المبحثُ الأوَّلُ: منهجُ ابنِ جريرٍ في الجمعِ بين أدلَّةِ المعاني المُتعارضةِ.
التَّعارضُ لُغةً: تفاعلٌ مِنْ (عَرَضَ)، وهو بناءٌ تكثرُ فروعُه، ومِن معانيه: العَرْضُ الذي هو ضِدُّ الطُّولِ. والمُقابلةُ بين شَيئَيْن، كما في مُعارضةِ الكتابِ بالكتابِ. وكذا الظُّهورُ؛ مِنْ قولِهم: عرضَ الشَّيءَ للبيعِ إذا أظهرَه. ومِنها أيضاً: المَنعُ، كما في قولِه تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهُ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، أي: مانعاً بالحلفِ به بينَكم وبين مرضاتِه (١). قالَ ابنُ فارسٍ (ت: ٣٩٥): «العينُ والرّاءُ والضّادُ بناءٌ تَكثُرُ فروعُه، وهي مع كَثرَتِها تَرجِعُ إلى أصلٍ واحدٍ، وهو: العَرْضُ الذي يُخالِفُ الطُّولَ، ومَن حقَّقَ النَّظرَ ودَقَّقَه عَلمَ صِحَّةَ ما قُلناه، وقد شَرَحنا ذلك شَرْحاً وافياً» (٢)، وقالَ ابنُ العربيّ (ت: ٥٤٣): «(عَرَضَ) في
стр. 562
كلامِ العربِ يتصرَّفُ على معانٍ، مَرجِعُها إلى: المَنعِ؛ لأنَّ كُلَّ شيءٍ اعترضَ فقد مَنَعَ» (١).
والتَّعارضُ اصطلاحاً: تقابلُ دَليلَيْن على سبيلِ المُمانعةِ (٢).
وهذا التَّعريفُ شاملٌ لما سبقَ مِنْ المعاني اللُّغويَّةِ؛ إذْ فيه دليلان ظاهران، مُتقابلان، يمنعُ أحدُهما الآخرُ في معناه؛ وهذا المَنعُ إن كانَ على سبيلِ التَّناقضِ فهو (التَّعارضُ الكُلّيُّ) الذي لا يُمكنُ الجَمعُ فيه بوَجهٍ مِنْ الوجوهِ، كالتَّعارضِ الحاصلِ في اختلافِ التَّضادِّ؛ حيثُ تتخالفُ مَعاني الأدلَّةِ مِنْ كُلِّ وَجهٍ، ويَلزمُ مِنْ القَولِ بأحدِها إبطالُ الآخرِ، كاختلافِهم في تعيين الذَّبيحِ بين إسحاقَ وإسماعيلَ ابْنَي إبراهيمَ ﵈؛ وذلك في قولِه تعالى ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وكاختلافِهم في المُرادِ بالقُرْءِ في قولِه تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ بين الطُّهرِ والحَيْضِ. (٣)
وإن كانَ التَّعارضُ تمانُعاً لا تناقُضَ فيه بين المَعنيَيْن، ويُمكنُ الجَمعُ بينهما بوَجهٍ مِنْ الوجوهِ، فهو (التَّعارضُ الجُزئيِّ)، كالنّاسخِ والمَنسوخِ (٤)، والعامِّ والخاصِّ، ونحوها، كما في قولِه تعالى
стр. 563
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، مع قولِه ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فمتى أمكنَ حملُ أحدِهما على حالٍ دون حالٍ، أو زمنٍ دون زمنٍ فهو تعارضٌ جُزئيٌّ وليس تناقُضاً. (١)
وقد أطبقَ العلماءُ على أنَّ الأدلَّةَ الشَّرعيَّةَ لا تتعارضُ على الحقيقةِ، وإنَّما يقعُ التَّعارضُ في نظرِ المُجتهدِ؛ بحسبِ مَبلَغِ عِلمِه، وقوَّةِ فَهمِه (٢)، قالَ الشّافعي (ت: ٢٠٤): «لم نجِدْ عنه ﷺ حديثَيْن مُختلفَيْن إلا ولهما مَخرجٌ، أو على أحدِهما دلالَةٌ بأحدِ ما وصَفتُ؛ إمّا بموافقةِ كتابٍ، أو غيرِه مِنْ سُنَّتِه، أو بعضِ الدَّلايلِ» (٣)، وقالَ ابنُ خُزيمةَ (ت: ٣١١): «لا أعرفُ أنَّه رُويَ عن رسولِ الله ﷺ حديثان بإسنادَيْن صَحيحَيْن مُتضادّان، فمَن كانَ عنده فليَأتِ به حتى أُؤَلِّفَ بينهما» (٤)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «لا يجوزُ أن يوجدَ في الشَّرعِ خبران مُتعارضان مِنْ جميعِ الوُجوهِ، وليس مع أحدِهما ترجيحٌ يُقَدَّمُ به» (٥)، وقالَ الشّاطبي (ت: ٧٩٠): «كلُّ مَنْ تحقَّقَ بأصولِ الشَّريعةِ فأدلَّتُها عنده لا تكادُ تتعارضُ، كما أنَّ كلَّ مَنْ حقَّقَ مناطَ المسائلِ فلا يكادُ يقِفُ في مُتشابِهٍ؛ لأنَّ الشَّريعةَ لا تعارضَ فيها ألبتَّةَ، فالمُتحقِّقُ بها مُتحقِّقٌ بما في نَفسِ الأمرِ، فيَلزمُ أن لا يكونَ عنده تعارضٌ، ولذلك لا
стр. 564
تجدُ ألبتَّةَ دليلَيْن أجمعَ المسلمون على تعارضِهما بحيث وجبَ عليهم الوقوفُ، لكن لمّا كانَ أفرادُ المُجتهدين غيرَ معصومين مِنْ الخطَأِ أمكنَ التَّعارضُ بين الأدلَّةِ عندهم» (١).
وبحسبِ ما سبقَ مِنْ تقسيمِ الأدلَّةِ إلى قطعيَّةٍ وظنّيَّةٍ، فإنَّ أنواعَ التَّعارضِ بهذا الاعتبارِ تنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
الأوَّلُ: تعارضُ القَطعيِّ مع القَطعيِّ، وهذا مُمتنعٌ عند عامَّةِ العلماءِ، سواءٌ كانا نقليَّيْن أو عقليَّيْن، ونقلَ بعضُهم الاتِّفاقَ عليه؛ لأنَّه لا يُتصوَّرُ وجودُ مَدلولاتِهما عند التَّعارضِ، قالَ ابنُ قدامة (ت: ٦٢٠): «لا يُتصوَّرُ التَّعارضُ في القواطعِ إلا أن يكونَ أحدُهما منسوخاً» (٢)، وقالَ القَرافي (ت: ٦٨٤): «يَمتنعُ التَّرجيحُ في العَقليّاتِ؛ لتعذُّرِ التَّفاوتِ بين القَطعيَّيْن» (٣)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «اتَّفقوا على أنَّه لا يجوزُ تعادلُ الأدلَّةِ القَطعيَّةِ؛ لوجوبِ وجودِ مَدلولاتِها، وهو مُحالٌ» (٤)، ومِن ثَمَّ «فلا مدخلَ للتَّرجيحِ في الأدلَّةِ القَطعيَّةِ؛ لأنَّ التَّرجيحَ فَرعُ التَّعارضِ، ولا تعارضَ فيها فلا ترجيحَ» (٥)، فإذا ظهرَ للنّاظرِ تعارضُ دليلَيْن قَطعيَّيْن فالخطأُ مِنْ جِهتِه مِنْ أحدِ وَجهَيْن:
стр. 565
١ - إمّا في حُكمِه بقَطعيَّةِ كلا الدَّليلَيْن.
٢ - أو في حُكمِه بوجودِ التَّعارضِ بينهما.
الثّاني: تعارضُ القَطعيِّ مع الظَّنّيِّ، ولا يُتصوَّرُ ذلك أيضاً عند عامَّةِ العلماءِ والعُقلاءِ؛ لأنَّ الظَّنَّ لا يبقى ظَنّاً إذا عارضَه القَطعيُّ، قالَ ابنُ قدامة (ت: ٦٢٠): «ولا يُتصوَّرُ أن يتعارضَ علمٌ وظَنٌّ؛ لأنَّ ما عُلمَ كيفَ يُظَنُّ خِلافُه! وظَنُّ خِلافِه شَكٌّ، فكيف يشُكُّ فيما يعلمُ!» (١)، وقالَ أبو الثَّناءِ الأصفهاني (ت: ٧٤٩): «ولا تعارضَ أيضاً بين قَطعيٍّ وظَنّيٍّ؛ لانتفاءِ الظَّنِّ بأحدِ الطَّرفَيْن عند القَطعِ بالطَّرفِ الآخرِ» (٢)، وقالَ ابنُ النَّجّارِ (٣) (ت: ٩٧٢): «ومثلُ القَطعيَّيْن في عدمِ التَّعارضِ: قَطعيٌّ وظَنّيٌّ؛ لأنَّه لا تعادلَ بينهما ولا تعارضَ؛ لانتفاءِ الظَّنِّ، لأنَّه يستحيلُ وجودُ ظَنٍّ في مُقابلةِ يَقينٍ، فالقَطعيُّ هو المَعمولُ به، والظَّنُّ لَغوٌ، ولذلك لا يتعارضُ حُكمٌ مُجمعٌ عليه مع حُكمِ آخرَ ليس مُجمعاً عليه، ويُعملُ بالقَطعيِّ دون الظَّنّيِّ» (٤)، وهذا هو حُكمُ هذا البابِ بلا خِلافٍ، قالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «مُخالفةُ الظَّنّيِّ لأصلٍ قَطعيٍّ يُسقِطُ اعتبارَ الظَّنّيِّ على الإطلاقِ، وهو مِمّا لا يُختلفُ فيه» (٥).
الثّالثُ: تعارضُ الظَّنّيِّ مع الظَّنّيِّ، وقد اتَّفقوا في هذا النَّوعِ على
стр. 566
إمكانيَّةِ وقوعِه في نَفسِ المُجتهدِ، قالَ الرّازي (ت: ٦٠٤): «لا نزاعَ في وقوعِ التَّعادلِ بحسبِ أذهانِنا» (١). وفي وقوعِه في نَفسِ الأمرِ خِلافٌ (٢)، وهو مُمتنعٌ عند مَنْ يرى أنَّ الحَقَّ واحدٌ لا يتعدَّدُ (٣)، وهو الصَّحيحُ، قالَ الشّيرازي (٤) (ت: ٤٧٦): «لا يجوزُ أن يتكافأَ دليلان في الحادثةِ، بل لا بُدَّ أن يكونَ لأحدِهما مزيَّةٌ على الآخرِ وترجيحٌ» (٥)، وقالَ ابنُ السُّبكي (٦) (ت: ٧٧١): «يمتنعُ تعادلُ القاطعَيْن، وكذا الأمارتَيْن في نَفسِ الأمر على الصَّحيحِ» (٧)، وعلَّلَ ذلك الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠) بقولِه: «لا يتواردُ الدَّليلان على محلِّ التَّعارضِ مِنْ وَجهٍ واحدٍ؛ لأنَّه مُحالٌ مع فَرضِ إعمالِهما فيه، فإنَّما يتواردان مِنْ وَجهَيْن، وإذْ ذاك يرتفعُ التَّعارضُ ألبتَّةَ» (٨).
стр. 567
وهذا النَّوعُ مِنْ التَّعارضِ هو ما يصحُّ فيه التَّرجيحُ، على ما سيأتي بيانُه بإذنِ الله.
أمّا منهجُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه في الجَمعِ بين أدلَّةِ المعاني المُتعارضةِ، فيقومُ على جُملةِ أصولٍ، يُمكنُ بيانُها فيما يأتي:
أوَّلاً: معنى تعارضِ الأدلَّةِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) هو: امتناعُ اجتماعِ معانيها على الصِّحَّةِ مُطلقاً؛ سواءٌ كان ذلك التَّمانعُ كليّاً (تناقُضاً)، أو جُزئيّاً، وقد نصَّ على ذلك في قولِه: «وليست إحدى الآيتَيْن دافعاً حُكمُها حُكمَ الأُخرى، بل إحداهما مُبيِّنةٌ حُكمَ الأُخرى، وإنَّما تكونُ إحداهما دافعةً حُكمَ الأُخرى لو لم يكُنْ جائِزاً اجتماعُ حُكمُيْهما على صِحَّةٍ، فأمّا وهما جائِزٌ اجتماعُ حُكمَيْهما على الصِحَّةِ فغيرُ جائِزٍ أن يُحكمَ لإحداهما بأنَّها دافعةٌ حُكمَ الأُخرى إلا بحُجَّةٍ» (١)، وقد أشارَ إلى هذا المعنى الشّافعي (ت: ٢٠٤) بقولِه: «ولا يُنسَبُ الحديثان إلى الاختلافِ ما كانَ لهما وَجهاً يُمضَيان معاً، إنَّما المُختلفُ ما لم يُمْضى (٢) إلا بسقوطِ غيرِه، مثلُ أن يكونَ الحديثان في الشَّيءِ الواحدِ؛ هذا يُحِلُّه، وهذا يُحرِّمُه» (٣).
ثانياً: أنَّ التَّعارضَ عنده يُمكنُ أن يقعَ في جميعِ أنواعِ أدلَّةِ الشَّرعِ؛
стр. 568
النَّقليَّةِ مِنها والعقليَّةِ، كما هو ظاهرٌ مِنْ قولِه في النَّصِّ السّابقِ: «فأمّا وهما جائِزٌ اجتماعُ حُكمَيْهما على الصِحَّةِ فغيرُ جائِزٍ أن يُحكمَ لإحداهما بأنَّها دافعةٌ حُكمَ الأُخرى إلا بحُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها مِنْ خبرٍ أو قياسٍ، ولا خبرَ بذلك ولا قياسَ» (١).
ثالثاً: أنَّ التَّعارضَ المُعتبرَ هو ما يكونُ بين الأدلَّةِ المُعتبرةِ، أمّا معارضةُ الأدلَّةِ المُعتبرةِ شرعاً بما ليس مُعتبراً مِنْ وجوهِ الأدلَّةِ فهو في حُكمِ المَعدومِ، ولا أثرَ له على قبولِ الدَّليلِ الشَّرعيِّ، وذلك ظاهرٌ مِنْ قولِه في النَّصِّ السّابقِ: «غيرُ جائِزٍ أن يُحكمَ لإحداهما بأنَّها دافعةٌ حُكمَ الأُخرى إلا بحُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها مِنْ خبرٍ أو قياسٍ» (٢)، وإنَّما يجبُ التَّسليمُ لها لثبوتِ حُجِّيَّتِها شرعاً.
رابعاً: لا تعارُضَ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بين أدلَّةِ المعاني -في نَفسِها أو فيما بينها- في واقعِ الأمرِ مُطلقاً، وإنَّما قد يقعُ التَّعارضُ في نظرِ المُجتهدِ. حيثُ بَيَّنَ «أنَّه غيرُ جائِزٍ أن يكون في أخبارِ اللهِ أو أخبارِ رسولِه ﷺ شيءٌ يدفَعُ بعضُهُ بعضاً» (٣)، وقالَ: «وخَبَرُ الله أصدَقُ من أن يَقَعَ فيه تناقُضٌ» (٤)، وقالَ: «غيرُ جائزٍ أن تكونَ فرائضُ الله، وسُننُ رسولِه ﷺ مُتنافيةً مُتعارضةً» (٥)، وفي قولِه تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] قرَّرَ سلامةَ كتابِ
стр. 569
الله تعالى، وسُنَّةَ رسولِه ﷺ ، مِنْ الاختلافِ والاضطرابِ والتَّعارضِ، فقالَ: «وفي نَفيِ الله جلَّ ثناؤُه ذلك عن حُكمِ كتابِه أَوضحُ الدَّليلِ على أنَّه لم يُنزِّلْ كتابَه على لسانِ محمَّدٍ ﷺ إلا بحُكمٍ واحدٍ مُتَّفقٍ في جميعِ خلقِه، لا بأحكامٍ فيهم مُختلفةٍ .. ، مع أنَّ في قيامِ الحُجَّةِ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَقضِ في شيءٍ واحدٍ في وَقتٍ واحدٍ بحُكمَيْن مُختلفَيْن ولا أَذِنَ بذلك لأمَّتِه = ما يُغني عن الإكثارِ في الدَّلالةِ على أنَّ ذلك مَنفيٌّ عن كتابِ الله» (١).
كما أشارَ إلى أنَّ ظَنَّ التَّعارضِ بين الأدلَّةِ في واقعِ الأمرِ مِنْ شأنِ أهلِ الجَهلِ، فقالَ: «فقد تَبيَّن إذن بما قُلنا صِحَّةُ معنى الخبرَين .. ، وأنْ ليسَ أحدُهُما دافعاً صِحَّةَ معنى الآخرِ كما ظَنَّهُ بعضُ الجُهَّالِ. وغيرُ جائِزٍ في أخبارِ رسول الله ﷺ أن يكون بعضُها دافعاً بعضاً إذا ثَبَتَ صِحَّتُها» (٢).
خامساً: يُقرِّرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) -عند ظَنِّ التَّعارُضِ- لزومَ جَمعِ الدَّليلَين؛ بتوجيهِ كُلٍّ منهما إلى معنىً صحيحٍ لا يُعارضُ دليلاً، كما في قولِه: «فإذْ كان كِلا الخَبرَين صحيحاً مَخرَجُهُما، فواجِبٌ التَّصديقُ بهما، وتوجيهُ كُلِّ واحِدٍ منهُما إلى الصَّحيحِ مِنْ وَجهٍ» (٣)، ومعنى وجوبِ التَّصديقِ بهما: إعمالُهما وعدمُ إهمالِهما، أو إهمالِ أحدِهما. وذلك بالجَمعِ بينهما على ذلك النَّهجِ. وأكَّدَ ذلك وفصَّلَه في قولِه: «فإذا
стр. 570
كان الخبران اللذان ذكرناهُما عنه ﷺ صحيحَيْن، كان غيرَ جائزٍ إلا أن يكون أحدُهُما مُجمَلاً، والآخَرُ مُفسَّراً؛ إذ كانت أخبارُه ﷺ يُصَدِّقُ بعضُها بعضاً» (١)، وهذا الإجمالُ والتَّفسيرُ يتبيَّنُ بحملِ تلك الأدلَّةِ على العمومِ والخصوصِ، أو الإطلاقِ والتَّقييدِ، ونحوِ ذلك.
فلا يَرُدُّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) دليلاً يُمكنُ إعمالُه ولو بوَجهٍ، بل يقبلُ جميعَ الأدلَّةِ على وجهٍ تَجتمعُ به بلا تخالُفَ، وقد نصَّ على ذلك في قولِه: «وليست إحدى الآيتَيْن دافعاً حُكمُها حُكمَ الأُخرى، بل إحداهما مُبيِّنةٌ حُكمَ الأُخرى، وإنَّما تكونُ إحداهما دافعةً حُكمَ الأُخرى لو لم يكُنْ جائِزاً اجتماعُ حُكمُيْهما على صِحَّةٍ، فأمّا وهما جائِزٌ اجتماعُ حُكمَيْهما على الصِحَّةِ فغيرُ جائِزٍ أن يُحكمَ لإحداهما بأنَّها دافعةٌ حُكمَ الأُخرى إلا بحُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها مِنْ خبرٍ أو قياسٍ، ولا خبرَ بذلك ولا قياسَ، والآيةُ مُحتملةٌ ما قُلنا» (٢)، وهذا كقولِ الشّافعي (ت: ٢٠٤): «ولَزمَ أهلَ العلمِ أن يُمضوا الخَبرَيْن على وُجوهِهما ما وجدوا لإمضائِهما وَجهاً، ولا يعدّونَهما مُختلفَيْن وهما يَحتملان أن يُمضَيا، وذلك إذا أمكنَ فيهما أن يُمضيا معاً، أو وُجدَ السَّبيلُ إلى إمضائِهما، ولم يكُنْ مِنهما واحِدٌ بأَوجبَ مِنْ الآخرِ» (٣).
وذلك مُطابقٌ لما قرَّرَه العلماءُ مِنْ أنَّ: إعمالَ الدَّليلَيْن أَولى مِنْ إهمالِهما أو إهمالِ أحدِهما. «وبه قالَ الفُقهاءُ جميعاً» (٤)، قالَ
стр. 571
الشِّنقيطي (ت: ١٣٩٣): «وإنَّما كانَ قَولُ العلماءِ كافَّةً: أنَّ الجمعَ إن أمكنَ وجبَ المَصيرُ إليه؛ لأنَّ إعمالَ الدَّليلَيْن أَولى مِنْ إلغاءِ أحدِهما، كما هو معروفٌ في الأصولِ» (١).
سادساً: متى أمكنَ حملُ أحدِ الدَّليلَيْن على زمانٍ دون زمانٍ؛ وهو: النّاسخُ والمَنسوخُ، أو حالٍ دون حالٍ؛ وهو العامُّ والخاصُّ، والمُطلقُ والمُقيَّدُ = صارَ إليه، ولم يُرَجِّحْ، قالَ الشَّوكاني (ت: ١٢٥٠): «مِنْ شروطِ التَّرجيحِ التي لا بُدَّ مِنْ اعتبارِها: أن لا يُمكنَ الجمعُ بين المُتعارضَيْن بوَجهٍ مَقبولٍ، فإن أمكنَ ذلك تعيَّنَ المَصيرُ إليه، ولم يَجُزْ المَصيرُ إلى التَّرجيحِ» (٢)، ومِن ثَمَّ إذا تعارضَت الأدلَّةُ دلالةً وثُبوتاً ومحلّاً امتنعَ الجَمعُ، وصِيرَ إلى التَّرجيحِ.
ومِن أمثلةِ ذلك عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) حَملُه عمومَ قولِه تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، على خُصوصِ الخبرِ الواردِ عن رسولِ الله ﷺ بتقديرِ حَدِّ ذلك، وبذا يزولُ التَّعارضُ، حيث قالَ: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا، قَولُ مَنْ قالَ: الآيةَ مَعنيٌّ بها خاصٌّ مِنْ السُّرّاقِ، وهم سُرّاقُ ربعِ دينارٍ فصاعداً أو قيمتِه؛ لصِحَّةِ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قالَ: «القَطعُ في رُبعِ دينارٍ فصاعِداً» (٣)(٤)، ومِثلُه تعارضُ ظاهرِ قولِه تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
стр. 572
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، مع إباحةِ جمعِ المالِ مِنْ حِلِّه، وإيجابِ الزَّكاةِ فيه، ولا تجبُ الزَّكاةُ ولا تُخرَجُ إلا مِنْ مالٍ مَجموعٍ، حيث جمعَ بين ذلك بأنَّ عمومَ الآيةِ مخصوصٌ بما لم تُؤَدَّ زكاتُه، وساقَ الأدلَّةَ على ذلك، وقالَ: «وفيما بيَّنّا مِنْ ذلك البيانُ الواضحُ على أنَّ الآيةَ لخاصٍّ .. ؛ وإنَّما قُلنا ذلك على الخُصوصِ لأنَّ الكَنزَ في كلامِ العربِ كُلُّ شيءٍ مجموعٌ بعضُه على بعضٍ، في بطنِ الأرضِ كانَ أو على ظاهرِها، يدُلُّ على ذلك قولُ الشّاعرِ (١):
لا دَرَّ دَرّيَ إن أطعَمتُ نازلَهم … قِرْفَ الحَتيِّ وعِندي البُرُّ مَكنوزُ (٢)
يعني بذلك: وعندي البُرُّ مجموعٌ بعضُه على بعضٍ. وكذلك تقولُ العربُ للبَدَنِ المُجتمعِ: مُكتَنِزٌ؛ لانضِمامِ بعضِه إلى بعضٍ. وإذا كانَ ذلك معنى الكَنزِ عندهم، وكانَ قولُه ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] معناه: والذين يَجمعون الذَّهبَ والفِضَّةَ بعضَها إلى بعضٍ ولا يُنفقونَها في سبيلِ الله. وهو عامٌّ في التَّلاوةِ، ولم يكُنْ في الآيةِ بيانُ كم ذلك القَدرُ مِنْ الذَّهبِ والفِضَّةِ الذي إذا جُمعَ بعضُه إلى بعضٍ استحقَّ الوَعيدَ = كانَ معلوماً أنَّ خُصوصَ ذلك إنَّما أُدرِكَ لوَقفِ الرَّسولِ عليه، وذلك كما بيَّنّا مِنْ أنَّه المالُ الذي لم يُؤَدَّ حَقُّ الله مِنه مِنْ الزَّكاةِ دون غَيرِه؛ لِما قد أَوضَحنا مِنْ الدَّلالةِ على صِحَّتِه» (٣).
стр. 573
ودفعَ التَّعارضَ بتقريرِ النَّسخِ بدليلِه عند قولِه تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فقالَ: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك ما قالَه عطاءُ بن مَيْسرةَ (١)، مِنْ أنَّ النَّهيَ عن قتالِ المشركين في الأشهرِ الحُرُمِ مَنسوخٌ بقولِ الله جلَّ ثناؤُه ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]؛ وإنَّما قُلنا ذلك ناسِخٌ لقولِه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه غزا هوازنَ بحُنَيْنٍ، وثقيفاً بالطّائفِ، وأرسلَ أبا عامرٍ إلى أَوْطاسٍ لحَربِ مَنْ بها مِنْ المشركين في بعضِ الأشهرِ الحُرُمِ، وذلك في شوّالٍ وبعضِ ذي القَعدَةِ، وهما مِنْ الأشهرِ الحُرُمِ، فكانَ مَعلوماً بذلك أنَّه لو كانَ القتالُ فيهنَّ حراماً وفيه مَعصيةٌ، كانَ أبعدَ النّاسِ مِنْ فِعلِه ﷺ . وأُخرى أنَّ جميعَ أهلِ العلمِ بسِيَرِ رسولِ الله ﷺ لا تتدافعُ أنَّ بيعةَ الرِّضوان على قتالِ قريشٍ كانَت في ذي القَعدَةِ، وأنَّه ﷺ إنَّما دعا أصحابَه إليها يومئِذٍ .. ، فإذْ كانَ ذلك كذلك فبَيِّنٌ صِحَّةَ ما قُلنا في قولِه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وأنَّه مَنسوخٌ» (٢)، كما جمعَ بطريقِ النَّسخِ بين دليلَيْ القرآنِ والإجماعِ في قولِه: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصِّحَّةِ قَولُ مَنْ قالَ: نسخَ الله مِنْ هذه الآيةِ قَولَه ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ
стр. 574
الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]؛ لإجماعِ الجميعِ على أنَّ الله جلَّ ثناؤُه قد أحلَّ قتالَ أهلِ الشِّركِ في الأشهرِ الحُرُمِ وغيرِها مِنْ شهورِ السَّنةِ كلِّها، وكذلك أجمعوا على أنَّ المشركَ لو قلَّدَ عنُقَه أو ذِراعَيْه لِحاءَ جميعِ أشجارِ الحرَمِ، لم يكُنْ ذلك له أماناً مِنْ القَتلِ، إذا لم يكُنْ تقدَّمَ له عقدُ ذِمَّةٍ مِنْ المسلمين أو أمانٌ» (١).
وبهذا يظهرُ أنَّ الأدلَّةَ حين تتعارضُ في دلالتِها، وتتساوى في درجةِ ثُبوتِها، فإنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) يؤَلِّفُ بينها بحملِ معانيها على بعضٍ بوجهٍ يُعمِلُ فيه الدَّليلَيْن بلا تعارُضٍ؛ وذلك بالقَولِ بالعمومِ والخصوصِ، أو الإطلاقِ والتَّقييدِ، ونحوِهما، فإن تعذَّرَ ذلك، وتقابلت الأدلَّةُ دلالةً وثبوتاً ومحلّاً، حملَ بعضَها على زمانٍ دون زمانٍ؛ وهو النَّسخُ، فإن تعذَّرَ ذلك صارَ إلى بابِ التَّرجيحِ، وهو موضوعُ المبحثِ التّالي.
стр. 575
المبحثُ الثّاني: منهجُ ابنِ جريرٍ في التَّرجيحِ بين أدلَّةِ المعاني المُتعارضةِ.
وفيه ثلاثةُ مطالب:
المطلبُ الأوَّلُ: متى يُصارُ إلى التَّرجيحِ؟
التَّرجيحُ لغةً: مصدرٌ بابُه (رجَحَ)، «والرّاءُ والجيمُ والحاءُ أصلٌ واحدٌ يدلُّ على رزانةٍ وزيادةٍ، يُقالُ: رجحَ الشَّيءُ، وهو راجِحٌ. إذا رزَنَ» (١).
والتَّرجيحُ اصطلاحاً: تقويةُ أحدِ الدَّليلَيْن المُتعارضَيْن في معنىً على الآخرِ. (٢)
стр. 576
وإنَّما أخَّرَ العلماءُ بحثَ هذا البابِ في كتُبِهم ما أمكنَ؛ لأنَّه لا تعارُضَ في الحقيقةِ بين أدلَّةِ الشَّرعِ، كما سبقَ بيانُه. (١)
أمّا مجالُ الأدلَّةِ التي يصحُّ فيها التَّرجيحُ؛ فإنَّ التَّرجيحَ فرعٌ عن التَّعارضِ، فحيثما وُجدَ التَّعارضُ صحَّ التَّرجيحُ بحسبِ مرتبتِه مِنْ مسالك الجَمعِ، وقد تقرَّرَ سابقاً أن لا تعارضَ بين قَطعيَّيْن، ولا بين قَطعيٍّ وظَنّيٍّ، فانحصرَ مجالُ التَّرجيحِ بين الظَّنّيِّ مِنْ الأدلَّةِ، لم يُخالفْ في ذلك أحدٌ مِنْ الأئِمَّةِ (٢)، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «إذا قيلَ: تعارضَ دليلان. سواءٌ كانا سمعيَّيْن أو عقليَّيْن، أو أحدُهما سمعيّاً والآخرُ عقليّاً، فالواجبُ أن يُقالَ: لا يخلو إمّا أن يكونا قطعيَّيْن، أو يكونا ظنّيَّيْن، وإمّا أن يكونَ أحدُهما قطعيّاً والآخرُ ظنيّاً. فأمّا القطعيان فلا يجوزُ تعارضهما؛ سواءٌ كانا عقليَّيْن أو سمعيَّيْن، أو أحدُهما عقليّاً والآخرُ سمعيّاً، وهذا متفق عليه بين العقلاء .. ، وإن كان أحدُ الدَّليلَيْن المتعارضَيْن قطعيّاً دون الآخرِ فإنَّه يجبُ تقديمُه باتِّفاقِ العقلاءِ، سواءٌ كانَ هو السَّمعيَّ أو العقليَّ .. ، وأمّا إن كانا جميعاً ظنّيَّيْن: فإنَّه يُصارُ إلي طلبِ ترجيحِ أحدِهما، فأيُّهما ترجَّحَ كانَ هو المقدَّمُ، سواءٌ كانَ سمعيّاً أو عقليّاً» (٣).
«ورُجحانُ الدَّليلِ عبارةٌ عن كَونِ الظَّنِّ المُستفادِ مِنه أقوى» (٤)،
стр. 577
وليس ذلك مِنْ اتِّباعِ الظَّنِّ الذي ذَمَّ الله أهلَه بقولِه ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦]؛ بل هو اتِّباعٌ للعلمِ الذي رجحَ به الظَّنُّ، وأخذٌ لمَظنونٍ ترجَّحَ بعلمٍ ودليلٍ، «وأمّا الظَّنُّ الذي لا يُعلمُ رُجحانُه فلا يجوزُ اتِّباعُه» (١).
وقد نصَّ العلماءُ على أنَّ التَّرجيحَ إنَّما يُصارُ إليه بعد تعذُّرِ الجَمعِ، وذلك شِبهُ إجماعٍ مِنهم، قال الشَّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «إذا تعارَضَتِ الأدلَّةُ، ولم يظهَرْ في بعضِها نسخٌ، فالواجِبُ التَّرجيحُ، وهو إجماعٌ من الأصوليِّينَ، أو كالإجماعِ» (٢)، وقالَ أيضاً: «إنَّ الأصوليّين اتَّفقوا على إثباتِ التَّرجيحِ بين الأدلَّةِ المُتعارضةِ إذا لم يُمكن الجَمعُ، وأنَّه لا يصحُّ إعمالُ أحدِ دليلَيْن مُتعارضَيْن جِزافاً مِنْ غيرِ نظرٍ في ترجيحِه على الآخرِ» (٣)، وقالَ الشَّوكاني (ت: ١٢٥٠): «مِنْ شروطِ التَّرجيحِ التي لا بُدَّ مِنْ اعتبارِها: أن لا يُمكنَ الجمعُ بين المُتعارضَيْن بوَجهٍ مَقبولٍ، فإن أمكنَ ذلك تعيَّنَ المَصيرُ إليه، ولم يَجُزْ المَصيرُ إلى التَّرجيحِ» (٤)، وقد سبقَ تعليلُ تأخيرِ التَّرجيحِ عن الجَمعِ والنَّسخِ؛ وهو ما فيه مِنْ إهمالِ أحدِ الدَّليلَيْن، إذْ الأصلُ عند كافَّةِ العلماءِ إعمالُ الدَّليلَيْن ما أمكنَ
وفي تقديمِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) للجَمعِ مُطلقاً عند التَّعارضِ ما يُوافقُ قولَ جمهورِ العلماءِ في ترتيبِ الواجبِ عند تَعارضِ الأدلَّةِ؛ بتقديمِ
стр. 578
الجَمعِ، ثُمَّ النَّسخِ، ثُمَّ التَّرجيحِ؛ وذلك لأنَّ في الجَمعِ إعمالُ الدَّليلَيْن مُطلقاً، وبعده النَّسخُ، وفيه إعمالُهما في وَقتٍ دون وَقتٍ؛ فالمَنسوخُ كانَ معمولاً به قبلَ زمنِ نَسخِه، والنّاسخُ بعد ذلك، وهذه مرتبتُه كذلك عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، وبعدهما التَّرجيحُ؛ وفيه إعمالُ أحدِ الدَّليلَيْن وإهمالُ الآخرِ. (١)
المطلبُ الثّاني: أنواعُ المُرجِّحاتِ التي استعملَها ابنُ جريرٍ عند التَّعارضِ.
المُرجِّحاتُ هي: الأماراتُ التي يتقوّى بها أحدُ الدَّليلَيْن على الآخرِ. وهي كثيرةٌ لا تنحصِرْ؛ لأنَّ ما يحصلُ به تغليبُ ظَنٍّ على ظَنٍّ كثيرٌ جدّاً، والضّابطُ فيها أنَّه:
«متى اقترنَ بأحدِ الطَّرفَيْن أمرٌ نَقليٌّ، أو اصطلاحيٌّ، عامٌّ، أو خاصٌّ، أو قرينةٌ عقليَّةٌ، أو لفظيَّةٌ، أو حاليَّةٌ، وأفادَ ذلك زيادةَ ظَنٍّ = رجحَ به» (٢)، قالَ الشِّنقيطي (ت: ١٣٩٣): «وضابطُ التَّرجيحِ هو: ما تحصلُ به غلبَةُ ظَنِّ رُجحان أحدِ الطَّرفَيْن» (٣).
والأماراتُ التي لجأَ إليها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه لتقويةِ بعضِ الأدلَّةِ على بعضٍ عند تعارضِها كثيرةٌ ظاهرةٌ، ويُمكنُ تقسيمُ
стр. 579
أنواعِها بحسبِ أصولِ أدلَّتِها: النَّقليَّةِ والعقليَّةِ. فيُقالُ: التَّرجيحُ إمّا أن يكونَ بين دليلَيْن نقليَّيْن، أو عقليَّيْن، أو نقليٍّ وعقليٍّ. (١)
فإن كانَ التَّرجيحُ بين نقليَّيْن فيكونُ مِنْ ثلاثةِ أَوجهٍ:
١ - التَّرجيحُ بأمرٍ يتعلَّقُ بالسَّندِ.
٢ - التَّرجيحُ بأمرٍ يتعلَّقُ بالمَتنِ.
٣ - التَّرجيحُ بأمرٍ خارجٍ عنهما.
أمّا التَّرجيحُ بما يتعلَّقُ بالإسنادِ فكالتَّرجيحِ بكثرةِ الرُّواةِ، وضَبطِ الرَّاوي وقلَّةِ غلطِه، وأن يكونَ صاحبَ القِصَّةِ، أو مباشراً لها، وبالسَّلامةِ مِنْ البدعةِ، واشتهارِه بالإمامةِ، ويترجَّحُ المتواترُ على الآحادِ، والمُتَّفقُ على رَفعِه أو وَصلِه على مُختلفٍ فيه، ونحوِ ذلك.
ومِن أمثلتِه عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) التَّرجيحُ بكثرةِ الرُّواةِ، كما في قولِه: «وإنَّما قُلنا ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ؛ لتظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ الله ﷺ ) (٢)، ثَمَّ أَوْرَدَ اعتراضَاً بأحدِ الأخبار، وقال: «هذا خبرٌ في إسنادِه نظرٌ .. ، والثِّقاتُ مِنْ أهلِ الآثارِ يَقِفونَ هذا الكلامَ على سلمانَ، ويَرْوونَه عنه مِنْ قيلِه غيرَ مرفوعٍ إلى النَّبي ﷺ ، والحُفَّاظُ الثِّقاتُ إذا تتابَعوا على نقلِ شيءٍ بصِفَةٍ، فخالَفَهم واحِدٌ مُنفَرِدٌ، وليس
стр. 580
له حِفظُهُم = كانت الجَماعَةُ الأثباتُ أحَقَّ بصِحَّةِ ما نقلوا مِنْ الفَردِ الذي ليس له حِفظُهُم» (١).
وكذا التَّرجيحُ بكثرةِ الطُّرقِ، وصِحَّةِ الخبرِ، كما في قَولِه عند قولِه تعالى ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]: «اختلفَ أهلُ العلمِ في وقتِ كَونِ الزَّلزلةِ التي وصَفها جلَّ ثناؤُه بالشِّدَّةِ؛ فقالَ بعضُهم: هي كائِنةٌ في الدُّنيا قبلَ القيامةِ» (٢)، ثُمَّ أسندَ ذلك عن علقمةَ (ت: ٦٢)، والشَّعبيِّ (ت: ١٠٣)، وابنِ جريجٍ (ت: ١٥٠)، ثُمَّ قالَ: «وقد رُويَ عن النَّبي ﷺ بنَحوِ ما قالَ هؤلاءِ خبرٌ في إسنادِه نَظرٌ» (٣)، ثُمَّ أسندَه، وقالَ: «وهذا القَولُ الذي ذكرناه عن علقمةَ والشَّعبيِّ ومَن ذكَرنا ذلك عنه، قَولٌ، لولا مجيءُ الصِّحاحِ مِنْ الأخبارِ عن رسولِ الله ﷺ بخلافِه، ورسولُ الله ﷺ أعلمُ بمعاني وَحيِ الله وتَنزيلِه. والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك ما صَحَّ به الخَبرُ عنه» (٤)، ثُمَّ ذكرَه مِنْ طُرُقٍ، وعضدَه بما في معناه مِنْ الأحاديثِ.
ومِن ذلك أيضاً التَّرجيحُ بصِحَّةِ الخبرِ، والإجماعِ على معناه، وذلك في قَولِه: «وأَولى الأقوالِ بالصِّحَّةِ في تأويلِ قولِه ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] قَولُ مَنْ قالَ: السَّبيلُ التي جعلَها الله جلَّ ثناؤُه للثَّيِّبَيْن المُحصَنَيْن الرَّجمُ بالحِجارةِ، وللبِكرَيْن جلدُ مائةٍ ونَفيُ سنةٍ؛ لصِحَّةِ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه رجمَ ولم يَجلِدْ، وإجماعِ الحُجَّةِ التي
стр. 581
لا يجوزُ عليها فيما نقلَته مُجمعةً عليه = الخَطأُ والسَّهو والكذبُ، وصِحَّةُ الخبرِ عنه أنَّه قضى في البِكرَيْن بجَلدِ مائةٍ ونَفيِ سنةٍ، فكانَ في الذي صَحَّ عنه مِنْ تَركِه جلدَ مَنْ رُجِمَ مِنْ الزُّناةِ في عَصرِه دليلٌ واضِحً على وَهاءِ خبرِ الحَسنِ عن حِطّانَ (١)، عن عُبادةَ، عن النَّبي ﷺ أنَّه قالَ: «السَّبيلُ للثَّيِّبِ المُحصَنِ الجَلدُ والرَّجمُ» (٢)(٣).
وأمّا التَّرجيحُ بما يتعلَّقُ بالمَتنِ فكالتَّرجيحِ بكثرةِ الأدلَّةِ، واعتضادِ معنى أحدِ الدَّليلَيْن بالكتابِ أو السُّنَّةِ أو غيرِه مِنْ الأدلَّةِ، أو أن يكونَ أحدُ الدَّليلَيْن قولاً والآخرُ فعلاً، ويترجَّحُ النَّصُّ على الظّاهرِ، والحقيقةُ على المجازِ، والخاصُّ على العامِّ، ونحوِ ذلك.
ومِن أمثلةِ ذلك قَولُه مُقدِّماً الحقيقةَ على المجازِ: «واختلفَ أهلُ الجدلِ في تأويلِ قولِه ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ فقالَ بعضُهم: عُنيَ بذلك نِعمتاه .. ، وقالَ آخرون مِنهم: عُنيَ بذلك القوَّةُ .. ، وقالَ آخرون مِنهم: بل يَدُه مُلكُه» (٤)، وذكرَ أدلَّتَهم على ذلك، وقالَ: «وقالَ آخرون مِنهم: بل يَدُ الله صِفةٌ مِنْ صِفاتِه، هي يَدٌ غيرَ أنَّها ليست بجارحةٍ كجوارِحِ بني آدمَ» (٥)، ثُمَّ ذكرَ أدلَّةَ ذلك، وقالَ: «ففي قولِ الله تعالى ذِكرُه ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، مع إعلامِه عبادَه أنَّ نِعمَه لا
стр. 582
تُحصى، ومع ما وصَفناه مِنْ أنَّه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أنَّ اثنَيْن يؤَدِّيان عن الجَميعِ = ما يُنبئُ عن خطأِ قَولِ مَنْ قالَ: معنى اليَدِ في هذا المَوضِعِ النِّعمةُ. وصِحَّةِ قَولِ مَنْ قالَ: إنَّ يَدَ الله هي له صِفةٌ. قالوا: وبذلك تظاهرَت الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ ، وقالَ به العلماءُ وأهلُ التّأويلِ» (١)، وفي ذلك أيضاً ترجيحٌ بكثرةِ الأخبارِ، وقَولِ العلماءِ وأهلِ التّأويلِ به. وكذا تَرجيحَه باعتضادِ الخبرِ بدليلِ القرآنِ، كما في قَولِه: «وقد رُويَ عن رسولِ الله ﷺ بنحوِ الذي قُلنا مِنْ ذلك أخبارٌ، وإن كانَ في أسانيدِها نظرٌ، مع دليلِ الكتابِ على صِحَّتِه، على النَّحوِ الذي بيَّنتُ» (٢).
وأشارَ إلى التَّرجيحِ بكثرةِ الأدلَّةِ وإمامةِ القائلين في التَّفسيرِ واشتهارِهم بالتَّأويلِ في قولِه تعالى ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦]، حيث وازنَ بين القَولِ بنزولِها في أحدِ الأنصارِ وقد أسلمَ ثُمَّ ارتدَّ ثُمَّ أرادَ الإسلامَ. وبين قَولِ مَنْ قالَ: هي في أهلِ الكتابِ. وقالَ: «وأشبَه القَولَيْن بظاهرِ التَّنزيلِ ما قالَ الحسنُ، مِنْ أنَّ هذه الآيةَ مَعنيٌّ بها أهلَ الكتابِ، على ما قالَ، غيرَ أنَّ الأخبارَ بالقَولِ الآخرِ أكثرُ، والقائلين به أعلَمُ بتأويلِ القرآنِ» (٣)، ومِثلَه قَولُه في قولِه تعالى ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا أنَّ الذي قالَه مسروقُ في تأويلِ ذلك أشبَه بظاهرِ التَّنزيلِ، لأنَّ قولَه ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] في سياقِ توبيخِ الله تعالى ذِكرُه مُشركِي
стр. 583
قريشٍ، واحتجاجاً عليهم لنبيّه ﷺ ، وهذه الآيةُ نظيرةُ سائِرِ الآياتِ قبلَها، ولم يَجرِ لأهلِ الكتابِ ولا لليهودِ قبلَ ذلك ذِكرٌ فتوَجَّه هذه الآيةُ إلى أنَّها فيهم نزلَت، ولا دلَّ على انصرافِ الكلامِ عن قَصَصِ الذين تقدَّمَ الخبرُ عنهم معنىً، غيرَ أنَّ الأخبارَ قد وردَت عن جماعةٍ مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ بأنَّ ذلك عُنِيَ به عبدُ الله بنُ سَلامٍ، وعليه أكثرُ أهلِ التَّأويلِ، وهُم كانوا أعلمَ بمعاني القرآنِ، والسَّببِ الذي فيه نزلَ، وما أُريدَ به» (١).
وأمّا التَّرجيحُ بأمرٍ خارجٍ عن السَّندِ والمَتنِ فكالتَّرجيحِ بكونِ أحدِ الخبرَيْن ناقلاً عن حكمِ الأصلِ، وتقديمِ الحظرِ على الإباحةِ، وتقديمِ التّأسيسِ على التّأكيدِ، ومَنعِ التَّكرارِ على القَولِ به، والتَّباينِ على التَّرادفِ، وتكثيرِ المعاني على تَقليلِها، ونحوِ ذلك.
ومِن أمثلةِ ذلك التَّرجيحُ بما يتَّسعُ به المعنى، كما في قَولِه عند قولِه تعالى ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]: «وأَولى القراءَتَيْن بالصَّوابِ عندي في (السَّبيلِ) الرَّفعُ؛ لأنَّ الله تعالى ذِكرُه فصَّلَ آياتِه في كتابِه وتَنزيلِه ليتبيَّنَ الحقَّ بها مِنْ الباطلِ جميعُ مَنْ خُوطِبَ بها، لا بعضٌ دون بعضٍ، ومَن قرأَ (السَّبيلَ) بالنَّصبِ، فإنَّما جعلَ تَبْيِينَ ذلك مَحصوراً على النَّبيِّ ﷺ ) (٢).
وكذا التَّرجيحُ بمنعِ الزِّيادةِ في القرآنِ، كما في قَولِه: «زعمَ بعضُ المَنسوبين إلى العلمِ بلُغاتِ العربِ مِنْ أهلِ البَصرةِ أنَّ تأويلَ قولِه
стр. 584
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: وقالَ ربُّك. وأنَّ (إذْ) مِنْ الحروفِ الزَّوائِدِ، وأنَّ معناها الحذفُ .. ، قالَ أبو جعفرُ: والأمرُ في ذلك بخلافِ ما قالَ؛ وذلك أنَّ (إذْ) حرفٌ يأتي بمعنى الجَزاءِ، ويدلُّ على مَجهولٍ مِنْ الوَقتِ، وغيرُ جائِزِ إبطالُ حرفٍ كانَ دليلاً على معنىً في الكلامِ» (١).
وقَولِه مُرجِّحاً بعدمِ التَّكرارِ، مع الأخذِ بالسّياقِ الأقربِ، في قولِه تعالى ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠]: «فإن قالَ قائلٌ: فما منعَك أن تجعلَ قَولَه ﴿ذَلِكَ﴾ مَعنيّاً به جميعَ ما أَوعدَ الله عليه العقوبةَ مِنْ أوَّلِ السّورةِ؟ قيلَ: منعَني ذلك أنَّ كلَّ فَصلٍ مِنْ ذلك قد قُرنَ بالوَعيدِ، إلى قَولِه ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]، ولا ذِكرَ للعقوبةِ مِنْ بعد ذلك على ما حرَّمَ الله في الآيِ التي بعده، إلى قَولِه ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠]. فكانَ قَولُه ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٣٠] مَعنيّاً به ما قُلنا مِمّا لم يُقرَنْ به بالوَعيدِ، مع إجماعِ الجميعِ على أنَّ الله تعالى قد توعَّدَ على كُلِّ ذلك = أَولى مِنْ أن يكونَ مَعنيّاً به ما يتسلَّفُ فيه الوعيدُ بالنَّهيِ مَقروناً قبلَ ذلك» (٢).
وإن كانَ التَّرجيحُ بين عَقليَّيْن فيكونُ مِنْ جِهةِ الأصلِ، أو الفَرعِ، أو مِنْ خارجٍ عنهما، في بابِ القياسِ والنَّظائرِ، أو بالنَّظرِ إلى الظَّنِّ الأقوى بحسبِ اجتهادِ النَّاظرِ فيما عدا ذلك، وكذا الأمرُ في التَّرجيحِ بن نَقليٍّ وعَقليٍّ.
وذلك كترجيحِ النَّظيرِ المُجمعِ عليه، أو ما ثبتَ بالتّواترِ، أو اعتضدَ
стр. 585
بأدلَّةٍ أُخرى، أو كثُرَت أدلَّتُه، أو كَثُرَت نظائِرُه = على غيرِه، وكذا يُقدَّمُ السِّياقُ الأقربُ على الأبعدِ، والمُتَّفقُ عليه على المُختلَفِ فيه، ومالا غرابةَ فيه على ما فيه غرابةٌ مِنْ أخبارِ الأُممِ السّابقةِ، وما قلَّت غرابتُه مِنها على ما كثُرَت، ونحوِ ذلك.
ومِن أمثلةِ ذلك التَّرجيحُ بالسّياقِ الأقربِ في قَولِه تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١]، حيث قالَ: «وهذا القَولُ الذي قالَه ابنُ زيدٍ في تأويلِ هذه الآيةِ قَولٌ بعيدٌ مِنْ تأويلِ الآيةِ، مع خِلافِه أقوالَ مَنْ ذكَرنا قَولَه مِنْ أهلِ التّأويلِ؛ وذلك أنَّه جعلَ الهاءَ في قَولِه ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١] مِنْ ذِكرِ رسولِ الله ﷺ ، ولم يَجرِ له في الآيةِ التي قبلَها ولا في التي قبلَ الأُخرى ذِكرٌ، إلا أن يكونَ أرادَ أن يرُدَّها على قَولِه ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١]. فإن كانَ أرادَ ذلك فذلك بعيدٌ لما بَيْنهما مِنْ الآياتِ بغيرِ ذِكرِ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ ، وإذا كانَ كذلك، فكَوْنُها عائدةً على (مَنْ) التي في ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: ١٠] أقربُ؛ لأنَّه قبلَها، والخبرُ بعدها عَنه» (١).
والتَّرجيحُ بدلالةِ ظاهرِ السّياقِ ومُقتضى العقلِ على اللغةِ؛ لاختصاصِ السّياقِ ببيانِ المُرادِ، وقُربِ معناه مِنْ المعقولِ، ومِن أمثلتِه قَولُه عند قولِه تعالى ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]: «وكأنَّ معنيَّ صاحِبِ هذه المقالَةِ في قولِه هذا: ولو ترى إذ وُقِفوا على النَّارِ فقالوا: قد وُقِفْنا عليها مُكَذِّبين بآياتِ رَبِّنا كُفَّاراً، فيا ليتنا نُرَدُّ إليها فنُوقَفَ عليها غيرَ مُكَذِّبين بآياتِ رَبِّنا، ولا كُفَّاراً. وهذا تأويلٌ يدفعُه ظاهِرُ التَّنزيلِ؛ وذلك
стр. 586
قولُه تعالى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، فأخبَرَ اللهُ تعالى ذِكرُه أنَّهم في قِيلِهم ذلك كَذَبَةٌ، والتَّكذيبُ لا يقعُ في التَّمَنِّي، ولكنَّ صاحِبَ هذه المَقالَةِ أظُنُّ به أنَّه لم يتدبَّرِ التأويلَ، ولَزِمَ سَنَنَ العربيَّةِ» (١)، ومثلُه قولُه عند قوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]: «فأمَّا قولُنا: إنَّه دلالَةٌ على الغايةِ التي يُنتَهى إليها في الرضاعِ عند اختلافِ الوالِدَين فيه؛ فلأنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه لمَّا حَدَّ في ذلك حدَّاً كانَ غيرَ جائِزٍ أن يكون ما وراءَ حَدِّه موافِقاً في الحُكمِ ما دونَه؛ لأنَّ ذلك لو كانَ كذلك لم يكُن للحَدِّ معنىً معقولٌ. وإذْ كان ذلك كذلك، فلاشَكَّ أنَّ الذي هو دونَ الحَوْلَين مِنْ الأجَلِ لَمَّا كان وقتَ رَضاعٍ كان ما وراءَه غيرَ وقتٍ له؛ وأنَّه وقتٌ لترك الرَّضاع، وأنَّ تمامَ الرَّضاعِ لَمَّا كانَ تمامَ الحَوْلَين؛ وكان التَّمامُ مِنْ الأشياءِ لا معنى للزيادَةِ فيه = كانَ لا معنى للزيادَةِ في الرضاعِ على الحَوْلَين» (٢).
ويُلاحظُ في تلك الأمثلةِ أنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) يعتبرُ المُعارضَ الرّاجحَ مِنْ أيِّ قِسْمٍ كانَ من أُصولِ الأدِلَّةِ؛ نقليّاً كان أو عَقليّاً؛ إذْ كلاهما دليلٌ شرعيٌّ مُعتبرٌ.
كما يُلاحظُ أنَّ الأدلَّةَ النَّقليَّةَ مُقدَّمةٌ إجمالاً على الأدلَّةِ العقليَّةِ؛ لأنَّ فيها ما هو حاكمٌ على غيرِه مِنْ الأدلَّةِ، وإنَّما ثبتَت حُجِّيَّةُ الأدلَّةِ العقليَّةِ بها، قالَ الشّاطبي (ت: ٧٩٠): «الأدلَّةُ الشَّرعيَّةُ ضِربان: أحدهما: ما يرجِعُ إلى النَّقلِ المَحضِ. والثّاني: ما يرجِعُ إلى الرَّأيِ المَحضِ. وهذه
стр. 587
القِسمةُ هي بالنِّسبةِ إلى أصولِ الأدلَّةِ .. ، ثُمَّ نقولُ: إنَّ الأدلَّةَ الشَّرعيَّةَ في أصلِها محصورةٌ في الضِّربِ الأوَّلِ؛ لأنّا لم نُثبِت الضِّربَ الثّاني بالعقلِ، وإنَّما أثبَتناه بالأوَّلِ، إذْ مِنه قامَت أدلَّةُ صِحَّةِ الاعتمادِ عليه، وإذْ كانَ كذلك فالأوَّلُ هو العُمدةُ» (١).
المطلبُ الثّالثُ: خصائصُ المُرجِّحاتِ في التَّفسيرِ.
تبيَّنَ مِمّا سبقَ أنَّ المُرجِّحاتِ أماراتٌ، ولا فرقَ في أصلِ اللُّغةِ بين الدَّليلِ والأمارةِ؛ إذْ كلاهما يُوصِلُ إلى المَطلوبِ (٢). أمّا في الاصطلاحِ فقد ذهبَ كثيرٌ مِنْ العلماءِ إلى أنَّ الدَّليلَ ما أفادَ القَطعَ، والأمارةَ ما أفادَ الظَّنَّ (٣). وخالَفَهم آخرون؛ وسَوَّوْا بين المعنيَيْن (٤)، والمسألةُ اصطلاحيَّةٌ، والخلافُ فيها هيِّنٌ. (٥)
стр. 588
غيرَ أنَّ الأمرَ وإن كانَ كذلك؛ ومع القَولِ بأنَّ الأمارةَ يُمكنُ أن توصِلَ إلى القَطعِ، إلا أنَّ الغالبَ في الأماراتِ الظُّنونُ في واقعِ الحالِ؛ ومِن ثَمَّ جاءَت تابعةً للأدلَّةِ، وخادمةً لها عند التَّعارضِ.
ومع كثرةِ الأماراتِ وانتشارِها في أنواعِ الأدلَّةِ، إلا أنَّها محصورةٌ فيما وقعَ بينها الخلافُ مِنْ الأدلَّةِ؛ وفي نَوعٍ واحدٍ مِنْ الاختلافِ، وهو: ما تحقَّقَ فيه التَّعارضُ، وتعذَّرَ الجَمعُ. فمجالُ الأماراتِ مَحصورٌ في هذا البابِ، بخلافِ الاستدلالِ الذي يقعُ على الألفاظِ المُفردةِ، وذواتِ المعاني المُتعدِّدةِ، وذواتِ المعاني المُتعارضةِ، وليس للمُرجِّحاتِ إلا آخرَها؛ إذْ لا ترجيحَ في المَعنى الواحدِ، ولا في المعاني المُتوافقةِ.
كما اختصَّت أماراتُ التَّرجيحِ بأنَّ مِنها ما هو اصطلاحيٌّ يُتواضَعُ عليه، ويلتزِمُه بعضُهم، ولا يلزَمُ آخرين؛ كالتَّرجيحِ بتَضعيفِ الأقوالِ الأُخرى، وبذكرِ القَولِ الآخرِ بصيغةِ التَّمريضِ، وباقتصارِ العالمِ بأقوالِ المُفسِّرين على ذِكرِ قَولٍ واحدٍ مع وجودِ أقوالٍ أُخرى، ونحوِها مِنْ الوُجوهِ. وذلك بخلافِ الأدلَّةِ التي ثبتَ اعتبارُها بحُجَّةٍ مِنْ الشَّرعِ، وصارَ مِنْ أثرِ ذلك أن كثُرَ التَّنازعُ والاختلافُ في اعتبارِ كثيرٍ مِنْ أماراتِ التَّرجيحِ، وذلك لا مثيلَ له في بابِ الأدلَّةِ، وقد أشارَ ابنُ العربي (ت: ٥٤٣) إلى أثرٍ مِنْ ذلك فقالَ: «والأماراتُ أعظمُ في
стр. 589
الإشكالِ؛ وما يُفيدُ الظَّنَّ أقربُ إلى الاختلافِ، وأَدعى إلى الاختلالِ» (١).
* * *
стр. 590
الخاتِمةُ
الحمدُ لله على إفضالِه وإنعامِه، وأشكرُه في خِتامِ مباحث هذا الكتابِ على إتمامِه، وبعد:
فهذه خاتِمةُ هذا البحثِ، وفيها أهمُّ النتائجِ وأبرزُ التّوصياتِ، مُرتَّبةً على ما يأتي:
أوَّلاً: إنَّ مبحثَ أصولِ أدلَّةِ المعاني، ومناهجَ الاستدلالِ بها، مِنْ أجلِّ مباحثِ علمِ التَّفسيرِ، والعلمُ به، وتحريرُ مسائِلِه، مِنْ أَوْلى مُهمّاتِ المُفسِّرِ، وألزَمِ شروطِه؛ إذْ به تتحدَّدُ معالمُ هذا العلمِ، وتتبيَّنُ مَصادرُه، وهو للمعاني الميزانُ المُقسِطُ، والحكمُ العَدلُ.
ثانياً: إن إقامةَ الدَّليلِ على معاني القرآنِ الكريمِ ظهرَ مُصاحباً لبيانِ رسولِ الله ﷺ له، وصحابتِه الكرامِ ﵃، وصارَ هدياً عامّاً للسَّلفِ والأئِمَّةِ مِنْ بعدِهم، وبه تتفاضلُ التَّفاسيرُ، ويتمايزُ المُفسِّرون.
ثالثاً: تَميَّزَ تفسيرُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بجُملَةٍ مِنْ المزايا، جعلتْ مِنه كتاباً مِنْ أجلِّ كتبِ التَّفسير وأوفاها؛ بشهادَةِ الأجِلَّةِ مِنْ العلماءِ، فقد كتبَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) تفسيرَه وهو مُفسِّرٌ، ولم يكتسِبْ هذا الاسمَ بعد تفسيرِه، وكانَ منهجُه النقديُّ في تفسيرِه أبرزَ ما تميَّزَ واشتهرَ به بين التَّفاسيرِ، مع إمامةِ مؤلِّفِه في عامَّةِ العلومِ الشَّرعيَّةِ والعربيَّةِ، ومِن ثَمَّ
стр. 591
فهو أّوْلى التَّفاسيرِ بالعنايةِ والدِّراسةِ والبحثِ، واستجلاءِ مَنهجِه في أبوابِ العلومِ والمعارفِ التَّفسيريَّةِ وغيرِها.
رابعاً: أرجعَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أدلَّةَ المعاني إلى أصلَيْن كُلِّيَّيْن، نصَّ عليهما في مواضعَ كثيرةٍ مِنْ تفسيرِه، هما: الدَّليلُ النَّقليُّ، والدَّليلُ العقليُّ. وهما أصلُ معرفةِ الحقِّ مِنْ الباطلِ، والصَّوابِ مِنْ الخطأِ في كلِّ مَعلومٍ.
خامساً: بلغَت الأدلَّةُ التي اعتمدَها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في إثباتِ المعاني أو نفيِها (١١) دليلاً؛ وهي: (القرآنُ، والقراءاتُ، والسُّنَّةُ، والإجماعُ، وأقوالُ السلفِ، ولغةُ العربِ، وأحوالُ النُّزولِ، والإسرائيليّاتُ)، وهي الأدلَّةُ النَّقليَّةُ.
و (النَّظائرُ، والسّياقُ، والدّلالاتُ العقليَّةُ)، وهي الأدلَّةُ العَقليَّةُ.
وبلغَت مواضِعُ الأدلّةِ التي استدلَّ فيها ابنُ جرير (ت: ٣١٠) على المعنى (١٠٨٨١) موضِعاً؛ (٩٢٩٥) موضِعاً مِنها دليلُها نقليٌّ، وذلك نِسبتُه (٨٥. ٤%)، والباقي (١٥٨٦) موضِعاً دليلُها عقليٌّ، وذلك نِسبتُه (١٤. ٦%).
سادساً: يقومُ منهجُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ على قواعدَ عامَّةٍ مُطَّردةٍ في عمومِ الأدلَّةِ، وضوابطَ خاصَّةٍ بكلِّ دليلٍ على حِدةٍ.
سابعاً: أنَّ عربيَّةَ القرآنِ في ألفاظِه، وأساليبِه، ومعهودِ معانيه، أصلٌ عظيمٌ قرَّرَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أحسنَ تقريرٍ؛ لما يترتَّبُ عليه مِنْ أثرٍ في منهجِ الاستدلالِ بجميعِ الأدلَّةِ على المعاني.
ثامناً: أنَّ دليلَ أقوالِ السَّلفِ هو الإطارُ الحاوي لجميعِ الأدلَّةِ
стр. 592
سواه؛ ففيه التَّطبيقُ الأجلُّ والأكملُ لباقي الأدلَّةِ، وهو الجامعُ للأدلَّةِ المُعتبرةِ، والحافظُ لها فلا تخرجُ عنه، وهو المانعُ لغيرِها مِنْ الدُّخولِ إلى شيءٍ مِنْ بيانِ معاني القرآنِ الكريمِ. ومِن ثَمَّ استحقَّ هذا الدَّليلُ تلك العنايةَ الفائقةَ التي أَولاها إيّاه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ﵀.
تاسعاً: أنَّ دليلَ الإجماعِ مِنْ أصرحِ الأدلَّةِ في إفادةِ المعاني والقَطعِ بها، وقد أخذَ حظَّه مِنْ عنايةِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) تنظيراً وتطبيقاً.
عاشراً: أنَّ في القراءاتِ القرآنيَّةِ -صحيحِها وشاذِّها- ذخيرةً وافرةً لبيانِ المعاني القرآنيَّةِ والاستدلالِ لها، والشَّاذُّ مِنْ القراءاتِ أوفرُ حظّاً وأكثرُ استعمالاً في بابِ الاستدلالِ، كما أفادَتْه نِسَبُ استعمالاتِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) لكليهِما.
إحدى عشرَ: أنَّ الحديثَ النَّبويَّ الصَّحيحَ الصَّريحَ مُقدَّمٌ في الاستدلالِ، والأخذُ به واجبٌ.
اثنى عشرَ: يصحُّ الاستدلالُ بالحديثِ الضَّعيفِ على المعاني ما لَمْ يكُنْ مُنكرَ المَتنِ، أو مُعارَضاً بأصحَّ مِنه، أو مَكذوباً، أو في تقريرِ شيءٍ مِنْ الأحكامِ.
ثالثَ عشرَ: مذهبُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في بابِ الإجماعِ أنَّه: لا يعتدُّ بخلافِ الواحدِ والاثنَيْن ونحوِهما مِنْ الأقلِّ، في مُقابلِ الجُمهورِ الأعظَمِ مِنْ المُجتهدين. وقد تبيَّنَ أنَّه مذهبٌ مَرجوحٌ، مَتروكٌ العملُ به. وقد وقعَ استدلالُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) على المعاني بتلك الصُّورةِ في (٣٥) مَوضِعاً، ولا يُكادُ يُرى لذلك العددِ أثرٌ في مجموعِ استدلالاتِه
стр. 593
بالإجماعِ؛ والبالغةِ (٣٧٨) موضِعاً، فضلاً عن مجموعِ استدلالاتِه
على المعاني في تفسيرِه؛ والبالغةِ (١٠٨٨١) موضِعاً.
رابعَ عشرَ: أنَّ كُلَّ مَنْ ذكرَ له ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) قَولاً مِنْ السَّلفِ مُستدلّاً به على معنىً فهو مِنْ (أهلِ التَّأويلِ)، وله في تسميَتِهم بذلك غرضٌ دقيقٌ يكشِفُ عن أبرزِ ما تميَّزوا به عن غَيرِهم ممَّن يتكلَّمُ في معاني القرآنِ.
خامسَ عشرَ: أنَّ أقوالَ السَّلفِ حُجَّةٌ قاطِعةٌ في حصرِ المعاني؛ فلا يُخرَجْ عنها بما يُعارِضُها بحالٍ، كما أنَّها حُجَّةٌ قاطِعةٌ في حَصرِ الأدِلَّةِ المُعتبرَةِ في التَّفسيرِ.
سادسَ عشرَ: أثبتَتْ استدلالاتُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) باللُّغةِ إمامَتَه في العلمِ بألفاظِ كلامِ العربِ، وأساليبِها، وقواعدِ كلامِها، كما وافَقَتْ أصولُه في بابِ الاستدلالِ باللُّغةِ أُصولَ أئِمَّةِ هذا العلمِ، ومَنهجَهم فيه.
سابعَ عشرَ: برعَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في الاستشهادِ بأشعارِ العربِ، ومَنثورِ كلامِها، بما لَمْ يُلحَقْ فيه؛ في دِقَّتِه، وحُسنِ اختيارِه للشَّواهدِ.
ثامنَ عشرَ: أنَّ علمَ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالقرآنِ وقراءاتِه والسُّنَّةِ وأقوالِ السَّلفِ وسَّعَ مداركَه في العلمِ بلُغةِ العربِ، ونوَّعَ شواهدَه، وقوَّى استشهاداتِه، وفي ذلك ما يُقدِّمُه في الاستدلالِ باللُّغةِ عن غيرِه مِنْ علماءِ اللُّغةِ ورُواتِها.
تاسعَ عشرَ: أنَّ إمامةَ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في علمِ التّاريخِ والسِّيَرِ وأخبارِ الأُممِ كانَ لها أكبرُ الأثرِ في حُسنِ الاستدلالِ بها على المعاني في تفسيرِه، ودِقَّةِ تمييزِ ما يصلُحُ مِنها للاستشهادِ، وتحديدِ موضعِ
стр. 594
الشّاهدِ مِنها، وإبرازِ ضوابطِ الاستدلالِ السَّليمِ بها، وتزييفِ ما خرجَ مِنها عن ذلك، والإعراضِ عمّا لا فائدةَ تحتَه مِنْ تفاصيلِها.
وقد استغرقَ هذا البابُ مِنْ الأدلَّةِ (أحوالُ النُّزولِ والإسرائيليّاتُ) مساحةً واسِعةً مِنْ استدلالاتِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه؛ حيث بلغَت (٦٨٢) موضِعاً.
عشرون: لم ينقُل ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الإسرائيليّاتِ في تفسيرِه عن غيرِ السَّلفِ، ولهذا ميزَتُه التي تبيَّنَت بجلاء ضمنَ مَنهجِه في ذلك.
إحدى وعشرون: أجادَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تحديدِ الأغراضِ الثَّلاثةِ للاستدلالِ بالإسرائيليّاتِ في التَّفسيرِ، ولم يَخرُجْ بها عن ذلك.
اثنان وعشرون: المَنهجُ العامُّ في ترتيبِ الأدلَّةِ عند الشُّروعِ في التَّفسيرِ يبدأُ بدليلِ اللُّغةِ، ثُمَّ دليلِ النَّقلِ، ثُمَّ دليلِ العقلِ؛ وهذا المَنهجُ الأكثرُ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، وله مُناسبَتُه في علمِ التَّفسيرِ على ما أبانَه البَحثُ.
ثلاثةٌ وعشرون: إذا تعارضَت أدلَّةُ المعاني عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) فإنَّه يسيرُ فيها على الجَمعِ أوَّلاً؛ أخذاً بقاعدةِ: إعمالِ الدَّليلَيْن أَوْلى مِنْ إهمالِهما أو إهمالِ أحدِهما. ويكونُ الجَمعُ بحَملِ أحدِ الدَّليلَيْن على زمانٍ دونَ زمانٍ، أو حالٍ دونَ حالٍ.
فإن لم يُمكنْ الجَمعُ صارَ إلى التَّرجيحِ بما يتقوّى به أحدُ الدَّليلَيْن على الآخرِ، وهي أنواعٌ كثيرةٌ، ينبغي العنايةُ بجَمعِها عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، وتصنيفِها بحسبِ مُتعلَّقاتِها مِنْ الأدلَّةِ.
أربعٌ وعشرون: أنَّ العلمَ بأصولِ الأدلَّةِ، ومنهجِ الاستدلالِ بها، هو
стр. 595
غايةُ ما يصلُ إليه مَنْ تخصَّصَ في أيِّ علمٍ، ومِن ثُمَّ فالعنايةُ بهذا الفرعِ مِنْ أصولِ التَّفسيرِ لازمةٌ لطلّابِ هذا العلمِ والمُتخصِّصينَ فيه، وأقسامُ القرآنِ والتَّفسيرِ وعلومِهما في جامِعاتِنا المُباركةِ أَوْلى مَنْ يتصدّى لهذه الفَضيلةِ؛ بتوجيه طُلّابِها للعنايةِ بهذا الفرعِ الأصيلِ مِنْ علمِ التَّفسيرِ، واعتمادِ ما يتمُّ به الإلمامُ بتلك الأصولِ ضمنَ مُقرَّراتِها.
والله تعالى أعلمُ وأحكَمُ، وصلى الله وسلَّمَ وباركَ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِه وصَحبِه وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدِّينِ، والحَمدُ لله رَبِّ العالَمين.
* * *
стр. 596
• فهرسُ المراجع.
١ - الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، دار الأنصار، القاهرة، ط ١، ١٣٩٧.
٢ - الإبانة عن معاني القراءاتِ، لمكي بن أبي طالب القيسي، ت: عبد الفتاح إسماعيل شلبي، مكتبة الفيصلية، مكة المكرمة، ط ٥، ١٤٠٥.
٣ - الإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاويُّ صاحبَ الكشَّاف، لمحمد بن يوسف الشامي، مخطوط في نسختين: الأولى في دار الكتب الظاهرية برقم ٤٤٨٨ فق، والثانية مصورة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم ٤٢٤٩.٤ - إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، للبوصيريُّ، ت: دار المشكاة للبحث العلمي، دار الوطن، الرياض، ط ١، ١٤٢٠.
٥ - إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، للبنّاء الدمياطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢٢.
٦ - الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، ت: مركز الدراسات القرآنية، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية، ١٤٢٦. وطبعة المكتبة العصرية، بيروت، ١٤٢٤، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم.
٧ - اجتماعُ الجيوشِ الإسلامية، لابن القيّم، ت: عواد عبد الله المعتق، مكتبة الرشد، الرياض، ط ٢، ١٤١٥.
стр. 597
٨ - الإجماعُ في الدَّراسات النَّحوية، لحسين رفعت حسين، عالم الكتب، القاهرة، ط ١، ١٤٢٦.
٩ - الأحاديث المختارة، للضياء المقدسي، ت: عبد الملك بن دهيش، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط ١، ١٤١٠.
١٠ - إجمالُ الإصابةِ في أقوالِ الصّحابةِ، للعلائي، ت: محمد سليمان الأشقر، منشورات مركز المخطوطات والتراث، الكويت، ط ١، ١٤٠٧.
١١ - الاحتجاج بالشِّعر في اللغةِ، الواقع ودلالته، لمحمد حسن جبل، دار الفكر العربي، القاهرة، ١٩٨٦ م.
١٢ - الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها، لحسن ضياء الدين عتر، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط ١، ١٤٠٩.
١٣ - الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي، تعليق: عبد الرزاق عفيفي، دار الصميعي، الرياض، ط ١، ١٤٢٤.
١٤ - الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٥.
١٥ - أحكام القرآن، للجصاص، ت: عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٥.
١٦ - أحكام القرآن، للشافعي، جمعه البيهقي، ت: عبد الغني عبد الخالق، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٢.
١٧ - أحكام القرآن، لابن العربي، ت: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٢١.
١٨ - أخبار الآحاد في الحديث النبوي، لعبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ١٤١٦.
стр. 598
١٩ - أخبار النحويين البصريين، للسيرافي، ت: محمد إبراهيم البنا، دار الاعتصام، القاهرة، ط ١، ١٤٠٥.
٢٠ - الاختيارُ في القراءات منشؤه ومشروعيته، لعبد الفتاح إسماعيل شلبي، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ١٤١٧.
٢١ - جماعُ العلم، للشافعي، ت: أحمد محمد شاكر، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٩٨٦ م.
٢٢ - آداب البحث والمناظرة، لمحمد الأمين الشنقيطي، ت: سعود بن عبد العزيز العريفي، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٦.
٢٣ - الآراء الشاذَّة في أصول الفقه، لعبد العزيز بن عبد الله النملة، دار التدمرية، ط ١، ١٤٣٠.
٢٤ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني، ت: محمد سعيد البدري، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط ٤، ١٤١٤.
٢٥ - أساس البلاغة، للزمخشري، ت: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩.
٢٦ - أسانيد نُسَخ التفسير والأسانيد المتكررة في التفسير، لعطية بن نوري الفقيه، دار كنوز إشبيليا، الرياض، ط ١، ١٤٣١.
٢٧ - أسباب نزول القرآن، للواحدي، ت: ماهر ياسين الفحل، دار الميمان، الرياض، ط ١، ١٤٢٦.
٢٨ - استدراكات السَّلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى، لنايف بن سعيد الزهراني، دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤٢٣٠.
٢٩ - الاستدلال عند الأصوليين، لأسعد عبد الغني الكفراوي، دار السلام، القاهرة، ط ١، ١٤٢٣.
стр. 599
٣٠ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمّنه الموطّأ من معاني الرّأي والآثار وشرح ذلك كلّه بالإيجاز والاختصار، لابن عبد البرّ، ت: سالم محمد عطا، ومحمد علي معوّض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤٢٣.
٣١ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، ت: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٢.
٣٢ - الإسرائيليّات في التفسير والحديث، لمحمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط ٤، ١٤١١.
٣٣ - أسرارُ العربية، لابن الأنباري، ت: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨.
٣٤ - الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية، للطوفي، ت: حسن بن عباس قطب، الفاروق الحديثة، القاهرة، ط ٢، ١٤٢٤.
٣٥ - الأشباه والنظائر في النحو، للسيوطي، ت: فايز ترحيني، دار الكتاب العربي، ط ١، ١٤٠٤.
٣٦ - إصلاح المنطق، لابن السِّكِّيت، ت: أحمد شاكر، وعبد السلام هارون، دار المعارف، ط ٤.
٣٧ - الأصمعيّات، للأصمعي، ت: أحمد محمد شاكر، وعبد السلام محمد هارون، دار المعارف، مصر، ط ٧، ١٩٩٣.
٣٨ - الأصول في النَّحو، لابن السرَّاج، ت: عبد الحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٥.
٣٩ - أصول السَّرخسي، ت: أبي الوفا الأفغاني، دار المعرفة، بيروت.
٤٠ - أصولٌ في التفسير، لابن عثيمين، مكتبة السنة، القاهرة، ط ١، ١٤١٩.
стр. 600
٤١ - الأضداد، لمحمد بن القاسم الأنباري، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، صيدا، ١٤٠٧.
٤٢ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين الشنقيطي، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٦.
٤٣ - أطلس عمر بن الخطاب ﵁، لسامي بن عبد الله المغلوث، مكتبة العبيكان، الرياض، ط ١، ١٤٢٦.
٤٤ - الاعتصام، للشاطبي، ت: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، ط ١، ١٤١٧.
٤٥ - الإعجاز البلاغي، لمحمد محمد أبو موسى، مكتبة وهبة، القاهرة، ط ٢، ١٤١٨.
٤٦ - الإعراب في جدل الإعراب، لابن الأنباري، ت: سعيد الأفغاني، مطبعة الجامعة السورية، ١٣٧٧.
٤٧ - الأعلام، للزِّرِكْلِي، دار العلم للملايين، بيروت، ط ٦، ١٩٨٤.
٤٨ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، ت: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤٢٣.
٤٩ - الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني، ت: إحسان عباس، وآخرون، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٤٢٣.
٥٠ - الأغفال وهو المسائل المُصلحَة من كتاب معاني القرآن وإعرابه للزجّاج، لأبي علي الفارسي، إصدارات المجمع الثقافي، أبو ظبي، ٢٠٠٣ م.
٥١ - الاقتراح في أصول النَّحو، للسيوطي، مطبوع مع شرحِه: فيض نشر الانشراح، لابن الطيّب الفاسي، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي، ط ٢، ١٤٢٣.
٥٢ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية، ت: ناصر بن عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، ط ٤، ١٤١٤.