← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1465

الاستدلال في التفسير دراسة في منهج الطبري

نايف الزهراني

Полный текст (633 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

النَّفسُ مَيّالةٌ إلى استقصاءِ ما طُويَ مِنْ تلك القَصَصِ والأخبارِ وتتبُّعِ دقائقِها، والمقامُ لا يقتضيه، ولا يُطلَبُ مِثلُ ذلك مِنْ كُتبِ التَّفسيرِ، قالَ ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١): «وأما القَصَصُ فهي مِنْ جُملَةِ العلومِ التي تَضَمَّنَها القرآنُ، فلا بُدَّ مِنْ تفسيرِه، إلا أنَّ الضَّروريَّ مِنه ما يتوقَّفُ التَّفسيرُ عليه، وما سِوى ذلك زائِدٌ مُستَغنىً عنه» (١). (٢) ولذلك يُشيرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى الغرضِ مِنْ ذكرِ القِصَّةِ، والمَقصدِ مِنها، أثناءَ تعرُّضِه إلى بعضِ ذلك الاختلافِ؛ ليُنبِّه إلى عدمِ الاشتغالِ بما لا أثرَ له في تحقيقِ ذلك المَقصدِ، ويستدلُّ على ذلك بأنَّ الله تعالى لم يَنصِب دلالةً على شَيءٍ مِمّا وقعَ فيه الاختلافُ؛ لو كانَ شيئاً مِنه مَقصوداً، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]: «ولا بيانَ عندنا مِنْ الوَجه الذي يَصِحُّ مِنْ قِبَلِه البيانُ عن اسمِ قائِلِ ذلك، وجائزٌ أن يكونَ عُزَيْراً، وجائزٌ أن يكونَ إرْمِيا، ولا حاجةَ بنا إلى معرِفةِ اسمِه؛ إذْ لم يكُن المُقصودُ بالآيةِ تعريفَ الخَلقِ اسمَ قائِلِ ذلك، وإنَّما المَقصودُ بها تعريفُ المُنكرين قُدرةَ الله على إحيائِه خلقَه بعد مماتِهم .. ، ولو كانَ المَقصودُ بذلك الخبرَ عن اسمِ قائِلِ ذلك لكانَت الدَّلالَةُ مَنصوبةً عليه نَصباً يَقطَعُ العُذرَ، ويُزيلُ الشَّكَّ، ولكنَّ القَصدَ كانَ إلى ذَمِّ

стр. 527

قِيلِه، فأبانَ ذلك جلَّ ثناؤُه لخَلقِه» (١)، ثُمَّ ذكرَ اختلافَهم في تعيينِ القريَةِ في نَفسِ الآيةِ، وقالَ: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك كالقَولِ في اسمِ القائِلِ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، سواءً لا يَختلِفان» (٢). ثانيَ عشر: عند اختِلافِ الأخبارِ الإسرائيليّةِ فإنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) يقبلُ ما اتَّفقَت عليه، ثُمَّ يأخذُ بالظّاهرِ العامِ، مع تجويزِ ما جاءَت به؛ امتِثالاً لأمرِ الشَّرعِ، وعدمِ الدَّليلِ على بُطلانِها. ومِن شواهدِ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ أن يُقالَ: إنَّ الله عزَّ ذِكرُه قد أخبرَ عن القاتلِ أنَّه قتلَ أخاه، ولا خبرَ عندنا يَقطَعُ العُذرَ بِصِفةِ قَتلِه إيّاه، وجائزٌ أن يكونَ على نَحوِ ما قد ذكرَ السُّدّيُّ في خَبرِه، وجائزٌ أن يكونَ كانَ على ما ذكرَه مُجاهدٌ، والله أعلَمُ أيُّ ذلك كانَ، غيرَ أنَّ القتلَ قد كانَ، لا شَكَّ فيه» (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤]: «وأَولى القَولَيْن بالصَّوابِ في هذا المَوضِعِ أن يُقالَ: إنَّ الله تعالى ذِكرُه أخبرَ عن فِرعونَ وقومِه أنَّهم لمّا وقعَ عليهم الرِّجزُ -وهو: العذابُ والسَّخَطُ مِنْ الله عليهم- فزِعوا إلى موسى بمَسألَتِه ربَّه كَشْفَ ذلك عنهم، وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرِّجزُ كانَ الطّوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضَّفادعَ والدَّمَ؛ لأنَّ كلَّ ذلك كانَ عذاباً عليهم. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرِّجزُ كانَ طاعوناً، ولم يُخبِرنا الله أيَّ ذلك

стр. 528

كانَ، ولا صَحَّ عن رسولِ الله ﷺ بأيِّ ذلك كانَ خبرٌ فنُسلِّمَ له. فالصَّوابُ أن نقولَ فيه كما قالَ الله جلَّ ثناؤُه ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤]. فلا نتعدّاه إلّا بالبَيانِ الذي لا تمانُعَ فيه بين أهلِ التأويلِ» (١). ومَنهجُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا مِمّا نبَّهَ إليه القُرآنُ في مِثلِ ذلك (٢)؛ ففي قولِه تعالى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، إباحةٌ لحكايةِ خلافِهم فيما اختلَفوا فيه مِنْ ذلك. ثُمَّ في قولِه تعالى بعد ذلك ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، رَدُّ العلمِ إلى عالِمِه سُبحانَه، وعدمُ الجَزمِ بما يترجَّحُ عندك مِنْ أخبارِهم، أو الجَزمُ ببُطلانِ غيرِ ما ترجِّحُه بلا بَيِّنةٍ. كما أفادَ قولُه تعالى لنَبيِّه ﷺ عن عِدَّةِ أصحابِ الكَهفِ: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، فلا يَصِحُّ المِراءُ فيما تخالَفَ مِنْ تلك الأخبارِ مِمّا لم يَأتِ به دليلُ النَّقلِ الثّابتِ، ولا يُقدَّمُ قولٌ مِنها أو يؤَخَّرُ آخرُ بغيرِ دليلٍ، وإلّا كانَ مِراءً مَذموماً. وصنيعُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) هذا يُفيدُ أنَّ ما اجتمعَت عليه تلك الأخبارُ أقوى وأقربُ مِمَّا سواه، وذلك صَحيحٌ، وليست قوَّتُها مِنْ قبيلِ قوَّةِ المُرسلِ إذا تعدَّدت طُرُقُه مِنْ غيرِ مواطَأةٍ أو اتِّفاقٍ؛ لأنَّ مُنتهاها لا يُقطَعُ بصِحَّةِ خبرِه مهما تعدَّدَت الطُّرقُ إليه، ولكنَّ قوَّتَها في معنى قبولِ السَّلفِ لمعناها، حين تتوارَدُ بها أقوالُهم، وتُكرِّرُها رواياتُهم. وكذلك في صِحَّةِ نَقلِها عن السَّلفِ جُملةً، ولهذا ميزتُه التي ذكرناها سابقاً.

стр. 529

ثالثَ عشَرَ: لا تُردُّ الأخبارُ الإسرائيليّةُ إلا بالدَّليلِ المُعتبَرِ؛ لا بالتَّشَهّي، ولا بما يُظَنُّ دليلاً، وعلى هذا سارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، بل نَصَّ على معنى ذلك في قولِه عند قولِه تعالى ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]: «جائزٌ أن تكونَ تلك البَقيَّةُ العصا، وكِسَرَ الألواحِ، والتَّوراةَ، أو بعضَها والنَّعلَيْن، والثّيابَ، والجهادَ في سبيلِ الله. وجائزٌ أن يكونَ بعضَ ذلك، وذلك أمرٌ لا يُدرَكُ عِلمُه مِنْ جِهةِ الاستِخراجِ ولا اللُّغةِ، ولا يُدرَكُ عِلمُ ذلك إلا بخبَرٍ يُوجِبُ عنه العِلمَ، ولا خبرَ عند أهلِ الإسلامِ في ذلك للصِّفةِ التي وصَفْنا، وإذْ كانَ كذلك فغيرُ جائزٍ فيه تَصويبُ قَولٍ وتَضعيفُ آخرَ غيرِه، إذْ كانَ جائزاً فيه ما قُلنا مِنْ القَولِ» (١). وفي هذا السّياقِ يُبيِّنُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أنَّ ردَّ بعضِهم لبعضِ الأخبارِ الإسرائيليّةِ لا وجهَ له -وعلى الأخَصِّ إن شَهِدَ لها شاهِدٌ-، وإنَّما مَبعَثُه الرَّأيُ بلا حُجَّةٍ مُعتبَرَةٍ، والجَهلُ بقَدرِ أقوالِ السَّلفِ، ومِن ذلك قولُه عند قولِه تعالى ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]: «وأنكرَ قَومٌ مِنْ غيرِ أهلِ الرِّوايةِ هذا القَولَ الذي رُويَ عن ابنِ عباسٍ، وعمَّن رُويَ عنه؛ مِنْ أنَّ إبراهيمَ قالَ للكوكبِ أو القمرِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] (٢). وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يكونَ لله نبيٌّ ابتَعثَه بالرِّسالةِ، أتى عليه وَقتٌ مِنْ الأوقاتِ وهو بالِغٌ إلّا وهو لله

стр. 530

موحِّدٌ، وبه عارفٌ، ومِن كلِّ ما يُعبَدُ مِنْ دونِه بريءٌ. قالوا: ولو جازَ أن يكونَ قد أتى عليه بعضُ الأوقاتِ وهو به كافرٌ، لم يَجُزْ أن يختصَّه بالرِّسالةِ .. ، وزَعموا أنَّ خبرَ الله عن قيلِ إبراهيمَ عند رؤيَتِه الكوكبَ، أو القمرَ، أو الشَّمسَ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]. لم يَكُنْ لجَهلِه بأنَّ ذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ ربَّه، وإنَّما قالَ ذلك على وَجهِ الإنكارِ مِنه أن يكونَ ذلك ربَّه، وعلى العَيبِ لقومِه في عبادتِهم الأصنامَ .. ، وقالَ آخرون مِنهم: بل كانَ ذلك مِنه في حالِ طفولتِه، وقبلَ قيامِ الحُجَّةِ عليه .. ، وقالَ آخرون مِنهم: إنَّما معنى الكلامِ: أهذا رَبّي! على وَجهِ الإنكارِ والتَّوبيخِ؛ أي: ليس هذا رَبّي» (١)، ثُمَّ قالَ بعد ذلك: «وفي خبرِ الله تعالى عن قيلِ إبراهيمَ حين أفلَ القَمرُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] الدَّليلُ على خطأِ هذه الأقوالِ التي قالَها هؤلاءِ القَومُ، وأنَّ الصَّوابَ مِنْ القَولِ في ذلك: الإقرارُ بخبرِ الله تعالى ذِكرُه، الذي أخبرَ به عنه، والإعراضُ عمّا عداه» (٢). ومِثلُ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، حيث ذكرَ أقوالَ أهلِ التأويلِ في مبلَغِ هَمِّ يوسفَ ﵇؛ وأنَّه جلسَ مِنها مجلِسَ الرَّجلِ مِنْ زوجتِه (٣)، ثُمَّ ذكرَ توجيهَ أهلِ العلمِ لذلك وقالَ: «فإن قالَ قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يوصَفَ يوسفُ بمثلِ هذا، وهو لله نبيٌّ؟! قيلَ: إنَّ أهلَ العلمِ اختلفوا في ذلك؛ فقال بعضُهم: كانَ مَنْ ابتُليَ مِنْ الأنبياءِ بخَطيئَةٍ، فإنَّما ابتلاه الله بها ليكونَ مِنْ الله على

стр. 531

وَجلٍ إذا ذكرَها، فيَجِدَّ في طاعتِه إشفاقاً مِنها، ولا يتَّكلُ على سعةِ عفوِ الله ورحمتِه. وقالَ آخرون: بل ابتلاهم الله بذلك ليُعرِّفَهم موضِعَ نعمتِه عليهم؛ بصَفحِه عنهم، وتَركِه عقوبتَهم عليه في الآخرةِ. وقالَ آخرون: بل ابتلاهم بذلك ليَجعلَهم أئِمَّةً لأهلِ الذُّنوبِ في رجاءِ رحمةِ الله، وتَركِ الإياسِ مِنْ عَفوِه عنهم إذا تابوا. وأمّا آخرون مِمَّنْ خالفَ أقوالَ السَّلفِ، وتأوَّلوا القرآنَ بآرائِهم، فإنَّهم قالوا في ذلك أقوالاً مُختلفةً؛ فقالَ بعضُهم: معناه: ولقد همَّت المرأةُ بيوسفَ، وهَمَّ بها يوسُفُ أن يَضرِبَها، أو ينالَها بمَكروهٍ؛ لهمِّها به مِمّا أرادَته مِنْ المَكروهِ، لولا أنَّ يوسُفَ رأى بُرهانَ رَبِّه، وكفَّه ذلك عمّا هَمَّ به مِنْ أذاها .. ، وقالَ آخرون مِنهم: معنى الكلامِ: ولقد همَّت به، فتناهى الخَبَرُ عنها، ثُمَّ ابتُدئَ الخبرُ عن يوسفَ، فقيلَ: وهمَّ بها يوسُفُ لولا أن رأى بُرهانَ رَبِّه. كأنَّهم وجَّهوا معنى الكلامِ إلى أنَّ يوسُفَ لم يَهُمَّ بها، وأنَّ الله إنَّما أخبرَ أنَّ يوسُفَ لولا رؤيَتُه بُرهانَ رَبِّه لهَمَّ بها، ولكنَّه رأى بُرهانَ رَبِّه فلم يَهُمَّ بها» (١)، ثُمَّ قالَ: «ويُفسِدُ هذين القَولَيْن أنَّ العربَ لا تُقَدِّمُ جوابَ (لولا) قبلَها، لا تَقولُ: لقد قُمتُ لولا زيدٌ. وهي تريدُ: لولا زيدٌ لقد قُمتُ. هذا مع خِلافِهما جميعَ أهلِ العلمِ بتأويلِ القرآنِ، الذين عنهم يُؤخذُ تأويلُه» (٢). ويحسنُ التَّنبيهُ إلى أنَّ مِنْ أسبابِ الخطأِ في قبولِ الأخبارِ الإسرائيليّةِ ورَدِّها ما هو راجِعٌ إلى قُدرةِ المُفسِّرِ على تمييزِ ما يُقبلُ مِنها

стр. 532

وما يُردُّ، وفي قولِه تعالى ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢]، بعد ذِكرِ عِدَّةِ أصحابِ الكَهفِ، ما يُشيرُ إلى أنَّ مَنْ يُميِّزون صوابَ تلك الأخبارِ مِنْ خطئِها قليلٌ؛ لأنَّ قَدراً مِنْ تلك المَعرفةِ لا يتأتّى بسلامةِ النَّظَرِ، وسَعَةِ الاطِّلاعِ فحَسبُ؛ وإنَّما -مع ذلك- بقوَّةِ الفَهمِ، ودِقَّةِ الاستنباطِ، كالذي كانَ مِنْ ابنِ عباسٍ ﵁، حين قالَ في هذا المَوضِعِ: «أنا مِنْ القَليلِ» (١). رابعَ عشَرَ: يُصدِّرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الأخبارَ الإسرائيليّةَ بصيغةِ المَبني لغيرِ المَعلومِ: (ذُكرَ، قِيلَ، رُويَ)؛ لتمييزِها عن غيرِها مِنْ الأخبارِ المأثورةِ عن النَّبيِّ ﷺ ، أو عن السَّلفِ مِمّا روَوه مِنْ غيرِ تلك الأخبارِ، ولم يَشُذَّ عن ذلك إلا النَّادرُ مِنْ المواضِعِ. ومِن الأمثلةِ على طريقةِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) تلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٨]: «وقولُه ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٨]. يقولُ: إلّا عظيماً للآلِهةِ. فإنَّ إبراهيمَ لم يَكسِره، ولكنَّه -فيما ذُكرَ- علَّقَ الفَأسَ في عُنُقِه» (٢)، وقولُه: «القَولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]. وهذا مثلٌ ضرَبَه الخَصمُ المُتسَوِّرون على داودَ محرابَه له؛ وذلك أنَّ داودَ كانَت له -فيما قِيلَ- تِسعٌ وتِسعون امرأةً، وكانَت للرَّجُلِ الذي أغْزاه حتى قُتِلَ امرأةٌ واحِدَةٌ، فلمّا قُتلَ نكحَ -فيما ذُكرَ- داودُ امرأتَه، فقالَ له أحدُهما: إنَّ هذا أخي: على ديني» (٣)،

стр. 533

وقولُه: «القَولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠]. يقولُ تعالى ذِكرُه: قالَ قائِلٌ مِنْ إخوةِ يوسُفَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٠]. وقيلَ: إنَّ قائِلَ ذلك روبيلُ، كانَ ابنَ خالةِ يوسُفَ» (١). وهذه طريقتُه ﵀ في الأخبارِ التّاريخيَّةِ عموماً، كما سبقَت الإشارةُ إليه في استدلالِه بأحوالِ النُّزولِ. (٢) * * *

стр. 534

البابُ الثّالثُ: منهجُ ابنِ جريرٍ في ترتيبِ أدلَّةِ المعاني في تفسيرِه. ويشتملُ على ثلاثةِ فصولٍ: الفصلُ الأوَّلُ: تقسيمُ أدلَّةِ المعاني في التَّفسيرِ عند ابنِ جريرٍ. الفصلُ الثّاني: منهجُ ابنِ جريرٍ في ترتيبِ أدلَّةِ المعاني في تفسيرِه مِنْ حيث النَّظرُ والاعتبارُ. الفصلُ الثّالثُ: منهجُ ابنِ جريرٍ في الجمعِ والتَّرجيحِ بين الأدلَّةِ المُتعارضةِ للمعاني التَّفسيريَّةِ.

стр. 535

الفصلُ الأوّل: تقسيمُ أدلَّةِ المعاني في التَّفسيرِ عند ابنِ جريرٍ. وفيه ثلاثةُ مباحثَ: وفيه مبحثان: المبحثُ الأوَّلُ: منهجُ ابنِ جريرٍ في الجمعِ بين أدلَّةِ المعاني المُتعارضةِ. المبحثُ الثّاني: منهجُ ابنِ جريرٍ في التَّرجيحِ بين أدلَّةِ المعاني المُتعارضةِ. وفيه ثلاثةُ مطالب: المطلبُ الأوَّلُ: متى يُصارُ إلى التَّرجيحِ؟ المطلبُ الثّاني: أنواعُ المُرجِّحاتِ التي استعملَها ابنُ جريرٍ عند التَّعارضِ. المطلبُ الثّالثُ: خصائصُ المُرجِّحاتِ في التَّفسيرِ.

стр. 536

المبحثُ الأوَّلُ: أقسامُ الأدلَّةِ باعتبارِ صِحَّةِ الاستدلالِ بها. تنقسمُ الأدلَّةُ باعتبارِ صِحَّةِ الاستدلالِ بها إلى قسمَيْن: الأوَّلُ: أدلَّةٌ مُعتبرَةٌ، يصِحُّ الاستدلالُ بها. الثّاني: أدلَّةٌ غيرُ مُعتبرَةٍ، ولا يصِحُّ الاستدلالُ بها. وقد اشتملَ البحثُ على حصرِ جميعِ الأدلَّةِ المُعتبرةِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في استدلالِه على المعاني في تفسيرِه؛ وهي على الإجمالِ: ١ - القرآنُ الكريمُ. ٢ - القراءاتُ. ٣ - السُّنَّةُ النبويَّةُ. ٤ - الإجماعُ. ٥ - أقوالُ السَّلفِ. ٦ - لُغةُ العربِ. ٧ - أحوالُ النُّزولِ.

стр. 537

٨ - الرِّواياتُ الإسرائيليّةُ. ٩ - السِّياقُ. ١٠ - النَّظائرُ. ١١ - الدَّلالاتُ العقليَّةُ. وقد اقتصَرْنا في هذا القِسمِ مِنْ الكتابِ على دراسةِ الأدلَّةِ الثَّمانيةِ الأولى (النَّقليَّةِ). فهذه الأدلَّةُ هي ما يصِحُّ الاستدلالُ بها على المعاني في التَّفسيرِ، ولم يقَع في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) استدلالٌ بغيرِها؛ وذلك أنَّ كُلَّ دليلٍ غيرَها باطلٌ؛ كالأوهامِ والتَّخيُّلاتِ، والرُّؤى والمناماتِ، والجَهليّاتِ التي يُسمّيها أصحابُها عقليّاتٍ، ونَحوِ ذلك مِمّا يجمَعُه مُخالفةُ الشَّرعِ، ومُناقضَةُ العقلِ، مِمّا اشتهرَت به طوائِفُ المُبتدعةِ؛ كالمُعتزلةِ، والفلاسفةِ، والباطنيَّةِ، والصّوفيَّةِ، وأمثالِهم. فهذا النَّوعُ لا يصِحُّ الاستدلالُ به مُطلقاً؛ لعدمِ الدَّليلِ على صِحَّةِ الاحتجاجِ به، ولقيامِ الدَّليلِ المُعتبرِ على بُطلانِ الاحتجاجِ به في شيءٍ مِنْ دينِ الله تعالى. أمّا المعاني التي يقعُ الاستدلالُ لَها بهذا النَّوعِ مِنْ الأدلَّةِ الباطلةِ فلا يطَّرِدُ حُكمُها في الصِحَّةِ أو البُطلان؛ إذْ لا تلازُمَ بين بُطلانِ الدَّليلِ في نَفسِه وفسادِ المَدلولِ، وقد وضَّحَ ذلك ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨) فقالَ عن الاختلافِ الذي يقعُ مِنْ جِهةِ الاستدلالِ في التَّفسيرِ: «فهذا أكثرُ ما فيه الخطأُ مِنْ جهتَيْن .. ، إحداهما: قَومٌ اعتقدوا معانيَ ثُمَّ أرادوا حملَ ألفاظِ القرآنِ عليها. والثّانيةُ: قَومٌ فسَّروا القرآنَ بمُجرَّدِ ما

стр. 538

يسوغُ أن يُريدَه بكلامِه مَنْ كانَ مِنْ النّاطقين بلُغةِ العربِ؛ مِنْ غيرِ نظرٍ إلى المُتكلِّمِ بالقرآنِ، والمُنزَلِ عليه، والمُخاطبِ به .. ، والأوَّلون صِنفان: ١ - تارةً يَسْلبون لفظَ القرآنِ ما دلَّ عليه وأُريدَ به. ٢ - وتارةً يَحْملونَه على ما لم يدُلَّ عليه ولم يُرَدْ به. وفي كلا الأمرَيْن قد يكونُ ما قصَدوا نفيَه أو إثباتَه مِنْ المَعنى باطِلاً؛ فيكون خطؤُهم في الدَّليلِ والمَدلولِ، وقد يكون حقّاً فيكونُ خطؤُهم في الدَّليلِ لا في المَدلولِ» (١)، ثُمَّ فصَّلَ ذلك فقالَ: «فالذين أخطئوا في الدَّليلِ والمَدلولِ -مثلُ طوائِفَ مِنْ أهلِ البِدعِ- اعتقدوا مَذهباً يُخالِفُ الحقَّ الذي عليه الأُمَّةُ الوَسَطُ الذين لا يجتمعون على ضَلالةٍ؛ كسلفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها، وعَمدوا إلى القرآنِ فتأوَّلوه على آرائِهم؛ تارةً يستدلّون بآياتٍ على مذهبِهم ولا دلالَةَ فيها، وتارةً يتأوَّلون ما يُخالِفُ مذهبَهم بما يُحرِّفون به الكَلِمَ عن مواضِعِه، ومِن هؤلاءِ فِرَقُ الخوارجِ، والرَّوافضِ، والجَهميَّةِ، والمُعتزلةِ، والقدريَّةِ، والمُرجئةِ، وغيرِهم .. ، وأمّا الذين يُخطئون في الدَّليلِ لا في المَدلولِ فمثلُ كثيرٍ مِنْ الصّوفيَّةِ والوُعّاظِ والفُقهاءِ وغيرِهم؛ يُفسِّرون القرآنَ بمعانٍ صحيحةٍ لكنَّ القرآنَ لا يدُلُّ عليها؛ مثلُ كثيرٍ مِمّا ذكرَه أبو عبد الرَّحمن السُّلمي (٢) في (حقائقِ التَّفسيرِ). وإن كانَ فيما ذكروه ما هو معانٍ باطلةٍ فإنَّ ذلك يدخلُ

стр. 539

في القِسمِ الأوَّلِ؛ وهو الخطأُ في الدَّليلِ والمَدلولِ جميعاً، حيث يكونُ المعنى الذي قصَدوه فاسِداً» (١). كما أشارَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨) في أثناءِ ذلك إلى أصلٍ عظيمٍ يُعرفُ به الخطأُ في الدَّليلِ قَطعاً، فقالَ: «مَنْ عدلَ عن مذاهبِ الصَّحابةِ والتّابعين وتَفسيرِهم إلى ما يُخالِفُ ذلك كانَ مُخطِئاً في ذلك، بل مُبتَدِعاً، وإن كانَ مُجتهداً مَغفوراً له خطؤُه .. ، فمَن خالَفَ قولَهم، وفسَّرَ القرآنَ بخلافِ تفسيرِهم فقد أخطأَ في الدَّليلِ والمَدلولِ جميعاً» (٢). ومِن ثَمَّ يتبيَّنُ أنَّ جميعَ أدلَّةِ المُبتدعةِ باطلةٌ؛ إمّا مِنْ جِهةِ أصلِ الدَّليلِ إذا خالفَ جنسَ أدلَّةِ السَّلفِ، وإمّا مِنْ جِهةِ منهجِ الاستدلالِ به، وأقوالُ السَّلفِ كما أنَّها حُجَّةٌ قاطِعةٌ في حَصرِ المعاني، فهي كذلك حُجَّةٌ قاطِعةٌ في حَصرِ الأدلَّةِ المُعتبرَةِ؛ فما استَعملَه السَّلفُ مِنْ الأدلَّةِ فصَوابٌ مُعتبَرٌ، وما لَم يستَعمِلوه فخطأٌ لا يُعتبَرُ. وقد سبقَت الإشارةُ إلى بعضٍ مِنْ أدلَّةِ المُبتدعةِ، وشيءٍ مِنْ منهجِهم في الاستدلالِ؛ مِنْ كلامِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) ﵀ (٣)، ومِن قولِه في ذلك: «ولأهلِ هذه المَقالَةِ مسائِلُ فيها تلبيسٌ، كرِهنا ذِكرَها وإطالَةَ الكِتابِ بها وبالجوابِ عنها؛ إذْ لم يكُن قصدُنا في كتابِنا هذا قصدَ الكَشفِ عن تمويهاتِهم، بل قصدُنا فيه البيانُ عن تأويلِ آيِ الفُرقانِ، ولكنَّا ذَكَرنا القَدرَ الذي ذكرنا؛ ليَعلَمَ النَّاظِرُ في كتابِنا هذا أنَّهم لا

стр. 540

يرجِعونَ من قَولِهم إلا إلى ما لَبَسَ عليهم الشيطانُ، مِمَّا يَسهُلُ على أهلِ الحَقِّ البيانُ عن فسادِه، وأنَّهم لا يَرجِعون في قَولِهم إلى آيَةٍ مُحكَمَةٍ، ولا روايَةٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحَةٍ ولا سَقيمَةٍ، فهُم في الظُّلُماتِ يَخْبِطون، وفي العُمياءِ يترَدَّدون، نعوذُ باللهِ من الحَيْرَةِ والضَّلالَةِ» (١).

стр. 541

المبحثُ الثّاني: أقسامُ الأدلَّةِ باعتبارِ أصلِها ومصدرِها. تنقسمُ الأدلَّةُ باعتبارِ أصلِها ومَصدرِها إلى قسمَيْن: الأوَّلُ: الأدلَّةُ النَّقليَّةُ. الثّاني: الأدلَّةُ العَقليَّةُ. أمّا الأدلَّةُ النَّقليَّةُ فهي التي مصدرُها النَّقلُ، وتشملُ ثمانيةَ أنواعٍ مِنْ الأدلَّةِ؛ وهي: ١ - القرآنُ الكريمُ. ٢ - القراءاتُ. ٣ - السُّنَّةُ النبويَّةُ. ٤ - الإجماعُ. ٥ - أقوالُ السَّلفِ. ٦ - لُغةُ العربِ. ٧ - أحوالُ النُّزولِ. ٨ - الرِّواياتُ الإسرائيليّةُ.

стр. 542

وأمّا الأدلَّةُ العقليَّةُ فهي التي مَرَدُّها إلى النَّظرِ والاجتِهادِ، وتشملُ ثلاثةَ أنواعٍ مِنْ الأدلَّةِ؛ وهي: ١ - السِّياقُ. ٢ - النَّظائرُ. ٣ - الدَّلالاتُ العقليَّةُ. وقد نصَّ ابنُ جرير (ت: ٣١٠) على هذه القِسمةِ بقولِه: «كُلُّ معلومٍ للخلقِ من أمرِ الدِّينِ والدنيا لا يخرجُ من أحدِ معنيين: من أن يكون إمَّا معلوماً لهم بإدراكِ حواسِّهم إيَّاه، وإمَّا معلوماً لهم بالاستدلالِ عليه بما أدركته حواسُّهُم» (١)، وقد سبقَ تفصيلُ الكلامِ في هذا الوَجهِ مِنْ تَقسيم الأدلَّةِ، وبيانِ عباراتِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في البيانِ عنها، مع إيضاحِ القواعدِ العلميَّةِ المُتعلِّقةِ بهذَيْن الوَجهَيْن مِنْ الأدلَّةِ. (٢)

стр. 543

المبحثُ الثّالثُ: أقسامُ الأدلَّةِ باعتبارِ قوَّةِ دلالَتِها. تنقسمُ الأدلَّةُ باعتبارِ قوَّةِ دلالَتِها إلى قسمَيْن: الأوَّلُ: الأدلَّةُ القَطعيَّةُ. الثّاني: الأدلَّةُ الظَّنّيةُ. أمّا القَطعُ فهو: الحكمُ الجازمُ بالشَّيءِ واعتقادُ أنَّه لا يكونُ في الواقعِ إلا كذلك. والمُرادُ بالأدلَّةِ القَطعيَّةُ: ما حُكمَ جَزماً بثبوتِها ودلالَتِها، فلا يتطرَّقُ إليها احتمالٌ أو شَكٌّ. (١) وأمّا الظَّنُّ فهو: الحُكمُ غيرُ الجازمِ، أو: الاعتقادُ الرَّاجحُ، مع احتمالِ نقيضِه في الواقعِ. والمُرادُ بالأدلَّةِ الظَّنيَّةِ: ما كانَت في ثبوتِها أو دلالَتِها راجِحَةً ظاهرةً مِنْ غيرِ جَزمٍ. (٢)

стр. 544

ويتعلَّقُ بهذا التَّقسيمِ مسائلُ: الأولى: أنَّ هذا التَّقسيمَ صحيحٌ موجودٌ، ومُعتبرٌ عند جماهيرِ العُلماءِ، وقد أشارَ إلى بعضِ معناه قولُه تعالى ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «ويعني بالبالِغةِ: أنَّها تبلغُ مُرادَه في ثُبوتِها على مَنْ احتجَّ بها عليه مِنْ خَلقِه، وقَطعِ عُذرِه إذا انتهَت إليه فيما جُعلَت حُجَّةً فيه» (١)، كما نصَّ عليه أهلُ العلمِ في كثيرٍ مِنْ كلامِهم، ومِنه قولُ الشّافعي (ت: ٢٠٤): «العلمُ عِلمان: علمُ عامَّةٍ لا يسَعُ بالِغاً غيرَ مَغلوبٍ على عَقلِه جَهلُه .. ، مثلُ: الصَّلواتِ الخَمسِ، وأنَّ لله على النّاسِ صومَ شهرِ رمضان، وحجَّ البيتِ إذا استطاعوه .. ، وهذا الصِّنفُ كُلُّه مِنْ العلمِ موجودٌ نَصّاً في كتابِ الله، وموجوداً عامّاً عند أهلِ الإسلامِ، يَنقُلُه عوامُّهم عمَّن مضى مِنْ عوامِّهم، يَحكونَه عن رسولِ الله، ولا يتنازَعون في حِكايتِه ولا وجوبِه عليهم؛ وهذا العلمُ العامُّ الذي لا يُمكنُ فيه الغَلَطُ مِنْ الخبرِ، ولا التأويلُ، ولا يَجوزُ فيه التَّنازعُ» (٢)، ثُمَّ قالَ عن الوَجهِ الثّاني: «ما ينوبُ العبادَ مِنْ فروعِ الفرائضِ، وما يُخَصُّ به مِنْ الأحكامِ وغيرِها، مِمّا ليس فيه نصُّ كتابٍ، ولا في أكثرِه نَصُّ سُنَّةٍ، وإن كانَت في شيءٍ مِنه سُنَّةٌ فإنَّما هي مِنْ أخبارِ الخاصَّةِ لا أخبارِ العامَّةِ، وما كانَ مِنه يحتملُ التأويلَ ويُستَدرَكُ قياساً» (٣)، وقالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «الصَّحيحُ أنَّ المسائلَ تنقسِمُ إلى ما يُقطَعُ مِنه بالإصابةِ، وإلى ما لا ندري أصابَ الحَقَّ أم أخطأَ، بحسبِ

стр. 545

الأدلَّةِ، وظُهورِ الحُكمِ للمُناظِرِ، ولا أظنُّ يُخالفُ في هذا مَنْ فَهِمَه» (١)، وقالَ ابنُ القيِّم (ت: ٧٥١): «إن ألفاظَ القرآنِ والسُّنَّةِ ثلاثةُ أقسامٍ: نُصوصً لا تحتملُ إلّا معنىً واحداً. وظواهِرُ تحتملُ غيرَ معناها احتمالاً بعيداً مَرجوحاً. وألفاظٌ تحتاجُ إلى بيانٍ، فهي بدون البيانِ عُرضةٌ للاحتمالِ» (٢)، وقالَ الشّاطبي (ت: ٧٩٠): «كلُّ دليلٍ شَرعيٍّ إمّا أن يكونَ قَطعيّاً أو ظَنيّاً» (٣). وهذا المَذهبُ الحَقُّ وسطٌ بين مَنْ يَنفي الظَّنَّ في الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ، ويرى أنَّ جميعَها قطعيٌّ، وما لا يُفيدُ العلمَ القَطعيَّ فليس مِنها؛ كبعضِ المُعتزلةِ والإماميَّةِ والظّاهريَّةِ (٤)، وبين مَنْ يَنفي القَطعَ عن الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ السَّمعيَّةِ، ويرى أنَّ جميعَها ظَنّيٌّ، وليس فيها ما يُفيدُ القطعَ مُطلقاً؛ وهو مَنسوبٌ لبعضِ المُتكلِّمين (٥). والصَّوابُ «أنَّ الأدلَّةَ السَّمعيَّةَ (النَّقليَّةَ اللفظيَّةَ) مِنها القَطعيُّ الذي يُفيدُ اليَقينَ ولا مجالَ فيه للاحتمالاتِ، بل يحتَفُّ به ما يَدفعُها، ويَسلمُ الدَّليلُ خالِصاً للقَطعيَّةِ، وأنَّ القَولَ بأنَّ الأدلَّةَ السَّمعيَّةَ كلَّها ظنّيَّةٌ، والقَولَ بأنَّها كلَّها قَطعيَّةٌ = قولان ضَعيفان» (٦). وهذا التَّفاوتُ في دلالةِ الأدلَّةِ على المعاني في القوّةِ والوضوحِ موجودٌ وظاهرٌ عند ابنِ جرير (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، فمن الأدلَّةِ ما يصِفُه

стр. 546

ب: (أبينِ الدَّلالةِ، وأوضحِ الدَّلالةِ، وأوضحِ الدَّليلِ، والدَّلالةِ الواضِحةِ)، ومنها دونَ ذلك (١). كما أنَّ هذا التَّقسيمَ مُعتبرٌ عند ابنِ جرير (ت: ٣١٠) في الأدلَّةِ على العمومِ، وفي كلِّ دليلٍ مِنها على الخصوصِ؛ فلا يتقدَّمُ دليلَ الإجماعِ عنده دليلٌ؛ لقطعيَّتِه في الثُّبوتِ والدَّلالةِ، ثُمَّ يليه دليلُ القرآنِ؛ لقطعيَّةِ ثبوتِه، ثُمَّ دليلُ السَّنَّةِ والقراءاتِ، ثُمَّ أقوالِ السَّلفِ مِنْ أهلِ التأويلِ، فدليلُ اللُّغةِ، فأحوالُ النُّزولِ، ثُمَّ باقي الأدلَّةِ. وفي داخلِ كُلِّ دليلٍ يكونُ التَّفاوتُ كذلك مِنْ هذا البابِ؛ فالإجماعُ القَطعيُّ مُقدَّمٌ على الظَّنّيِّ، ونصُّ القرآنِ مقدَّمٌ على الظّاهرِ المُحتملِ، وكذا نصُّ السُّنَّةِ، والسُّنَّةُ المُتواترةُ أرجحُ مِنْ الآحادِ، والقراءاتُ المتواترةُ أرجحُ مِنْ الشّاذَّةِ، والمَشهورُ مِنْ أقوالِ السَّلفِ مُقدَّمٌ على غيرِه، وقولُ الواحدِ مِنهم مِنْ طُرُقٍ أرجحُ مِنْ طَريقٍ واحدٍ، والمَشهورُ والغالبُ مِنْ لُغةِ العربِ أرجحُ مِنْ غيرِه، وسببُ النُّزولِ الصَّريحُ أَولى مِنْ غيرِ الصَّريحِ، وما اشتهرَ مِنْ أخبارِ بني إسرائيلَ عن أهلِ التأويلِ مِنْ السَّلفِ أرجحُ مِنْ سواه، وما كثُرَت نظائِرُه، وظهرَ وَجهُ ارتباطِه يتقدَّمُ على ما قلَّ نظيرُه، أو خَفيَ معناه المُشتركُ، والسّياقُ الأقربُ أرجحُ دلالةً مِنْ الأبعدِ، ونحوِ ذلك مِمّا يقعُ التَّفاوتُ فيه مِنْ جهتَيْ الدَّلالةِ والثُّبوتِ. الثّانيةُ: أنَّ هذا التَّقسيمَ يُفيدُ في تقديمِ الدَّليلِ في الاستدلالِ، وعند التَّعارضِ، والتَّرجيحِ، ونحوِ ذلك، ولا أثرَ له في وجوبِ العمل

стр. 547

بالدَّليلِ، إذْ كلُّ ما ثبتَ دليلاً شرعيّاً وجبَ العملُ به قطعيّاً كانَ أو ظنيّاً ظاهراً راجِحاً. ومِن ثَمَّ قرَّرَ العلماءُ أنَّ الأدلَّةَ الشَّرعيَّةَ النَّقليَّةَ تُفيدُ العلمَ قطعيَّةً كانَت أو ظنيَّةً؛ أمّا القَطعيَّةُ فتُفيدُ العلمَ باطِّرادٍ، «وهذا مِمّا لا خلافَ فيه بين العلماءِ في الجُملةِ» (١)، ويجبُ اعتقادُ مدلولِها علماً وعملاً، ولا يسوغُ فيها الاختلافُ، قالَ الشّافعي (ت: ٢٠٤): «أمّا ما كانَ نصَّ كتابٍ بيِّنٍ، أو سُنَّةٍ مُجتمَعٍ عليها، فالعُذرُ فيها مَقطوعٌ، ولا يسَعُ الشَّكُّ في واحدٍ مِنهما، ومَن امتنعَ مِنْ قبولِه استُتيبَ» (٢)، وقالَ أيضاً: «كلُّ ما أقامَ الله به الحُجَّةَ في كتابِه، أو على لِسانِ نبيِّه مَنصوصاً بيِّناً = لم يَحلَّ الاختلافُ فيه لمَن علِمَه» (٣). وأمّا الظَّنيَّةُ فتُفيدُ العلمَ بما ينضَمُّ إليها مِنْ القرائِنِ الحاليَّةِ؛ كالتَّواتُرِ، وتعدُّدِ الطُّرقِ، وغيرِها، «وهذا الصَّحيحُ الذي عليه أئِمَّةُ السَّلفِ وغيرُهم» (٤)، قالَ الشّافعي (ت: ٢٠٤): «فأمّا ما كانَ مِنْ سُنَّةٍ مِنْ خبرِ الخاصَّةِ الذي قد يختلفُ الخبرُ فيه؛ فيكونُ الخبرُ مُحتمِلاً للتأويلِ، وجاءَ الخبرُ فيه مِنْ طريقِ الانفرادِ = فالحُجَّةُ فيه عندي أن يلزمَ العالَمين، حتى لا يكونَ لهم رَدُّ ما كانَ مُنصوصاً مِنه، كما يَلزمُهم أن يقبَلوا شهادَةَ العُدولِ» (٥)، وقالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «وأمّا القسمُ الثّاني وهو الظّاهرُ، فهذا يجبُ العملُ به في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ باتِّفاقِ

стр. 548

العلماءِ المُعتَبَرين» (١)، وقالَ الشّاطبي (ت: ٧٩٠): «قامَ الدَّليلُ القَطعيُّ على أنَّ الدَّلائلَ الظَّنيَّةَ تجري في فروعِ الشَّريعةِ مَجرى الدَّلائلِ القَطعيَّةِ .. ، فالعملُ على مُقتضى الظَّنِّ صحيحٌ .. ، فإنَّ القَطعَ مع الظَّنِّ مُستويان في الحُكمِ» (٢). الثّالثةُ: أنَّ الحُكمَ بقَطعيَّةِ دليلٍ أو ظَنيَّتِه نِسبيٌّ يتفاوتُ فيه العُلماءُ، قالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «القَطعُ والظَّنُّ يكونُ بحسبِ ما وصلَ إلى الإنسانِ مِنْ الأدلَّةِ، وبحسبِ قُدرتِه على الاستدلالِ، والنّاسُ يختلفون في هذا وهذا، فكونُ المسألةِ قطعيَّةً أو ظنيَّةً ليس هو صِفةً مُلازمةً للقولِ المُتنازَعِ فيه» (٣)، وقالَ ابنُ القيّم (ت: ٧٥١): «كونُ الدَّليلِ مِنْ الأمورِ الظَّنيَّةِ أو القَطعيَّةِ أمرٌ نِسبيٌّ، يختلفُ باختلافِ المُدرِكِ المُستدِلِّ، ليس هو صِفةً للدَّليلِ نَفسِه، فهذا أمرٌ لا يُنازِعُ فيه عاقلٌ» (٤). كما أنَّ درجةَ القطعِ والظَّنِّ في الدَّليلِ الواحدِ تتفاوَتُ في نَفسِ العالِمِ، فتتزايَدُ وتتناقصُ بحسَبِ ما يقومُ بنَفسِ العالِمِ مِنْ الشَّواهدِ والقرائنِ، قالَ أبو يعلى (ت: ٤٥٨): «الظَّنُّ يتزايَدُ، ويكونُ بعضُ الظَّنِّ أقوى مِنْ بعضٍ» (٥)، وقالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «العلمُ والتَّصديقُ

стр. 549

يتفاضَلُ ويتفاوَتُ كما يتفاضَلُ سائرُ صِفاتِ الحَيِّ» (١)؛ ولذلك قد يعرِضُ لكلٍّ مِنهما ما يُصيِّرُه بمنزلةِ الآخرِ. (٢) الرّابعَةُ: أنَّ مُجرَّدَ ورودِ الاحتمالِ بلا دليلٍ لا أثرَ له في الحُكمِ بقَطعيَّةِ الدَّليلِ أو ظَنيَّتِه، قالَ ابنُ قدامةَ (ت: ٦٢٠): «لو فُتِحَ بابُ الاحتمالِ لبطلَت الحُجَجُ؛ إذْ ما مِنْ حُكمٍ إلّا يُتصوَّرُ تقديرُ نَسخِه ولم يُنقَلْ، وإجماعُ الصّحابةِ يُحتملُ أن يكونَ واحدٌ مِنهم أضمرَ المُخالفةَ وأظهرَ المُوافقةَ لسبَبٍ، أو رجعَ بعد أن وافقَ، والخبرُ يُحتملُ أن يكونَ كذِباً. فلا يُلتفَتُ إلى هذه الاحتمالاتِ» (٣)، وقالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «ولا عبرَةَ بالاحتمالِ؛ فإنَّه إذا لم يَنشأ عن دليلٍ لم يُعتبَرْ، وإلا لم يوثَقْ بمَحسوسٍ» (٤). الخامسةُ: أنَّ العلمَ بهذا التَّقسيمِ والإحاطةَ به له أكبرُ الأثرِ في دفعِ التَّعارضِ بين الأدلَّةِ، والتَّرجيحِ بينها، ومِن هذا البابِ ظهرَ أثرُ هذا التَّقسيمِ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) ﵀، حيث يعتبرُ قوَّةَ ثُبوتِ الدَّليلِ، وقوَّةَ دلالتِه على المعنى، في الاستدلالِ به على المعاني، ويظهرُ ذلك أكثرَ ما يكونُ في مواضِعِ تعارُضِ الأدلَّةِ، والتَّرجيحِ بينها، على ما سيأتي بيانُه بحولِ الله.

стр. 550

الفصلُ الثّاني: منهجُ ابنِ جريرٍ في ترتيبِ أدلَّةِ المعاني في تفسيرِه مِنْ حيث النَّظر والاعتبار. وفيه مبحثان: المبحثُ الأوَّلُ: أهميَّةُ ترتيبِ أدلَّةِ المعاني مِنْ حيث النَّظر والاعتبار. المبحثُ الثّاني: ترتيبُ أدلَّةِ المعاني مِنْ حيث النَّظر والاعتبار عند ابنِ جرير.

стр. 551

المبحثُ الأوَّلُ: أهميَّةُ ترتيبِ أدلَّةِ المعاني مِنْ حيث النَّظر والاعتبار. المُرادُ بترتيبِ الأدلَّةِ: جَعلُ كلِّ دليلٍ في مرتبتِه التي يستحقُّها بوَجهٍ مِنْ الوجوهِ. (١) وأدلَّةُ المعاني هي الثَّمانيةُ النَّقليَّةُ: القرآنُ الكريمُ، والقراءاتُ، والسُّنَّةُ النبويَّةُ، والإجماعُ، وأقوالُ السَّلفِ، ولُغةُ العربِ، وأحوالُ النُّزولِ، والرِّواياتُ الإسرائيليّةُ. والثَّلاثةُ العقليَّةُ: السِّياقُ، والنَّظائرُ، والدَّلالاتُ العقليَّةُ. وهذه الأدلَّةُ في مرتبةٍ واحدةٍ مِنْ حيث صِحَّةِ الاحتجاجِ بها على المعاني؛ لقيامِ الدَّليلِ المُعتبرِ على حُجيَّتِها، كما أنَّ الأدلَّةَ الشَّرعيَّةَ مِنها مُقدَّمةٌ على غيرِها؛ لما لها مِنْ المَنزلةِ والمَكانةِ. أمّا ترتيبُها مِنْ حيث النَّظرُ والاعتبارُ فالمقصودُ به: بيانُ ما يُقدَّمُ مِنها عند النَّظرِ للاستدلالِ على المعاني.

стр. 552

ومعرفةُ مراتبِ الأدلَّةِ بهذا الاعتبارِ مِنْ الأهميَّةِ بمكانٍ؛ إذْ إنَّ ذلك مِنْ تمامِ عملِ المُجتهدِ النّاظرِ في المعاني، ولا يستقيمُ له استدلالُه إلا بمعرفةِ ما يُقدَّمُ مِنْ الأدلَّةِ وما يُؤخَّرُ، كما أنَّ الإلمامَ بهذه المراتبِ يوصِلُ إلى معرفةِ المعاني مِنْ أقصرِ طريقٍ، ويَسلمُ به المُفسِّرُ مِنْ كثيرٍ مِنْ الخطأِ في الاستدلالِ؛ كتقديمِ ما حقُّه التّأخيرُ مِنْ الأدلَّةِ، والأخذِ بالأضعفِ مع وجودِ الأقوى، «فهذا البابُ مِمّا يتوقَّفُ عليه الاجتهادُ توقُّفُ الشَّيءِ على جُزءِه وشَرطِه» (١)؛ ولذلك يُعقِبُ جمهورُ العلماءِ حديثَهم عن الاجتهادِ في كتبِ الأصولِ ببيانِ مراتبِ الأدلَّةِ، والتّعارُضِ، والتَّرجيحِ، في حين يذكرُها بعضُهم بعد مباحثِ الأدلَّةِ؛ لصِلَتِها الوثيقةِ بها. (٢)

стр. 553

المبحثُ الثّاني: ترتيبُ أدلَّةِ المعاني مِنْ حيث النَّظر والاعتبار عند ابنِ جرير. المنهجُ العامُّ لابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في ترتيبِ الأدلَّةِ عند استِعمالِها في التَّفسيرِ: يبدأُ بدليلِ اللُّغةِ، ثُمَّ دليلِ النَّقلِ، ثُمَّ دليلِ العقلِ. وهذا الأكثرُ في إيرادِ أدلَّةِ المعاني عندَ اجتِماعِها، ولهذا الترتيبِ مناسَبَتُه في التَّفسير؛ فإنَّ القرآنَ أُنْزِلَ بلسانِ العربِ، فألفاظُه من ألفاظِها، ومعانِيه من معانِيها، ولا يخرُجُ عن ذلك بحالٍ، فالقَصدُ الأوَّلُ مِنْ تفسيرِ الآيةِ بيانُ معناها في كلامِ العربِ الذي نزَلَ به القرآن، وهذا المُستوى مِنْ البيانِ هو غايةُ ما يصِلُ إليه المُتكلِّمونَ في معاني القرآنِ مِنْ أهلِ اللغةِ، كما في قول ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في الوجهِ الثالثِ مِنْ وجوهِ تأويلِ القرآنِ: «ما كانَ عِلمُه عند أهلِ اللسانِ الذي نَزَلَ به القرآنُ؛ وذلك عِلمُ تأويلِ غريبِه، وإعرابِه. لا يوصَلُ إلى علمِ ذلك إلا مِنْ قِبَلِهِم» (١).

стр. 554

ثُمَّ يُعقِبُ ابنُ جرير (ت: ٣١٠) ذلك بدليلِ الشَّرعِ؛ وما فيه مِنْ نقلٍ للمعنى اللغويِّ، أو تخصيصٍ، وهذا المُستوى مِنْ البيانِ هو خاصَّةُ أهلِ التأويلِ؛ ممَّن جمعوا العلمَ بكلامِ العربِ، ونصوصِ الشَّرعِ وأحكامِه. ومِنه قولُه في الوجهِ الثّاني مِنْ وجوهِ تأويلِ القرآنِ: «ما خَصَّ اللهُ بعِلمِ تأويلِه نبيَّه ﷺ دونَ سائِرِ أُمَّتِه؛ وهو ما فيه ممَّا بعبادِه إلى عِلمِ تأويلِه الحاجَةُ. فلا سبيلَ لهم إلى عِلمِ ذلك إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ لهُم تأويلَه» (١). ثُمَّ يُتبِعُ ذلك بأدلَّةِ العَقلِ والنَّظرِ، وما فيها مِنْ تأكيدٍ للمعنى الشَّرعيِّ، أو تبيِينٍ للمعنى اللغويِّ، أو تخصيصٍ، أو إبطالٍ لبعضِ المعاني. كما أنَّ فائدةَ ذلك التَّرتيبِ تظهرُ في أنَّ المعنى إذا بطلَ بدليلِ اللُّغةِ فلا حاجةَ للبَحثِ عمّا يُصحِّحُه في أدلَّةِ النَّقلِ؛ إذْ لا يأتي النَّقلُ بتَصحيحِ معنىً لا تَعرفُه العربُ في كلامِها، وكذا إذا بطلَ المعنى بدليلِ النَّقلِ فلا حاجةَ للبَحثِ عن تَصحيحِه بأدلَّةِ العقلِ؛ إذْ لا يأتي العقلُ بما يُخالفُ الشَّرعَ أو ما اعتبرَه الشَّرعُ مِنْ الأدلَّةِ؛ إذا وقعَ الاستدلالُ بها على الوَجه المُعتبرِ. ومِن أمثلةِ مَنهجِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في ترتيبِ الأدلَّةِ على ذلك النَّحوِ قولُه عند قولِه تعالى ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣]: «والبَخْعُ هو: القتلُ والإهلاكُ في كلامِ العرب، ومِنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٢): ألا أيُّهذا الباخِعُ الوَجدُ نفسَه … لشيءٍ نَحَتْهُ عن يَديكَ المقادِرُ

стр. 555

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التأويلِ» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، فبعد أن ذكرَ القَولَيْن فيها: أنَّها بمعنى النَّفي: ما مِنْ مزيدٍ. أو بمعنى: الاستزادةِ. قالَ: «ففي قولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تزالُ جهنَّمُ تقولُ: هل مِنْ مزيدٍ» (٢) دليلٌ واضِحٌ على أنَّ ذلك بمعنى الاستزادةِ لا بمعنى النَّفيِّ؛ لأنَّ قولَه: «لا تزالُ» دليلٌ على اتِّصالِ قَولٍ بعد قَولٍ» (٣)، فحدَّدَ دليلُ السُّنَّةِ ما هو مُحتمَلٌ لُغةً، ومثلُ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]: «وأمّا الذي قالَ في تأويلِ ذلك ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ [البقرة: ٦٦]: يعني الحيتانَ؛ عقوبةً لما بين يدَيْ الحيتانِ مِنْ ذنوبِ القَوْمِ وما بعدها مِنْ ذُنوبِهم. فإنَّه أبعدَ في الانتزاعِ؛ وذلك أنَّ الحيتانَ لم يَجرِ لها ذِكرٌ فيُقالَ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ [البقرة: ٦٦]. فإن ظَنَّ ظانٌّ أنَّ ذلك جائزٌ وإن لم يكُنْ جرى للحيتانِ ذِكرٌ؛ لأنَّ العربَ قد تَكْني عن الاسمِ ولم يَجرِ له ذِكرٌ، فإنَّ ذلك وإن كانَ كذلك فغيرُ جائزٍ أن يُترَكَ المَفهومُ مِنْ ظاهرِ الكِتابِ -والمَعقولُ به ظاهرٌ في الخِطابِ والتَّنزيلِ- إلى باطِنٍ لا دلالةَ عليه مِنْ ظاهرِ التَّنزيلِ، ولا خبرٍ عن الرَّسولِ ﷺ مَنقولٍ، ولا فيه مِنْ الحُجَّةِ إجماعٌ مُستفيضٌ» (٤)، فحكَّمَ المَعقولَ فيما هو مُحتمِلٌ لُغةً.

стр. 556

ويشهد لهذا التَّرتيبِ الذي سارَ عليه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠)، الأثرُ المَشهورُ عن ابنِ عباسٍ ﵁، في بيانِ أقسامِ التَّفسيرِ، حيث يقولُ: «التَّفسيرُ على أربعةِ أَوجُهٍ؛ وَجهٌ تَعرفُه العربُ مِنْ كلامِها، وتَفسيرٌ لا يُعذَرُ أحدٌ بجَهالتِه، وتَفسيرٌ يَعلمُه العلماءُ، وتَفسيرٌ لا يعلمُه إلا الله» (١)، وقد فسَّرَ ذلك ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠)، فبيَّنَ الوَجهَ الأوَّلَ بقولِه: «ما يَعلمُ تأويلَه كلُّ ذي علمٍ باللسانِ الذي نزلَ به القرآنُ؛ وذلك إقامةُ إعرابِه، ومعرفةُ المُسَمَّياتِ بأسمائِها اللازمةِ غيرِ المُشتركِ فيها، والموصوفاتِ بصفاتِها الخاصَّةِ دون ما سواها، فإنَّ ذلك لا يَجهلُه أحدٌ مِنهم» (٢)، ثُمَّ بيَّنَ ذلك بقولِه: «والموصوفاتِ بصفاتِها الخاصَّةِ دون الواجبِ مِنْ أحكامِها وصِفاتِها وهَيْئاتِها التي خَصَّ الله بعلمِها نبيَّه ﷺ ، فلا يُدركُ علمُه إلا ببيانِه، دون ما استأثرَ الله بعِلمِه دون خَلقِه» (٣). وبيَّنَ الوَجهَ الذي يَعلمُه العلماءُ، فقالَ: «ممَّا أنزلَ اللهُ من القرآنِ على نبيِّه ﷺ ما لا يوصَلُ إلى عِلمِ تأويلِه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ ؛ وذلك تأويلُ جميعِ ما فيهِ من وجوهِ أمرِه؛ واجِبِه ونَدْبِه وإرشادِه، وصنوفِ نَهْيِه، ووظائِفِ حقوقِه، وحدودِه، ومبالِغِ فرائِضِه، ومقاديرِ اللازِمِ بعضَ خلقِه لبعضٍ، وما أشبَه ذلك مِنْ أحكامِ آيِه التي لم يُدرَك علمُها إلا ببيانِ رسولِ الله ﷺ لأمَّتِه، وهذا وجهٌ لا يجوزُ لأحدٍ القولُ فيه إلا ببيانِ رسولِ الله ﷺ له تأويلَه» (٤).

стр. 557

وقالَ عمّا لا يعلَمُه إلا اللهُ مِنْ التَّفسيرِ: «وذلك ما فيه مِنْ الخبرِ عن آجالٍ حادثةٍ، وأوقاتٍ آتيةٍ؛ كوَقتِ قيامِ السّاعةِ، والنَّفخِ في الصّورِ، ونزولِ عيسى بن مريمَ، وما أشبهَ ذلك، فإنَّ تلك أوقاتٌ لا يعلمُ أحدٌ حدودَها، ولا يَعرفُ أحدٌ مِنْ تأويلِها إلا بالخبرِ عن أشراطِها؛ لاستئثارِ الله بعلمِ ذلك على خَلقِه» (١). ثُمَّ علَّقَ على القسمِ الباقي: (ما لا يُعذَرُ أحدٌ بجَهالتِه)، بقَولِه: «وهذا الوَجهُ الرّابعُ الذي ذكرَه ابنُ عباسٍ مِنْ أنَّ أحداً لا يُعذرُ بجهالَتِه، معنىً غيرُ الإبانةِ عن وجوهِ مطالبِ تأويلِه، وإنَّما هو خبرٌ عن أنَّ مِنْ تأويلِه ما لا يجوزُ لأحدٍ الجَهلُ به» (٢)؛ لأنَّ هذا النَّوعَ مُنتشرٌ في باقي الأنواعِ وليس قسيماً لها. وقد يُخالفُ ابنُ جرير (ت: ٣١٠) ذلك التَّرتيبَ لغَرَضٍ؛ ومثالُ ذلك تأخيرُه للمعنى اللغويِّ بعدَ ذكرِ أقوالِ السَّلفِ في الآيةِ؛ ليكون أصلاً لِرَدِّ ما خرَجَ عنه من الأقوالِ، وسبيلاً للتأليفِ والجمعِ بينها، لكنَّه يُتبِعُ ذلك بأدلَّةِ النَّقلِ والنَّظرِ؛ سواءً لإبطالِ بعضِ الأقوالِ، أو لتَرجيحِ المعنى المُختارِ، كما في تفسيرِ (الحَصيرِ) في قولِه تعالى ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، حيثُ ذكر اختلافَ أهلِ التأويلِ، ثُمَّ وجَّهَ أقوالَهُم لغةً، ثُمَّ قالَ: «وأصلُ ذلك كُلِّه واحِدٌ وإنْ اختلفَتْ ألفاظُه» (٣)، ثُمَّ اختارَ الأشهرَ منهما. (٤)

стр. 558

وإذا أعدنا ترتيبَ الأدلَّةِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بحسبِ كثرةِ استعمالِها، فسنجِدُه في معنى ترتيبِها عندَه مِنْ حيث النَّظرُ والاعتبارُ، وفي الجدولِ الآتي بيانُ ذلك: م الدَّليلُ مقدارُ الاستدلالِ به نسبةُ استعمالِه بين الأدلَّةِ ١ أقوالُ السَّلف ٥٢٣٦ ٤٨. ١% ٢ لغةُ العرب ٢١٨٣ ٢٠. ١% ٣ السُّنَّة ٥٢٧ ٤. ٨% ٤ الإجماع ٣٧٨ ٣. ٥% ٥ أحوالُ النزول ٣٦٠ ٣. ٣% ٦ الإسرائيليّات ٣٢٢ ٣% ٧ القراءات ١٦٥ ١. ٥% ٨ القرآن ١٢٤ ١. ١% ٩ الأدلَّةُ العقليَّة ١٥٨٦ ١٤. ٦% مجموعُ الأدلَّة: ١٠٨٨١ ١٠٠% وبالتَّأمُّلِ في هذا التَّرتيبِ تتبيَّنُ جُملَةٌ مِنْ القضايا: أوَّلُها: أنَّ الأدلَّةَ النَّقليَّةَ (٨٥. ٤%) أكثرُ في الاستعمالِ مِنْ مُجملِ الأدلَّةِ العقليَّةِ (١٤. ٦%). ثانيها: أنَّ أقوالَ السَّلفِ أكثرُ ما وقعَ به الاستدلالُ مِنْ أدلَّةِ النَّقلِ، ويليه دليلُ اللُّغةِ، وليس ذلك بمُخالفٍ لترتيبِها عند النَّظرِ والاستدلالِ؛

стр. 559

لأنَّ أقوالَ السَّلفِ حاكمةٌ على المُرادِ مِنْ معاني اللُّغةِ؛ فيتكرَّرُ ذِكرُها بمقدارِ ذكرِ دليلِ اللُّغةِ، ثُمَّ تزيدُ وَجهاً آخرَ، وهو أنَّها مِنْ معنى دليلِ اللُّغةِ؛ وذلك أنَّ الذين يَنقلُ عنهم ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) تأويلَ القرآنِ مِنْ السَّلفِ هُمْ مِنْ أهلِ اللُّغةِ احتجاجاً، أو مِنْ أهلِها عِلماً وإلماماً، فتقريرُ أقوالِهم في المعاني مُتضمِّنٌ تقريرَ عربيَّتِها، وما خرجَ عن ذلك مِمّا شَذَّ فيه أحدُهم عن مُقتضى اللُّغةِ بيَّنَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بدليلِ اللُّغةِ الصَّريحِ. ثالثُها: أنَّ الأدلَّةَ التي مردُّها إلى (التواريخِ والأخبارِ)؛ وهما دليلا: أحوالِ النُّزولِ، والإسرائيليّاتِ. ثالثُ أكثرِ الأدلَّةِ استعمالاً في التَّفسيرِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)؛ إذْ يبلغُ مقدارُ الاستدلالِ بهما معاً (٦٨٢) مرَّةً، ومِن ثمَّ تكونُ نسبةُ الاستدلالِ بهما معاً (٦. ٣%)، وذلك يكشِفُ وجهاً مِنْ أهميَّةِ هذا النَّوعِ مِنْ الرِّواياتِ في التَّفسيرِ، وأنَّ في الإلمامِ بها ذخيرةً وافرةً للمُفسِّرِ، وبذلك الإلمامِ والاهتمامِ أضافَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مادَّةً مؤثِّرةً في الاستدلالِ على المعاني في تفسيرِه. رابعُها: يتقرَّرُ مِمّا سبقَ: أنَّ أهمَّ ثلاثةَ علومٍ -على التَّرتيبِ- يتحلّى بها المُفسِّرُ: ١ - الإحاطةُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسيرِ. (علمُ آثارِ السَّلفِ) ٢ - العلمُ بلُغةِ العربِ. (علمُ اللغةِ) ٣ - المعرفةُ بالسِّيَرِ وتواريخِ العربِ زمنَ التَّنزيلِ وأخبارِ الأُممِ السّابقةِ. (علمُ التاريخِ)

стр. 560

الفصلُ الثّالثُ: منهجُ ابنِ جريرٍ في الجمعِ والتَّرجيحِ بين الأدلَّةِ المُتعارضةِ للمعاني التَّفسيريَّةِ. وفيه مبحثان: المبحث الأول: منهج ابن جرير في الجمع بين أدلة المعاني المتعارضة. المبحثُ الثّاني: منهجُ ابنِ جريرٍ في التَّرجيحِ بين أدلَّةِ المعاني المُتعارضةِ.

стр. 561

المبحثُ الأوَّلُ: منهجُ ابنِ جريرٍ في الجمعِ بين أدلَّةِ المعاني المُتعارضةِ. التَّعارضُ لُغةً: تفاعلٌ مِنْ (عَرَضَ)، وهو بناءٌ تكثرُ فروعُه، ومِن معانيه: العَرْضُ الذي هو ضِدُّ الطُّولِ. والمُقابلةُ بين شَيئَيْن، كما في مُعارضةِ الكتابِ بالكتابِ. وكذا الظُّهورُ؛ مِنْ قولِهم: عرضَ الشَّيءَ للبيعِ إذا أظهرَه. ومِنها أيضاً: المَنعُ، كما في قولِه تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهُ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، أي: مانعاً بالحلفِ به بينَكم وبين مرضاتِه (١). قالَ ابنُ فارسٍ (ت: ٣٩٥): «العينُ والرّاءُ والضّادُ بناءٌ تَكثُرُ فروعُه، وهي مع كَثرَتِها تَرجِعُ إلى أصلٍ واحدٍ، وهو: العَرْضُ الذي يُخالِفُ الطُّولَ، ومَن حقَّقَ النَّظرَ ودَقَّقَه عَلمَ صِحَّةَ ما قُلناه، وقد شَرَحنا ذلك شَرْحاً وافياً» (٢)، وقالَ ابنُ العربيّ (ت: ٥٤٣): «(عَرَضَ) في

стр. 562

كلامِ العربِ يتصرَّفُ على معانٍ، مَرجِعُها إلى: المَنعِ؛ لأنَّ كُلَّ شيءٍ اعترضَ فقد مَنَعَ» (١). والتَّعارضُ اصطلاحاً: تقابلُ دَليلَيْن على سبيلِ المُمانعةِ (٢). وهذا التَّعريفُ شاملٌ لما سبقَ مِنْ المعاني اللُّغويَّةِ؛ إذْ فيه دليلان ظاهران، مُتقابلان، يمنعُ أحدُهما الآخرُ في معناه؛ وهذا المَنعُ إن كانَ على سبيلِ التَّناقضِ فهو (التَّعارضُ الكُلّيُّ) الذي لا يُمكنُ الجَمعُ فيه بوَجهٍ مِنْ الوجوهِ، كالتَّعارضِ الحاصلِ في اختلافِ التَّضادِّ؛ حيثُ تتخالفُ مَعاني الأدلَّةِ مِنْ كُلِّ وَجهٍ، ويَلزمُ مِنْ القَولِ بأحدِها إبطالُ الآخرِ، كاختلافِهم في تعيين الذَّبيحِ بين إسحاقَ وإسماعيلَ ابْنَي إبراهيمَ ﵈؛ وذلك في قولِه تعالى ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وكاختلافِهم في المُرادِ بالقُرْءِ في قولِه تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ بين الطُّهرِ والحَيْضِ. (٣) وإن كانَ التَّعارضُ تمانُعاً لا تناقُضَ فيه بين المَعنيَيْن، ويُمكنُ الجَمعُ بينهما بوَجهٍ مِنْ الوجوهِ، فهو (التَّعارضُ الجُزئيِّ)، كالنّاسخِ والمَنسوخِ (٤)، والعامِّ والخاصِّ، ونحوها، كما في قولِه تعالى

стр. 563

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، مع قولِه ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فمتى أمكنَ حملُ أحدِهما على حالٍ دون حالٍ، أو زمنٍ دون زمنٍ فهو تعارضٌ جُزئيٌّ وليس تناقُضاً. (١) وقد أطبقَ العلماءُ على أنَّ الأدلَّةَ الشَّرعيَّةَ لا تتعارضُ على الحقيقةِ، وإنَّما يقعُ التَّعارضُ في نظرِ المُجتهدِ؛ بحسبِ مَبلَغِ عِلمِه، وقوَّةِ فَهمِه (٢)، قالَ الشّافعي (ت: ٢٠٤): «لم نجِدْ عنه ﷺ حديثَيْن مُختلفَيْن إلا ولهما مَخرجٌ، أو على أحدِهما دلالَةٌ بأحدِ ما وصَفتُ؛ إمّا بموافقةِ كتابٍ، أو غيرِه مِنْ سُنَّتِه، أو بعضِ الدَّلايلِ» (٣)، وقالَ ابنُ خُزيمةَ (ت: ٣١١): «لا أعرفُ أنَّه رُويَ عن رسولِ الله ﷺ حديثان بإسنادَيْن صَحيحَيْن مُتضادّان، فمَن كانَ عنده فليَأتِ به حتى أُؤَلِّفَ بينهما» (٤)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «لا يجوزُ أن يوجدَ في الشَّرعِ خبران مُتعارضان مِنْ جميعِ الوُجوهِ، وليس مع أحدِهما ترجيحٌ يُقَدَّمُ به» (٥)، وقالَ الشّاطبي (ت: ٧٩٠): «كلُّ مَنْ تحقَّقَ بأصولِ الشَّريعةِ فأدلَّتُها عنده لا تكادُ تتعارضُ، كما أنَّ كلَّ مَنْ حقَّقَ مناطَ المسائلِ فلا يكادُ يقِفُ في مُتشابِهٍ؛ لأنَّ الشَّريعةَ لا تعارضَ فيها ألبتَّةَ، فالمُتحقِّقُ بها مُتحقِّقٌ بما في نَفسِ الأمرِ، فيَلزمُ أن لا يكونَ عنده تعارضٌ، ولذلك لا

стр. 564

تجدُ ألبتَّةَ دليلَيْن أجمعَ المسلمون على تعارضِهما بحيث وجبَ عليهم الوقوفُ، لكن لمّا كانَ أفرادُ المُجتهدين غيرَ معصومين مِنْ الخطَأِ أمكنَ التَّعارضُ بين الأدلَّةِ عندهم» (١). وبحسبِ ما سبقَ مِنْ تقسيمِ الأدلَّةِ إلى قطعيَّةٍ وظنّيَّةٍ، فإنَّ أنواعَ التَّعارضِ بهذا الاعتبارِ تنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: الأوَّلُ: تعارضُ القَطعيِّ مع القَطعيِّ، وهذا مُمتنعٌ عند عامَّةِ العلماءِ، سواءٌ كانا نقليَّيْن أو عقليَّيْن، ونقلَ بعضُهم الاتِّفاقَ عليه؛ لأنَّه لا يُتصوَّرُ وجودُ مَدلولاتِهما عند التَّعارضِ، قالَ ابنُ قدامة (ت: ٦٢٠): «لا يُتصوَّرُ التَّعارضُ في القواطعِ إلا أن يكونَ أحدُهما منسوخاً» (٢)، وقالَ القَرافي (ت: ٦٨٤): «يَمتنعُ التَّرجيحُ في العَقليّاتِ؛ لتعذُّرِ التَّفاوتِ بين القَطعيَّيْن» (٣)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «اتَّفقوا على أنَّه لا يجوزُ تعادلُ الأدلَّةِ القَطعيَّةِ؛ لوجوبِ وجودِ مَدلولاتِها، وهو مُحالٌ» (٤)، ومِن ثَمَّ «فلا مدخلَ للتَّرجيحِ في الأدلَّةِ القَطعيَّةِ؛ لأنَّ التَّرجيحَ فَرعُ التَّعارضِ، ولا تعارضَ فيها فلا ترجيحَ» (٥)، فإذا ظهرَ للنّاظرِ تعارضُ دليلَيْن قَطعيَّيْن فالخطأُ مِنْ جِهتِه مِنْ أحدِ وَجهَيْن:

стр. 565

١ - إمّا في حُكمِه بقَطعيَّةِ كلا الدَّليلَيْن. ٢ - أو في حُكمِه بوجودِ التَّعارضِ بينهما. الثّاني: تعارضُ القَطعيِّ مع الظَّنّيِّ، ولا يُتصوَّرُ ذلك أيضاً عند عامَّةِ العلماءِ والعُقلاءِ؛ لأنَّ الظَّنَّ لا يبقى ظَنّاً إذا عارضَه القَطعيُّ، قالَ ابنُ قدامة (ت: ٦٢٠): «ولا يُتصوَّرُ أن يتعارضَ علمٌ وظَنٌّ؛ لأنَّ ما عُلمَ كيفَ يُظَنُّ خِلافُه! وظَنُّ خِلافِه شَكٌّ، فكيف يشُكُّ فيما يعلمُ!» (١)، وقالَ أبو الثَّناءِ الأصفهاني (ت: ٧٤٩): «ولا تعارضَ أيضاً بين قَطعيٍّ وظَنّيٍّ؛ لانتفاءِ الظَّنِّ بأحدِ الطَّرفَيْن عند القَطعِ بالطَّرفِ الآخرِ» (٢)، وقالَ ابنُ النَّجّارِ (٣) (ت: ٩٧٢): «ومثلُ القَطعيَّيْن في عدمِ التَّعارضِ: قَطعيٌّ وظَنّيٌّ؛ لأنَّه لا تعادلَ بينهما ولا تعارضَ؛ لانتفاءِ الظَّنِّ، لأنَّه يستحيلُ وجودُ ظَنٍّ في مُقابلةِ يَقينٍ، فالقَطعيُّ هو المَعمولُ به، والظَّنُّ لَغوٌ، ولذلك لا يتعارضُ حُكمٌ مُجمعٌ عليه مع حُكمِ آخرَ ليس مُجمعاً عليه، ويُعملُ بالقَطعيِّ دون الظَّنّيِّ» (٤)، وهذا هو حُكمُ هذا البابِ بلا خِلافٍ، قالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «مُخالفةُ الظَّنّيِّ لأصلٍ قَطعيٍّ يُسقِطُ اعتبارَ الظَّنّيِّ على الإطلاقِ، وهو مِمّا لا يُختلفُ فيه» (٥). الثّالثُ: تعارضُ الظَّنّيِّ مع الظَّنّيِّ، وقد اتَّفقوا في هذا النَّوعِ على
следующие страницы →