← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

ألا نختصي يا رسول اللَّه! فنهانا، ثم رخص أن نتزوج المرأة إلى أجل بالشيء، ثم نهانا عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية". (١) وبهذا يتضح أنها كانت مباحة ثم نهى عنه ﷺ . الوجه الثاني: هذا الحديث منسوخ بأحاديث النهي عن المتعة قال الشافعي: ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ (الإِرْخَاصَ في نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَلَمْ يُوَقِّتْ شَيْئًا يَدُلُّ أَهُوَ قَبْلَ خَيْبَرَ أَوْ بَعْدَهَا وَأَشْبَهَ حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (في نَهْي النبي ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ أَنْ يَكُونَ وَاللَّه أَعْلَمُ نَاسِخًا لَهُ (٢). قال ابن حجر: وَظَاهِر اسْتِشْهَاد اِبْن مَسْعُود بِهَذِهِ الْآيَة هُنَا يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى بِجَوَازِ الْمُتْعَة، فَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ بَلَغَهُ النَّاسِخ، ثُمَّ بَلَغَهُ فَرَجَعَ بَعْد. قُلْت: يُؤَيِّدهُ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيليّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد "فَفَعَلَهُ ثُمَّ تَرَك ذَلِكَ" قَالَ: وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيل "ثُمَّ جَاءَ تَحْرِيمهَا بَعْد" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ إِسْمَاعِيل "ثُمَّ نُسِخَ". (٣) ومما يدل على أن هذا الحديث متقدم ما جاء عند مسلم (وَنَحْنُ شَبَابٌ) قال البيهقي: وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا دَلَّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ أَوْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنَ الهجْرَةِ وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَكَانَ الْفَتْحُ فَتْحُ خَيْبَرَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفَتْحُ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ فَعَبْدُ اللَّه زَمَنَ الْفَتْحِ كَانَ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا وَالشَّبَابُ قَبْلَ ذَلِكَ (٤). الوجه الثالث: الحظر مقدم على الإباحة

стр. 5567

قال الجصاص: هذه المتعة هي التي حرمها رسول اللَّه ﷺ في سائر الأخبار التي ذكرنا ولم ننكر نحن أنها قد كانت أبيحت في وقت ثم حرمت وليس في حديث ابن مسعود ﵁ ذكر التاريخ فأخبار الحظر قاضية عليها؛ لأن فيها ذكر الحظر بعد الإباحة وأيضًا لو تساويا لكان الحظر أولى (١). الوجه الرابع: الحكمة من قراءة (عبد اللَّه) لهذه الآية . قال ابن القيم: يحتمل أن يكون أراد آخر هذه الآية وهو الرد على من أباحها مطلقًا وأنه معتد؛ فإن رسول اللَّه ﷺ إنما رخص فيها للضرورة وعند الحاجة في الغزو وعند عدم النساء وشدة الحاجة إلى المرأة فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة النساء وإمكان النكاح المعتاد فقد اعتدى واللَّه لا يحب المعتدين. (٢) كل هذا على فرض أنه لم يُنسخ، فكيف إذا نُسخ؟ . قال الجصاص: فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِخْصَاءِ وَتَحْرِيمَ النِّكَاحِ الْمُبَاحِ، وَيَحْتَمِلُ الْمُتْعَةَ فِي حَالِ مَا كَانَتْ مُبَاحَةً. فَلَوْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ بَاقِيَةً لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهَا مُسْتَفِيضًا مُتَوَاتِرًا لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَعَرَفَتْهَا الْكَافَّةُ كَمَا عَرَفَتْهَا بَدِيًّا، وَلمَا اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى تَحْرِيمِهَا لَوْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ بَاقِيَةً، فَلَمَّا وَجَدْنَا الصَّحَابَةَ مُنْكَرِينَ لِإِبَاحَتِهَا مُوجِبِينَ لَحَظْرِهَا مَعَ عِلْمِهِمْ بَدِيًّا بِإِبَاحَتِهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى حَظْرِهَا بَعْدَ الْإِبَاحَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّكَاحَ لمَّا كَانَ مُبَاحًا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إبَاحَتِهِ؟ ، وَمَعْلومٌ أَنَّ بَلْوَاهُمْ بِالْمُتْعَةِ لَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً كَبَلْوَاهُمْ بِالنِّكَاحِ؛ فَالْوَاجِبُ إذًا أَنْ يَكُونَ وُرُودُ النَّقْلِ فِي بَقَاءِ إبَاحَتِهَا مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِفَاضَةِ (٣).

стр. 5568

الدليل الثاني: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَا: خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِى رَسولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا (يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ) (١). والجواب عليه: الوجه الأول: الحديث منسوخ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه البخاري: . . . وَبَيَّنَهُ عِليٌّ عَنِ النبي ﷺ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. (٢) الوجه الثاني: أن سلمة بين أن النبي ﷺ نهي عنها . عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ في الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا. (٣) الدليل الثالث: عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه ﵎ وعملنا بها مع رسول اللَّه ﷺ ، فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي ﷺ حتى مات . والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: أن هذا الحديث في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما في كتاب الحج لا في كتاب النكاح وليس فيه لفظ (متعة النساء) فقد أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الحج باب (التمتع على عهد رسول اللَّه ﷺ ) (٤). وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحج باب (جواز التمتع) (٥). وأخرجه النسائي في سننه في كتاب الحج (باب القرآن) (٦).

стр. 5569

وأخرجه ابن ماجه في سننه من كتاب الحج باب (التمتع بالعمرة إلى الحج) فهذه التبويبات من الأئمة ﵏ تدل علة أن المراد بآية المتعة في الحديث هي متعة الحج وهذه الآية هي قوله : ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (البقرة: ١٩٦). أضف إلى ذلك أن الإمام البخاري أخرجه في صحيحه في كتاب التفسير باب: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. الوجه الثاني: أن عمران ﵁ صرح فيه بأنه يقصد متعة الحج . عن أبي رجاء قال: قال عمران بن حصين ﵁: نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه (يعني متعة الحج) وأمرنا بها رسول اللَّه ﷺ ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها رسول اللَّه ﷺ حتى مات قال رجل برأيه بعد ما شاء (١). ثالثًا: أطبق شراح صحيح البخاري كابن حجر، وشراح صحيح مسلم كالنووي وغيرهم على تفسير المتعة هنا "بمتعة الحج ". وعلق الحافظ ابن حجر على الحديث الأول في فتح الباري ما لفظه: قوله أي قول عمران ونزل القرآن أي بجوازه يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. (٢) قال النووي: وهذه الروايات كلها متفقة على أن مراد عمران أن التمتع بالعمرة إلى الحج جائز وكذلك القرآن وفيه التصريح بإنكاره على عمر بن الخطاب ﵁ منع التمتع وقد سبق تأويل فعل عمر أنه لم يرد إبطال التمتع بل ترجيح الإفراد عليه (٣). ثالثًا: القياس . فقَالُوا: وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مَنْفَعَةٍ، فَصَحَّ تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ كَالْإِجَارَةِ. والجواب عليه:

стр. 5570

قال المارودي: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْإِجَارَةِ فَالمُعْنَى فِيهِمَا: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مُؤَبَّدَةً، فَصَحَّتْ مُؤَقَّتَةً، وَالنِّكَاحُ لمَّا صَحَّ مُؤَبَّدًا لَمْ يَصِحَّ مُؤَقَّتًا. (١) الوجه الرابع: الرد على بعض الشبهات التي استدلوا بها على إباحة نكاح المتعة . الشبهة الأولى: قالوا بأن عمر هو الذي حرم المتعة من نفسه واحتجوا علي ذلك بالآتي: عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا (٢). قَالَ عُمَرُ ﵁: مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْهَى عَنْهُمَا: مُتْعَةُ الْحَجِّ، وَمُتْعَةُ النِّسَاءِ (٣). والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: نهي عمر موافق لنهي النبي ﷺ - فإن عمر ﵁ لم يحرمه من نفسه؛ وإنما بسنة النبي ﷺ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا، وَاللَّه لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَمَتَّعَ وَهُوَ مُحْصَنٌ إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنِي بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه أَحَلَّهَا بَعْدَ إِذْ حَرَّمَهَا (٤). فالفاروق رضوان اللَّه عليه نهى عن هذا النكاح بعد أن تأكد من نهيُ وتحريمُ النبيِّ ﷺ له. وليس هذا بتشريع من عنده، بل هو مُبَلّغ ومُنَفّذ لنهي النبي ﷺ . وفي تهديد عمر ﵁ برجم المحصن الذي باشر هذا النكاح بعد علمه بالتحريم، دليلٌ على ثبوت نهي رسول اللَّه ﷺ عنها عنده، وعلمه به. وإلّا فما كان هو الملقّب بالفاروقِ

стр. 5571

لِيُقْدِم على التهديد بإقامة حدّ من حدود اللَّه، فيه إزهاقُ روحٍ بدون بيّنة من أمره وبدون ضياء من مشكاة النبوة. ولمّا كان الأمر كذلك لم يعارضه أحدٌ لاستناده إلى دليلٍ بخلاف متعة الحج، فإنه لما نهى عنها وقصد أولوية الإِفراد عارضه جمعٌ من الصحابة. وهذا يدل على صحة ما قُلناه من الإِجماع على تحريمها، لأن عمر بن الخطاب ﵁ في هذه الأخبار، وفيما تقدّمها نهى عنها على المنبر وتوعّد عليها، وغلّظ أمرها، وذكر أن رسول اللَّه ﷺ حرّمها ونهى عنها وذلك بحضرة المهاجرين والأنصار، فلم يعارضه أحدٌ منهم ولا ردّ عليه قولَه في ذلك، مع ما كانوا عليه من الحرص على إظهار الحق وبيان الواجب وردّ الخطأ. ألا ترى أن أبي بن كعب ﵁ عارضه في متعة الحج، وقد عارضه مُعاذ بن جبل في رجم الحامل. . . . لأنه لا يجوز لمثلهم المداهنة في الدين ولا السكوت على استماع الخطأ، لا سيما فيما هو راجع إلى الشريعة، وثابت في أحكامها على التأبيد، فلما سكتوا على ذلك ولم ينكره أحدٌ منهم، علم أن ذلك هو الحقّ وأنه ثابتٌ في الشريعة من نسخ المتعة وتحريمها كما ثبت عنده، فصار ذلك كأنّ جميعهم قَرّروا تحريمها وتثّبتوا من نسخها، فكانت حرامًا على التأييد. الوجه الثاني: عدم إنكار الصحابة عليه وإقرارهم على ذلك دليل على التحريم قال الجصاص: فَلَمْ يُنْكِرْ هَذَا الْقَوْلَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، لَا سِيَّمَا فِي شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوا إبَاحَتَهُ وَأَخْبَارَهُ بِأَنَّهُمَا كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ . فَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا بَقَاءَ إبَاحَتِهَا فَاتَّفَقُوا مَعَهُ عَلَى حَظْرِهَا، وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا مُخَالِفِينَ لِأَمْر النَّبِيِّ ﷺ عِيَانًا، وَقَدْ وَصفَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِأَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ فَغَيْرُ جَائِزٍ مِنْهُمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلأَنَّ ذَلِكَ يؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ وَإِلَى الِانْسِلَاخِ مِنْ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ إبَاحَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُتْعَةِ ثُمَّ قَالَ هِيَ مَحْظُورَةٌ مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ لَهَا فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمِلَّةِ (١).

стр. 5572

وإمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا حَظْرَهَا بَعْدَ الْإِبَاحَةِ. فَإِذَا لَمْ يَجُزْ -الوجه الأول- أي: أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا بَقَاءَ إبَاحَتِهَا فَاتَّفَقُوا مَعَهُ عَلَى حَظْرِهَا- عَلِمْنَا أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا -الوجه الثاني- حَظْرَهَا بَعْدَ الْإِبَاحَةِ وَلذَلِكَ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالَ عُمَرُ مُنْكَرًا وَلَمْ يَكُنْ النَّسْخُ عِنْدَهُمْ ثَابِتًا لمَا جَازَ أَنْ يقروه عَلَى تَرْكِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ، وَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى نَسْخِ الْمُتْعَةِ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ حَظْرُ مَا أَبَاحَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَّا مِنْ طَرِيقِ النَّسْخِ (١). قال الرازي: ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد، فالحال ههنا لا يخلو إما أن يقال: أنهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا، أو كانوا عالمين بأنها مباحة ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة، أو ما عرفوا إباحتها ولا حرمتها. فسكتوا لكونهم متوقفين في ذلك. والأول: هو المطلوب. والثاني: يوجب تكفير عمر وتكفير الصحابة! ؛ لأن من علم أن النبي ﷺ حكم بإباحة المتعة، ثم قال: إنها محرمة محظورة من غير نسخ لها فهو كافر باللَّه، ومن صدقه عليه مع علمه بكونه مخطئا كافرًا، وهذا يقتضي تكفير الأمة وهو على ضد قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (آل عمران: ١١٠). والقسم الثالث: وهو أنهم ما كانوا عالمين بكون المتعة مباحة أو محظورة فلهذا سكتوا، فهذا أيضًا باطل، لأن المتعة بتقدير كونها مباحة تكون كالنكاح، واحتياج الناس إلى معرفة الحال في كل واحد منهما عام في حق الكل، ومثل هذا يمنع أن يبقى مخفيًا، بل يجب أن يشتهر العلم به، فكما أن الكل كانوا عارفين بأن النكاح مباح، وأن إباحته غير منسوخة، وجب أن يكون الحال في المتعة كذلك، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن الصحابة إنما سكتوا عن الإنكار على عمر ﵁ لأنهم كانوا عالمين بأن المتعة صارت منسوخة في الإسلام. فإن قيل: ما ذكرتم يبطل بما أنه روي أن عمر قال: لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته، ولا شك أن الرجم غير جائز، مع أن الصحابة ما أنكروا عليه حين ذكر ذلك، فدل هذا على أنهم كانوا يسكتون عن الإنكار على الباطل.

стр. 5573

قلنا: لعله كان يذكر ذلك على سبيل التهديد والزجر والسياسة، ومثل هذه السياسات جائزة للإمام عند المصلحة، ألا ترى أنه ﷺ قال: "ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله" (١). ثم إن أخذ شطر المال من مانع الزكاة غير جائز، لكنه قال النبي ﷺ ذلك للمبالغة في الزجر، فكذا ههنا واللَّه أعلم (٢). الوجه الثالث: عمر ﵁ لم يكن وحده الذي روى أحاديث التحريم بل وافقه الصحابة . فعن عَبْدَ اللَّه بْنَ الزُّبَيْر أنه قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا -أَعْمَى اللَّه قُلوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ- يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ -يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ- فَنَادَاهُ فَقَالَ: إِنَّكَ لجَلْفٌ جَافٍ فَلَعَمْرِى لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْر: فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ فَوَاللَّه لَئِنْ فَعَلْتَهَا لأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ (٣). وعَنْ عِليٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ: مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ (الإِنْسِيَّةِ) (٤). وفي رواية: سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول لفلان: إنك رجل تائه، نهانا رسول اللَّه ﷺ (أي: متعة النساء). وعن سالم بن عبد اللَّه قال: أتى عبد اللَّه بن عمر فقيل له: إن ابن عباس يأمر بنكاح المتعة، فقال ابن عمر سبحان اللَّه! ما أظن ابن عباس يفعل هذا! قالوا: بلى إنه يأمر به فقال:

стр. 5574

وهل كان ابن عباس إلا غلامًا صغيرًا إذ كان رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال ابن عمر: نهانا عنها رسول اللَّه ﷺ وما كنا مسافحين. (١) الوجه الرابع: تشديد عمر ﵁ في النهي لِحِكَم . ١ - عمر خليفة راشد وقد أمر رسول اللَّه ﷺ بإتباع ما سنه الخلفاء الراشدون وَإنه كَانَ إِمَامًا فَاخْتَصَّ بِالْإِعْلَانِ وَالتَّأْدِيبِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالَّذِي يُقْدِمُ عَلَى تَحْرِيمٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ (٢). ٢ - تأكيد لمن لم يبلغه النسخ (٣). الشبهة الثانية: قالوا: كان علي بن أبي طالب المنكر الأول على من حرم المتعة وهو عمر كما قال علي: لولا أن عمر نص عن المتعة ما زنى إلا شقي والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: الأثر عن علي لا يصح فكيف يحتج به . فقد روى عنه من طريقين ولا يصحان عنه. الأول: طريق الحكم بن عتيبة قال: قال علي ﵁: (لولا أن عمر ﵁ نهى عن المتعة ما زنى إلا شَقِيٌّ). ولا يصح لأن الحكم لم يلق عليًا. (٤) الثاني: طريق ابن جريج قال: وأخبرني من أصدق أن عليا قال بالكوفة: (لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب -أو قال: من رأي ابن الخطاب- لأمرت بالمتعة، ثم ما زنا إلا شقي). ولا يصح أيضًا. (٥)

стр. 5575

الوجه الثاني: الثابت عن علي أنه أنكر على من أباحها وقد روى ما يدل على تحريمها . الثابت الذي لا يقبل الشك أن عليًا ﵁ كان النكر الأول على من استحل المتعة، وإنكاره على ابن عمه (حبر الأمة) معروف. عَنْ عَليٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ: مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ رسول اللَّه ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية (١). وفي رواية: سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول لفلان: إنك رجل تائه، نهانا رسول اللَّه ﷺ (أي متعة النساء). الشبهة الثالثة: قالوا: إن جابر بن عبد اللَّه كان يرى إباحتها وأنكر على عمر تحريمه للمتعة. وقالوا: لو كان هناك نهى من رسول اللَّه ﷺ لما غاب عن الصحابة الذين تمتعوا في عهد أبي بكر وشطر من عهد عمر نفسه، وهذا ينفي نسخها في عهد الرسول وإلا كان الخليفة الأول محللًا لما حرم اللَّه ورسوله ﷺ - وهم يستدلون على ذلك بالآتي: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَا: كُنَّا فِي جَيْشٍ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فَقَالَ "إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا (٢). وعن أَبُي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه يَقُولُ: كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ الأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ في شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. (٣) والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: نقول متى أنكر جابر على عمر؟ وهذه الأحاديث عن جابر إنما يحكي عن واقع كان كما هو شأن من يخبر عن أي خبر كان، ولا يوجد في واحد منها أنه عارضه أو أنكر عليه

стр. 5576

الوجه الثاني: الثابت عن جابر أنه عمل برأي عمر ﵁ - عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ فَلَمْ نَعدْ لَهُمَا (١). الوجه الثالث: الحديث عن جابر في الإذن بالمتعة منسوخ . هذا كان زمن الفتح قبل التحريم ثم حرمها بعد ذلك بدليل ما رواه مسلم. عن سلمة بن الأكوع قال: رخص لنا رسول اللَّه ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا ثم نهى عنها (٢). الوجه الرابع: الذين فعلوا ذلك لم يبلغهم النسخ قَوْلُهُ: اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي اسْتَمْتَعَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ. وَقَوْلُهُ: حِينَ نَهَانَا عَنْهُ عُمَرَ يَعْنِي حِينَ بَلَغَهُ النَّسْخُ (٣). الوجه الخامس: ليس في الحديث دلالة على أن أبا بكر ﵁ يرى حلها . ليس في الحديث دلالة على أن أبا بكر ﵁ يرى حلها لم يذكر جابر إطلاع أبي بكر على فاعلها والرضى به، كما أن كتب السنة لم تذكر رأي أبي بكر ﵁ في المتعة والظاهر أن موقفه -وهو الملازم لرسول اللَّه ﷺ في جميع غزواته وأغلب حالاته- التحريم لها، والذي نقصده في هذه السطور أنه لا يلزم من كون البعض فعلها أو مارسها في عهد أبي بكر أن يكون مطلعًا عليها. ونقول لو اطلع الصديق على فاعلها خلافته لوقف منها موقف الفاروق عمر ﵁ لأن الفاروق فُعلت في عهده ولم يطلع عليها كما يدل عليه حديث جابر الثاني ثم اطلع بعد ذلك، فنهى عنها وقال فيها أشد القول؛ ولعل السبب في عدم إطلاع الصديق عليها

стр. 5577

لكونها -نكاح سر- حيث لم يشترط فيها الإشهاد، ولما كانت خالية عن الإعلان حق لها أن تخفي على القريب فضلًا عن المضطلع بأعباء الخلافة وأمر المسلمين كافة كأبي بكر ﵁. وفي ذلك يقول ابن العربي عن حديث جابر بما لفظه: فأما حديث جابر بأنهم فعلوها على عهد أبي بكر فذلك من اشتغال الخلق بالفتنة عن تمهيد الشريعة فلما علا الحق على الباطل وتفرغ المسلمون ونظروا في فروع الدين بعد تمهيد أصوله أنفذوا في تحريم المتعة ما كان مشهورًا لديهم، حتى رأى عمر معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن حريث فنهاهما. فغاية الأمر أنهم لم يبلغهم النسخ وهذا ليس معناه أنهم استمتعوا بعلم من النبي ﷺ أو أن النبي ﷺ وافقهم وأقرهم، أو أن الصدّيق أقرهم لقول جابر بأنهم فعلوها على عهد أبي بكر، أو أن عمر أقرهم قبل بيانه لتحريم رسول اللَّه ﷺ عنها. وليس معنى هذا أن ممارستها دليل على حلها كما يظن بعض الجهال. . . .؛ لأن أشياء كثيرة يمنعها القانون وتمارس من غير علم الحاكم، وإذا بلغ ذلك للحاكم وقف منها الموقف الذي يجب. وما أحسن ما قاله شارح بلوغ المرام وهو: إن المبيحين إنما بنوا على الأصل لما لم يبلغهم الدليل الناسخ وليس مثل هذا من باب الاجتهاد وإنما هم معذورون لجهل الناسخ، فالمسألة لا اجتهاد فيها بعد ظهور النص، على أن الذي أوجب هذا الخفاء على بعض الصحابة ولم يعلم بالنسخ أمور أهمها: أ- إن هذا النكاح (نكاح سر) حيث لم يشترط فيها الإشهاد، ولما كانت خالية عن الإعلان حق لها أن تخفى حتى على القريب. ب- إن هذا النكاح وقع فيه الترخيص مرتين وقد يحضر الصحابي موطن الرخصة فيسمعه ويفوته سماع النهي مما أدى إلى تمسك بعضهم بالرخصة فيه. والذي يعتقده أهل السنة في صحابة رسول اللَّه ﷺ بصورة عامة أنهم أحرص الناس على امتثال أوامر اللَّه تعالى والابتعاد عن نواهيه، فكل من بلغه نهي رسول اللَّه عن المتعة فذلك

стр. 5578

موقفه منها، وكل من لم يبلغه النهي في عصر النبوة ثم بلغه بعد ذلك فإنه التزمه، وقال به إلا ابن عباس ﵁؛ فإن له مسلكًا ومع هذا فلا ينكر أن بعض الصحابة لم يبلغه النهي إطلاقًا إلا بعد وفاة الرسول ﷺ وهذا ليس بغريب؛ فقد حدث مثل هذا كثير قد خفي على عدد من كبار الصحابة أحاديث كثيرة مع قربهم من رسول اللَّه ﷺ وتقدمهم في السن وطول صحبتهم (١). الشبهة الرابعة: قالوا: إن عبد اللَّه بن عمر أنكر على أبيه تحريمه لمتعة النساء كما عند الترمذي أن رجلًا من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء فقال: هي حلال. فقال: إن أباك قد نهى عنها. فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وقد سنها رسول اللَّه ﷺ أنترك السنة ونتبع قول أبي ؟ والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: الحديث ليس بهذا اللفظ، وهو في متعة الحج . فقد حرفوا لفظ الحديث حتى يروجوا سلعتهم وهذا شأنهم، والحديث إنما هو في متعة الحج وهذا لفظه الصحيح: فعَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّه حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ: هِىَ حَلَالٌ. فَقَالَ الشَّامِيُّ: إِنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا وَصَنَعَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ أَأَمْرَ أَبِي نَتَّبعُ أَمْ أَمْرَ رَسولِ اللَّه ﷺ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَقَالَ: لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ (٢). الوجه الثاني: ابن عمر ممن قال بتحريم المتعة . عن سالم عن أبيه قال: سئل ابن عمر عن متعة النساء فقال: لا نعلمها إلا السفاح (٣).

стр. 5579

الشبهة الخامسة: قالوا ابن عباس يرى جواز نكاح المتعة والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: اختلف عن ابن عباس ﵁ في نكاح المتعة . الذي حصل من أقاويل ابن عباس، فيها: الأول: القول بإباحة المتعة. والثاني: إباحتها عند الضرورة. والثالث: رجوعه عنها وقال منسوخة. ورجح ابن حجر عدم رجوعه (١). الوجه الثاني: الصحابة أنكروا عليه القول بإباحة المتعة . عَبْدَ اللَّه بْنَ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ إِنَّ نَاسًا -أَعْمَى اللَّه قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ- يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ -يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ- (ابن عباس) فَنَادَاهُ فَقَالَ: إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ فَلَعَمْرِى لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ فَوَاللَّه لَئِنْ فَعَلْتَهَا لأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ (٢). وعَنْ عليٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ في مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ: (مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الحمُرِ الإِنْسِيَّةِ) (٣). وفي رواية: سمع علي بن أبي طالب يقول لفلان إنك رجل تائه نهانا رسول اللَّه (أي متعة النساء). عن سالم بن عبد اللَّه قال: أتى عبد اللَّه بن عمر فقيل له: إن ابن عباس يأمر بنكاح المتعة فقال ابن عمر: سبحان اللَّه ما أظن ابن عباس يفعل هذا! ! قالوا: بلى إنه يأمر به فقال: وهل

стр. 5580

كان ابن عباس إلا غلاما صغيرًا؛ إذ كان رسول اللَّه ﷺ . ثم قال ابن عمر: نهانا عنها رسول اللَّه ﷺ وما كنا مسافحين (١). الوجه الثالث: الحظر مقدم على الإباحة . قال صاحب المنار: وهو اجتهاد منه معارض بالنصوص ويقابله اجتهاد السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وسائر المسلمين. (٢) ولا شك أن الحق مع الجماعة أقرب منه إلى الواحد، وخاصةً في مثل الصحابة. الشبهة السادسة قالوا: إنَّ تَحْلِيلَ الْمُتْعَةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ قَطْعِيٌّ، وَتَعْرِيفهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ ظَنِّيٌّ وَالظَّنِّيُّ لَا يَنسَخُ الْقَطْعِيَّ. وقالوا: بأنَّهُ قَدْ ثبَتَ إِبَاحَتْهَا بالْإِجْمَاعِ، فَلَمْ يعْدَلْ إِلَى تَحْرِيمِهَا إِلَّا بالْإِجْمَاعِ والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: هذه الدعوى مرفوضة . قال الشوكاني: فَيُجَابُ عَنْهُ أَوَّلًا بِمَنْعِ هَذِهِ الدَّعْوَى، أَعْنِي كَوْنَ الْقَطْعِيِّ لَا يَنْسَخُهُ الظَّنِّيُّ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهَا؟ وَمُجَرَّدُ كَوْنِهَا مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ غَيْرُ مُقْنِعٍ لمِنْ قَامَ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ يُسَائِلُ خَصْمَهُ عَنْ دَلِيلِ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ. وَثَانِيًا: بِأَنَّ النَّسْخَ بِذَلِكَ الظَّنِّيِّ إنَّمَا هوَ لِاسْتِمْرَارِ الحلِّ لَا لِنَفْسِ الْحِلِّ، وَالِاسْتِمْرَارُ ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ (إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) فَلَيْسَتْ بِقُرْآنٍ عِنْدَ مشْتَرِطِي التَّوَاتُرِ، وَلَا سنَّةٍ

стр. 5581

لِأَجْلِ رِوَايَتِهَا قُرْآنًا فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ التَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ، وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّوَاتُرَ فَلَا مَانِعَ مِنْ نَسْخِ ظَنِّيِّ الْقُرْآنِ بِظَنِّيِّ السُّنَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ (١). الوجه الثاني: مَا ثَبَتَ بِهِ إِبَاحَتْهَا هُوَ الَّذِي ثبَتَ بهِ تَحْرِيمُهَا والإجماع منعقد على التحريم قال الماوردي: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالهِمَا بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إِبَاحَتُهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَلَمْ يُعْدَلْ إِلَى تَحْرِيمِهَا إِلَّا بِالْإِجْمَاعِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَا ثَبَتَ بِهِ إِبَاحَتُهَا هُوَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ تَحْرِيمُهَا، فَإِنْ كَانَ دَلِيلًا فِي الْإِبَاحَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا فِي التَّحْرِيمِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِبَاحَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِجْمَاعِ هِيَ إِبَاحَةٌ مُؤَقَّتَةٌ تَعَقَّبَهَا نَسْخٌ، وَهمْ يَدَّعُونَ إِبَاحَةً مُؤَبَّدَةً لَمْ يَتَعَقَّبْهَا نَسْخٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيمَا قَالُوهُ إِجْمَاعٌ. (٢) الشبهة السابعة: قالوا بأن الأحاديث الواردة في تحديد زمن التحريم مضطربة وغير محددة وهذا يدل على أنها لم تحرم ويبقى العمل على الإباحة . والجواب عليه من وجوه: الوجه الأول: عند الجمع بين هذه الأحاديث، لا يكون هناك تعارض . فبعض المواطن المذكورة في ثبوت التحريم فيها نظر وهى ضعيفة، وبعضها رد إلى بعض، فحصل في آخر الأمر أنها كانت مباحة، ثم حرمت، ثم أبيحت، ثم حرمت واستقر، الأمر على هذا التحريم (٣). الوجه الثاني: تفصيل هذه المسألة . ليس هناك تضارب في وقت التحريم، وحاصل الأمر أنها كانت مباحة، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت وحرمت تحريمًا مؤبدًا عام الفتح. أولًا: تحريمها في عمرة القضاء:

стр. 5582

روي عن الحسن البصري، قال: لما قدم رسول اللَّه ﷺ مكة في عمرته، تزين نساء أهل المدينة (١). فشكا أصحاب رسول اللَّه ﷺ إلى رسول اللَّه ﷺ قال: تمتعوا منهن واجعلوا الأجل بينكم وبينهن ثلاثًا، فما أحسب رجلًا يتمكن من امرأة ثلاثًا إلا ولاها الدبر (٢). والجواب عليه: أولًا: أنه مرسل ضعيف فلا يصح الاحتجاج به. ثانيًا: يرده الأحاديث الثانية في تحريمها يوم خيبر (٣). ثالثًا: على تقدير ثبوته فلعله أراد أيام خيبر لأنها كانت في سنة واحدة كما في الفتح وأوطاس سواء (٤). وبهذا تبين أن الإذن والإباحة في عمرة القضاء لا يصح. ثانيًا: من قال حرمت في غزوة تبوك . ١ - لقد جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك فنزلنا ثنية الوداع، فرأى رسول اللَّه ﷺ مصابيح، ورأى نساء يبكين فقال: "ما هذا؟ "، فقيل: نساء

стр. 5583

تمتع منهن يبكين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "حرم -أو قال: هدم- المتعة النكاح، والطلاق، والعدة، والميراث" (١). والجواب عليه من هذه الوجوه: الأول: الحديث ضعيف فلا يحتج به. قال ابن حجر: عَلَى أَنَّ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَقَالًا، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَة مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ عِكْرِمَة بْن عَمَّار وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَال (٢). الثاني: الذين فعلوا ذلك لم يبلغهم النسخ فاستمروا على الرخصة (٣). الثالث: الحديث لم يصرح بِأَنَّهُمْ اسْتَمْتَعُوا مِنْهُنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَة، فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ قَدِيمًا، ثُمَّ وَقَعَ التَّوْدِيع مِنْهُنَّ حِينَئِذٍ وَالنَّهْي (٤). ٢ - عن علي بن أبي طالب ﵁: قال: نهى ﷺ في غزوة تبوك عن نكاح المتعة (٥). والجواب عليه من هذه الوجوه: الأول: إسناده ضعيف تفرد به إسحاق وهو غلط منه (٦).

стр. 5584

الثاني: هذا المتن منكر لم يصح عن علي ﵁، وأن النهى كان في خبير كما في الصحيح (١). الثالث: ليس فيه تصريح بإباحتها، وإنما فيها النهي، ولعله لزيادة التأكيد. ٣ - حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁: قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى غَزْوَة تَبُوك حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْد الْعَقَبَة مِمَّا يَلي الشَّام جَاءَتْ نِسْوَة قَدْ كُنَّا نَمتَّعْنَا بِهِنَّ يَطُفْنَ بِرِحَالِنَا، فَجَاءَ رَسُول اللَّه ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: فَغَضِبَ وَقَامَ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَنَهَى عَنْ الْمُتْعَة، فَتَوَادَعْنَا يَوْمئِذٍ فَسُمِّيَتْ ثَنِيَّة الْوَدَاع" (٢). والجواب عليه من هذه الوجوه: الأول: الحديث لا يصح فلا يحتج به. الثاني: الحديث ليس فيه التصريح بأنه أذن في المتعة، وإنما النهي عنها. ألا تراه غضب لتقدم النهي في ذلك؟ (٣). الثالث: لعل الذين فعلوا ذلك لم يبلغهم النسخ. وبعد هذا فقد تبين أن الإباحة في غزوة تبوك لا تصح. ثالثًا: من قال حرمت في غزوة خيبر . وصح هذا عن علي ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية" (٤). رابعًا: من قال حرمت عام أوطاس .

стр. 5585

وصح هذا عن سلمة بن الأكوع، قال: رخص رسول ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا ثم نهى عنها (١). ولكن حمل هذا على أنه كالثاني عام الفتح؛ لأنهما كان في زمن واحد (سنة واحدة) لأن غزوة أوطاس متصلة بفتح مكة (٢). خامسًا: من قال حرمت في الفتح، وحجة الوداع ومنشأ الخلاف فيه حديث سبرة بن معبد الجهني فقد جاء عنه في بعض الطرق أن التحريم كان عام الفتح، وفي طرق أخرى أن النهي كالثاني حجة الوداع، وفي طرق أخرى جاء التحريم غير مؤقت بزمن، وعند الجمع ترجح رواية من روى أن التحريم كان عام الفتح، وحمل من روى بغير زمن على ذلك، وبيانه كالتالي: فعَنْ سَبْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ بِالْمُتْعَةِ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا فَقَالَتْ: مَا تُعْطِي؟ فَقُلْتُ: رِدَائِي، وَقَالَ صَاحِبِي: رِدَائِي، وَكَانَ رِدَاءُ صَاحِبِي أَجْوَدَ مِنْ رِدَائِي، وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ فَإِذَا نَظَرَتْ إِلَى رِدَاءِ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا، وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيَّ أَعْجَبْتُهَا، ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ وَرِدَاؤُكَ يَكْفِينِي، فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا" (٣).

стр. 5586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5587

وبالنظر إلى حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁ من الروايات المتقدمة نرى أن أرجح الروايات من روى أن ذلك كان في عام الفتح، وهذا ما رجحه أهل العلم وهذا كلامهم: قال البيهقي: بعد أن ذكر حديث عبد العزيز بن عمر عن الربيع (في حجة الوداع) قال: وكذا رواه جماعة من الأكابر كابن جريج، والثوري، وغيرهما عن عبد العزيز بن عمر، وهو وهم منه، فرواية الجمهور عن الربيع بن سبرة أن ذلك كان عام الفتح. وقال أيضًا: والصحيح رواية الجماعة عن الزهري عام الفتح (١). وقال ابن القيم: وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الّذِي حُرّمَتْ فِيهِ الْمُتْعَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ. . . ذكرها ﵀ ثم قال: وَالرّابعُ أَنَّهُ عَامَ حَجّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرّوَاةِ سَافَرَ فِيهِ وَهْمُهُ مِنْ فَتْحِ مَكّةَ إلَى حَجّةِ الْوَدَاعِ كَمَا سَافَرَ وَهْمُ مُعَاوِيَةَ مِنْ عُمْرَةِ الجِعِرّانَةِ إلَى حَجّةِ

стр. 5588

الْوَدَاعِ حَيْثُ قَالَ قَصّرْت عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوةِ فِي حَجّتِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي الحْجّ وَسَفَرُ الْوَهْمِ مِنْ زَمَانٍ إلَى زَمَانٍ وَمِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ وَمنْ وَاقِعَةٍ إلَى وَاقِعَةٍ كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ لِلْحُفّاظِ فَمَنْ دُونَهُمْ. وَالصّحِيحُ: أَنّ الْمُتْعَةَ إنّمَا حُرّمَتْ عَامَ الْفَتْحِ. (١) قال ابن حجر: وأما حجة الوداع فهو اختلاف على الربيع بن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر (٢). قال القاضي عياض: فيؤخذ من حديثه (سبرة بن معبد) ما اتفق عليه جمهور الرواة ووافقه عليه غيره من الصحابة ﵃ من النهي عنها يوم الفتح (٣). وعلى القول بأن النبي ﷺ حرمها في حجة الوداع؛ فليس هذا بمعارض للأحاديث الأخرى؛ وذلك لأن الحديث ليس فيه إباحة المتعة، وإنما هو مجرد النهي عنها كما في بعض الروايات، فلعله ﷺ أراد إعادة النهي ليشيع ويسمعه من لم يسمعه قبل ذلك، وذلك لكثرة من حضرها من الخلائق، فهذا أعم وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِد الْغَائِب، وَلِتَمَامِ الدِّين، وَتَقَرُّر الشَّرِيعَة كَمَا قَرَّرَ غَيْر شَيْء وَبَيَّنَ الحْلَال وَالْحَرَام يَوْمئِذٍ، وَبَتَّ تَحْرِيم الْمُتْعَة حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ: "إِلَى يَوْم الْقِيَامَة". (٤) وبعد هذا: فقد تبين أن الصحيح من ذلك هو أن المتعة كانت مباحة، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت، ثم حرمها النبي ﷺ يوم الفتح وهو الذي عليه الجمهور، وتحريمها في أوطاس داخل في عام الفتح كما سبق؛ لأنهما في سنة واحدة. وأما عن حجة الوداع، فليس فيها إلا كما قدمنا إعادة النهي وإشاعته.

стр. 5589

ولهذا قال النووي: وَالصَّوَاب الْمُخْتَار: أَنَّ التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة كَانَا مَرَّتَيْنِ، وَكَانَتْ حَلَالًا قَبْل خَيْبَر، ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْم خَيْبَر، ثُمَّ أُبِيحَتْ يَوْم فَتْح مَكَّة وَهُوَ يَوْم أَوْطَاس لِاتِّصَالهِمَا، ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمئِذٍ بَعْد ثَلَاثَة أَيَّام تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَاسْتَمَرَّ التَّحْرِيم (١). الشبهة الثامنة: قالوا: إن نكاح المتعة أبيح بالقرآن، والنسخ كان بالسنة، والسنة لا تنسخ القرآن، وبأن النسخ بالسنة حديث آحاد . والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: نكاح المتعة أبيح بالسنة، وليس بالقرآن . فقد استدلوا على إباحتها بقوله : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (النساء: ٢٤)، وقالوا: هي في نكاح المتعة، وهذا ليس بصحيح؛ فإن الآية عند جمهور أهل العلم إنما هي في النكاح الشرعي، وقد قدمنا بيان ذلك فيما سبق. قال ابن الجوزي: وقد تكلف قوم من مفسّري القُرّاء، فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلُّف لا يُحتاج إليه؛ لأن النبي ﷺ أجاز المتعة، ثم منع منها فكان قوله منسوخًا بقوله. وأما الآية، فإنها لم تتضمّن جواز المتعة. لأنه تعالى قال فيها: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (النساء: ٢٤)، فدل ذلك على النكاح الصحيح. قال الزجاج: ومعنى قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ فما نكحتموهن على الشريطة التي جرت، وهو قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: عاقدين التزويج: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن. ومن ذهب في الآية إلى غير هذا، فقد أخطأ، وجهل اللغة. (٢)

стр. 5590

الوجه الثاني: على الفرض بأنها أبيحت بالقرآن فقد نسخها القرآن أيضًا . فقد نسخها قوله سبحان وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ (المؤمنون: ٥ - ٦)، وهذا ما استدلت به عائشة ﵂ لما سُئلت عن متعة النساء فقالت: بيني وبينكم كتاب اللَّه وقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. . .﴾ فمن ابتغى وراء ما زوجه اللَّه أو ملكه فقد عدا (١). وأيضًا استدل بها القاسم بن محمد (٢). الوجه الثالث: السنة تنسخ القرآن عند الأصولين (٣). وهذه المسألة فيها خلاف لأهل العلم والراجح ثبوته. قال الشوكاني: يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة عند الجمهور كما حكى ذلك عنهم أبو الطيب الطبري وابن برهان وابن الحاجب. ثم قال ابن حزم: اختلف الناس في هذا بعد أن اتفقوا على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وجواز نسخ السنة بالسنة، فقالت طائفة: لا تنسخ السنة بالقرآن، ولا القرآن بالسنة، وقالت طائفة: جائز كل ذلك، والقرآن ينسخ بالقرآن وبالسنة، والسنة تنسخ بالقرآن وبالسنة. وبهذا نقول وهو الصحيح، وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضًا، وينسخ الآيات من القرآن، وينسخه الآيات من القرآن،

стр. 5591

وبرهان ذلك ما بيناه في باب الإخبار من هذا الكتاب، من وجوب الطاعة لما جاء عن النبي ﷺ ، كوجوب الطاعة لما جاء في القرآن ولا فرق، وأن كل ذلك من عند اللَّه بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، فإذا كان كلامه وحيًا من عند اللَّه ، والقرآن وحي، فنسخ الوحي بالوحي جائز؛ لأن كل ذلك سواء في أنه وحي (١). الوجه الرابع: التحريم بالسنة استفاض، بل كاد أن يصل إلى التواتر، ويؤيده الإجماع على التحريم . فقد روى أحاديث التحريم جماعة عن النبى ﷺ منهم: ١ - علي بن أبي طالب ﵁ (٢). ٢ - سبرة بن معبد ﵁ (٣). ٣ - سلمه بن الأكوع ﵁ (٤). وجاء التحريم عن جماعة من الصحابة منهم: ١ - عبد اللَّه الزبير ﵁ (٥). ٢ - ابن عمر ﵁ (٦). أضف إلى ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁، والإجماع المنقول في تحريم نكاح المتعة، فكيف يقال أنه خبر آحاد، وعلى فرض أنه خبر آحاد، فالحديث إذا صح عن النبي ﷺ ، وجب العمل به لا فرق بين متواتر وآحاد. الوجه الخامس: النكاح غير الشرعي في الكتاب المقدس .

стр. 5592

الرب يأمر بالرذيلة ويوقع الناس في الزنا عقابًا لهم: سفر صموئيل الثاني (١٢٠١١: ١٢): (هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: ها أنذا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هذِهِ الشَّمْسِ. لأَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ بِالسِّرِّ وَأَنَا أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ قُدَّامَ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَقُدَّامَ الشَّمْسِ). النبي عاموس يقول لامصيا كاهن بيت إيل: سفر عاموس (١٦: ٧) (أَنْتَ تَقُولُ: لَا تَتَنبَأْ عَلَى إِسْرَائِيلَ وَلَا تَتَكَلَّمْ عَلَى بَيْتِ إِسْحَاقَ. ١٧ لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: امْرَأَتُكَ تَزْنِي فِي الْمَدِينَةِ، وَبَنُوكَ وَبَنَاتُكَ يَسْقُطُونَ بِالسَّيْفِ). داود وبثشبع سفر صموئيل الثاني (١١/ ٥: ٢) (وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جدًّا. ٣ فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: "أَلَيْسَتْ هذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟ ". ٤ فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلًا وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. ٥ وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: إِنِّي حُبْلَى.). سفر أرميا (١٠: ٨) (يقول الرب لِذلِكَ أُعْطِي نِسَاءَهُمْ لآخَرِينَ، وَحُقُولَهُمْ لِمَالِكِينَ، لأَنَّهُمْ مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، كُلُّ وَاحِدٍ مُولَعٌ بِالرِّبْحِ. مِنَ النَّبِيِّ إِلَى الْكَاهِنِ، كُلُّ وَاحِدٍ يَعْمَلُ بِالْكَذِبِ). سفر إشعياء (٣/ ١٧: ١٦) (وَقَالَ الرَّبُّ: "مِنْ أَجْلِ أَنَ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ يَتَشَامَخْنَ، وَيَمْشِينَ مَمْدُودَاتِ الأَعْنَاقِ، وَغَامِزَاتٍ بِعُيونِهِنَّ، وَخَاطِرَاتٍ فِي مَشْيِهِنَّ، وَيُخَشْخِشْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ، ١٧ يُصْلِعُ السَّيِّدُ هَامَةَ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ، وَيُعَرِّي الرَّبُّ عَوْرَتَهُنَّ.). الرب يحث على اختطاف بنات شيلوه واغتصابهن:

стр. 5593

سفر القضاة (٢١/ ٢٠) (وَأَوْصَوْا بَنِي بَنْيَامِينَ قَائِلِينَ: "امْضُوا وَاكْمِنُوا فِي الْكُرُومِ. ٢١ وَانْظُرُوا. فَإِذَا خَرَجَتْ بَنَاتُ شِيلُوهَ لِيَدُرْنَ فِي الرَّقْصِ، فَاخْرُجُوا أَنْتُمْ مِنَ الْكُرُومِ وَاخْطِفُوا لأَنْفُسِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ مِنْ بَنَاتِ شِيلُوهَ، وَاذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ بَنْيَامِينَ.). الرب يأمر هوشع أن يأخذ لنفسه امرأة: وفي سفر هوشع (١/ ٣: ٢) (إني ولا تتساءل إذا كان هذا تشجيعًا للزانيات أن يتمادين في بغائهم فإن الرب سينصفهن وسيزوجهن من أنبياء وقضاة) (أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَالَ الرَّبُّ لِهُوشَعَ: "اذْهَبْ خذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلَادَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ". ٣ فَذَهَبَ وَأَخَذَ جومَرَ بِنْتَ دِبْلَايِمَ، فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا). يهوذا جد المسيح يزنى بكته ثامار (أوجه ابنه): سفر التكوين (١٥: ٣٨): فَنَظَرَهَا يَهُوذَا وَحَسِبَهَا زَانِيَةً، لأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ غَطتْ وَجْهَهَا. ١٦ فَمَالَ إِلَيْهَا عَلَى الطَّرِيقِ وَقَالَ: "هَاتِي أَدْخُلْ عَلَيْكِ". لأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا كَنَّتُهُ. فَقَالَتْ: "مَاذَا تُعْطِينِي لِكَيْ تَدْخُلَ عَلَيَّ؟ " ١٧ فَقَالَ: "إِنِّي أُرْسِلُ جَدْيَ مِعْزَى مِنَ الْغَنَمِ". فَقَالَتْ: "هَلْ تُعْطِينِي رَهْنًا حَتَّى تُرْسِلَهُ؟ ". ١٨ فَقَالَ: "مَا الرَّهْنُ الَّذِي أُعْطِيكِ؟ " فَقَالَتْ: خَاتِمكَ وَعِصَابَتُكَ وَعَصَاكَ الَّتِي فِي يَدِكَ". فَأَعْطَاهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَحَبِلَتْ مِنْهُ. وَلَمَّا كَانَ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، أُخْبِرَ يَهُوذَا وَقِيلَ لَهُ: "قَدْ زَنَتْ ثَامَارُ كَنَّتُكَ، وَهَا هِيَ حُبْلَى أَيْضًا مِنَ الزِّنَا. سفر صمويل الثاني (٢٣/ ٢٣: ١) (وَجَرَى بَعْدَ ذلِكَ أَنَّهُ كَانَ لأَبْشَالُومَ بْنِ دَاوُدَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ اسْمُهَا ثَامَارُ، فَأَحَبَّهَا أَمْنُونُ بْنُ دَاوُدَ. ٢ وَأُحْصِرَ أَمْنُونُ لِلسُّقْمِ مِنْ أَجْلِ ثَامَارَ أُخْتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَذْرَاءَ، فنصحه أحد زملائه يُونَادَابُ: "اضْطَجعْ عَلَى سَرِيرِكَ وَتَمَارَضْ. وَإِذَا جَاءَ أَبُوكَ لِيَرَاكَ فَقُلْ لَهُ: دَعْ ثَامَارَ أُخْتِي فَتَأْتِيَ وَتُطْعِمَنِي خُبْزًا، وَتَعْمَلَ أَمَامِي الطَّعَامَ لأَرَى فَآكُلَ مِنْ يَدِهَا". ٦ فَاضْطَجَعَ أَمْنُونُ وَتَمَارَضَ، فَجَاءَ الْمَلِكُ لِيَرَاهُ. فَقَالَ أَمْنُونُ لِلْمَلِكِ: دَعْ ثَامَارَ أُخْتِي فَتَأْتِيَ وَتَصْنَعَ أَمَامِي كَعْكَتَيْنِ فَآكُلَ مِنْ يَدِهَا. فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى ثَامَارَ إِلَى الْبَيْتِ قَائِلًا: اذْهَبِي إِلَى بَيْتِ أَمْنُونَ أَخِيكِ وَاعْمَلِي لَهُ طَعَامًا. ثُمَّ قَالَ أَمْنُونُ لِثَامَارَ: "إيتِي بِالطَّعَامِ

стр. 5594

إِلَى الْمِخْدَعِ فَآكُلَ مِنْ يَدِكِ. فَأَخَذَتْ ثَامَارُ الْكَعْكَ الَّذِي عَمِلَتْهُ وَأَتَتْ بِهِ أَمْنُونَ أَخَاهَا إِلَى المخْدَعِ. ١١ وَقَدَّمَتْ لَهُ لِيَأْكُلَ، فَأَمْسَكَهَا وَقَالَ لَهَا: تَعَالَي اضْطَجِعِي مَعِي يَا أُخْتِي. ١٢ فَقَالَتْ لَهُ: "لَا يَا أَخِي، لَا تُذِلَّنِي لأَنَّهُ لَا يُفْعَلُ هكَذَا فِي إِسْرَائِيلَ. لَا تَعْمَلْ هذِهِ الْقَبَاحَةَ. أَمَّا أَنَا فَأَيْنَ أَذْهَبُ بِعَارِي فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَسْمَعَ لِصَوْتِهَا، بَلْ تَمَكَّنَ منْهَا وَقَهَرَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا. فخرجت صارخة فقال لها أخوها أبشالوم فالآن يا أختي اسكتي أخوك هو نبي اللَّه حزقيال يشجع النساء على الزنا والفجور). (حزقيال/ ٣٤ - ٣٣: ١٦) شكيم يزني وبنيهك شرف ابنه بنى اللَّه يعقوب أدينه (١: ٣٤) بين اللَّه أو بين يزنى بزوجه أبيه بلهه. (تكوين ٤ - ٣: ٤٩؛ ٢٢: ٣٥) شمشون يذهب إلى غزه ورأى هناك امرأة زانية فدخل إليها (قضاه ١: ١٦) لوط يسكر ويزنى بابنتيه: تكوين (٣٨ - ٣٥: ١٩٩). داود لا ينام إلا في حضن امرأة عذراء ملوك الأول (٤ - ١: ١) شاول يزوج ابنته زوجة داود من شخص آخر وهى لم تطلق من زوجها الأول، أي يدفعها للزنا صموئيل (١٦ - ١٤: ٣) صموئيل الأول (٤٤: ٢٥) نبي اللَّه إبراهيم يتزوج أخته لأبيه تزوج بني اللهي إبراهيم ﵇ من سارة وهى أخته من أبيه تكوين (١٢: ٢٠) على الرغم من أن سفر اللاويين (١٢: ١٨٩): "يحرم الزواج من الأخت الآب آه ألأم عوده أخت أبيك لا تكشف إنها قربية أبيك نبي اللَّه يعقوب يجمع بين الأختين فقد تزوج ليئة وراحيل الأختين وأنجب منها" تكوين (٣٠ - ٢٣: ٢٩)، ويحرم سفر اللاويين الجمع بين الأختين اللاويين (١٨: ١٨). إذا كان كل هذا الفساد في كتابكم المقدس، فكيف تعيبون على الإسلام أمر المتعة ولم تعلموا ضابطها ونسخها في الإسلام؟ . * * *

стр. 5595

٣ - شبهة: الملاعنة بين الزوجين . نص الشبهة: جاء في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (النور: ٦ - ٩). والسؤال: لماذا كانت شهادة الأزواج الذين يرمون زوجاتهم أربع شهادات؟ ! ويقول: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، و ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لماذا لا يقول: يجلد أو تجلد؟ إننا نسمع كلمة (لعنة اللَّه عليه) مئات المرات حولنا، فيمكن للزوج أن يفترى على زوجته ويُقبل ذلك بكلمة: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي: بلعنه نفسه؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: معرفة أصل الحكم في القضايا بين الناس في الإسلام -سواء كانت قضايا أسرية أو غيرها- وطرق إثباتها . الوجه الثاني: فقه اللعان. الوجه الثالث: سبب النزول، وتفسير آيات اللعان. الوجه الرابع: لماذا تقع الملاعنة بين الزوجين دون غيرهما؟ . الوجه الخامس: الحكمة من مشروعية الملاعنة. الوجه السادس: موقف التوراة والإنجيل من زنا الزوجة. وإليك التفصيل الوجه الأول: معرفة أصل الحكم في القضايا بين الناس في الإسلام -سواء كانت قضايا أسرية أو غيرها- وطرق إثباتها. إن وظيفة القضاء في الإسلام تختلف نوعًا ما عن نظيره في النظام الوضعي، فالمتهم مثلًا في القوانين الوضعية بريء حتى تثبت إدانته، فإذا لم تثبت إدانته فهو بريء حتى ولو كان مجرمًا

стр. 5596

محترفًا، فالعبرة هنا بالحقيقة القضائية لا الحقيقة الواقعية، ومن ثَمَّ الضبطية القضائية. أما في التشريع القرآني فليست العبرة فقط بهذه الضبطية القضائية، ولكن بضمير الإنسان نفسه أي: التقوى. أي: أن تحقيق العدل عملية مركبة لا تتوقف فقط على ضمير القاضي وورعه -خاصة إذا علمنا أن القاضي الشرعي أيضًا يحكم باسم المجتمع لا باسم اللَّه رغم قيامه بوظيفة من وظائف اللَّه على الأرض- وإنما بنصيب وافر على نزاهة الخصوم، مما يضاعف من دور القاضي في إعمال تزكية الخصوم، وذلك بحثِّ الخصوم على تقوى اللَّه وخشيته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: ١٥٣) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨). وذلك يعكس الفهم السليم لعمل القاضي الشرعي وإظهار دوره بأمر يتعلق بجانب مهم جدًّا ذي صلة قوية بالمدنية الحديثة ألا وهو الجانب المالي وهو يستصحب أثر الرسول ﷺ الذي ربَّى أصحابه على حرية الرأي، واستقلال الإرادة، وقوة الشخصية مما يمكنه من تحليل الأمور، واقتراح العلاج المناسب عند القضاء والتشريع. طرق الإثبات: ليس للبينات عدد يحصرها، وإنما المدار فيها على ثبوت الحق وإظهاره، فكل ما يؤدي إلى معرفة الحق، وإقامة العدل، وإشاعة الأمن - فهو بينة متى كان متفقًا مع أحكام الشريعة الإسلامية، ومبادئها العامة، وقواعدها الكلية، ويحقق مقاصدها، ولا شك أن القول بهذا يفتح ميادين واسعة للاستفادة من كل ما توصل إليه الفكر البشري من تجربة ومخترعات، ومكتشفات، الأمر الذي يوجب على رجال القضاء وأجهزة الأمن وسلطات التحقيق- التوجه نحو الاستفادة من الوسائل العلمية الحديثة في سبيل مكافحة الجريمة وكشفها وإثباتها، طالما أن المجرمين بدورهم قد طوعوا هذه الوسائل لخدمة مخططاتهم الإجرامية، فليس من العدالة حرمان الأجهزة المسئولة عن أمن المجتمع وطمأنينته من الأخذ بها.

стр. 5597

ومن طرق الإثبات ما يلي: ١ - البينة، وهي: كُل مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ فيَكُونُ دَليلًا يَقْفِي بِهِ الْقَاضِي وَيَبْنِي عَلَيْهِ حُكْمَهُ. ٢ - الإقرار، وهو: سيد الأدلة إذا كان صادرًا عن طواعية واختيار واعتراف بالمسئولية وارتكاب المخالفة. ٣ - الشهادة، وتتفاوت مراتبها على أحوال عدة، فيكتفي أحيانًا بشاهد واحد لإثبات هلال رمضان، أو امرأة واحدة فيما لا يطَّلع عليه إلا النساء كالإرضاع، وإثبات النسب، والبكارة أو الثيبوبة، أو شاهد ويمين في إثبات الحق في الأموال، أو شهادة رجلين في إثبات الأهلة عدا رمضان، أو رجل وامرأتان في إثبات الحقوق في الذمم، أو شهادة ثلاثة رجال في إثبات الإعسار أو حصول الجوائح، أو شهادة أربعة رجال في إثبات جريمة الزنا، أو أداء أربعة إيمان والدعاء على نفسه باللعنة إن كان من الكاذبين، والدعاء على نفسها بغضب اللَّه إن كان من الصادقين في قضية اللعان. ٤ - اليمين، وهو فيما إذا عجز المدعي عن البينة، فيكتفي بيمين المدعى عليه. ٥ - النكول عن اليمين، ويعد حجة في إثبات الحق في ذمة المدعى عليه. ٦ - القسامة، تعد القسامة بينة في إثبات الدعوى على الجاني، والقسامة خمسون يمينًا يؤديها أولياء الدم. ٧ - العرف، فللعرف تأثير في تعيين الشيء الذي تنازع عليه المتخاصمان ولو تغيرت العادة وزال هذا العرف مع الزمن يزول معه هذا الأثر. (١) الوجه الثاني: فقه اللعان . أولًا: معناه لغة: الملاعنة واللعان: المباهلة. (٢) الملاعنة بضم الميم وفتح العين مفاعلة من لاعن: لعن كل واحد الآخر -شهادات

стр. 5598

مؤكدات بأيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حق الرجل. (١) واللَّعْنُ: الإِبْعادُ والطَّرْد من الخير، وقيل: الطَّرْد والإِبعادُ من اللَّه، ومن الخَلْق السَّبُّ والدُّعاء (٢). ثانيًا: معنى الملاعنة شرعًا: شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ قَائِمَةٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فِي حَقِّهِ وَمَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّهَا (٣). أو: كَلِمَاتٌ مَعْلُومَةٌ جُعِلَتْ حُجَّةً لِلْمُضْطَرِّ إِلَى قَذْفِ مَنْ لَطَّخَ فِرَاشَهُ وَأَلْحَقَ الْعَارَ بِهِ أَوْ إِلَى نَفْي وَلَدٍ (٤). ثالثًا: متى يُشرع ؟ يَجِبُ اللِّعَانُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ مُجْمَعٍ عَلَيْهِمَا: أَنْ يَدَّعِيَ رُؤْيَةَ زِنَاهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمَكْحُلَةِ، ثُمَّ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ يَنْفِي حَمْلًا قَبْلَهُ اسْتِبْرَاءً فِي نِكَاحِهِ وَإِلَّا حُدَّ (٥). رابعًا: شروط اللعان: ١ - كونه بين زوجين مكلفين لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (النور: ٦) فلا لعان بقذف أمة ولا حد، وأما اعتبار التكليف فلأن قذف غير المكلف لا يوجب حدًا، واللعان إنما وجب لإسقاط الحد. ٢ - أن يتقدمه قذفها بالزنا ولو في دبر؛ لأنه قذف يجب به الحد، ولا فرق بين الأعمى والبصير لعموم الآية. ٣ - أن تكذبه الزوجة في قذفها ويستمر تكذيبها إلى انقضاء اللعان. (٦) خامسًا: بم يثبت اللعان ؟

стр. 5599

يثبت بالزنا بنفي الولد، أو بغير نفي الولد (١)، ويثبت كذلك بالبينة. (٢) ويثبت اللعان بأمرين: ١ - قذف الزوج للزوجة بالزنا ولإقراره بذلك أمام القاضي. ٢ - إقامة المرأة البينة على أن زوجها قذفها بالزنا، وقد يكون اللعان لنفي الولد وإثبات أنه ليس منه، وإنما هو ابن زنا. سادسًا: كيفية اللعان: وَاللِّعَانُ الَّذِي يَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْحَدِّ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْحَاكِمِ: أَشْهَدُ بِاللَّه لَقَدْ زَنَتْ، وَيُشِيرَ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا، وَنَسَبَهَا، حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُوقَفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّه، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. فَإِنْ أَبَى إلَّا أَنْ يُتِمَّ، فَلْيَقُلْ: وَلَعْنَةُ اللَّه عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَتَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللَّه لَقَدْ كَذَبَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تُوقَفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، وَتُخَوَّفُ كَمَا خُوِّفَ الرَّجُلُ، فَإِنْ أَبَتْ إلَّا أَنْ تُتِمَّ فَلْتَقُلْ: وَغَضَبُ اللَّه عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا (٣). سابعًا: الآثار المترتبة على اللعان: يترتب على اللعان بين الزوجين أمام القاضي الآثار التالية: ١ - سقوط حد القذف أو التعزير عن الزوج، وسقوط حد الزنا عن الزوجة، فإن لم يلاعن الرجل وجب عليه عند غير الحنفية حد القذف إن كانت الزوجة الملاعنة محصنة، والتعزير إن كانت غير محصنة، وإن لم تلاعن المرأة وجب عليها عند الشافعية والمالكية حد الزنا من جلد البكر ورجم المحصنة (المتزوجة). ٢ - تحريم الوطء والاستمتاع بعد التلاعن من كلا الزوجين، ولو قبل تفريق القاضي،

стр. 5600

لحديث: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا". (١) ٣ - وجوب التفريق بينهما: لا تتم الفرقة عند الحنفية إلا بتفريق القاضي، لقول ابن عباس في قصة هلال بن أمية: (ففرَّق النبي ﷺ بينهما)، وهذا يقتضي أن الفرقة لم تحصل قبله، فلو مات أحدهما قبل التفريق ورثه الآخر، ولو طلقها الزوج وقع طلاقه. وقال المالكية والحنابلة في الراجح من الروايتين عن أحمد: تقع الفُرقة باللعان دون حكم حاكم؛ لأن سبب الفرقة وهو اللعان قد وجد، فتقع الفرقة به من غير حاجة إلى تفريق القاضي، ولقول عمر ﵁: (المتلاعنان يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا). وقال ابن قدامة في المغني: قال الشافعي: تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَإِنْ لَمْ تَلْتَعِنْ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَة حَاصِلَةٌ بِالْقَوْلِ، فَتَحْصُلُ بِقَوْلِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، كَالطَّلَاقِ. وعقب ابن قدامة على قول الإمام الشافعي بقوله: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ الشَّافِعِيَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (٢)، وإِذَا كان الطلاق بائنًا وجب للمرأة النفقة والسكنى في عدتها، ويثبت نسب ولدها إلى سنتين إن كانت معتدة، وإن لم تكن معتدة فإلى ستة أشهر (٣). فوائد: الأولى: لماذا كان اللعان من جانب الزوج دون الزوجة ؟ فإن اللعان خاص بالأزواج دون الزوجات، ووجه ذلك: أن اللَّه لما جعل في نفوس الرجال حبًا للزوجات غالبًا وغَيْرةً عليهن وعدم احتمال رؤية الزنا بهن؛ دفع عنهم حد القذف بما شرع لهم وخصهم به من الملاعنة، ويبين هذا أنه لما نزلت آيات القذف وتقرر حد القاذف اشتد الأمر على الأزواج الذين يعثرون على ريبة في زوجاتهم فأنزل اللَّه آيات الملاعنة

стр. 5601

تخصص عموم المحصنات اللاتي يحد من رماهن ولم يأت بأربعة شهداء. وإن من المعلوم أن زنا الزوجة يلحق زوجها به من العار والذم وخلط أولاده بغيرهم ما لا يلحقها هي بزناه. وعلة ذلك هو: أن في نفوس الأزواج وازعًا يزعهم عن أن يرموا نساءهم بالفاحشة كذبًا وهو وازع التعيير من ذلك ووازع المحبة في الأزواج غالبًا، ولذلك سمى اللَّه ادعاء الزوج عليها باسم الشهادة بظاهرة الاستثناء في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ وفي نفوسهم من الغيرة عليهن ما لا يحتمل معه السكوت على ذلك، وكانوا في الجاهلية يقتلون على ذلك، وكان الرجل مصدقًا فيما يدعيه على امرأته، وقد قال سعد بن عبادة: لو وجدت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصفِح، ولكن الغيرة قد تكون مفرطة وقد يذكيها في النفوس تنافس الرجال في أن يشتهروا بها، فمنع الإسلام من ذلك، إذ ليس من حق أحد إتلاف نفس إلا الحاكم، ولم يقرر جعل أرواح الزوجات تحت تصرف مختلف نفسيات أزواجهن (١). الثانية: لم اختير لفظ اللعن مع الرجل دون المرأة ؟ واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب -وإن كانا مذكورين في الآية- لتقدمه فيهما ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانب المرأة؛ لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها ولأنه قد ينكف لعانه عن لعانها ولا ينعكس، واختصت المرأة بالغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها، لأن الرجل إن كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة؛ فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرمية وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما، وجُوِّز اللعان لحفظ الأنساب، ودفع المعرة عن الأزواج. وأجمع العلماء على صحته، وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونها أصل الفجور ومادّته، ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة، ومع استكثارهنّ منه لا يكون له في قلوبهنّ كبير موقع بخلاف الغضب (٢).

стр. 5602

الثالثة: هل اللعان طلاق أم فسخ ؟ وفُرقة اللعان فسخ. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: هي طلاق؛ لأنها فرقة من جهة الزوج تختص النكاح فكانت طلاقًا كالفرقة بقوله: أنت طالق، ولنا أنها فرقة توجب تحريمًا مؤبدًا فكانت فسخًا كفرقة الرضاع، ولأن اللعان ليس بصريح في الطلاق ولا نوى به الطلاق فلم يكن طلاقًا كسائر ما ينفسخ به النكاح، ولأنه لو كان طلاقًا لوقع بلعان الزوج دون لعان المرأة. (١) وقال الشوكاني: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّه فَسْخٌ، وَذَهَب أَبُو حَنِيْفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ (٢). الرابعة: عدة اللعان . وَكَّلَ فُرْقَةٍ بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَعِدَّتها عِدَّةُ الطَّلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِخُلْعٍ، أَوْ لِعَانٍ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ فَسْخٍ بِعَيْب، أَوْ إعْسَارٍ، أَوْ إعْتَاقٍ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ، أَوْ غَيرِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عِدَّةَ الْمُلَاعَنَةِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ. وَأَبَى ذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالُوا: عِدَّتها عِدَّةُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا مُفَارِقَةٌ فِي الْحَيَاةِ، فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ. (٣) الوجه الثالث: سبب النزول، وتفسير آيات اللعان . أولًا: سبب نزول الآية الكريمة . عن ابن عباس: أنَّ هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك، فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأي أحدنا مع امرأته رجلًا ينطلق يلتمس

стр. 5603

البينة؟ فجعل رسول اللَّه ﷺ يقول: البيِّنة أو حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن اللَّه ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل فأنزل اللَّه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). ثانيًا: تفسير الآية . قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة فيها فَرَج للأزواج وزيادة مخرج؛ إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر اللَّه ، وهو أن يحضرها إلى الإمام، فيدَّعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات باللَّه في مقابلة أربعة شهداء ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: فيما رماها به من الزنا ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها، ويتوجه عليها حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن، فتشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ ولهذا قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يعني: الحد ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ فخصها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا يقدم على فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب اللَّه عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه (٢). وقال الشيخ مصطفى العدوي: وهذه أيضًا إحدى الاستثناءات من الآية العامة التي تقدمت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (النور: ٤) فقد استثني منها الزوج

стр. 5604

مع زوجته، ولكن إذا رمت المرأة زوجها بالزنا فالراجح أنها لا تلاعنه؛ إذ من أسباب الملاعنة: نفي الولد، وهذا شيء لا يتعلق بالمرأة بل تأتي بالشهود أو يقام عليها الحد. (١) الوجه الرابع: لماذا تقع الملاعنة بين الزوجين دون غيرهما ؟ قال الفخر الرازي: إنما اعتبر الشرع اللعان في الزوجات دون الأجنبيات لوجهين: أ- أنه لا معرّة على الرجل في زنا الأجنبية والأولى له سترهُ، أما زنا الزوجة فيلحقه العار والنسب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه. ب - إن الغالب المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة، فإذا رماها فنفس الرمي يشهد بكونه صادقًا إلا أن شهادة الحال ليست بكاملة فضم إليها ما يقويها من الإيمان. (٢) وقال السعدي: وإنما كانت شهادات الزوج على زوجته دارئة عنه الحد؛ لأن الغالب أن الزوج لا يقدم على رمي زوجته التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقًا، ولأن له في ذلك حقًا وخوفًا من إلحاق أولاد ليسوا منه به، ولغير ذلك من الحِكم المفقودة في غيره فقال: نهى شيء، ولا يبدل شيء بشيء، وأن اللعان مختص بالزوج إذا رمى امرأته، لا بالعكس، وأن الشبه في الولد مع اللعان لا عبرة به، كما لا يعتبر مع الفراش، وإنما يعتبر الشبه جث لا مرجح إلا هو (٣). الوجه الخامس: الحكمة من نزول آيات اللعان . وهذه الآياتِ فيها رحمة من اللَّه ﵎ بعباده؛ لأن النساء يختلفن في العفة والبُعد عن الوقوع في الفاحشة، فلو أن اللَّه ﵎ أوقف الزوج بين الخيارات الثلاثة: بين أن يَقْتُل فيُقْتَل، وبين أن يسكت على الغيظ، وبين أن يقذف فيُجْلَد الحد، والعياذ باللَّه! لكان في ذلك من البلاء ما لا يعلمه إلا اللَّه، فنزلت هذه الآياتِ رحمة من اللَّه بعباده، ولطفًا من اللَّه

стр. 5605

بخلقه، ولذلك قال العلماء: إن الغالب في الزوج أن لا يقدم على تهمة زوجته إلا إذا كان عنده ما يوجب ذلك، فلا يعقل أن الإنسان يفسد فراشه وينفي ولده إلا وهو معتمد على دليل، ولذلك كان هذا الحكم من الشرع قمةً في السوية والعدالة، ذلك أن اللَّه لو قال لنبيه أو أوحى لنبيه: أن اقبل قذف الأزواج، وأقم على الزوجات الحد مطلقًا لكان في ذلك ضرر بالزوجات، ولفُتِح باب انتقام الأزواج من زوجاتهم، ولو قال بالعكس: لا تَقْبَل شهادة الزوج مطلقًا، وأقم عليه حد القذف لكان في ذلك من الضرر بالرجال ما لا يعلمه إلا اللَّه، ولكنَّ اللَّه أقام الميزان العدل، فأمره أن يقيم هذه الشهادة، وهي شهادات اللعان، خمس من الزوج، وخمس من الزوجة بالغة في النكال والعقوبة والعياذ باللَّه، يُوقف عند الخامسة فيُذكَّر باللَّه ، وتُوقف المرأة عند الخامسة فتذكر باللَّه ، وكل يمين من هذه الخمس بمثابة الشاهد، فما أنسبه من حكم! وما أعدله من شرع! . (١) وفي هذه النصوص تيسير على الأزواج، يناسب دقة الحالة وحرج الموقف. ذلك حين يطلع الزوج على فعلة زوجته، وليس له من شاهد إلا نفسه، فعندئذ يحلف أربع مرات باللَّه إنه لصادق في دعواه عليها بالزنا، ويحلف يمينًا خامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، وتسمى هذه شهادات؛ لأنه الشاهد الوحيد، فإذا فعل أعطاها قدر مهرها، وطلقت منه طلقة بائنة، وحق عليها حد الزنا وهو الرجم، ذلك إلا أن ترغب في درء الحد
следующие страницы →