنا للدلالة على تأكيد المهر بعد الاستمتاع وعدم قابليته للسقوط بعد هذا الاستمتاع، إذ من المعلوم أن عقد الزواج وإن كان يثبت به المهر كاملًا، أثر إبرامه، وتستحقه الزوجة بنفس العقد، غير أنه يثبت ثبوتًا قابلًا لسقوط بعضه، كالطلاق قبل الدخول مثلًا حيث يثبت نصفه فقط، أما بعد الاستمتاع بالزوجة فيتأكد المهر كاملًا ويصبح العقد غير قابل لأن يسقط شيء منه.
فالآية الكريمة: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ تفيد أن المهر يتأكد وجوبه كاملًا بالاستمتاع، لا بعقد الزواج وحده؛ لأنه عرضة لأن يسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول
стр. 5561
فيتأكد حق المرأة في تمام المهر بالدخول؛ فالاستمتاع هنا أثر لعقد النكاح الصحيح الدائم الذي يثبت به المهر كاملًا غير قابل للسقوط وليس إنشاء لعقد المتعة.
فالآية الكريمة تبين حكم المرأة المدخول بها التي سمي لها الصداق ولم تستلمه فقال سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أي بالدخول فعلًا بموجب العقد وقد سميتم لهن الصداق ولكن لم تسلموه إليهن فآتوهن أجورهن فريضة لازمة لا يحق لكم أن تنقصوهن منه شيئًا كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ (النساء: ٢١).
فتكون الآية مبينة لحكم صداق المدخول بها المسمى لها المستمتع منها. فالآية: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ﴾ أمر بإيتائهن وهو إنشاء الإيتاء.
وآية: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (النساء: ٢٠)، إخبار عن إيتاء سابق والفرق بينهما هو الفرق بين مدلول الأمر الذي للإنشاء والخبر الواقع بالفعل.
فآية: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ﴾ تتكلم عن استمتاع سابق وقع بهن وحصل الرجل عليهن منهن، فطولبوا بدفع أجورهن إليهن. وهذا الاستمتاع الواقع بالفعل المطلوب إعطاء الأجر عليه لا بد له من عقد سابق يبيحه ولا يكون إلا بالملك أو النكاح الدائم.
فالزوجات مع المهر لهن أربع حالات:
أ- معقود عليها ولم يسم لها ولم يدخل بها.
ب- معقود عليها وسمي لها وغير مدخول بها.
ج- معقود عليها ولم يسم لها ودخل بها.
د- معقود عليها وسمي لها ودخل بها.
وقد جاء القرآن الكريم ببيان تلك الحالات بالنسبة لاستحقاق المهر كله أو بعضه قبل الدخول أو بعده، أي: في حالة الفرقة بالطلاق.
стр. 5562
الحالة الأولى: إذا عقد عليها ولم يسم لها صداقًا ولم يدخل بها وطلقها قال : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ (البقرة: ٢٣٦).
الحالة الثانية: المعقود عليها والمسمى لها ولم يدخل بها وطلقها فقال : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (البقرة: ٢٣٧).
الحالة الثالثة: فشملها عموم قوله : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، وقد أجمع الفقهاء على أن المدخول بها التي لم يسم لها أن لها صداق المثل؛ ولعل التعبير عن الصداق بنحلة مما يؤيد ذلك؛ لأنه بعد الدخول والتمكين أصبح كالهبة والعطية يعطيه الزوج نحلة وإلا لتوقفت عن تسليم نفسها حتى تقبض صداقها.
الحالة الرابعة: فلعل هذه الهدية تعتبر تتمة حلقة التشريع وذلك في حق المدخول بها المسمى لها ولم تستلم صداقها فقال : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أي بالدخول فعلًا بموجب العقد السابق وقد سميتم لهن الصداق ولكن لم تسّلموه إليهن: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ لازمة لا يحق لكم أن تنقصوهن منه شيئًا؛ ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾؛ فاستوجب الإفضاء والمسيس كامل الصداق: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (النساء: ٤)، وهذا لا يكون إلا في غير المدفوع فتكون الآية: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ مبينة لحكم صداق المدخول بها المسمى لها المستمتع منها.
وقد أشار القرطبي إشارة مجملة خفيفة إلى هذا فقال: ولو قال قائل إن آية: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (النساء: ٢٠)، كافية عن هذا المعنى فإنما يقال له
стр. 5563
ليست كافية، لأن تلك فيها آتاها وسلّمها بالفعل فلا يعود للأخذ منه وهذه لمن لم يسلمها شيئًا فليؤتها أجرها فريضة لازمة.
ومما يشهد لهذا تقدم الآية بقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ١٩).
فحرم أن يرثوهن كرهًا، وهذا يشمل عدم إعطائهن ما لهن من الصداق ونهى عن عضلهن للذهاب ببعض ما آتيناهن وهذا يشمل ما قد تسلمنه فعلًا ليسترجع منهن بعضه فقد فرقت الآية هنا بين المسلّم لها فعلًا وما لم يسلّم فما لم يسلّم لا يحل له ميراثه كرها عليها، إلا إن طبن نفسًا عن شيء منه وما سلم فعلًا فلا يضيعه عليهن لاسترجاع بعض منه ولو كان قنطارًا. (١)
الدليل الثالث: قال : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ (النساء: ٢٤).
ووجه الدلالة أنهم حملوها على نكاح المتعة وقالوا: وبه قال السدي.
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: الأثر لا يصح فكيف يحتج به ؟ .
عن السدي: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾، إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى -يعني الأجرة التي أعطاها على تمتعه بها- قبل انقضاء الأجل
стр. 5564
بينهما، فقال: أتمتع منك أيضًا بكذا وكذا، فازداد قبل أن يستبرئ رحمها، ثم تنقضي المدة. وهو قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾. (١)
قال الطبري: فأما الذي قاله السدي: فقولٌ لا معنى له، لفساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين (٢).
الوجه الثاني: الآية في النكاح الشرعي .
قد ذكر أهل العلم للآية أكثر من قول، والراجح أنها في النكاح الشرعي.
قال ابن الجوزي: فيها ستة أقوال:
أحدها: أن معناه: لا جناح عليكم فيما تركته المرأة من صداقها، ووهبته لزوجها، هذا مروي عن ابن عباس، وابن زيد.
والثاني: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من مقام، أو فرقة بعد أداء الفريضة، روي عن ابن عباس أيضًا.
والثالث: ولا جناح عليكم أيها الأزواج إذا أعسرتم بعد الفرض لنسائكم فيما تراضيتم به من أن ينقصنكم أو يُبرِئنكم، قاله أبو سليمان التيمي.
والرابع: لا جناح عليكم إذا انقضى أجل المتعة أن يزدنكم في الأجل، وتزيدونهن في الأجر من غير استبراء، قاله السدي: وهو يعود إلى قصّة المتعة.
والخامس: لا جناح عليكم أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب هو للتي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه. قاله الزجاج.
والسادس: أنه عام في الزيادة، والنقصان، والتأخير، والإِبراء، قاله القاضي أبو يعلى (٣).
стр. 5565
وقد ذكر الطبري جملة من هذه الأقوال ثم قال:
وأولى هذه الأقوال بالصواب، قولُ من قال: معنى ذلك: ولا حرج عليكم، أيها الناس، فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن، من حطِّ ما وجب لهنَّ عليكم، أو إبراء، أو تأخير ووضع.
وذلك نظير قوله جل ثناؤه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (سورة النساء: ٤). (١)
ثانيًا: الأدلة التي استدلوا بها من السنة والرد عليها:
استدل المخالفون بأحاديث إما صحيحة ونُسخت، أو تأولوها لتوافق أهواءهم، أو ضعيفة لا يُعتبر بها.
فقد استدلوا بأحاديث وهي إما منسوخة، أو أنهم أولوها علي مرادهم في إباحة نكاح المتعة.
الدليل الأول: عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّه بن مسعود ﵁ يَقُولُ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا: أَلَا نَسْتَخْصي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾. (٢)
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: الحديث نفسه يبين أن النبي ﷺ نهى عنها بعد ذلك .
قلت: وهذه فائدة جمع طرق الحديث فبها يتضح المراد فقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "كنا نغزو مع رسول اللَّه ﷺ ، فتطول عزبتنا فقلنا:
стр. 5566
ألا نختصي يا رسول اللَّه! فنهانا، ثم رخص أن نتزوج المرأة إلى أجل بالشيء، ثم نهانا عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية". (١) وبهذا يتضح أنها كانت مباحة ثم نهى عنه ﷺ .
الوجه الثاني: هذا الحديث منسوخ بأحاديث النهي عن المتعة
قال الشافعي: ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ (الإِرْخَاصَ في نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَلَمْ يُوَقِّتْ شَيْئًا يَدُلُّ أَهُوَ قَبْلَ خَيْبَرَ أَوْ بَعْدَهَا وَأَشْبَهَ حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (في نَهْي النبي ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ أَنْ يَكُونَ وَاللَّه أَعْلَمُ نَاسِخًا لَهُ (٢).
قال ابن حجر: وَظَاهِر اسْتِشْهَاد اِبْن مَسْعُود بِهَذِهِ الْآيَة هُنَا يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى بِجَوَازِ الْمُتْعَة، فَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ بَلَغَهُ النَّاسِخ، ثُمَّ بَلَغَهُ فَرَجَعَ بَعْد. قُلْت: يُؤَيِّدهُ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيليّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد "فَفَعَلَهُ ثُمَّ تَرَك ذَلِكَ" قَالَ: وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيل "ثُمَّ جَاءَ تَحْرِيمهَا بَعْد" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ إِسْمَاعِيل "ثُمَّ نُسِخَ". (٣)
ومما يدل على أن هذا الحديث متقدم ما جاء عند مسلم (وَنَحْنُ شَبَابٌ)
قال البيهقي: وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا دَلَّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ أَوْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنَ الهجْرَةِ وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَكَانَ الْفَتْحُ فَتْحُ خَيْبَرَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفَتْحُ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ فَعَبْدُ اللَّه زَمَنَ الْفَتْحِ كَانَ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا وَالشَّبَابُ قَبْلَ ذَلِكَ (٤).
الوجه الثالث: الحظر مقدم على الإباحة
стр. 5567
قال الجصاص: هذه المتعة هي التي حرمها رسول اللَّه ﷺ في سائر الأخبار التي ذكرنا ولم ننكر نحن أنها قد كانت أبيحت في وقت ثم حرمت وليس في حديث ابن مسعود ﵁ ذكر التاريخ فأخبار الحظر قاضية عليها؛ لأن فيها ذكر الحظر بعد الإباحة وأيضًا لو تساويا لكان الحظر أولى (١).
الوجه الرابع: الحكمة من قراءة (عبد اللَّه) لهذه الآية .
قال ابن القيم: يحتمل أن يكون أراد آخر هذه الآية وهو الرد على من أباحها مطلقًا وأنه معتد؛ فإن رسول اللَّه ﷺ إنما رخص فيها للضرورة وعند الحاجة في الغزو وعند عدم النساء وشدة الحاجة إلى المرأة فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة النساء وإمكان النكاح المعتاد فقد اعتدى واللَّه لا يحب المعتدين. (٢)
كل هذا على فرض أنه لم يُنسخ، فكيف إذا نُسخ؟ .
قال الجصاص: فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِخْصَاءِ وَتَحْرِيمَ النِّكَاحِ الْمُبَاحِ، وَيَحْتَمِلُ الْمُتْعَةَ فِي حَالِ مَا كَانَتْ مُبَاحَةً.
فَلَوْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ بَاقِيَةً لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهَا مُسْتَفِيضًا مُتَوَاتِرًا لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَعَرَفَتْهَا الْكَافَّةُ كَمَا عَرَفَتْهَا بَدِيًّا، وَلمَا اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى تَحْرِيمِهَا لَوْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ بَاقِيَةً، فَلَمَّا وَجَدْنَا الصَّحَابَةَ مُنْكَرِينَ لِإِبَاحَتِهَا مُوجِبِينَ لَحَظْرِهَا مَعَ عِلْمِهِمْ بَدِيًّا بِإِبَاحَتِهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى حَظْرِهَا بَعْدَ الْإِبَاحَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّكَاحَ لمَّا كَانَ مُبَاحًا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إبَاحَتِهِ؟ ، وَمَعْلومٌ أَنَّ بَلْوَاهُمْ بِالْمُتْعَةِ لَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً كَبَلْوَاهُمْ بِالنِّكَاحِ؛ فَالْوَاجِبُ إذًا أَنْ يَكُونَ وُرُودُ النَّقْلِ فِي بَقَاءِ إبَاحَتِهَا مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِفَاضَةِ (٣).
стр. 5568
الدليل الثاني: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَا: خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِى رَسولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا (يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ) (١).
والجواب عليه:
الوجه الأول: الحديث منسوخ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه البخاري: . . . وَبَيَّنَهُ عِليٌّ عَنِ النبي ﷺ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. (٢)
الوجه الثاني: أن سلمة بين أن النبي ﷺ نهي عنها .
عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ في الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا. (٣)
الدليل الثالث: عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه ﵎ وعملنا بها مع رسول اللَّه ﷺ ، فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي ﷺ حتى مات .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن هذا الحديث في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما في كتاب الحج لا في كتاب النكاح وليس فيه لفظ (متعة النساء)
فقد أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الحج باب (التمتع على عهد رسول اللَّه ﷺ ) (٤).
وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحج باب (جواز التمتع) (٥).
وأخرجه النسائي في سننه في كتاب الحج (باب القرآن) (٦).
стр. 5569
وأخرجه ابن ماجه في سننه من كتاب الحج باب (التمتع بالعمرة إلى الحج) فهذه التبويبات من الأئمة ﵏ تدل علة أن المراد بآية المتعة في الحديث هي متعة الحج وهذه الآية هي قوله : ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (البقرة: ١٩٦).
أضف إلى ذلك أن الإمام البخاري أخرجه في صحيحه في كتاب التفسير باب: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
الوجه الثاني: أن عمران ﵁ صرح فيه بأنه يقصد متعة الحج .
عن أبي رجاء قال: قال عمران بن حصين ﵁: نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه (يعني متعة الحج) وأمرنا بها رسول اللَّه ﷺ ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها رسول اللَّه ﷺ حتى مات قال رجل برأيه بعد ما شاء (١).
ثالثًا: أطبق شراح صحيح البخاري كابن حجر، وشراح صحيح مسلم كالنووي وغيرهم على تفسير المتعة هنا "بمتعة الحج ".
وعلق الحافظ ابن حجر على الحديث الأول في فتح الباري ما لفظه: قوله أي قول عمران ونزل القرآن أي بجوازه يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. (٢)
قال النووي: وهذه الروايات كلها متفقة على أن مراد عمران أن التمتع بالعمرة إلى الحج جائز وكذلك القرآن وفيه التصريح بإنكاره على عمر بن الخطاب ﵁ منع التمتع وقد سبق تأويل فعل عمر أنه لم يرد إبطال التمتع بل ترجيح الإفراد عليه (٣).
ثالثًا: القياس .
فقَالُوا: وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مَنْفَعَةٍ، فَصَحَّ تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ كَالْإِجَارَةِ.
والجواب عليه:
стр. 5570
قال المارودي: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْإِجَارَةِ فَالمُعْنَى فِيهِمَا: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مُؤَبَّدَةً، فَصَحَّتْ مُؤَقَّتَةً، وَالنِّكَاحُ لمَّا صَحَّ مُؤَبَّدًا لَمْ يَصِحَّ مُؤَقَّتًا. (١)
الوجه الرابع: الرد على بعض الشبهات التي استدلوا بها على إباحة نكاح المتعة .
الشبهة الأولى: قالوا بأن عمر هو الذي حرم المتعة من نفسه
واحتجوا علي ذلك بالآتي:
عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا (٢).
قَالَ عُمَرُ ﵁: مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْهَى عَنْهُمَا: مُتْعَةُ الْحَجِّ، وَمُتْعَةُ النِّسَاءِ (٣).
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: نهي عمر موافق لنهي النبي ﷺ -
فإن عمر ﵁ لم يحرمه من نفسه؛ وإنما بسنة النبي ﷺ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا، وَاللَّه لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَمَتَّعَ وَهُوَ مُحْصَنٌ إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنِي بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه أَحَلَّهَا بَعْدَ إِذْ حَرَّمَهَا (٤).
فالفاروق رضوان اللَّه عليه نهى عن هذا النكاح بعد أن تأكد من نهيُ وتحريمُ النبيِّ ﷺ له. وليس هذا بتشريع من عنده، بل هو مُبَلّغ ومُنَفّذ لنهي النبي ﷺ .
وفي تهديد عمر ﵁ برجم المحصن الذي باشر هذا النكاح بعد علمه بالتحريم، دليلٌ على ثبوت نهي رسول اللَّه ﷺ عنها عنده، وعلمه به. وإلّا فما كان هو الملقّب بالفاروقِ